تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
تحير المفسرون في محل هاته الحروف الواقعة في أول هاته السور، وفي فواتح سور أخرى عدة جميعها تسع وعشرون سورة ومعظمها في السور المكية، وكان بعضها في ثاني سورة نزلت وهي ﴿ن والقلم﴾ [القلم: ١]، وأَخْلِقْ بها أن تكون مثار حيرة ومصدر، أقوال متعددة وأبحاث كثيرة، ومجموع ما وقع من حروف الهجاء أوائل السور أربعة عشر حرفاً وهي نصف حروف الهجاء وأكثر السور التي وقعت فيها هذه الحروف : السورُ المكية عدا البقرة وآل عمران، والحروف الواقعة في السور هي : أ، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، ه، ي، بعضها تكرر في سور وبعضها لم يتكرر وهي من القرآن لا محالة ومن المتشابه في تأويلها.
ولا خلاف أن هاته الفواتح حين ينطق بها القارىء أسماء الحروف التهجي التي يُنطق في الكلام بمسمياتها وأن مسمياتها الأصوات المكيفة بكيفيات خاصة تحصل في مخارج الحروف ولذلك إنما يقول القارىء :( أَلِفْ لاَمْ ميمْ ) مثلاً ولا يقول ( أَلَمَ ). وإنما كتبوها في المصاحف بصور الحروف التي يتهجى بها في الكلام التي يَقُوم رسمُ شكلها مقام المنطوق به في الكلام ولم يكتبوها بدَوَالِّ ما يقرأُونَها به في القرآن لأن المقصود التهجي بها وحروف التهجي تكتب بصورها لا بأسمائها. وقيل لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليه وهذا أولى لأنه أشمل للأقوال المندرجة تحتها، وإلى هنا خلص أن الأرجح من تلك الأقوال ثلاثة وهي كونها تلك الحروف لتبكت المعاندين وتسجيلاً لعجزهم عن المعارضة، أو كونها أسماء للسور الواقعة هي فيها، أو كونها أقساماً أقسم بها لتشريف قدر الكتابة، وتنبيه العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأمية، وأرجح هذه الأقوال الثلاثة هو أولها، فإن الأقوال الثاني والسابع والثامن والثاني عشر والخامس عشر والسادس عشر يبطلها أن هذه الحروف لو كانت مقتضبة من أسماء أو كلمات لكان حق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها ؛ لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليها، وهذا أولى لأنه أشمل للأقوال.
وعرفت اسميتها من دليلين : أحدهما اعتوار أحوال الأسماء عليها مثل التعريف حين تقول : الألف، والباء، ومثل الجمع حين تقول الجيمات، وحين الوصف حين تقول ألف ممدودة والثاني ما حكاه سيبويه في « كتابه » : قال الخليل يوماً وسأل أصحابه كيف تلفظون بالكاف التي في لك والباء التي في ضرب فقيل نقول كافْ، باء، فقال إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف وقال أقول كه، وبه ( يعني بهاء وقعت في آخر النطق به ليعتمد عليها اللسان عند النطق إذْ أبقيت على حرف واحد لا يظهر في النطق به مفرداً ).
والذي يستخلص من أقوال العلماء بعد حذف متداخِلِه وتوحيد متشاكله يؤول إلى واحد وعشرين قولاً ولشدة خفاء المراد من هذه الحروف لم أر بداً من استقصاء الأقوال على أننا نضبط انتشارها بتنويعها إلى ثلاثة أنواع :
النوع الأول يرجع إلى أنها رموز اقتضبت من كَلم أو جمل، فكانت أسراراً يفتح غلقها مفاتيح أهل المعرفة ويندرج تحت هذا النوع ثمانية أقوال : الأول أنها علم استأثر الله تعالى به ونسب هذا إلى الخلفاء الأربعة في روايات ضعيفة ولعلهم يثبتون إطلاع الله على المقصود منها رسوله ﷺ وقاله الشعبي وسفيان.
