البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
العجلة : الإِسراع في شيء والمبادرة، وتعجل تفعل منه وهو إما بمعنى استفعل، وهو أحد المعاني التي يجيء لها تفعل فيكون بمعنى استعجل، كقولهم : تكبر واستكبر، وتيقن واستيقن، وتقضى واستقضى، وتعجل واستعجل، يأتي لازماً ومتعدياً، تقول : تعجلت في الشيء وتعجلته، واستعجلت في الشيء واستعجلت زيداً، وإمّا بمعنى الفعل المجرّد فيكون بمعنى : عجل، كقولهم : تلبث بمعنى لبث، وتعجب وعجب، وتبرّ أو برىء، وهو أحد المعاني التي جاء لها تفعل.
الحشر : جمع القوم من كل ناحية، والمحشر مجتمعهم، يقال منه : حشر يحشر، وحشرات الأرض دوابها الصغار، وقال الراغب : الحشر : ضم المفترق وسوقه، وهو بمعنى الجمع الذي قلناه.
﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ هذا رابع أمر بالذكر في هذه الآية، والذكر هنا التكبير عند الجمرات وإدبار الصلاة وغير ذلك من أوقات الحج، أو التكبير عقيب الصلوات المفروضة، قولان.
وعن عمر أنه كان يكبر بفسطاطه بمنًى فيكبر من حوله حتى يكبر الناس في الطريق، وفي الطواف، والأيام المعدودات ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وليس يوم النحر من المعدودات، هذا مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك وأبي حنيفة، قاله : ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وإبراهيم، وقتادة، والسدّي، والربيع، والضحاك.
أو يوم النحر ويومان بعده، قاله : ابن عمر، وعلي، وقال : إذبح في أيها شئت، أو يوم النحر وثلاثة أيام التشريق، قاله : المروزي.
أو أيام العشر، رواه مجاهد عن ابن عباس، قيل : وقولهم أيام العشر، غلط من الرواة، وقال ابن عطية : إما أن يكون من تصحيف النسخة، وإما أن يريد العشر الذي بعد يوم النحر، وفي ذلك بُعْدٌ.
وتكلم المفسرون هنا على قوله :﴿في أيام معلومات، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ ونحن نؤخر الكلام على ذلك إلى مكانه إن شاء الله.
واستدل ابن عطية للقول الأول وهو : أن الأيام المعدودات : أيام التشريق وهي الثلاثة بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها.
بأن قال : ودل على ذلك إجماع الناس على أنه لا ينفر أحد يوم القر.
وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلاً يوم القر، لأنه قد أخذ يومين من المعدودات انتهى كلامه.
ولا يلزم ما قاله، لأن قوله : فمن تعجل في يومين، لا يمكن حمله على ظاهره، لأن الظرف المبني إذا عمل فيه الفعل فلا بدّ من وقوعه في كل واحد من اليومين، لو قلت : ضربت زيداً يومين، فلا بدّ من وقوع الضرب به في كل واحد من اليومين، وهنا لا يمكن ذلك، لأن التعجيل بالنفر لم يقع في كل واحد من اليومين، فلا بدّ من ارتكاب مجاز، إما بأن يجعل وقوعه في أحدهما كأنه وقوع فيهما، ويصير نظير :﴿نسيا حوتهما﴾ ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ وإنما الناسي أحدهما، وكذلك، إنما يخرجان من أحدهما.
أو بأن يجعل ذلك على حذف مضاف، التقدير : فمن تعجل في ثاني يومين بعد يوم النحر، فيكون اليوم الذي بعد يوم القر المتعجل فيه، ويحتمل أن يكون المحذوف في : تمام يومين أو إكمال يومين، فلا يلزم أن يقع التعجل في شيء من اليومين، بل بعدهما.
وعلى هذا يصح أن يعد يوم النحر من الأيام المعدودات، ولا يلزم أن يكون النفر يوم القر، كما ذكره ابن عطية.
وظاهر قوله ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ الأمر بمطلق ذكر الله في أيام معدودات، ولم يبين ما هذه الأيام، لكن قوله :﴿فمن تعجل في يومين﴾ يشعر أن تلك الأيام هي التي ينفر فيها، وهي أيام التشريق، وقد قال في ( ريّ الظمآن ) : أجمع المفسرون على أن الأيام المعدودات أيام التشريق. انتهى.
