فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان
عن الكتاببسم الله الرحمن الرحيم
﴿الم ذالك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾﴿الم﴾ قال القرطبي اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور ؛ فقال الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين هي سر الله في القرآن ؛ ولا نحب أن نتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونمرها كما جاءت، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ؛ قال وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر ؛ وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها ولا يلزم البحث عنها فهي مما استأثر الله بعلمه.
وقال أبو حاتم لم نجد الحروف في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله عز وجل ؛ وقال جمع من العلماء كثير : بل نحب أن نتكلم فيها ؛ ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، فروي عن ابن عباس وعلي أيضا أن الحروف المقطعة من القرآن اسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها، وقال قطرب والمبرد والفراء وغيرهم واختاره جمع عظيم من المحققين هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من الحروف التي بني كلامهم عليها ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم، إذ لم يخرج عن كلامهم، قال قطرب كانوا ينفرون عند استماع القرآن فلما نزل ﴿ألم، المص﴾ استنكروا هذا اللفظ فلما أنصتوا له ﷺ أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم، ويقيم الحجة عليهم(١).
وقال جماعة هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بعينها كقول ابن عباس وغيره الألف من الله واللام من جبريل، والميم من محمد، وذهب إلى هذا الزجاج فقال اذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى، وقد تكلمت العرب بحروف مقطعة كقوله " فقلت لها قفي فقالت قاف " أي وقفت وفي الحديث ( من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة ) قال شقيق هو أن يقول في أقل أق. كما قال النبي ﷺ كفى بالسيف شا أي شافيا(٢).
وقال بعضهم الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون، والمعنى أن الله الواحد أنزل ثلاثين جزءا من القرآن على محمد ﷺ بعدما بلغ أربعين سنة التي بعثه عندها إلى الخلق، وقال زيد بن أسلم هي أسماء للسور، وقال الكلبي هي أقسام أقسم الله بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه، وقيل إن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب مستوية فيها بخلاف النطق باسميها وهو خاص بمن خط وقرأ والنبي ﷺ أمي فأتى بها كذلك زيادة في الإعجاز، وقيل غير ذلك مما لا يأتي عليه الحصر، وقد ذكر شطرا منها الرازي في تفسيره.
ومن أدق ما أبرزه المتكلمون في معاني هذه الحروف ما ذكره الزمخشري في الكشاف حيث قال إنك إذا تأملت ما أورده الله سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء، وهي الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف بيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديدة نصفها الألف والكاف والطاء والقاف، ومن الرخوة نصفها اللام والميم والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون، ومن المطبقة نصفها الصاد والطاء، ومن المنفتحة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياء والنون، ومن المستعلية نصفها القاف والصاد والطاء، ومن المنخفضة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والياء والعين والسين والحاء والنون، ومن حروف القلقلة نصفها القاف والطاء.
ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دق في كل شيء حكمته، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته، فكأن الله عز اسمه عدد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم.
ومما يدل على أنه تعمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعا في تراكيب الكلم أن الألف واللام لما تكاثر وقوعها فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين وهي فواتح سورة البقرة وآل عمران والروم والعنكبوت ولقمان والسجدة والأعراف والرعد ويونس وإبراهيم وهود ويوسف والحجر، انتهى وتبع في ذلك من أهل التفسير منهم الخازن والنسفي والبيضاوي والخطيب وأبو السعود وغيرهم.
" أقول " هذا التدقيق لا يأتي بفائدة يعتد بها، وبيانه أنه إذا كان المراد منه إلزام الحجة والتبكيت كما قال فهذا متيسر بأن يقال لهم هذا القرآن هو من الحروف التي يتكلمون بها ليس من حروف مغايرة لها، فيكون هذا تبكيتا وإلزاما يفهمه كل سامع منهم من دون إلغاز وتعمية وتفريق لهذه الحروف في فواتح تسع وعشرين سورة، فإن هذا مع ما فيه من التطويل الذي لا يستوفيه سامعه إلا بسماع جميع هذه الفواتيح هو أيضا مما لا يفهمه أحد من السامعين ولا يتعقل شيئا منه فضلا أن يكون تبكيتا له وإلزاما للحجة إياه فإن ذلك هو أمر وراء الفهم مترتب عليه، ولم يفهم السامع هذا، ولا ذكر أهل العلم عن فرد من أفراد الجاهلية الذين وقع التحدي لهم بالقرآن أنه بلغ فهمه إلى بعض هذا فضلا عن كله.
ثم كون هذه الحروف مشتملة على النصف من جميع الحروف التي تركبت لغة العرب منها، وذلك النصف مشتملا على أنصاف تلك الأنواع من الحروف المتصفة بتلك الأوصاف هو أمر لا تتعلق به فائدة لجاهلي ولا إسلامي، ولا مقر، ولا منكر، ولا مسلم ولا معارض، ولا يصلح أن يكون مقصدا من مقاصد الرب سبحانه الذي أنزل كتابه للإرشاد إلى شرائعه والهداية به.