والثاني أنها حروف مقتضبة من أسماء وصفات لله تعالى المفتتحة بحروف مماثلة لهذه الحروف المقطعة رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقاله محمد بن القرظي أو الربيع بن أنس فألم مثلاً الألف إشارة إلى أحد أو أول أو أزلي، واللام إلى لطيف، والميم إلى ملك أو مجيد، ونحو ذلك، وعلى هذا يحتاج في بيانها إلى توقيف وأنى لهم به.
الثالث أنها رموز لأسماء الله تعالى وأسماء الرسول ﷺ والملائكة فألم مثلاً، الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، قاله الضحاك، ولا بد من توقيف في كل فاتحة منها، ولعلنا سننبه على ذلك في مواضعه.
الرابع جزم الشيخ محي الدين في الباب الثامن والتسعين والمائة في الفصل ٢٧ منه من كتابه « الفتوحات » أن هاته الحروف المقطعة في أوائل السور أسماء للملائكة وأنها إذا تليت كانت كالنداء لملائكتها فتصغي أصحاب تلك الأسماء إلى ما يقوله التالي بعد النطق بها، فيقولون صدقت إن كان ما بعدها خبر، ويقولون هذا مؤمن حقاً نطق حقاً وأخبر بحق فيستغفرون له، وهذا لم يقله غيره وهو دعوى.
الخامس أنها رموز كلها لأسماء النبيء ﷺ وأوصافه خاصة قاله الشيخ محمد بن صالح المعروف بابن مُلوكة التونسي(١) في « رسالة » له قال إن كل حرف من حروف الهجاء في فواتح السور مكنى به عن طائفة من أسمائه الكريمة وأوصافه الخاصة، فالألف مكنى به عن جملة أسمائه المفتتحة بالألف كأحمد وأبي القاسم، واللام مكنيّ به عن صفاته مثل لب الوجود، والميم مكني به عن محمد ونحوه مثل مبشر ومنذر، فكلها منادًى بحرف نداء مقدر بدليل ظهور ذلك الحرف في يس. ولم يَعْزُ هذا القول إلى أحد، وعلق على هذه « الرسالة » تلميذه شيخ الإسلام محمد معاوية « تعليقة » أكثر فيها من التعداد، وليست مما ينثلج لمباحثه الفؤاد ( وهي وأصلها موجودة بخزنة جامع الزيتونة بتونس عدد ٥١٤ ) ويرُدُّ هذا القولَ التزام حذف حرف النداء وما قاله من ظهروه في يس مبني على قول من قال : إن يس بمعنى يا سيد وهو ضعيف ؛ لأن الياء فيه حرف من حروف الهجاء لأن الشيخ نفسه عد يس بعد ذلك من الحروف الدالة على الأسماء مدلولاً لنحو الياء من﴿كهيعص﴾ [مريم: ١].
القول السادس أنها رموز لمدة دوام هذه الأمة بحساب الجُمَّل(٢) قاله أبو العالية أخذاً بقصة رواها ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله بن وثاب قال :« جاء أبو ياسر بن أخطب وحُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوا رسول الله عن ألم وقالوا هذا أجل هذه الأمة من السنين إحدى وسبعون سنة فضحك رسول الله ﷺ وقال لهم ص والمر فقالوا اشتبه علينا الأمر فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير ؟ » ا هـ. وليس في جواب رسول الله إياهم بعدة حروف أخرى من هذه الحروف المتقطعة في أوائل السور تقريرٌ لاعتبارها رموزاً لأعداد مدة هذه الأمة، وإنما أراد إبطال ما فهموه بإبطال أن يكون مفيداً لزعمهم على نحو الطريقة المسماة بالنقض في الجدل ومرجعُها إلى المَنع والمانع لا مذهب له. وأما ضحكه ﷺ فهو تعجب من جهلهم.
