البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
النسل : مصدر : نسل ينسل، وأصله الخروج بسرعة ومن قولهم : نسل وبر البعير، وشعر الحمار، وريش الطائر : خرج فسقط منه، وقيل : النسل الخروج متتابعاً، ومنه : نسال الطائر ما تتابع سقوطه من ريشه، وقال :
فسلِّي ثيابي من ثيابك تنسل***
والإِطلاق على الولد نسلاً من إطلاق المصدر على المفعول، يسمى بذلك لخروجه من ظهر الأب، وسقوطه من بطن الأمّ بسرعة.
﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل﴾ حقيقة التولي الانصراف بالبدن، ثم اتسع فيه حتى استعمل فيما يرجع عنه من قول وفعل، ومعناه هنا، قال ابن عباس : غضب لأنه رجوع عن الرضى الذي كان قبله، وقال الحسن : انصرف عن القول الذي قاله، وقال مقاتل، وابن قتيبة : انصرف ببدنه، وقال مجاهد : من الولاية، أي : صار والياً.
والسعي حقيقة المشي بالقدمين بسرعة، وعلى ذلك حمله هنا أبو سليمان الدمشقي، وابن عباس، فيما ذكر ابن عطية عنه، والمعنى : وإذا نهض عنك يا محمد بعد إلانة القول وحلاوة المنطق، فسعى بقدميه في الأرض، فقطع الطريق وأفسد فيها، كما فعله الأخنس بثقيف.
وقيل : السعي هنا العمل، وهو مجاز سائغ في استعمال العرب، ومنه :﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن﴾ وقال الشاعر :
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة***
كفاني، ولم أطلب، قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل***
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وقال الأعشى :
وسعى لكندة غير سعي مواكل***
قيس فصدّ عدوها ونبالها
وقال آخر :
أسعى على حيي بني مالك***
كل امرىء في شأنه ساع
والمعنى : سعى بحيلة وإدارة الدوائر على الإسلام، وإلى هذا القول نحا مجاهد، وابن جريج، وذكر أيضاً عن ابن عباس : والقائلون بهذا القول : قال قوم منهم : معناه سعى فيها بالكفر، وقال قوم بالظلم.
وقد يقع السعي بالقول، يقال : سعى بين فلان وفلان نقل إليهما قولا يوجب الفرقة، ومنه :
ما قلت ما قال وشاة سعوا***
سعي عدو بيننا يرجف
في الأرض، معلوم أن السعي لا يكون إلاَّ في الأرض، لكن أفاد العموم بمعنى في : أي مكان حل منها سعى للفساد، ويدل لفظ : في الأرض، على كثرة سعيه ونقلته في نواحي الأرض، لأنه يلزم من عموم الأرض تكرار السعي وتقدّم ما يشبهه في قوله :﴿لا تفسدوا في الأرض﴾
وإذا كان المراد الأخنس فالأرض أرض المدينة، فالألف واللام للعهد.
ليفسد فيها، هذا علة سعيه، والحامل له على السعي في الأرض، والفساد ضد الصلاح، وهو معاندة الله في قوله :
﴿واستعمركم فيها﴾
والفساد يكون بأنواع من : الجور، والقتل، والنهب، والسبي، ويكون : بالكفر.
و : يهلك الحرث، والنسل، عطف هذه العلة على العلة قبلها، وهو : ليفسد فيها، وهو شبيه بقوله :﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ وقوله :
أكرّ عليهم دعلجاً ولبانه***
لأن الإفساد شامل يدخل تحته إهلاك الحرث والنسل، ولكنه خصهما بالذكر لأنهما أعظم ما يحتاج إليه في عمارة الدنيا، فكان إفسادهما غاية الإفساد.
من فسر الإفساد بالتخريب، جعل هذا من باب التفصيل بعد الإجمال.
و : يهلك الحرث والنسل، تقدم ذكر الحرث في قوله :﴿ولا تسقى الحرث﴾ وتقدم ذكر النسل في الكلام على المفردات، وعلى ما تقدم من أن الآية في الأخنس، يكون الحرث الزرع، والنسل الحمر التي قتلها، فيكون النسل المراد به الدواب ذوات النسل.