وهب أن هذه صناعة عجيبة، ونكتة غريبة، فليس ذلك مما يتصف بفصاحة ولا بلاغة حتى يكون مفيدا أنه كلام بليغ أو فصيح، وذلك لأن هذه الحروف الواقعة في الفواتيح ليست من جنس كلام العرب حتى تتصف بهذين الوصفين، وغاية ما هناك أنها من جنس حروف كلامهم، ولا مدخل فيما ذكر.
وأيضا لو فرض أنها كلمات متركبة بتقدير شيء قبلها أو بعدها لم يصح وصفها بذلك لأنها تعمية غير مفهومة للسامع إلا بأن يأتي من يريد بيانها بمثل ما يأتي به من أراد بيان الألغاز والتعمية، وليس ذلك من الفصاحة والبلاغة في ورد ولا صدر، بل من عكسهما وضد رسمهما.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازما بأن ذلك هو ما أراده الله عز وجل فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن كان تفسيره لها بما فسرها به راجعا إلى لغة العرب وعلومها فهو كذب بحت، فإن العرب لم يتكلموا بشيء من ذلك، وإذا سمعه السامع منهم كان معدودا عنده من الرطانة، ولا ينافي ذلك أنهم قد يقتصرون على حرف أو حروف من الكلمة التي يريدون النطق بها، فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا بعد أن تقدمه ما يدل عليه ويفيد معناه بحيث لا يلتبس على سامعه كمثل ما تقدم ذكره، ومن هذا القبيل ما يقع منهم من الترخيم، وأين هذه الفواتيح الواقعة في أوائل السور من هذا.
وإذا تقرر لك أنه لا يمكن استفادة ما ادعوه من لغة العرب وعلومها لم يبق حينئذ إلا أحد أمرين ( الأول ) التفسير بمحض الرأي ورد النهي عنه والوعيد عليه، وأهل العلم أحق الناس بتجنبه والصد عنه والتنكب عن طريقه، وهم أتقى لله سبحانه من أن يجعلوا كتاب الله سبحانه ملعبة لهم يتلاعبون به ويضعون حماقات أنظارهم، وخزعبلات أفكارهم عليه ( الثاني ) التفسير بتوقيف عن صاحب الشرع، وهذا هو المهيع الواضح والسبيل القويم بل الجادة التي ما سواها مردوم، والطريقة العامرة التي ما عداها مهدوم، فمن وجد شيئا من هذا فغير ملوم أن يقول بملء فيه ويتكلم بما وصل إليه علمه، ومن لم يبلغه شيء من ذلك فليقل لا أدري أو الله أعلم بمراده، فقد ثبت النهي عن طلب فهم المتشابهة ومحاولة الوقوف على علمه، مع كونه ألفاظا عربية، وتراكيب مفهومة، وقد جعل الله تتبع ذلك صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فكيف بما نحن بصدده، فإنه ينبغي أن يقال فيه أنه متشابه المتشابه، على فرض أن للفهم إليه سبيلا، ولكلام العرب فيه مدخلا، فكيف وهو خارج عن ذلك على كل تقدير.
وانظر كيف فهم اليهود عند سماع ﴿آلم﴾ فإنهم لما لم يجدوها على نمط لغة العرب فهموا أن الحروف المذكورة رمز إلى ما يصطلحون عليه من العدد الذي يجعلونه لها كما أخرج ابن اسحق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله قال : مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ﴿آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال : تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه ﴿آلم ذلك الكتاب﴾ فقال أنت سمعته فقال نعم، فمشي حيي في أولئك النفر إلى رسول الله ﷺ فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك ﴿آلم ذلك الكتاب﴾ قال بلى قالوا أجاءك بهذا جبريل من عند الله ؟ قال نعم، قالوا لقد بعث الله من قلبك الأنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك، فقال حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه : الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ؟ ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال يا محمد هل مع هذا غيره قال نعم قال وما ذاك قال ﴿المص﴾ قال هذه أثقل وأطول : اللف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره قال نعم وذاك قال ﴿آلر﴾ قال هذه أثقل وأطول : الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون سنة ومائتان، فهل مع هذا غيره قال نعم ﴿آلمر﴾ قال فهذه أثقل وأطول : الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان، ثم قال لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا. ثم قاموا فقال أبو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وستون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة، فقالوا لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ (٣).
فانظر ما بلغت إليه أفهامهم من هذا الأمر المختص بهم من عدد الحروف مع كونه ليس من لغة العرب في شيء، وتأمل أي موضع أحق بالبيان من رسول الله ﷺ من هذا الموضع، فإن هؤلاء الملاعين قد جعلوا ما فهموه عند سماع ﴿آلم ذلك الكتاب﴾ من ذلك العدد موجبا للتثبيط عن الإجابة له والدخول في شريعته، فلو كان لذلك معنى يعقل ومذلول يفهم لدفع رسول
١ ضعيف الجامع الصغير ٤١٧٩.
٢ ضعيف الجامع الصغير ٥٤٥٤.
٣ لم أجده في صحاح الكتب بين يدي..
٢ ضعيف الجامع الصغير ٥٤٥٤.
٣ لم أجده في صحاح الكتب بين يدي..