القول السابع أنها رموز كل حرف رمز إلى كلمة فنحو :( ألم ) أنا الله أعلم، و ( ألمر ) أنا الله أرى، و ( ألمص ) أنا الله أعلم وأفصل. رواه أبو الضحى عن ابن عباس، ويوهنه أنه لا ضابط له لأنه أخذ مرة بمقابلة الحرف بحرفِ أول الكلمة، ومرة بمقابلته بحرف وسط الكلمة أو آخرها. ونظروه بأن العرب قد تتكلم بالحروف المقطعة بدلاً من كلمات تتألف من تلك الحروف نظماً ونثراً، من ذلك قول زهير :
أراد وإن شر فشر وأراد إلا أن تَشا، فأتى بحرف من كل جملة. وقال الآخر ( قرطبي ) :
أراد بالحرف الأول ألا تركبون، وبالثاني ألا فاركبوا. وقال الوليد بن المغيرة عامل عثمان يخاطب عدي بن حاتم :
أراد قالت وقفت. وفي الحديث : " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة " قال شقيق : هو أن يقول أُقْ مكان اقتل. وفي الحديث أيضاً :« كفى بالسيف شَا »، أي شاهداً(٤). وفي « كامل المبرد » من قصيدة لعلي بن عيسى القمي وهو مولد :
أي تريك المنايا. وفي « تلع » من « صحاح الجوهري » قال لبيد :
أراد درس المنازل. وقال علقمة الفحل ( « خصائص » ص ٨٢ ) :
أراد بسبائب الكتان. وقال الراجز :
أي عبد الأشهل. وقول أبي فؤاد :
أراد الحباحب. وقال الأخطل :
أراد منازلها. ووقع ( « طراز المجالس » المجلس ) (٥) للمتأخرين من هذا كثير مع التورية كقول ابن مكانس :
أراد بعض كلمة مرحباً وقد أكثرت من شواهده توسعة في مواقع هذا الاستعمال الغريب ولست أريد بذلك تصحيح حمل حروف فواتح السور على ذلك لأنه لا يحسن تخريج القرآن عليه وليس معها ما يشير إليه مع التورية بجعل مَرَّ من المرور.
القول الثامن أنها إشارات إلى أحوال من تزكية القلب، وجعَلها في « الفتوحات » في الباب الثاني إيماء إلى شعب الإيمان، وحاصله أن جملة الحروف الواقعة في أوائل سور القرآن على تكرار الحروف ثمانية وسبعون حرفاً والثمانية هنا هي حقيقة البضع حصل له ذلك بالكشف فيكون عدد الحروف ثمانية وسبعين وقد قال النبيء ﷺ " الإيمان بضع وسبعون شعبة " فهذه الحروف هي شعب الإيمان، ولا يكمل لأحد أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها. وكيف يزعم زاعم أنها واردة في معان غير معروفة مع ثبوت تلقي السامعين لها بالتسليم من مؤمن ومعاند، ولولا أنهم فهموا منها معنى معروفاً دلت عليه القرائن لسأل السائلون وتورك المعاندون.
قال القاضي أبو بكر بن العربي : لولا أن العرب كانوا يعرفون لها مدلولاً متداولاً بينهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبيء ﷺ بل تلا عليهم حم فصلت وص وغيرهما فلم ينكروا ذلك مع تشوفهم إلى عثرة وحرصهم على زلة قلت وقد سألوا عن أوضح من هذا فقالوا ﴿وما الرحمن﴾ [الفرقان: ٦٠]، وأما ما استشهدوا به من بيت زهير وغيره فهو من نوادر كلام العرب، ومما أخرج مخرج الألغاز والتمليح وذلك لا يناسب مقام الكتاب المجيد.
النوع الثاني يجمع الأقوال الراجعة إلى أن هاته الحروف وضعت بتلك الهيئات أسماء أو أفعالاً وفيه من الأقوال أربعة.
