البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿الم﴾ أسماء مدلولها حروف المعجم، ولذلك نطق بها نطق حروف المعجم، وهي موقوفة الآخر، لا يقال إنها معربة لأنها لم يدخل عليها عامل فتعرب ولا يقال إنها مبنية لعدم سبب البناء، لكن أسماء حروف المعجم قابلة لتركيب العوامل عليها فتعرب، تقول هذه ألف حسنة ونظير سرد هذه الأسماء موقوفة، أسماء العدد، إذا عدّوا يقولون : واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة.
وقد اختلف الناس في المراد بها، وسنذكر اختلافهم إن شاء الله تعالى.
فأما هذه الحروف المقطعة أوائل السور، فجمهور المفسرين على أنها حروف مركبة ومفردة، وغيرهم يذهب إلى أنها أسماء عبر بها عن حروف المعجم التي ينطق بالألف واللام منها في نحو : قال، والميم في نحو : ملك، وبعضهم يقول : إنها أسماء السور، قاله زيد بن أسلم.
وقال قوم : إنها فواتح للتنبيه والاستئناف ليعلم أن الكلام الأول قد انقضى.
قال مجاهد : هي في فواتح السور كما يقولون في أول الإنشاد لشهير القصائد.
بل ولا بل نحا هذا النحو أبو عبيدة والأخفش.
وقال الحسن : هي أسماء السور وفواتحها، وقوم : إنها أسماء الله أقسام أقسم الله بها لشرفها وفضلها.
وروي عن ابن عباس وقوم : هي حروف متفرقة دلت على معان مختلفة، وهؤلاء اختلفوا في هذه المعاني فقال قوم : يتألف منها اسم الله الأعظم، قاله علي وابن عباس، إلا أنّا لا نعرف تأليفه منها، أو اسم ملك من ملائكته، أو نبي من أنبيائه، لكن جهلنا طريق التأليف.
وقال سعيد بن جبير : هي أسماء الله تعالى مقطعة، لو أحسن الناس تأليفها تعلموا اسم الله الأعظم.
وقال قتادة : هي أسماء القرآن كالفرقان.
وقال أبو العالية : ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله تعالى.
وقيل : هي حروف تدل على مدة الملة، وهي حساب أبي جاد، كما ورد في حديث حيي بن أخطب.
وروى هذا عن أبي العالية وغيره.
وقيل : مدة الأمم السالفة وقيل : مدة الدنيا.
وقال أبو العالية أيضاً : ليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجال آخرين، وقيل : هي إشارة إلى حروف المعجم كأنه قال للعرب : إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم.
وقال قطرب وغيره : هي إشارة إلى حروف المعجم كأنه يقول للعرب : إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم فقوله :﴿الم﴾ بمنزلة : أ ب ت ث، ليدل بها على التسعة وعشرين حرفاً.
وقال قوم : هي تنبيه كما في النداء.
وقال قوم : إن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيستمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة.
وقيل : هي أمارة لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد ﷺ كتاب في أول سور منه حروف مقطعة، وقيل : حروف تدل على ثناء أثنى الله به على نفسه.
وقال ابن عباس :﴿الم﴾ أنا الله أعلم، والمراد أنا الله أرى.
و ﴿المص﴾ أنا الله أفصل.
وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك.
وروي عن ابن عباس الألف : من الله، واللام : من جبريل، والميم : من محمد ﷺ.
وقال الأخفش : هي مبادئ كتب الله المنزلة بالألسن المختلفة ومبان من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وأصول كلام الأمم.
وقال الربيع بن أنس : ما منها حرف إلا يتضمن أموراً كثيرة دارت فيها الألسن، وليس فيها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في الأبد وللأبد، وليس منها حرف إلا في مدة قوم وآجالهم.
وقال قوم : معانيها معلومة عند المتكلم بها لا يعلمها إلا هو، ولهذا قال الصديق رضي الله عنه : في كتاب الله سر، وسر الله في القرآن في الحروف التي في أوائل السور.
وبه قال الشعب.