وجعل الأيام ظرفاً للذكر يدل على أنه متى ذكر الله في تلك الأيام فهو المطلوب، ويشعر أنه عند رمي الجمار كون الرمي غير محصور بوقت، فناسب وقوعه في أي وقت من الأيام ذكر الله فيه، ويؤيده قوله :﴿فمن تعجل في يومين﴾ وأن الخطاب بقوله : واذكروا، ظاهر أنه للحجاج، إذ الكلام معهم، والخطاب قبلُ لهم، والإخبار بعدُ عنهم، فلا يدخل غيرهم معهم في هذا الذكر المأمور به.
ومن حمل الذكر هنا على أنه الذكر المشروع عقب الصلاة فهو منهم في الوقت وفي الكيفية.
أما وقته : فمن صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، قاله عمر، وعليّ، وابن عباس، أو : من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، قاله ابن مسعود، وعلقمة، وأبو حنيفة.
أو : من صلاة الصبح يوم عرفة إلى أن يصلي الصبح آخر أيام التشريق، وروي عن مالك هذا.
أو : من صلاة الظهر يوم النحر إلى الظهر من آخر أيام التشريق، قاله يحيى بن سعيد.
أو : من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، قاله مالك، والشافعي.
أو : من ظهر يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق، قاله ابن شهاب.
أو : من ظهر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، قاله سعيد بن جبير.
أو : من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول، قاله الحسن.
أو : من صلاة الظهر يوم عرفة إلى صلاة الظهر يوم النحر، قاله أبو وائل.
أو : من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، قاله زيد بن ثابت، وبه أخذ أبو يوسف في أحد قوليه.
وأما الكيفية : فمشهور مذهب مالك ثلاث تكبيرات وفي مذهبه أيضاً رواية أنه يزيد بعدها : لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد.
ومذهب أبي حنيفه، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر.
ومذهب الشافعي : الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وقال أبو حنيفة : يختص التكبير بإدبار الصلوات المكتوبة في جماعة، وقال مالك : مفرداً كان أو في جماعة عقب كل فريضة، وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد ؛ وعن أحمد : القولان، والمسافر كالمقيم في التكبير عند علماء الأمصار، ومشاهير الصحابة، والتابعين.
وعن أبي حنيفة : أن المسافرين إذا صلوا جماعة لا تكبير عليهم، فلو اقتدى مسافر بمقيم كبَّر، وينبغي أن يكبر عقب السلام، والجمهور يعمل شيئاً يقطع به الصلاة من الكلام وغيره، وقيل استدبار القبلة، والجمهور على ذلك، فإن نسي التكبير حين فرغ وذكر قبل أن يخرج من المجلس فينبغي أن يكبر.
وقال مالك في ( المختصر ) : يكبر ما دام في مجلسه، فإذا قام منه فلا شيء عليه وقال في ( المدوّنة ) : إن نسيه وكان قريباً قعد فكبر، أو تباعد فلا شيء عليه، وإن ذهب الامام والقوم جلوس فليكبروا، وكذلك قال أبو حنيفة، ومن نسي صلاة في أيام التشريق من تلك السنة قضاها وكبر، وإن قضى بعدها لم يكبر، ودلائل هذه المسائل مذكورة في كتب الفقة.
والذي يظهر ما قدمناه من أن هذا الخطاب هو للحجاج، وأن هذا الذكر هو ما يختص به الحاج من أفعال الحج، سواء كان الذكر عند الرمي أم عند أعقاب الصلوات، وأنه لا يشركهم غيرهم في الذكر المأمور به إلاَّ بدليل، وأن الذكر في أيام منى، وفي يوم النحر عقب الصلوات لغير الحجاج، وتعيين كيفية الذكر وابتدائه وانتهائه يحتاج إلى دليل سمعي.
﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ الظاهر أن : تعجل، هنا لازم لمقابلته بلازم في قوله ﴿من تأخر﴾ فيكون مطاوعاً لعجل، فتعجل، نحو كسره فتكسر، ومتعلق التعجل محذوف، التقدير : بالنفس، ويجوز أن يكون تعجل متعدياً ومفعوله محذوف أي : فمن تعجل النفر، ومعنى : في يومين من الأيام المعدودات.