التاسع في عداد الأقوال في أولها لجماعة من العلماء والمتكلمين واختاره الفخر أنها أسماء للسور التي وقعت فيها، قاله زيد بن أسلم ونسب لسيبويه في « كتابه » باب أسماء السور من أبواب ما لا ينصرف أو للخليل ونسبه صاحب « الكشاف » للأكثر ويعضده وقوع هاته الحروف في أوائل السور فتكون هاته الحروف قد جعلت أسماء بالعلامة على تلك السور، وسميت بها كما نقول الكراسة ب والرزمة ج ونظره القفال بما سمت العرب بأسماء الحروف كما سموا لاَمَ الطائي والد حارثة، وسموا الذهب عَيْن، والسحاب غَيْن، والحوتَ نونْ، والجبل قاف، وأقوال، وحاء قبيلة من مَذحج، وقال شريح بن أوفى العنسي أو العبسي :
يريد ﴿حم عسق﴾ [الشورى: ١، ٢] التي فيها :﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣]. ويبعد هذا القول بعداً مَّا إن الشأن أن يكون الاسم غير داخل في المسمى وقد وجدنا هذه الحروف
ولا خلاف أن هاته الفواتح حين ينطق بها القارىء أسماء الحروف التهجي التي يُنطق في الكلام بمسمياتها وأن مسمياتها الأصوات المكيفة بكيفيات خاصة تحصل في مخارج الحروف ولذلك إنما يقول القارىء :( أَلِفْ لاَمْ ميمْ ) مثلاً ولا يقول ( أَلَمَ ). وإنما كتبوها في المصاحف بصور الحروف التي يتهجى بها في الكلام التي يَقُوم رسمُ شكلها مقام المنطوق به في الكلام ولم يكتبوها بدَوَالِّ ما يقرأُونَها به في القرآن لأن المقصود التهجي بها وحروف التهجي تكتب بصورها لا بأسمائها. وقيل لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليه وهذا أولى لأنه أشمل للأقوال المندرجة تحتها، وإلى هنا خلص أن الأرجح من تلك الأقوال ثلاثة وهي كونها تلك الحروف لتبكت المعاندين وتسجيلاً لعجزهم عن المعارضة، أو كونها أسماء للسور الواقعة هي فيها، أو كونها أقساماً أقسم بها لتشريف قدر الكتابة، وتنبيه العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأمية، وأرجح هذه الأقوال الثلاثة هو أولها، فإن الأقوال الثاني والسابع والثامن والثاني عشر والخامس عشر والسادس عشر يبطلها أن هذه الحروف لو كانت مقتضبة من أسماء أو كلمات لكان حق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها ؛ لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليها، وهذا أولى لأنه أشمل للأقوال.
وعرفت اسميتها من دليلين : أحدهما اعتوار أحوال الأسماء عليها مثل التعريف حين تقول : الألف، والباء، ومثل الجمع حين تقول الجيمات، وحين الوصف حين تقول ألف ممدودة والثاني ما حكاه سيبويه في « كتابه » : قال الخليل يوماً وسأل أصحابه كيف تلفظون بالكاف التي في لك والباء التي في ضرب فقيل نقول كافْ، باء، فقال إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف وقال أقول كه، وبه ( يعني بهاء وقعت في آخر النطق به ليعتمد عليها اللسان عند النطق إذْ أبقيت على حرف واحد لا يظهر في النطق به مفرداً ).
والذي يستخلص من أقوال العلماء بعد حذف متداخِلِه وتوحيد متشاكله يؤول إلى واحد وعشرين قولاً ولشدة خفاء المراد من هذه الحروف لم أر بداً من استقصاء الأقوال على أننا نضبط انتشارها بتنويعها إلى ثلاثة أنواع :
النوع الأول يرجع إلى أنها رموز اقتضبت من كَلم أو جمل، فكانت أسراراً يفتح غلقها مفاتيح أهل المعرفة ويندرج تحت هذا النوع ثمانية أقوال : الأول أنها علم استأثر الله تعالى به ونسب هذا إلى الخلفاء الأربعة في روايات ضعيفة ولعلهم يثبتون إطلاع الله على المقصود منها رسوله ﷺ وقاله الشعبي وسفيان.