وقال سلمة بن القاسم : ما قام الوجود كله إلا بأسماء الله الباطنة والظاهرة، وأسماء الله المعجمة الباطنة أصل لكل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وهي خزانة سرّه ومكنون علمه، ومنها تتفرع أسماء الله كلها، وهي التي قضى بها الأمور وأودعها أم الكتاب، وعلى هذا حوّم جماعة من القائلين بعلوم الحروف، وممن تكلم في ذلك : أبو الحكم بن برجان، وله تفسير للقرآن، والبوني، وفسر القرآن والطائي بن العربي، والجلالي، وابن حمويه، وغيرهم، وبينهم اختلاف في ذلك.
وسئل محمد بن الحنفية عن ﴿كهيعص﴾ فقال للسائل : لو أُخبرت بتفسيرها لمشيت على الماء لا يواري قدميك.
وقال قوم : معانيها معلومة ويأتي بيان كل حرف في موضعه.
وقال قوم : اختص الله بعلمها نبيه ﷺ.
وقد أنكر جماعة من المتكلمين أن يكون في القرآن ما لا يفهم معناه، فانظر إلى هذا الاختلاف المنتشر الذي لا يكاد ينضبط في تفسير هذه الحروف والكلام عليها.
والذي أذهبُ إليه : أن هذه الحروف التي في فواتح السور هو المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وسائر كلامه تعالى محكم.
وإلى هذا ذهب أبو محمد علي بن أحمد اليزيدي، وهو قول الشعبي والثوري وجماعة من المحدثين، قالوا : هي سر الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن نتكلم فيها، ولكن نؤمن بها وتمر كما جاءت.
وقال الجمهور : بل يجب أن يتكلم فيها وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا في ذلك الاختلاف الذي قدمناه.
قال ابن عطية : والصواب ما قال الجمهور، فنفسر هذه الحروف ونلتمس لها التأويل لأنا نجد العرب قد تكلمت بالحروف المقطعة نظماً ووضعاً بدل الكلمات التي الحروف منها، كقول الشاعر :
قلت لها قفي فقالت قاف ***
أراد قالت وقفت
وكقول القائل :
بالخير خيرات وإن شرَّفاولا أريد الشر إلا أن تا
أراد وإن شراً فشر، وأراد إلا أن تشاء : والشواهد في هذا كثيرة فليس كونها في القرآن مما تنكره العرب في لغتها، فينبغي إذا كان من معهود كلام العرب، أن يطلب تأويله ويلتمس وجهه، انتهى كلامه.
وفرق بين ما أنشد وبين هذه الحروف، وقد أطال الزمخشري وغيره الكلام على هذه الحروف بما ليس يحصل منه كبير فائدة في علم التفسير، ولا يقوم على كثير من دعاويه برهان.
وقد تكلم المعربون على هذه الحروف فقالوا : لم تعرب حروف التهجي لأنها أسماء ما يلفظ، فهي كالأصوات فلا تعرب إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها، ويحتمل محلها الرفع على المبتدأ أو على إضمار المبتدأ، والنصب بإضمار فعل، والجر على إضمار حرف القسم، هذا إذا جعلناها اسماً للسور، وأما إذا لم تكن اسما للسور فلا محل لها، لأنها إذ ذاك كحروف المعجم أوردت مفردة من غير عامل فاقتضت أن تكون مستكنة كأسماء الأعداد، أو ردتها لمجرد العدد بغير عطف، وقد تكلم النحويون على هذه الحروف على أنها أسماء السور، وتكلموا على ما يمكن إعرابه منها وما لا يمكن، وعلى ما إذا أعرب فمنه ما يمنع الصرف، ومنه ما لا يمنع الصرف، وتفصيل ذلك في علم النحو.
وقد نقل خلاف في كون هذه الحروف آية، فقال الكوفيون :﴿الم﴾ آية، وكذلك هي آية في أول كل سورة ذكرت فيها، وكذلك ﴿المص﴾ و ﴿طسم﴾ وأخواتها و ﴿طه﴾ و ﴿يس﴾ و ﴿حم﴾ وأخواتها إلا ﴿حم عسق﴾ فإنها آيتان و ﴿كهيعص﴾ آية، وأما ﴿المر﴾ وأخواتها فليست بآية، وكذلك ﴿طس﴾ و ﴿ص﴾ و ﴿ق﴾ و ﴿ن﴾ و ﴿القلم﴾ وق وص حروف دل كل حرف منها على كلمة، وجعلوا الكلمة آية، كما عدوا :﴿الرحمن﴾ ﴿ومدهامتان﴾ آيتيين.
