البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
جهنم : علم للنار وقيل : إسم الدرك الأسفل فيها، وهي عربية مشتقة من قولهم : ركية جهنام إذا كانت بعيدة القعر، وقد سمي الرجل بجهنام أيضاً فهو علم، وكلاهما من الجهم وهو الكراهة والغلظة، فالنون على هذا زائدة، فوزنه : فعنل، وقد نصوا على أن جهناماً وزنه فعنال.
وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن فعنلاً بناء مفقود في كلامهم، وجعل دونكاً : فعللا، كعدبس.
والواو أصل في بنات الأربعة كهي في : ورنتل، والصحيح إثبات هذا البناء.
وجاءت منه ألفاظ، قالوا : ضغنط من الضغاطة، وهي الضخامة، وسفنج، وهجنف : للظليم والزونك : القصير سمي بذلك لأنه يزوك في مشيته.
أي : يتبختر، قال حسان :
أجمعت أنك أنت ألأم من مشىفي فحش زانيةٍ وزوكِ غراب
وقال بعضهم في معناه : زونكي.
وهذا كله يدل على زيادة النون في : جهنم وامتنعت الصرف للعلمية والتأنيث، وقيل : هي أعجمية وأصلها كهنام، فعربت بإبدال من الكاف جيماً.
وبإسقاط الألف، ومنعت الصرف على هذا للعجمة والعلمية.
حسب : بمعنى : كافٍ، تقول أحسبني الشيء : كفاني، فوقع حسب موقع : محسب، ويستعمل مبتدأ فيجر خبره بباء زائدة، وإذا استعمل خبراً لا يزاد فيه الباء وصفة فيضاف، ولا يتعرف إذا أضيف إلى معرفة، تقول : مررت برجل حسبك، ويجيء معه التمييز نحو : برجل حسبك من رجل ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وإن كان صفة لمثنى أو مجموع أو مؤنث لأنه مصدر.
المهاد : الفراش وهو ما وطىء للنوم، وقيل : هو جمع مهد، وهو الموضع المهيأ للنوم.
﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ تحتمل أيضاً هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وتحتمل أن تكون داخلة في الصلة، تقدم الكلام في نحو هذا في قوله :﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض﴾ و : ما، الذي أقيم مقام الفاعل، فأغنى عن ذكره هنا، و : أخذته العزة، احتوت عليه وأحاطت به، وصار كالمأخوذ لها كما يأخذ الشيء باليد.
قال الزمخشري : من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه، وألزمته إياه، أي : حملته العزة التي فيه، وحمية الجاهلية، على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأن لا يخلى عنه ضرراً ولجاجاً، أو على رد قول الواعظ.
انتهى كلامه.
فالباء، على كلامه للتعدية، كأن المعنى ألزمته العزة الإثم، والتعدية بالباء بابها الفعل اللازم، نحو :﴿لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ أي : لأذهب سمعهم، وندرت التعدية بالباء في المتعدي، نحو : صككت الحجر بالحجر، أي أصككت الحجر الحجر، بمعنى جعلت أحدهما يصك الآخر، ويحتمل الباء أن تكون للمصاحبة، أي : أخذته مصحوباً بالإثم، أو مصحوبة بالإثم، فيكون للحال من المفعول أو الفاعل، ويحتمل أن تكون سببية، والمعنى : أن إثمه السابق كان سبباً لأخذ العزة له، حتى لا يقبل ممن يأمره بتقوى الله تعالى، فتكون الباء هنا : كمن، في قول الشاعر :
أخذته عزة من جهلهفتولى مغضباً فعل الضَّجر
وعلى أن تكون : الباء، سببية فسره الحسن، قال.
أي من أجل الإثم الذي في قلبه، يعني الكفر.
وقد فسرت العزة بالقوة وبالحمية والمنعة، وكلها متقاربة.
وفي قوله :﴿أخذته العزة بالإثم﴾ نوع من البديع يسمى التتميم، وهو إرداف الكلام بكلمة يرفع عنه اللبس، وتقربه للفهم، كقوله تعالى :﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾ وذلك أن العزة محمودة ومذمومة، فالمحمودة طاعة الله، كما قال :﴿أعزة على الكافرين﴾ ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾ فلما قال : بالإثم، اتضح المعنى وتم، وتبين أنها العزة المذمومة المؤثم صاحبها.