وقيل : المراد هنا بالحرث هنا النساء، وبالنسل الأولاد، وقال تعالى :﴿نساؤكم حرث لكم﴾ وذكره ابن عطية عن الزجاج احتمالاً، فيكون من الكناية، وهو من ضروب البيان.
وقرأ الجمهور : ويهلك، من أهلك.
عطفاً على : ليفسد، وقرأ أبي : وليهلك، بإظهار لام العلة، وقرأ قوم : ويهلك، من أهلك، وبرفع الكاف.
وخرج على أن يكون عطفاً على قوله : يعجبك، أو على : سعى، لأنه في معنى : يسعى، وأما على الاستئناف، أو على إضمار مبتدأ، أي : وهو يهلك.
وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وأبو حيوة، وابن محيصن : ويهلك من هلك، وبرفع الكاف، والحرث والنسل على الفاعلية، وكذلك رواه حماد بن سلمة عن ابن كثير، وعبد الوارث عن أبي عمرو، وحكى المهدوي أن الذي رواه حماد عن ابن كثير، إنما هو : ويهلك من أهلك، وبضم الكاف، الحرث بالنصب.
وقرأ قوم : ويهلك من هلك، وبفتح اللام، ورفع الكاف ورفع الحرث، وهي لغة شاذة نحو : ركن يركن، ونسبت هذه القراءة إلى الحسن الزمخشري.
قال الزمخشري : وروي عنه، يعنى عن الحسن، ويهلك مبنياً للمفعول، فيكون في هذه اللفظة ست قراءآت : ويهلك وليهلك ويهلك، وما بعد هذه الثلاثة منصوب، لأن في الفعل ضمير الفاعل، ويهلك ويهلك ويهلك، وما بعد هذه الثلاثة مرفوع بالفعل، وهذه الجملة الشرطية إما مستأنفة، وتم الكلام عند قوله : وهو ألدّ الخصام، وإما معطوفة على صلة مَنْ أو صفتها، من قوله : ويعجبك.
﴿والله لا يحب الفساد﴾ تقدمت علتان، والثانية داخلة تحت الأولى، فأخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، واكتفى بذكر الأولى لانطوائها على الثانية وإن فسرت المحبة بالإرادة، وقد جاءت كذلك في مواضع منها :﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة﴾ فلا بد من التخصيص، أي : لا يحب من أهل الصلاح الفساد، ولا يمكن الحمل على العموم إذ ذاك على مذهبنا لوقوع الفساد، فلو لم يكن مراداً لما كان واقعاً.
وقد تعلقت المعتزلة بهذه الآية في أن الله لا يريد الفساد، فما وقع منه فليس مراد الله تعالى، ولا مفعولاً له، لأنه لو فعله لكان مريداً له لاستحالة أن يفعل ما لا يريد ؛ قالوا : ويدل على أن محبته الفعل هي إرادته له، أنه غير جائز أن يحب كونه ولا يريد أن يكون، بل يكره أن يكون.
وفي هذا ما فيه من التناقض.
انتهى ما قالوا : وقيل : المعنى والله لا يحب الفساد ديناً، وقيل : هو على حذف مضاف أي : أهل الفساد، وقال ابن عباس : المعنى لا يرضى المعاصي، وقيل : عبر بالمحبة عن الأمر أي : لا يأمر بالفساد.
وقال الراغب : الإفساد إخراج الشي من حالة محمودة لا لغرض صحيح، وذلك غير موجود في فعل الله تعالى، وهذه التأويلات كلها هو على ما ذهب إليه المتكلمون من أن الحب بمعنى الإرادة، قال ابن عطية : والحب له على الإرادة مزية إيثار، فلو قال أحد : إن الفساد المراد تنقصه مزية الإيثار لصح ذلك إذ الحب من الله تعالى إنما هو لما حسن من جميع جهاته.
انتهى كلامه.
وإذا صح هذا اتضح الفرق بين الإرادة والمحبة، وصح أن الله يريد الشيء ولا يحبه.