وقال البصريون وغيرهم : ليس شيء من ذلك آية.
وذكر المفسرون الاقتصار على هذه الحروف في أوائل السور، وأن ذلك الاقتصار كان لوجوه ذكروها لا يقوم على شيء منها برهان فتركت ذكرها.
وذكروا أن التركيب من هذه الحروف انتهى إلى خمسة، وهو : كهيعص، لأنه أقصى ما يتركب منه الاسم المجرد، وقطع ابن القعقاع ألف لام ميم حرفاً حرفاً بوقفة وقفة، وكذلك سائر حروف التهجي من الفواتح، وبين النون من طسم ويس وعسق ونون إلا في طس تلك فإنه لم يظهر،
وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات من قوله تعالى :﴿الم﴾ إلى قوله :﴿المفلحون﴾ أقوالاً : أحدها : أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب دون غيرهم، وهو قول ابن عباس وجماعة.
الثاني : نزلت في جميع المؤمنين، قاله مجاهد.
وذكروا في هذه الآية من ضروب الفصاحة أنواعاً : الأول : حسن الافتتاح، وأنه تعالى افتتح بما فيه غموض ودقة لتنبيه السامع على النظر والفكر والاستنباط.
الثاني : الإشارة في قوله ذلك أدخل اللام إشارة إلى بعد المنازل.
الثالث : معدول الخطاب في قوله تعالى :﴿لا ريب فيه﴾ صيغته خبر ومعناه أمر، وقد مضى الكلام فيه.
الرابع : الاختصاص هو في قوله ﴿هدى للمتقين﴾.
الخامس : التكرار في قوله تعالى :﴿يؤمنون بالغيب﴾، ﴿يؤمنون بما أنزل إليك﴾، وفي قوله :﴿الذين، والذين﴾، إن كان الموصوف واحداً فهو تكرار اللفظ والمعنى، وإن كان مختلفاً كان من تكرار اللفظ دون المعنى، ومن التكرار ﴿أولئك، وأولئك﴾.
السادس : تأكيد المظهر بالمضمر في قوله :﴿وأولئك هم المفلحون﴾، وفي قوله :﴿هم يوقنون﴾.
السابع : الحذف، وهو في مواضع أحدها هذه ألم عند من يقدر ذلك، وهو هدى، وينفقون في الطاعة، وما أنزل إليك من القرآن، ﴿ومن قبلك﴾، أي قبل إرسالك، أو قبل الإنزال، ﴿وبالآخرة﴾، أي بجزاء الآخرة، و ﴿يوقنون﴾ بالمصير إليها، و ﴿على هدى﴾، أي أسباب هدى، أو على نور هدى، ﴿والمفلحون﴾، أي الباقون في نعيم الآخرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تقدم لنا بعض كلام على تناسق الآي التي تقدم الكلام عليها، ونحن نلخص ذلك هنا، فنقول : افتتح تعالى هذه السورة بوصف كلامه المبين، ثم بين أنه هدى لمؤمني هذه الأمة ومدحهم، ثم مدح من ساجلهم في الإيمان وتلاهم من مؤمني أهل الكتاب، وذكر ما هم عليه من الهدى في الحال ومن الظفر في المآل، ثم تلاهم بذكر أضدادهم المختوم على قلوبهم وأسماعهم المغطي أبصارهم الميؤوس من إيمانهم، وذكر ما أعد لهم من العذاب العظيم، ثم أتبع هؤلاء بأحوال المنافقين المخادعين المستهزئين وأخر ذكرهم وإن كانوا أسوأ أحوالاً من المشركين، لأنهم اتصفوا في الظاهر بصفات المؤمنين وفي الباطن بصفات الكافرين، فقدم الله ذكر المؤمنين، وثنّى بذكر أهل الشقاء الكافرين، وثلّث بذكر المنافقين الملحدين، وأمعن في ذكر مخازيهم فأنزل فيهم ثلاث عشرة آية، كل ذلك تقبيح لأحوالهم وتنبيه على مخازي أعمالهم، ثم لم يكتف بذكر ذلك حتى أبرز أحوالهم في صورة الأنفال، فكان ذلك أدعى للتنفير عما اجترحوه من قبيح الأفعال.
فانظر إلى حسن هذا السياق الذي نوقل في ذروة الإحسان وتمكن في براعة أقسام البديع وبلاغة معاني البيان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى