مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
﴿بسم الله الرحمان الرحيم﴾ ﴿الم﴾ فيه مسألتان : المسألة الأولى :
اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة، لأن الضاد مثلا لفظة مفردة دالة بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه من غير دلالة على الزمان المعين لذلك المعنى، وذلك المعنى هو الحرف الأول من «ضرب » فثبت أنها أسماء ولأنها يتصرف فيها بالأمالة والتفخيم والتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد والإضافة، فكانت لا محالة أسماء. فإن قيل قد روى أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :«من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف » الحديث، والاستدلال به يناقض ما ذكرتم قلنا : سماه حرفا مجازا لكونه اسما للحرف، وإطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور.
( فروع ) : الأول : أنهم راعوا هذه التسمية لمعان لطيفة، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظا كأساميها وهي حروف مفردة والأسامي ترتقي عدد حروفها إلى الثلاثة اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في الاسم على المسمى، فجعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكنا.
( الثاني ) : حكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ساكنة الأعجاز كأسماء الأعداد فيقال ألف لام ميم، كما تقول واحد اثنان ثلاثة فإذا وليتها العوامل أدركها الأعراب كقولك هذه ألف وكتبت ألفا ونظرت إلى ألف، وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية مسماه فحسب، لأن جوهر اللفظ موضوع لجوهر المعنى، وحركات اللفظ دالة على أحوال المعنى، فإذا أريد إفادة جوهر المعنى وجب إخلاء اللفظ عن الحركات.
( الثالث ) : هذه الأسماء معربة وإنما سكنت سكون سائر الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد موجبه، والدليل على أن سكونها وقف لا بناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو كيف وأين وهؤلاء ولم يقل صاد قاف نون مجموع فيها بين الساكنين.
المسألة الثانية : للناس في قوله تعالى ﴿الم﴾ وما يجري مجراه من الفواتح قولان : أحدهما : أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله تبارك وتعالى به. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور، وقال علي رضي الله عنه : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. وقال بعض العارفين : العلم بمنزلة البحر فأجرى منه واد ثم أجرى من الوادي نهر. ثم أجري من النهر جدول، ثم أجري من الجدول ساقية، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وأفسده، ولو سال البحر إلى الوادي لأفسده، وهو المراد من قوله تعالى ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾ فبحور العلم عند الله تعالى، فأعطى الرسل منها أودية، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهارا إلى العلماء، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغارا على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم. وعلى هذا ما روي في الخبر «للعلماء سر، وللخلفاء سر. وللأنبياء سر، وللملائكة سر، ولله من بعد ذلك كله سر، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا حائرين، وبادوا بائرين ». والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية، كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة، ولما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه، وكذلك علماء الباطن، وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر. وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال : سر الله فلا تطلبوه، وروى ابن ظبيان عن ابن عباس قال : عجزت العلماء عن إدراكها، وقال الحسين بن الفضل : هو من المتشابه.
واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول هذا القول، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول.
أما الآيات فأربعة عشر أحدها : قوله تعالى ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ أمرهم بالتدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه وثانيها : قوله ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق ؟ وثالثها : قوله :﴿وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾ فلو لم يكن مفهوما بطل كون الرسول ﷺ منذرا به، وأيضا قوله ﴿بلسان عربي مبين﴾ يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوما ورابعها : قوله ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه وخامسها : قوله ﴿تبيانا لكل شيء﴾ وقوله ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ وسادسها : قوله ﴿هدى للناس﴾، ﴿هدى للمتقين﴾ وغير المعلوم لا يكون هدى وسابعها : قوله ﴿حكمة بالغة﴾ وقوله ﴿وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم وثامنها : قوله ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ وتاسعها : قوله ﴿أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ وكيف يكون الكتاب كافيا وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم ؟ وعاشرها : قوله تعالى ﴿هذا بلاغ للناس ولينذروا به﴾ فكيف يكون بلاغا، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم ؟ وقال في آخر الآية ﴿وليذكر أولوا الألباب﴾ وإنما يكون كذلك لو كان معلوما الحادي عشر : قوله :﴿قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا﴾ فكيف يكون برهان ونورا مبينا مع أنه غير معلوم ؟ الثاني عشر : قوله ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا﴾ فكيف يمكن اتباعه والإعراض عنه غير معلوم ؟ الثالث عشر :﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ فكيف يكون هاديا مع أنه غير معلوم ؟ الرابع عشر : قوله تعالى ﴿آمن الرسول﴾ إلى قوله ﴿سمعنا وأطعنا﴾ والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوما.
وأما الأخبار : فقوله عليه السلام «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي » فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم ؟ وعن علي رضي الله عنه أنه عليه السلام قال :«عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ».
أما المعقول فمن وجوه أحدها : أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا وثانيها : أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوما لكانت المخاطبة به عبثا وسفها، وأنه لا يليق بالحكيم وثالثها : أن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوما لا يجوز وقوع التحدي به، فهذا مجموع كلام المتكلمين، واحتج مخالفوهم بالآية، والخبر، والمعقول.
أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وإنه غير معلوم، لقوله تعالى ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ والوقف ههنا واجب لوجوه. أحدها : أن قوله تعالى ﴿والراسخون في العلم﴾ لو كان معطوفا على قوله ﴿إلا الله﴾ لبقي ﴿يقولون آمنا به﴾ منقطعا عنه وأنه غير جائز لأنه وحده لا يفيد، لا يقال أنه حال، لأنا نقول حينئذ يرجع إلى كل ما تقدم، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلا ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ وهذا كفر.
وثانيها : أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا كالإيمان بالحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح. وثالثها : أن تأويلها لو كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذما، لكن قد جعله الله تعالى ذما حيث قال ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾.
وأما الخبر فقد روينا في أول هذه المسألة خبرا يدل على قولنا، وروي أنه عليه السلام قال «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله » ولأن القول بأن هذه الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقا، لقوله عليه السلام «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ».
وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان. منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا : كالصلاة والزكاة والصوم ؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة. ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه : كأفعال الحج فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة، والرمل، والاضطباع، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضا أن يكون الأمر كذلك في الأقوال ؟ وهو أن يأمرنا الله تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر، بل فيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتا إليه أبدا، ومتفكرا فيه أبدا. ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدا مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلا لهذه المصلحة، فهذا ملخص كلام الفريقين في هذا الباب.
القول الثاني : قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا فيه وذكروا وجوها. الأول : أنها أسماء السور، وهو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه وقال القفال : وقد سمت العرب بهذه الحروف أشياء، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس : صاد، وللنقد عين، وللسحاب غين، وقالوا : جبل قاف، وسموا الحوت نونا، الثاني : أنها أسماء لله تعالى، روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول «يا كهيعص، يا حا
اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة، لأن الضاد مثلا لفظة مفردة دالة بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه من غير دلالة على الزمان المعين لذلك المعنى، وذلك المعنى هو الحرف الأول من «ضرب » فثبت أنها أسماء ولأنها يتصرف فيها بالأمالة والتفخيم والتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد والإضافة، فكانت لا محالة أسماء. فإن قيل قد روى أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :«من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف » الحديث، والاستدلال به يناقض ما ذكرتم قلنا : سماه حرفا مجازا لكونه اسما للحرف، وإطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور.
( فروع ) : الأول : أنهم راعوا هذه التسمية لمعان لطيفة، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظا كأساميها وهي حروف مفردة والأسامي ترتقي عدد حروفها إلى الثلاثة اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في الاسم على المسمى، فجعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكنا.
( الثاني ) : حكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ساكنة الأعجاز كأسماء الأعداد فيقال ألف لام ميم، كما تقول واحد اثنان ثلاثة فإذا وليتها العوامل أدركها الأعراب كقولك هذه ألف وكتبت ألفا ونظرت إلى ألف، وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية مسماه فحسب، لأن جوهر اللفظ موضوع لجوهر المعنى، وحركات اللفظ دالة على أحوال المعنى، فإذا أريد إفادة جوهر المعنى وجب إخلاء اللفظ عن الحركات.
( الثالث ) : هذه الأسماء معربة وإنما سكنت سكون سائر الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد موجبه، والدليل على أن سكونها وقف لا بناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو كيف وأين وهؤلاء ولم يقل صاد قاف نون مجموع فيها بين الساكنين.