وقال بعضهم : سوَّى المعتزلة بين المحبة والإرادة واستدلوا بهذه، وجمهور العلماء على خلاف ذلك، والفرق بين الإرادة والمحبة بيِّن، فإن الإنسان يريد بطىء الجرح ولا يحبه وإذا بان في المعقول الفرق بين الإرادة والمحبة بطل ادّعاؤهم التساوي بينهما، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى :﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ انتهى كلامه.
وجاء في كتاب الله تعالى نفي محبة الله تعالى أشياء، إذ لا واسطة بين الحب وعدمه بالنسبة إليه تعالى، بخلاف غيره، فإنه قد يعرف عنهما فالمحبة ومقابلها بالنسبة إلى الله تعالى نقيضان، وبالنسبة إلى غيره ضدّان، وظاهر الفساد يعم كل فساد في أرض أو مال أو دين، وقد استدل عطاء بقوله :﴿والله لا يحب الفساد﴾ على منع شق الإنسان ثوبه.
وقال ابن عباس : الفساد هنا الخراب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من أواخر أقوال الحج وأفعاله الأمر بذكر الله في أيام معدودات، أي : قلائل، ودل الذكر على الرمي وإن لم يصرح به، لأن الذكر المأمور به في تلك الأيام هو عند الرمي، ودل الأمر على مشروعيته في أيام، وهو : جمع، ثم رخص في التعجيل عند انقضاء يومين منها، فسقط الذكر المختص به اليوم الثالث، وأخبر أن حال المتعجل والمتأخر سواء في عدم الإثم، وإن كان حال من تأخر أفضل، وكان بعض الجاهلية يعتقد أن من تعجل أثم، وبعضهم يعتقد أن من تأخر أثم، فلذلك أخبر أن الله رفع الإثم عنهما، إذ كان التعجل والتأخر مما شرعه الله تعالى، ثم أخبر أن ارتفاع الإثم لا يكون إلا لمن اتقى الله تعالى.
ثم أمر بالتقوى، وتكرار الأمر بها في الحج، ثم ذكر الحامل على التلبس بالتقوى، وهو كونه تعالى شديد العقاب لمن لم يتقه.
ثم لما كانت التقوى تنقسم إلى من يظهرها بلسانه وقلبه منطو على خلافها، وإلى من تساوى سريرته وعلانيته في التقوى، قسم الله تعالى ذلك إلى قسمين، فقال :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ أي : يؤنقك ويروق لفظه، يحسن ما يأتي به من الموافقة والطواعية ظاهراً، ثم لا يكتفي بما زوّر ونمق من كلامه اللطيف حتى يشهد الله على ما في قلبه من ذلك، فيحلف بالله أن سريرته مثل علانيته، وهو إذا خاصم كان شديد الخصومة.
وإذا خرج من عندك تقلب في نواحي الأرض، ثم ذكر تعالى سبب سعيه وأنه للإفساد مطلقاً، وليهلك الحرث والنسل اللذين هما قوام الوجود، ثم أخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، فهذا المتولي الساعي في الأرض يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، ثم ذكر أنه من شدّة الشكيمة في النفاق إذا أمر بتقوى الله تعالى استولت عليه الأنفة والغضب بالإثم.
أي : مصحوباً بالإثم فليس غضبه لله. إنما هو لغير الله، فلذلك استصحبه الإثم.
ثم ذكر تعالى ما يؤول إليه حال هذا الآنف المغترّ بغير الله، وهو جهنم، فهي كافية له، ومبدلته بعد عزه ذلاً، ثم ذمّ تعالى ما مهد لنفسه من جهنم، وبئس الغاية الذم.
ثم ذكر تعالى القسم المقابل لهذا القسم، وهو : من باع نفسه في طلاب رضى الله تعالى، واكتفى بهذا الوصف الشريف، إذ دل على انطوائه على جميع الطاعات والانقيادات، إذ صار عبد الله يوجد حيث رضي الله تعالى، ثم ذكر تعالى أن من كان بهذه المثابة رأف الله به ورحمه، ورأفة الله به تتضمن اللطف به والإحسان إليه بجميع أنواع الإحسان، وذكر الرأفة التي هي، قيل : أرق من الرحمة.