وقالوا : المراد أنه ينفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، وسبق كلامنا على تعليق في يومين بلفظ تعجل، وظاهر قوله : فمن تعجل، العموم، فسواء في ذلك الآفاقي والمكي، لكل منهما أن ينفر في اليوم الثاني، وبهذا قال عطاء.
قال ابن المنذر : وهو يشبه مذهب الشافعي، وبه نقول، انتهى كلامه.
فتكون الرخصة لجميع الناس من أهل مكة وغيرهم.
وقال مالك وغيره : ولم يبح التعجيل إلاَّ لمن بَعُدَ قطره لا للمكي ولا للقريب إلاَّ أن يكون له عذر.
وروي عن عمر أنه قال : من شاء من الناس كلهم فلينفر في النفر الأول، إلاَّ آل خزيمة.
فإنهم لا ينفرون إلاَّ في النفر الآخر، وجعل أحمد، واسحاق قول عمر : إلاَّ آل خزيمة، أي : أنهم أهل حرم، وكان أحمد يقول : لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة.
وظاهر قوله : في يومين، أن التعجل لا يكون بالليل بل في شيء من النهار، ينفر إذا فرغ من رمي الجمار، وهو مذهب الشافعي، وهو مروي عن قتادة.
وقال أبو حنيفة : قبل طلوع الفجر، ويعني من اليوم الثالث، وروي عن عمر، وابن عامر، وجابر بن زيد، والحسن، والنخعي.
أنهم قالوا : من أدركه العصر وهو بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق لم ينفر حتى الغدو، وهذا مخالف لظاهر القرآن لأنه قال : في يومين، وما بقي من اليومين شيء فسائغ له النفر فيه، قال ابن المنذر : ويمكن أن يقولوا ذلك استحباباً.
وظاهر قوله : ومن تعجل، سقوطه الرمي عنه في اليوم الثالث، فلا يرمي جمرات اليوم الثالث في يوم نفره.
وقال ابن أبي زمنين : يرميها في يوم النفر الأول حين يريد التعجل.
قال ابن المواز : يرمي المتعجل في يومين إحدى وعشرين حصاة كل جمرة بسبع حصيات فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة، يعنى : لأنه قد رمى جمرة العقبة بسبع يوم النحر.
قال ابن المواز : ويسقط رمي اليوم الثالث.
وظاهر قوله ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل﴾ إلى آخره.
مشروعية المبيت بمنى أيام التشريق.
لأن التعجل والتأخر إنما هو في النفر من منى، وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد من الحجاج أن يبيت إلاَّ بها إلاَّ للرعاء، ومن ولي السقاية من آل العباس، فمن ترك المبيت من غيرهما ليلة من ليالي منى، فقال مالك، وأبو حنيفة : عليه دم، وقال الشافعي : من ترك المبيت في الثلاث الليالي، فإن ترك مبيت ليلة واحدة فيلزمه ثلث دم، أو مد أو درهم، ثلاثة أقوال، ولم تتعرض الآية للرمي، لا حكماً، ولا وقتاً، ولا عدداً، ولا مكاناً لشهرته عندهم.
وتؤخذ أحكامه من السنة.
وقيل : في قوله : واذكروا الله، تنبيه عليه، إذ من سنته التكبير على كل حصاة منها، فلا إثم عليه.
وقرأ سالم بن عبد الله : فلا إثم عليه، بوصل الألف، ووجهه أنه سهل الهمزة بين بين، فقربت بذلك من السكون فحذفها تشبيهاً بالألف، ثم حذف الألف لسكونها وسكون التاء، وهذا جواب الشرط إن جعلنا : مِنْ، شرطية، وهو الظاهر، وإن جعلناها موصولة كان ذلك في موضع الخبر، وظاهره نفي الإثم عنه، ففسر بأنه مغفور له، وكذلك من تأخر مغفور له لا ذنب عليه، روي هذا عن علي، وأبي ذر، وابن مسعود، وابن عباس، والشعبي، ومطرف بن الشخير، وقال معاوية بن قرة : خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وروي عن عمر ما يؤيد هذا القول، وقال مجاهد : المعنى من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام القابل.
