التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
ثم ساق-سبحانه-المثل الثاني فقال :﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾.
" أو " للتسوية بين الشيئين وهي مفيدة أن التمثيل بأيهما أو بمجموعهما يؤدى إلى المقصود، فهي مانعة خلو مجوزة للجمع بينهما.
و ( الصيب ) - كسيد - المطر، من الصوب وهو النزول. يقال : صاب صوباً، إذا نزل أو انحدر، سمى به المطر لنزوله، وفي الجملة الكريمة إيجاز بحذف ما دل عليه المقام دلالة واضحة.
والتقدير : أو كمثل ذوي صيب. والمعنى أن قصة هؤلاء المنافقين مشبهة بقصة الذي استوقد ناراً، أو بقصة ذوي صيب.
والسماء : كل ما علاك من سقف ونحوه، والمراد بها السحاب.
والرعد : الصوت الذي يسمع بسبب اصطدام سحابتين محملتين بشحنتين كهربيتين أحداهما موجبة والأخرى سالبة.
والبرق : هو الضوء الذي يحدث بسبب الاصطدام ذاته.
وإيراد هذه الألفاز بصفة التنكير للتهويل، ويكون المعنى : أو أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل قوم نزل بهم المطر من السماء تصحبه ظلمات كأنها سواد الليل، ورعد بصم الآذان، وبرق يخطف الأبصار ؛ وصواعق تحرق ما تصيبه.
ثم قال - تعالى - :﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت﴾.
ِالصواعق : جمع صاعقة من الصعق وهو شدة الصوت الذي يصحبه - غالباً - قطعة من نار لا تأتي على شيء إلا أهلكته.
( ومن ) في قوله - تعالى - :﴿مِّنَ الصواعق﴾ للعليل. وإنما كانت الصواعق داعية إلى سدهم آذانهم بأصابعهم، من جهة أنها قد تفضى بصوتها لهائل إلى الموت، وجاء هذا مصرحا به في قوله - تعالى - ﴿حَذَرَ الموت﴾ يدل على أنهم لم يموتوا من تلك المفزعات وهذه المروعات. إمدادا في عذابهم. ومطاولة في نكالهم.
وقوله - تعالى - :﴿والله مُحِيطٌ بالكافرين﴾ جملة معترضة في أثناء ضرب المثل بذوي الصيب. وإحاطته - سبحانه - بالكافرين على معنى أنهم لا مهرب لهم منه، فهو محيط بهم إحاطة تامة وهو قادر على النكال بهم متى شاء وكيف شاء. ولم يقل محيط بهم مع تقدم مرجع الضمير وهو أصحاب الصيب، إيذاناً بأنهم إنما استحقوا ذلك العذاب بكفرهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
هذا، ويرى فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز أن المثلين لطائفتي الكافرين والمنافقين، فالمثل الأول وهو قوله تعالى ﴿مثلهم كمثل الذين استوقد ناراً﴾ ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التي ذكرها الله للكافرين وأن الذي ينطبق على صفات المنافقين إنما هو المثل الثاني وحده وهو قوله تعالى ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ...﴾ فقد ضرب الله لكلتا الطائفتين مثلا يناسبها. قال فضيلته : فضرب مثلا للمصرّين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل فيهم رجل استوقد لهم ناراً يهتدون بضوئها، فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر، بل لأمر ما سلبوا نور أبصارهم، وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة، فذلك مثل النور الذي طلع به محمد ﷺ في تلك الأمة على فترة من الرسل، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين الذين ألفوا العيش في ظلام الجاهلية، فلم يرفعوا له رأسا بل نكسوا على رؤسهم، ولم يفتحو له عيناً بل خروا عليه صما وعمياناً.
وضرب مثلا للمترددين المخادعين بقوم جامتهم السماء بغيث منهمر في ليلة ذات رعد وبرق، فأما الغيث فلم يلقوا له بالا ولم ينالوا منه نيلا، فلا شربوا منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة.. وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هي مثار اهتمامهم، ومناط تفكيرهم، ولذلك جعلوا يترصدونها، ويدبرون أمورهم على وفقها، لابسين لكل حال لبوسهها : سيراً تارة، ووقوفاً تارة، واختفاء تارة أخرى.
فكانوا إذا رأوا عرضاً قريباً وسفراً قاصداً وبرقت لهم ( بروق ) الأمل في الغنيمة ساروا مع المؤمنين جنباً إلى جنب، وإذا دارت رحا الحرب وانقضت صواعقها منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو قائلين " إن بيوتنا عورة " حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة، بل اشتبهت عليهم الأمور فهناك يقفون متربصين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولكن يلزمون شقة الحياد ريثما تنقشع سحابة الشك ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله قالوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قالوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ المؤمنين فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين﴾ ذلك دأب المنافقين في كل أمرهم، إن توقعوا ربحاً عاجلاً التمسوه في أي صف وجدوه، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التي ينالهم في سبيلها شيء مكروه ؛ وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيداً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ؛ أما الذي يؤمن بالله واليوم الآخر فإن له قبله واحدة يولى وجهه شطرها، هي قبلة الحق لا يخشى فيها لومة لائم : وليس يبالي حين يقتل مسلما... على أي جنب كان في الله مصرعه
هذا هو رأي فضيلة الدكتور دراز، وهو رأي مستساغ يتمشى مع روح الآيات وأهداف السورة، وأياما كان فالمثلان يصوران أحوال المبطلين بصورة حسية واضحة تتجلى فيها بلاغة القرآن الكريم في إبراز المعاني المعقولة في صورة محسة واضحة من شأنها أن تهدي الناس إلى طريق الحق والرشاد.