ثم نادى المؤمنين بقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأمرهم بالدخول في الإسلام، وثنى بالنهي، لأن الأمر أشق من النهي، لأن الأمر فعل والنهي ترك، ولمجاورته قوله :﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ فصار نظير :﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ ولما نهاهم تعالى عن اتباع خطوات الشيطان، وهي : سلوك معاصي الله، أخبر أنه إن زلوا من بعد ما أتتهم البينات الواضحة النيرة التي لا ينبغي أن يقع الزلل معها، لأن في ايضاحها ما يزيل اللبس، فاعلموا أن الله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الزلل بعد وضوح الآيات التي تقتضي الثبوت في الطاعة بما يناسب ذلك الزلل، فدل بعزته على القدرة، وبحكمته على جزاء العاصي والطائع :﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾
ثم أعرض تعالى عن خطابهم، وأخبر عنهم إخبار الغائبين، مسلياً لرسوله عن تباطئهم في الدخول في الإسلام، فقال : ما ينتظرون إلاَّ قيام الساعة يوم فصل الله بين العباد، وقضاء الأمر، ورجوع جميع الأمور إليه، فهناك تظهر ثمرة ما جنوا على أنفسهم، كما جاء في الحديث :« إن يوم القيامة يأتيهم الله في صورة » كذا، على ما يليق بتقديسه عن جميع ما يشبه المخلوقين، وننزهه عما يستحيل عليه من سمات الحدوث وصفات النقص.
ثم قال تعالى :﴿سل بني إسرائيل﴾ منبهاً على أن دأب من أرسل إليه الأنبياء، وظهرت لهم المعجزات الإعراض عن ذلك، وعدم قبول الإيمان، وأنهم يرتبون على الشيء غير مقتضاه، فيكذبون بالآيات التي جاءت دالة على الصدق.
ثم أخبر تعالى : أن من بدل نعمة الله عاقبه أشدّ العقاب، قابل نعمة الله التي هي مظنة الشكر بالكفر، ثم ذكر تعالى الحامل لهم على تبديل نعم الله، وهو : تزيين الحياة الدنيا، فرغبوا في الفاني وزهدو ا في الباقي إيثاراً للعاجل على الآجل، ثم ذكر مع ذلك استهزاءهم بالمؤمنين، حيث ما يتوهم في وصف الإيمان، والرغبة فيما عند الله تعالى، وذكر أنهم هم العالون يوم القيامة، ودل بذلك على أن أولئك هم السافلون، ثم ذكر أنه يرزق المؤمنين، وهم الذين يحبهم، بغير حساب، إشارة إلى سعة الرزق وعدم التقتير، والتقدير : وأعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء، تنبيهاً على إرادته لهم، ومحبته إياهم، واختصاصهم به، إذ لو قال : والله يرزقهم بغير حساب، لفات هذا المعنى من ذكر المشيئة التي هي الإرادة.
فسلِّي ثيابي من ثيابك تنسل***
والإِطلاق على الولد نسلاً من إطلاق المصدر على المفعول، يسمى بذلك لخروجه من ظهر الأب، وسقوطه من بطن الأمّ بسرعة.
﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل﴾ حقيقة التولي الانصراف بالبدن، ثم اتسع فيه حتى استعمل فيما يرجع عنه من قول وفعل، ومعناه هنا، قال ابن عباس : غضب لأنه رجوع عن الرضى الذي كان قبله، وقال الحسن : انصرف عن القول الذي قاله، وقال مقاتل، وابن قتيبة : انصرف ببدنه، وقال مجاهد : من الولاية، أي : صار والياً.
والسعي حقيقة المشي بالقدمين بسرعة، وعلى ذلك حمله هنا أبو سليمان الدمشقي، وابن عباس، فيما ذكر ابن عطية عنه، والمعنى : وإذا نهض عنك يا محمد بعد إلانة القول وحلاوة المنطق، فسعى بقدميه في الأرض، فقطع الطريق وأفسد فيها، كما فعله الأخنس بثقيف.