والذي يظهر أن المعنى : فلا إثم عليه في التعجيل ولا إثم عليه في التأخير، لأن الجزاء مرتب على الشرط، والمعنى أنه لا حرج على من تعجل ولا على من تأخر، وقاله عطاء، وذلك أنه لما أمرهم تعالى بالذكر في أيام معلومات، وهذه الأيام قد
الحشر : جمع القوم من كل ناحية، والمحشر مجتمعهم، يقال منه : حشر يحشر، وحشرات الأرض دوابها الصغار، وقال الراغب : الحشر : ضم المفترق وسوقه، وهو بمعنى الجمع الذي قلناه.
﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ هذا رابع أمر بالذكر في هذه الآية، والذكر هنا التكبير عند الجمرات وإدبار الصلاة وغير ذلك من أوقات الحج، أو التكبير عقيب الصلوات المفروضة، قولان.
وعن عمر أنه كان يكبر بفسطاطه بمنًى فيكبر من حوله حتى يكبر الناس في الطريق، وفي الطواف، والأيام المعدودات ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وليس يوم النحر من المعدودات، هذا مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك وأبي حنيفة، قاله : ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وإبراهيم، وقتادة، والسدّي، والربيع، والضحاك.
أو يوم النحر ويومان بعده، قاله : ابن عمر، وعلي، وقال : إذبح في أيها شئت، أو يوم النحر وثلاثة أيام التشريق، قاله : المروزي.
أو أيام العشر، رواه مجاهد عن ابن عباس، قيل : وقولهم أيام العشر، غلط من الرواة، وقال ابن عطية : إما أن يكون من تصحيف النسخة، وإما أن يريد العشر الذي بعد يوم النحر، وفي ذلك بُعْدٌ.
وتكلم المفسرون هنا على قوله :﴿في أيام معلومات، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ ونحن نؤخر الكلام على ذلك إلى مكانه إن شاء الله.
واستدل ابن عطية للقول الأول وهو : أن الأيام المعدودات : أيام التشريق وهي الثلاثة بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها.
بأن قال : ودل على ذلك إجماع الناس على أنه لا ينفر أحد يوم القر.
وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلاً يوم القر، لأنه قد أخذ يومين من المعدودات انتهى كلامه.
ولا يلزم ما قاله، لأن قوله : فمن تعجل في يومين، لا يمكن حمله على ظاهره، لأن الظرف المبني إذا عمل فيه الفعل فلا بدّ من وقوعه في كل واحد من اليومين، لو قلت : ضربت زيداً يومين، فلا بدّ من وقوع الضرب به في كل واحد من اليومين، وهنا لا يمكن ذلك، لأن التعجيل بالنفر لم يقع في كل واحد من اليومين، فلا بدّ من ارتكاب مجاز، إما بأن يجعل وقوعه في أحدهما كأنه وقوع فيهما، ويصير نظير :﴿نسيا حوتهما﴾ ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ وإنما الناسي أحدهما، وكذلك، إنما يخرجان من أحدهما.
أو بأن يجعل ذلك على حذف مضاف، التقدير : فمن تعجل في ثاني يومين بعد يوم النحر، فيكون اليوم الذي بعد يوم القر المتعجل فيه، ويحتمل أن يكون المحذوف في : تمام يومين أو إكمال يومين، فلا يلزم أن يقع التعجل في شيء من اليومين، بل بعدهما.
وعلى هذا يصح أن يعد يوم النحر من الأيام المعدودات، ولا يلزم أن يكون النفر يوم القر، كما ذكره ابن عطية.
وظاهر قوله ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ الأمر بمطلق ذكر الله في أيام معدودات، ولم يبين ما هذه الأيام، لكن قوله :﴿فمن تعجل في يومين﴾ يشعر أن تلك الأيام هي التي ينفر فيها، وهي أيام التشريق، وقد قال في ( ريّ الظمآن ) : أجمع المفسرون على أن الأيام المعدودات أيام التشريق. انتهى.