" أو " للتسوية بين الشيئين وهي مفيدة أن التمثيل بأيهما أو بمجموعهما يؤدى إلى المقصود، فهي مانعة خلو مجوزة للجمع بينهما.
و ( الصيب ) - كسيد - المطر، من الصوب وهو النزول. يقال : صاب صوباً، إذا نزل أو انحدر، سمى به المطر لنزوله، وفي الجملة الكريمة إيجاز بحذف ما دل عليه المقام دلالة واضحة.
والتقدير : أو كمثل ذوي صيب. والمعنى أن قصة هؤلاء المنافقين مشبهة بقصة الذي استوقد ناراً، أو بقصة ذوي صيب.
والسماء : كل ما علاك من سقف ونحوه، والمراد بها السحاب.
والرعد : الصوت الذي يسمع بسبب اصطدام سحابتين محملتين بشحنتين كهربيتين أحداهما موجبة والأخرى سالبة.
والبرق : هو الضوء الذي يحدث بسبب الاصطدام ذاته.
وإيراد هذه الألفاز بصفة التنكير للتهويل، ويكون المعنى : أو أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل قوم نزل بهم المطر من السماء تصحبه ظلمات كأنها سواد الليل، ورعد بصم الآذان، وبرق يخطف الأبصار ؛ وصواعق تحرق ما تصيبه.
ثم قال - تعالى - :﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت﴾.
ِالصواعق : جمع صاعقة من الصعق وهو شدة الصوت الذي يصحبه - غالباً - قطعة من نار لا تأتي على شيء إلا أهلكته.
( ومن ) في قوله - تعالى - :﴿مِّنَ الصواعق﴾ للعليل. وإنما كانت الصواعق داعية إلى سدهم آذانهم بأصابعهم، من جهة أنها قد تفضى بصوتها لهائل إلى الموت، وجاء هذا مصرحا به في قوله - تعالى - ﴿حَذَرَ الموت﴾ يدل على أنهم لم يموتوا من تلك المفزعات وهذه المروعات. إمدادا في عذابهم. ومطاولة في نكالهم.
وقوله - تعالى - :﴿والله مُحِيطٌ بالكافرين﴾ جملة معترضة في أثناء ضرب المثل بذوي الصيب. وإحاطته - سبحانه - بالكافرين على معنى أنهم لا مهرب لهم منه، فهو محيط بهم إحاطة تامة وهو قادر على النكال بهم متى شاء وكيف شاء. ولم يقل محيط بهم مع تقدم مرجع الضمير وهو أصحاب الصيب، إيذاناً بأنهم إنما استحقوا ذلك العذاب بكفرهم.
هذا، ويرى فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز أن المثلين لطائفتي الكافرين والمنافقين، فالمثل الأول وهو قوله تعالى ﴿مثلهم كمثل الذين استوقد ناراً﴾ ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التي ذكرها الله للكافرين وأن الذي ينطبق على صفات المنافقين إنما هو المثل الثاني وحده وهو قوله تعالى ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ...﴾ فقد ضرب الله لكلتا الطائفتين مثلا يناسبها. قال فضيلته : فضرب مثلا للمصرّين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل فيهم رجل استوقد لهم ناراً يهتدون بضوئها، فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر، بل لأمر ما سلبوا نور أبصارهم، وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة، فذلك مثل النور الذي طلع به محمد ﷺ في تلك الأمة على فترة من الرسل، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين الذين ألفوا العيش في ظلام الجاهلية، فلم يرفعوا له رأسا بل نكسوا على رؤسهم، ولم يفتحو له عيناً بل خروا عليه صما وعمياناً.
وضرب مثلا للمترددين المخادعين بقوم جامتهم السماء بغيث منهمر في ليلة ذات رعد وبرق، فأما الغيث فلم يلقوا له بالا ولم ينالوا منه نيلا، فلا شربوا منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة.. وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هي مثار اهتمامهم، ومناط تفكيرهم، ولذلك جعلوا يترصدونها، ويدبرون أمورهم على وفقها، لابسين لكل حال لبوسهها : سيراً تارة، ووقوفاً تارة، واختفاء تارة أخرى.
فكانوا إذا رأوا عرضاً قريباً وسفراً قاصداً وبرقت لهم ( بروق ) الأمل في الغنيمة ساروا مع المؤمنين جنباً إلى جنب، وإذا دارت رحا الحرب وانقضت صواعقها منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو قائلين " إن بيوتنا عورة " حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة، بل اشتبهت عليهم الأمور فهناك يقفون متربصين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولكن يلزمون شقة الحياد ريثما تنقشع سحابة الشك ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله قالوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قالوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ المؤمنين فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين﴾ ذلك دأب المنافقين في كل أمرهم، إن توقعوا ربحاً عاجلاً التمسوه في أي صف وجدوه، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التي ينالهم في سبيلها شيء مكروه ؛ وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيداً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ؛ أما الذي يؤمن بالله واليوم الآخر فإن له قبله واحدة يولى وجهه شطرها، هي قبلة الحق لا يخشى فيها لومة لائم : وليس يبالي حين يقتل مسلما... على أي جنب كان في الله مصرعه
هذا هو رأي فضيلة الدكتور دراز، وهو رأي مستساغ يتمشى مع روح الآيات وأهداف السورة، وأياما كان فالمثلان يصوران أحوال المبطلين بصورة حسية واضحة تتجلى فيها بلاغة القرآن الكريم في إبراز المعاني المعقولة في صورة محسة واضحة من شأنها أن تهدي الناس إلى طريق الحق والرشاد.