وقيل : السعي هنا العمل، وهو مجاز سائغ في استعمال العرب، ومنه :﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن﴾ وقال الشاعر :
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة***
كفاني، ولم أطلب، قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل***
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وقال الأعشى :
وسعى لكندة غير سعي مواكل***
قيس فصدّ عدوها ونبالها
وقال آخر :
أسعى على حيي بني مالك***
كل امرىء في شأنه ساع
والمعنى : سعى بحيلة وإدارة الدوائر على الإسلام، وإلى هذا القول نحا مجاهد، وابن جريج، وذكر أيضاً عن ابن عباس : والقائلون بهذا القول : قال قوم منهم : معناه سعى فيها بالكفر، وقال قوم بالظلم.
وقد يقع السعي بالقول، يقال : سعى بين فلان وفلان نقل إليهما قولا يوجب الفرقة، ومنه :
ما قلت ما قال وشاة سعوا***
سعي عدو بيننا يرجف
في الأرض، معلوم أن السعي لا يكون إلاَّ في الأرض، لكن أفاد العموم بمعنى في : أي مكان حل منها سعى للفساد، ويدل لفظ : في الأرض، على كثرة سعيه ونقلته في نواحي الأرض، لأنه يلزم من عموم الأرض تكرار السعي وتقدّم ما يشبهه في قوله :﴿لا تفسدوا في الأرض﴾
وإذا كان المراد الأخنس فالأرض أرض المدينة، فالألف واللام للعهد.
ليفسد فيها، هذا علة سعيه، والحامل له على السعي في الأرض، والفساد ضد الصلاح، وهو معاندة الله في قوله :
﴿واستعمركم فيها﴾
والفساد يكون بأنواع من : الجور، والقتل، والنهب، والسبي، ويكون : بالكفر.
و : يهلك الحرث، والنسل، عطف هذه العلة على العلة قبلها، وهو : ليفسد فيها، وهو شبيه بقوله :﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ وقوله :
أكرّ عليهم دعلجاً ولبانه***
لأن الإفساد شامل يدخل تحته إهلاك الحرث والنسل، ولكنه خصهما بالذكر لأنهما أعظم ما يحتاج إليه في عمارة الدنيا، فكان إفسادهما غاية الإفساد.
من فسر الإفساد بالتخريب، جعل هذا من باب التفصيل بعد الإجمال.
و : يهلك الحرث والنسل، تقدم ذكر الحرث في قوله :﴿ولا تسقى الحرث﴾ وتقدم ذكر النسل في الكلام على المفردات، وعلى ما تقدم من أن الآية في الأخنس، يكون الحرث الزرع، والنسل الحمر التي قتلها، فيكون النسل المراد به الدواب ذوات النسل.
وقيل : المراد هنا بالحرث هنا النساء، وبالنسل الأولاد، وقال تعالى :﴿نساؤكم حرث لكم﴾ وذكره ابن عطية عن الزجاج احتمالاً، فيكون من الكناية، وهو من ضروب البيان.
وقرأ الجمهور : ويهلك، من أهلك.
عطفاً على : ليفسد، وقرأ أبي : وليهلك، بإظهار لام العلة، وقرأ قوم : ويهلك، من أهلك، وبرفع الكاف.
وخرج على أن يكون عطفاً على قوله : يعجبك، أو على : سعى، لأنه في معنى : يسعى، وأما على الاستئناف، أو على إضمار مبتدأ، أي : وهو يهلك.
وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وأبو حيوة، وابن محيصن : ويهلك من هلك، وبرفع الكاف، والحرث والنسل على الفاعلية، وكذلك رواه حماد بن سلمة عن ابن كثير، وعبد الوارث عن أبي عمرو، وحكى المهدوي أن الذي رواه حماد عن ابن كثير، إنما هو : ويهلك من أهلك، وبضم الكاف، الحرث بالنصب.
وقرأ قوم : ويهلك من هلك، وبفتح اللام، ورفع الكاف ورفع الحرث، وهي لغة شاذة نحو : ركن يركن، ونسبت هذه القراءة إلى الحسن الزمخشري.
قال الزمخشري : وروي عنه، يعنى عن الحسن، ويهلك مبنياً للمفعول، فيكون في هذه اللفظة ست قراءآت : ويهلك وليهلك ويهلك، وما بعد هذه الثلاثة منصوب، لأن في الفعل ضمير الفاعل، ويهلك ويهلك ويهلك، وما بعد هذه الثلاثة مرفوع بالفعل، وهذه الجملة الشرطية إما مستأنفة، وتم الكلام عند قوله : وهو ألدّ الخصام، وإما معطوفة على صلة مَنْ أو صفتها، من قوله : ويعجبك.