وجعل الأيام ظرفاً للذكر يدل على أنه متى ذكر الله في تلك الأيام فهو المطلوب، ويشعر أنه عند رمي الجمار كون الرمي غير محصور بوقت، فناسب وقوعه في أي وقت من الأيام ذكر الله فيه، ويؤيده قوله :﴿فمن تعجل في يومين﴾ وأن الخطاب بقوله : واذكروا، ظاهر أنه للحجاج، إذ الكلام معهم، والخطاب قبلُ لهم، والإخبار بعدُ عنهم، فلا يدخل غيرهم معهم في هذا الذكر المأمور به.
ومن حمل الذكر هنا على أنه الذكر المشروع عقب الصلاة فهو منهم في الوقت وفي الكيفية.
أما وقته : فمن صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، قاله عمر، وعليّ، وابن عباس، أو : من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، قاله ابن مسعود، وعلقمة، وأبو حنيفة.
أو : من صلاة الصبح يوم عرفة إلى أن يصلي الصبح آخر أيام التشريق، وروي عن مالك هذا.
أو : من صلاة الظهر يوم النحر إلى الظهر من آخر أيام التشريق، قاله يحيى بن سعيد.
أو : من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، قاله مالك، والشافعي.
أو : من ظهر يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق، قاله ابن شهاب.
أو : من ظهر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، قاله سعيد بن جبير.
أو : من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول، قاله الحسن.
أو : من صلاة الظهر يوم عرفة إلى صلاة الظهر يوم النحر، قاله أبو وائل.
أو : من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، قاله زيد بن ثابت، وبه أخذ أبو يوسف في أحد قوليه.
وأما الكيفية : فمشهور مذهب مالك ثلاث تكبيرات وفي مذهبه أيضاً رواية أنه يزيد بعدها : لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد.
ومذهب أبي حنيفه، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر.
ومذهب الشافعي : الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وقال أبو حنيفة : يختص التكبير بإدبار الصلوات المكتوبة في جماعة، وقال مالك : مفرداً كان أو في جماعة عقب كل فريضة، وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد ؛ وعن أحمد : القولان، والمسافر كالمقيم في التكبير عند علماء الأمصار، ومشاهير الصحابة، والتابعين.
وعن أبي حنيفة : أن المسافرين إذا صلوا جماعة لا تكبير عليهم، فلو اقتدى مسافر بمقيم كبَّر، وينبغي أن يكبر عقب السلام، والجمهور يعمل شيئاً يقطع به الصلاة من الكلام وغيره، وقيل استدبار القبلة، والجمهور على ذلك، فإن نسي التكبير حين فرغ وذكر قبل أن يخرج من المجلس فينبغي أن يكبر.
وقال مالك في ( المختصر ) : يكبر ما دام في مجلسه، فإذا قام منه فلا شيء عليه وقال في ( المدوّنة ) : إن نسيه وكان قريباً قعد فكبر، أو تباعد فلا شيء عليه، وإن ذهب الامام والقوم جلوس فليكبروا، وكذلك قال أبو حنيفة، ومن نسي صلاة في أيام التشريق من تلك السنة قضاها وكبر، وإن قضى بعدها لم يكبر، ودلائل هذه المسائل مذكورة في كتب الفقة.
والذي يظهر ما قدمناه من أن هذا الخطاب هو للحجاج، وأن هذا الذكر هو ما يختص به الحاج من أفعال الحج، سواء كان الذكر عند الرمي أم عند أعقاب الصلوات، وأنه لا يشركهم غيرهم في الذكر المأمور به إلاَّ بدليل، وأن الذكر في أيام منى، وفي يوم النحر عقب الصلوات لغير الحجاج، وتعيين كيفية الذكر وابتدائه وانتهائه يحتاج إلى دليل سمعي.
﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ الظاهر أن : تعجل، هنا لازم لمقابلته بلازم في قوله ﴿من تأخر﴾ فيكون مطاوعاً لعجل، فتعجل، نحو كسره فتكسر، ومتعلق التعجل محذوف، التقدير : بالنفس، ويجوز أن يكون تعجل متعدياً ومفعوله محذوف أي : فمن تعجل النفر، ومعنى : في يومين من الأيام المعدودات.
وقالوا : المراد أنه ينفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، وسبق كلامنا على تعليق في يومين بلفظ تعجل، وظاهر قوله : فمن تعجل، العموم، فسواء في ذلك الآفاقي والمكي، لكل منهما أن ينفر في اليوم الثاني، وبهذا قال عطاء.