المسألة الثانية : للناس في قوله تعالى ﴿الم﴾ وما يجري مجراه من الفواتح قولان : أحدهما : أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله تبارك وتعالى به. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور، وقال علي رضي الله عنه : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. وقال بعض العارفين : العلم بمنزلة البحر فأجرى منه واد ثم أجرى من الوادي نهر. ثم أجري من النهر جدول، ثم أجري من الجدول ساقية، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وأفسده، ولو سال البحر إلى الوادي لأفسده، وهو المراد من قوله تعالى ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾ فبحور العلم عند الله تعالى، فأعطى الرسل منها أودية، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهارا إلى العلماء، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغارا على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم. وعلى هذا ما روي في الخبر «للعلماء سر، وللخلفاء سر. وللأنبياء سر، وللملائكة سر، ولله من بعد ذلك كله سر، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا حائرين، وبادوا بائرين ». والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية، كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة، ولما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه، وكذلك علماء الباطن، وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر. وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال : سر الله فلا تطلبوه، وروى ابن ظبيان عن ابن عباس قال : عجزت العلماء عن إدراكها، وقال الحسين بن الفضل : هو من المتشابه.
واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول هذا القول، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول.
أما الآيات فأربعة عشر أحدها : قوله تعالى ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ أمرهم بالتدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه وثانيها : قوله ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق ؟ وثالثها : قوله :﴿وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾ فلو لم يكن مفهوما بطل كون الرسول ﷺ منذرا به، وأيضا قوله ﴿بلسان عربي مبين﴾ يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوما ورابعها : قوله ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه وخامسها : قوله ﴿تبيانا لكل شيء﴾ وقوله ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ وسادسها : قوله ﴿هدى للناس﴾، ﴿هدى للمتقين﴾ وغير المعلوم لا يكون هدى وسابعها : قوله ﴿حكمة بالغة﴾ وقوله ﴿وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم وثامنها : قوله ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ وتاسعها : قوله ﴿أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ وكيف يكون الكتاب كافيا وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم ؟ وعاشرها : قوله تعالى ﴿هذا بلاغ للناس ولينذروا به﴾ فكيف يكون بلاغا، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم ؟ وقال في آخر الآية ﴿وليذكر أولوا الألباب﴾ وإنما يكون كذلك لو كان معلوما الحادي عشر : قوله :﴿قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا﴾ فكيف يكون برهان ونورا مبينا مع أنه غير معلوم ؟ الثاني عشر : قوله ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا﴾ فكيف يمكن اتباعه والإعراض عنه غير معلوم ؟ الثالث عشر :﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ فكيف يكون هاديا مع أنه غير معلوم ؟ الرابع عشر : قوله تعالى ﴿آمن الرسول﴾ إلى قوله ﴿سمعنا وأطعنا﴾ والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوما.
وأما الأخبار : فقوله عليه السلام «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي » فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم ؟ وعن علي رضي الله عنه أنه عليه السلام قال :«عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ».
أما المعقول فمن وجوه أحدها : أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا وثانيها : أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوما لكانت المخاطبة به عبثا وسفها، وأنه لا يليق بالحكيم وثالثها : أن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوما لا يجوز وقوع التحدي به، فهذا مجموع كلام المتكلمين، واحتج مخالفوهم بالآية، والخبر، والمعقول.
أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وإنه غير معلوم، لقوله تعالى ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ والوقف ههنا واجب لوجوه. أحدها : أن قوله تعالى ﴿والراسخون في العلم﴾ لو كان معطوفا على قوله ﴿إلا الله﴾ لبقي ﴿يقولون آمنا به﴾ منقطعا عنه وأنه غير جائز لأنه وحده لا يفيد، لا يقال أنه حال، لأنا نقول حينئذ يرجع إلى كل ما تقدم، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلا ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ وهذا كفر.
وثانيها : أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا كالإيمان بالحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح. وثالثها : أن تأويلها لو كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذما، لكن قد جعله الله تعالى ذما حيث قال ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾.
وأما الخبر فقد روينا في أول هذه المسألة خبرا يدل على قولنا، وروي أنه عليه السلام قال «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله » ولأن القول بأن هذه الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقا، لقوله عليه السلام «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ».
وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان. منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا : كالصلاة والزكاة والصوم ؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة. ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه : كأفعال الحج فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة، والرمل، والاضطباع، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضا أن يكون الأمر كذلك في الأقوال ؟ وهو أن يأمرنا الله تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر، بل فيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتا إليه أبدا، ومتفكرا فيه أبدا. ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدا مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلا لهذه المصلحة، فهذا ملخص كلام الفريقين في هذا الباب.
القول الثاني : قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا فيه وذكروا وجوها. الأول : أنها أسماء السور، وهو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه وقال القفال : وقد سمت العرب بهذه الحروف أشياء، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس : صاد، وللنقد عين، وللسحاب غين، وقالوا : جبل قاف، وسموا الحوت نونا، الثاني : أنها أسماء لله تعالى، روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول «يا كهيعص، يا حا