﴿والله لا يحب الفساد﴾ تقدمت علتان، والثانية داخلة تحت الأولى، فأخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، واكتفى بذكر الأولى لانطوائها على الثانية وإن فسرت المحبة بالإرادة، وقد جاءت كذلك في مواضع منها :﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة﴾ فلا بد من التخصيص، أي : لا يحب من أهل الصلاح الفساد، ولا يمكن الحمل على العموم إذ ذاك على مذهبنا لوقوع الفساد، فلو لم يكن مراداً لما كان واقعاً.
وقد تعلقت المعتزلة بهذه الآية في أن الله لا يريد الفساد، فما وقع منه فليس مراد الله تعالى، ولا مفعولاً له، لأنه لو فعله لكان مريداً له لاستحالة أن يفعل ما لا يريد ؛ قالوا : ويدل على أن محبته الفعل هي إرادته له، أنه غير جائز أن يحب كونه ولا يريد أن يكون، بل يكره أن يكون.
وفي هذا ما فيه من التناقض.
انتهى ما قالوا : وقيل : المعنى والله لا يحب الفساد ديناً، وقيل : هو على حذف مضاف أي : أهل الفساد، وقال ابن عباس : المعنى لا يرضى المعاصي، وقيل : عبر بالمحبة عن الأمر أي : لا يأمر بالفساد.
وقال الراغب : الإفساد إخراج الشي من حالة محمودة لا لغرض صحيح، وذلك غير موجود في فعل الله تعالى، وهذه التأويلات كلها هو على ما ذهب إليه المتكلمون من أن الحب بمعنى الإرادة، قال ابن عطية : والحب له على الإرادة مزية إيثار، فلو قال أحد : إن الفساد المراد تنقصه مزية الإيثار لصح ذلك إذ الحب من الله تعالى إنما هو لما حسن من جميع جهاته.
انتهى كلامه.
وإذا صح هذا اتضح الفرق بين الإرادة والمحبة، وصح أن الله يريد الشيء ولا يحبه.
وقال بعضهم : سوَّى المعتزلة بين المحبة والإرادة واستدلوا بهذه، وجمهور العلماء على خلاف ذلك، والفرق بين الإرادة والمحبة بيِّن، فإن الإنسان يريد بطىء الجرح ولا يحبه وإذا بان في المعقول الفرق بين الإرادة والمحبة بطل ادّعاؤهم التساوي بينهما، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى :﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ انتهى كلامه.
وجاء في كتاب الله تعالى نفي محبة الله تعالى أشياء، إذ لا واسطة بين الحب وعدمه بالنسبة إليه تعالى، بخلاف غيره، فإنه قد يعرف عنهما فالمحبة ومقابلها بالنسبة إلى الله تعالى نقيضان، وبالنسبة إلى غيره ضدّان، وظاهر الفساد يعم كل فساد في أرض أو مال أو دين، وقد استدل عطاء بقوله :﴿والله لا يحب الفساد﴾ على منع شق الإنسان ثوبه.
وقال ابن عباس : الفساد هنا الخراب.
ثم أمر بالتقوى، وتكرار الأمر بها في الحج، ثم ذكر الحامل على التلبس بالتقوى، وهو كونه تعالى شديد العقاب لمن لم يتقه.
ثم لما كانت التقوى تنقسم إلى من يظهرها بلسانه وقلبه منطو على خلافها، وإلى من تساوى سريرته وعلانيته في التقوى، قسم الله تعالى ذلك إلى قسمين، فقال :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ أي : يؤنقك ويروق لفظه، يحسن ما يأتي به من الموافقة والطواعية ظاهراً، ثم لا يكتفي بما زوّر ونمق من كلامه اللطيف حتى يشهد الله على ما في قلبه من ذلك، فيحلف بالله أن سريرته مثل علانيته، وهو إذا خاصم كان شديد الخصومة.