والثاني أنها حروف مقتضبة من أسماء وصفات لله تعالى المفتتحة بحروف مماثلة لهذه الحروف المقطعة رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقاله محمد بن القرظي أو الربيع بن أنس فألم مثلاً الألف إشارة إلى أحد أو أول أو أزلي، واللام إلى لطيف، والميم إلى ملك أو مجيد، ونحو ذلك، وعلى هذا يحتاج في بيانها إلى توقيف وأنى لهم به.
الثالث أنها رموز لأسماء الله تعالى وأسماء الرسول ﷺ والملائكة فألم مثلاً، الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، قاله الضحاك، ولا بد من توقيف في كل فاتحة منها، ولعلنا سننبه على ذلك في مواضعه.
الرابع جزم الشيخ محي الدين في الباب الثامن والتسعين والمائة في الفصل ٢٧ منه من كتابه « الفتوحات » أن هاته الحروف المقطعة في أوائل السور أسماء للملائكة وأنها إذا تليت كانت كالنداء لملائكتها فتصغي أصحاب تلك الأسماء إلى ما يقوله التالي بعد النطق بها، فيقولون صدقت إن كان ما بعدها خبر، ويقولون هذا مؤمن حقاً نطق حقاً وأخبر بحق فيستغفرون له، وهذا لم يقله غيره وهو دعوى.
الخامس أنها رموز كلها لأسماء النبيء ﷺ وأوصافه خاصة قاله الشيخ محمد بن صالح المعروف بابن مُلوكة التونسي(١) في « رسالة » له قال إن كل حرف من حروف الهجاء في فواتح السور مكنى به عن طائفة من أسمائه الكريمة وأوصافه الخاصة، فالألف مكنى به عن جملة أسمائه المفتتحة بالألف كأحمد وأبي القاسم، واللام مكنيّ به عن صفاته مثل لب الوجود، والميم مكني به عن محمد ونحوه مثل مبشر ومنذر، فكلها منادًى بحرف نداء مقدر بدليل ظهور ذلك الحرف في يس. ولم يَعْزُ هذا القول إلى أحد، وعلق على هذه « الرسالة » تلميذه شيخ الإسلام محمد معاوية « تعليقة » أكثر فيها من التعداد، وليست مما ينثلج لمباحثه الفؤاد ( وهي وأصلها موجودة بخزنة جامع الزيتونة بتونس عدد ٥١٤ ) ويرُدُّ هذا القولَ التزام حذف حرف النداء وما قاله من ظهروه في يس مبني على قول من قال : إن يس بمعنى يا سيد وهو ضعيف ؛ لأن الياء فيه حرف من حروف الهجاء لأن الشيخ نفسه عد يس بعد ذلك من الحروف الدالة على الأسماء مدلولاً لنحو الياء من﴿كهيعص﴾ [مريم: ١].
القول السادس أنها رموز لمدة دوام هذه الأمة بحساب الجُمَّل(٢) قاله أبو العالية أخذاً بقصة رواها ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله بن وثاب قال :« جاء أبو ياسر بن أخطب وحُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوا رسول الله عن ألم وقالوا هذا أجل هذه الأمة من السنين إحدى وسبعون سنة فضحك رسول الله ﷺ وقال لهم ص والمر فقالوا اشتبه علينا الأمر فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير ؟ » ا هـ. وليس في جواب رسول الله إياهم بعدة حروف أخرى من هذه الحروف المتقطعة في أوائل السور تقريرٌ لاعتبارها رموزاً لأعداد مدة هذه الأمة، وإنما أراد إبطال ما فهموه بإبطال أن يكون مفيداً لزعمهم على نحو الطريقة المسماة بالنقض في الجدل ومرجعُها إلى المَنع والمانع لا مذهب له. وأما ضحكه ﷺ فهو تعجب من جهلهم.
القول السابع أنها رموز كل حرف رمز إلى كلمة فنحو :( ألم ) أنا الله أعلم، و ( ألمر ) أنا الله أرى، و ( ألمص ) أنا الله أعلم وأفصل. رواه أبو الضحى عن ابن عباس، ويوهنه أنه لا ضابط له لأنه أخذ مرة بمقابلة الحرف بحرفِ أول الكلمة، ومرة بمقابلته بحرف وسط الكلمة أو آخرها. ونظروه بأن العرب قد تتكلم بالحروف المقطعة بدلاً من كلمات تتألف من تلك الحروف نظماً ونثراً، من ذلك قول زهير :
| بالخير خيرات وإن شرٌّ فَا | ولا أُريد الشر إلا أنْ تَا |
| ناداهم ألا الجموا ألا تا | قالوا جميعاً كلهم ألا فا |
| قلت لها قفي لنا قالتْ قافْ | لا تَحْسِبَنِّي قد نسيت الإيجاف(٣) |
| وليس العجاجة والخافقا | تِ تريك المَنَا برؤوس الأسل |
| دَرَسَ المَنَا بمتالعٍ فأبَانِ | فتقادمت بالحبس فالسوبان |
| كأن إبريقهم ظبي على شرف | مفدم بِسَبَا الكَتــان ملثوم |
| حين ألقت بقُباء بَرْكها | واستمر القتلُ في عبد الأشَل |
| يدرين حَندل حائر لجنوبها | فكأنما تُذْكى سنابكها الحُبَا |
| أمست مَنَاهَا بأرض ما يبلغها | بصاحب الهم إلا الجَسْرَة الأُجُد |
| لم أنس بدراً زارني ليلة | مستوفزاً مطلعاً للخطـر |
| فلم يقم إلا بمقدار مــا | قلت له أهلاً وسهلاً ومَرْ |
القول الثامن أنها إشارات إلى أحوال من تزكية القلب، وجعَلها في « الفتوحات » في الباب الثاني إيماء إلى شعب الإيمان، وحاصله أن جملة الحروف الواقعة في أوائل سور القرآن على تكرار الحروف ثمانية وسبعون حرفاً والثمانية هنا هي حقيقة البضع حصل له ذلك بالكشف فيكون عدد الحروف ثمانية وسبعين وقد قال النبيء ﷺ " الإيمان بضع وسبعون شعبة " فهذه الحروف هي شعب الإيمان، ولا يكمل لأحد أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها. وكيف يزعم زاعم أنها واردة في معان غير معروفة مع ثبوت تلقي السامعين لها بالتسليم من مؤمن ومعاند، ولولا أنهم فهموا منها معنى معروفاً دلت عليه القرائن لسأل السائلون وتورك المعاندون.
قال القاضي أبو بكر بن العربي : لولا أن العرب كانوا يعرفون لها مدلولاً متداولاً بينهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبيء ﷺ بل تلا عليهم حم فصلت وص وغيرهما فلم ينكروا ذلك مع تشوفهم إلى عثرة وحرصهم على زلة قلت وقد سألوا عن أوضح من هذا فقالوا ﴿وما الرحمن﴾ [الفرقان: ٦٠]، وأما ما استشهدوا به من بيت زهير وغيره فهو من نوادر كلام العرب، ومما أخرج مخرج الألغاز والتمليح وذلك لا يناسب مقام الكتاب المجيد.
النوع الثاني يجمع الأقوال الراجعة إلى أن هاته الحروف وضعت بتلك الهيئات أسماء أو أفعالاً وفيه من الأقوال أربعة.
التاسع في عداد الأقوال في أولها لجماعة من العلماء والمتكلمين واختاره الفخر أنها أسماء للسور التي وقعت فيها، قاله زيد بن أسلم ونسب لسيبويه في « كتابه » باب أسماء السور من أبواب ما لا ينصرف أو للخليل ونسبه صاحب « الكشاف » للأكثر ويعضده وقوع هاته الحروف في أوائل السور فتكون هاته الحروف قد جعلت أسماء بالعلامة على تلك السور، وسميت بها كما نقول الكراسة ب والرزمة ج ونظره القفال بما سمت العرب بأسماء الحروف كما سموا لاَمَ الطائي والد حارثة، وسموا الذهب عَيْن، والسحاب غَيْن، والحوتَ نونْ، والجبل قاف، وأقوال، وحاء قبيلة من مَذحج، وقال شريح بن أوفى العنسي أو العبسي :
| يذكرني حَامِيمَ والرمحُ شاجر | فهَلاَّ تلا حاميمَ قبل التقدم(٦) |
١ كان من الزهاد والمربين درس علوما كثيرة وخاصة الفرائض والحساب وله شرحان على الدرة البيضاء توفي في تونس. - .
٢ - حساب الجمل بضم الجيم وتشديد الميم المفتوحة هو جعل أعداد لكل حرف من حروف المعجم من آحاد وعشرات ومئات ووألأف واحد، فإذا أريد خط رقم حسابي وضع الحرف عوضا عن الرقم وقد كان هذا الاصطلاح قديما ووسمت به عدة أناشيد من كتاب داود واشتهر ترقيم التاريخ به عند الرومان ولعله نقل إلى العرب منهم أو من اليهود..
٣ - يوجد في أكثر الكتب قلت لها قفي فقالت قاف، وهو مشتمل على زحاف ثقيل. وفي بعض نسخ البيضاةي فقالت لي وهي مصححة، وفي الخصائص لابن جني: قالت لها قفي لنا قالت قاف، وبعد هذا البيت
والنشوات من معتق صاف وعزف قينات علينا عزاف.
٤ هو حديث سعد بن عبادة <<كفى بالسيف شاهدا>> أخرجه ابن ماجة..
٥ نسبه إليه المبرد في الكامل ص: ٢٤٥ وسيبويه في كتابه ص: ٥٨ جزء ٢ وتبعها المفسرون..
٦ ٦- الضمير في ذكرني راجع لمحمد بن طلحة السجاد بن عبيد الله القرشي من بني مرة بن كعب، وأراد بحم سورة الشورى لأن فيها ﴿قل لا أسالأكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ فكتنت دالة على قرابة التبيئ ﷺ لقريش الذين منهم محمد السجاد..
٢ - حساب الجمل بضم الجيم وتشديد الميم المفتوحة هو جعل أعداد لكل حرف من حروف المعجم من آحاد وعشرات ومئات ووألأف واحد، فإذا أريد خط رقم حسابي وضع الحرف عوضا عن الرقم وقد كان هذا الاصطلاح قديما ووسمت به عدة أناشيد من كتاب داود واشتهر ترقيم التاريخ به عند الرومان ولعله نقل إلى العرب منهم أو من اليهود..
٣ - يوجد في أكثر الكتب قلت لها قفي فقالت قاف، وهو مشتمل على زحاف ثقيل. وفي بعض نسخ البيضاةي فقالت لي وهي مصححة، وفي الخصائص لابن جني: قالت لها قفي لنا قالت قاف، وبعد هذا البيت
والنشوات من معتق صاف وعزف قينات علينا عزاف.
٤ هو حديث سعد بن عبادة <<كفى بالسيف شاهدا>> أخرجه ابن ماجة..
٥ نسبه إليه المبرد في الكامل ص: ٢٤٥ وسيبويه في كتابه ص: ٥٨ جزء ٢ وتبعها المفسرون..
٦ ٦- الضمير في ذكرني راجع لمحمد بن طلحة السجاد بن عبيد الله القرشي من بني مرة بن كعب، وأراد بحم سورة الشورى لأن فيها ﴿قل لا أسالأكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ فكتنت دالة على قرابة التبيئ ﷺ لقريش الذين منهم محمد السجاد..