قال ابن المنذر : وهو يشبه مذهب الشافعي، وبه نقول، انتهى كلامه.
فتكون الرخصة لجميع الناس من أهل مكة وغيرهم.
وقال مالك وغيره : ولم يبح التعجيل إلاَّ لمن بَعُدَ قطره لا للمكي ولا للقريب إلاَّ أن يكون له عذر.
وروي عن عمر أنه قال : من شاء من الناس كلهم فلينفر في النفر الأول، إلاَّ آل خزيمة.
فإنهم لا ينفرون إلاَّ في النفر الآخر، وجعل أحمد، واسحاق قول عمر : إلاَّ آل خزيمة، أي : أنهم أهل حرم، وكان أحمد يقول : لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة.
وظاهر قوله : في يومين، أن التعجل لا يكون بالليل بل في شيء من النهار، ينفر إذا فرغ من رمي الجمار، وهو مذهب الشافعي، وهو مروي عن قتادة.
وقال أبو حنيفة : قبل طلوع الفجر، ويعني من اليوم الثالث، وروي عن عمر، وابن عامر، وجابر بن زيد، والحسن، والنخعي.
أنهم قالوا : من أدركه العصر وهو بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق لم ينفر حتى الغدو، وهذا مخالف لظاهر القرآن لأنه قال : في يومين، وما بقي من اليومين شيء فسائغ له النفر فيه، قال ابن المنذر : ويمكن أن يقولوا ذلك استحباباً.
وظاهر قوله : ومن تعجل، سقوطه الرمي عنه في اليوم الثالث، فلا يرمي جمرات اليوم الثالث في يوم نفره.
وقال ابن أبي زمنين : يرميها في يوم النفر الأول حين يريد التعجل.
قال ابن المواز : يرمي المتعجل في يومين إحدى وعشرين حصاة كل جمرة بسبع حصيات فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة، يعنى : لأنه قد رمى جمرة العقبة بسبع يوم النحر.
قال ابن المواز : ويسقط رمي اليوم الثالث.
وظاهر قوله ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل﴾ إلى آخره.
مشروعية المبيت بمنى أيام التشريق.
لأن التعجل والتأخر إنما هو في النفر من منى، وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد من الحجاج أن يبيت إلاَّ بها إلاَّ للرعاء، ومن ولي السقاية من آل العباس، فمن ترك المبيت من غيرهما ليلة من ليالي منى، فقال مالك، وأبو حنيفة : عليه دم، وقال الشافعي : من ترك المبيت في الثلاث الليالي، فإن ترك مبيت ليلة واحدة فيلزمه ثلث دم، أو مد أو درهم، ثلاثة أقوال، ولم تتعرض الآية للرمي، لا حكماً، ولا وقتاً، ولا عدداً، ولا مكاناً لشهرته عندهم.
وتؤخذ أحكامه من السنة.
وقيل : في قوله : واذكروا الله، تنبيه عليه، إذ من سنته التكبير على كل حصاة منها، فلا إثم عليه.
وقرأ سالم بن عبد الله : فلا إثم عليه، بوصل الألف، ووجهه أنه سهل الهمزة بين بين، فقربت بذلك من السكون فحذفها تشبيهاً بالألف، ثم حذف الألف لسكونها وسكون التاء، وهذا جواب الشرط إن جعلنا : مِنْ، شرطية، وهو الظاهر، وإن جعلناها موصولة كان ذلك في موضع الخبر، وظاهره نفي الإثم عنه، ففسر بأنه مغفور له، وكذلك من تأخر مغفور له لا ذنب عليه، روي هذا عن علي، وأبي ذر، وابن مسعود، وابن عباس، والشعبي، ومطرف بن الشخير، وقال معاوية بن قرة : خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وروي عن عمر ما يؤيد هذا القول، وقال مجاهد : المعنى من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام القابل.
والذي يظهر أن المعنى : فلا إثم عليه في التعجيل ولا إثم عليه في التأخير، لأن الجزاء مرتب على الشرط، والمعنى أنه لا حرج على من تعجل ولا على من تأخر، وقاله عطاء، وذلك أنه لما أمرهم تعالى بالذكر في أيام معلومات، وهذه الأيام قد