وإذا خرج من عندك تقلب في نواحي الأرض، ثم ذكر تعالى سبب سعيه وأنه للإفساد مطلقاً، وليهلك الحرث والنسل اللذين هما قوام الوجود، ثم أخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، فهذا المتولي الساعي في الأرض يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، ثم ذكر أنه من شدّة الشكيمة في النفاق إذا أمر بتقوى الله تعالى استولت عليه الأنفة والغضب بالإثم.
أي : مصحوباً بالإثم فليس غضبه لله. إنما هو لغير الله، فلذلك استصحبه الإثم.
ثم ذكر تعالى ما يؤول إليه حال هذا الآنف المغترّ بغير الله، وهو جهنم، فهي كافية له، ومبدلته بعد عزه ذلاً، ثم ذمّ تعالى ما مهد لنفسه من جهنم، وبئس الغاية الذم.
ثم ذكر تعالى القسم المقابل لهذا القسم، وهو : من باع نفسه في طلاب رضى الله تعالى، واكتفى بهذا الوصف الشريف، إذ دل على انطوائه على جميع الطاعات والانقيادات، إذ صار عبد الله يوجد حيث رضي الله تعالى، ثم ذكر تعالى أن من كان بهذه المثابة رأف الله به ورحمه، ورأفة الله به تتضمن اللطف به والإحسان إليه بجميع أنواع الإحسان، وذكر الرأفة التي هي، قيل : أرق من الرحمة.
ثم نادى المؤمنين بقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأمرهم بالدخول في الإسلام، وثنى بالنهي، لأن الأمر أشق من النهي، لأن الأمر فعل والنهي ترك، ولمجاورته قوله :﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ فصار نظير :﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ ولما نهاهم تعالى عن اتباع خطوات الشيطان، وهي : سلوك معاصي الله، أخبر أنه إن زلوا من بعد ما أتتهم البينات الواضحة النيرة التي لا ينبغي أن يقع الزلل معها، لأن في ايضاحها ما يزيل اللبس، فاعلموا أن الله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الزلل بعد وضوح الآيات التي تقتضي الثبوت في الطاعة بما يناسب ذلك الزلل، فدل بعزته على القدرة، وبحكمته على جزاء العاصي والطائع :﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾
ثم أعرض تعالى عن خطابهم، وأخبر عنهم إخبار الغائبين، مسلياً لرسوله عن تباطئهم في الدخول في الإسلام، فقال : ما ينتظرون إلاَّ قيام الساعة يوم فصل الله بين العباد، وقضاء الأمر، ورجوع جميع الأمور إليه، فهناك تظهر ثمرة ما جنوا على أنفسهم، كما جاء في الحديث :« إن يوم القيامة يأتيهم الله في صورة » كذا، على ما يليق بتقديسه عن جميع ما يشبه المخلوقين، وننزهه عما يستحيل عليه من سمات الحدوث وصفات النقص.
ثم قال تعالى :﴿سل بني إسرائيل﴾ منبهاً على أن دأب من أرسل إليه الأنبياء، وظهرت لهم المعجزات الإعراض عن ذلك، وعدم قبول الإيمان، وأنهم يرتبون على الشيء غير مقتضاه، فيكذبون بالآيات التي جاءت دالة على الصدق.
ثم أخبر تعالى : أن من بدل نعمة الله عاقبه أشدّ العقاب، قابل نعمة الله التي هي مظنة الشكر بالكفر، ثم ذكر تعالى الحامل لهم على تبديل نعم الله، وهو : تزيين الحياة الدنيا، فرغبوا في الفاني وزهدو ا في الباقي إيثاراً للعاجل على الآجل، ثم ذكر مع ذلك استهزاءهم بالمؤمنين، حيث ما يتوهم في وصف الإيمان، والرغبة فيما عند الله تعالى، وذكر أنهم هم العالون يوم القيامة، ودل بذلك على أن أولئك هم السافلون، ثم ذكر أنه يرزق المؤمنين، وهم الذين يحبهم، بغير حساب، إشارة إلى سعة الرزق وعدم التقتير، والتقدير : وأعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء، تنبيهاً على إرادته لهم، ومحبته إياهم، واختصاصهم به، إذ لو قال : والله يرزقهم بغير حساب، لفات هذا المعنى من ذكر المشيئة التي هي الإرادة.