قال ابن مسعود : لا ينبغي للرجل أن يغضب إذا قيل له اتق الله، أو تقول : أو لِمثْلي يقال هذا ؟ وقيل لعمر : اتق الله، فوضع خدّه على الأرض تواضعاً، وقيل : سجد، وقال : هذا مقدرتي.
وتردّد يهودي إلى باب هارون الرشيد، سنة فلم يقض له حاجة، فتحيل حتى وقف بين يديه، فقال : اتق الله يا أمير المؤمنين : فنزل هارون عن دابته، وخرَّ ساجداً، وقضى حاجته، فقيل له في ذلك، فقال : تذكرت قوله تعالى :﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزّة بالإثم﴾
﴿فحسبه جهنم﴾ أي : كافيه جزاءً وإذلالاً جهنم، وهي جملة مركبة من مبتدأ وخبر، وذهب بعضهم إلى أن جهنم فاعل : بحسبه، لأنه جعله اسم فعل، إما بمعنى الفعل الماضي، أي : كفاه جهنم، أو : بمعنى فعل الأمر، ودخول حرف الجر عليه واستعماله صفة، وجريان حركات الإعراب عليه يبطل كونه اسم فعل، وقوبل على اعتزازه بعذاب جهنم، وهو الغاية في الذل، ولما كان قوله : اتق الله، حل به ما أمر أن يتقيه، وهو : عذاب الله، وفي قوله : فحسبه جهنم، استعظام لما حل به من العذاب، كما تقول للرجل : كفاك ما حل بك ! إذا استعظمت وعظمت عليه ما حل به.
﴿ولبئس المهاد﴾ تقدّم الكلام في : بئس، والخلاف في تركيب مثل هذه الجملة مذكور في علم النحو، لكن التفريع على مذهب البصريين في أن : بئس ونعم، فعلان جامدان، وأن المرفوع بعدهما فاعل بهما، وأن المخصوص بالذّم، إن تقدم، فهو مبتدأ، وإن تأخر فكذلك، هذا مذهب سيبويه.
وحذف هنا المخصوص بالذم للعلم به إذ هو متقدّم، والتقدير : ولبئس المهاد جهنم.
أو : هي، وبهذا الحذف يبطل مذهب من زعم أن المخصوص بالمدح أو بالذمّ إذا تأخر كان خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، لأنه يلزم من حذفه حذف الجملة بأسرها من غير أن ينوب عنها شيء، لأنها تبقى جملة مفلتة من الجملة السابقة قبلها، إذ ليس لها موضع من الإعراب، ولا هي اعتراضية ولا تفسيرية، لأنهما مستغنى عنهما وهذه لا يستغنى عنها، فصارت مرتبطة غير مرتبطة، وذلك لا يجوز.
وإذا جعلنا المحذوف من قبيل المفرد.
كان فيما قبله ما يدل على حذفه، وتكون جملة واحدة كحاله إذا تقدّم، وأنت لا ترى فرقاً بين قولك : زيد نعم الرجل، ونعم الرجل زيد، كما لا تجد فرقاً بين : زيد قام أبوه، وبين : قام أبوه زيد، وحسن حذف المخصوص بالذمّ هنا كون المهاد وقع فاصلة، وكثيراً ما حذف في القرآن لهذا المعنى نحو قوله :﴿فنعم المولى ونعم النصير﴾ ﴿ولبئس مثوى المتكبرين﴾ وجعل ما أعد لهم مهاداً على سبيل الهزء بهم، إذ المهاد : هو ما يستريح به الإنسان ويوطأ له للنوم، ومثله قول الشاعر :
وخيل قد دلفت لها بخيلتحية بينهم ضرب وجيع
أي : القائم مقام التحية هو الضرب الوجيع، وكذلك القائم مقام المهاد لهم هو المستقر في النار.
وفي هذه الآية، والتي قبلها من علم البديع : التقسيم، وقد ذكرنا مناسبة هذا التقسيم للتقسيم السابق قبله في قوله :﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا﴾ قال بعض الناس : في هذه الآيات نوع من البديع، وهو التقديم والتأخير، وهو من ضروب البيان في النثر والنظم دليل على قوة الملكة في ضروب من الكلام، وذلك قوله :﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ متقدم على قوله :﴿فمن الناس من يقول﴾ لأن قوله :﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ معطوف عليه، قوله :﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾ وقوله :﴿فمن الناس من يقول﴾ معطوف على قوله :﴿ومنهم من يقول﴾ وقوله :﴿ومنهم من يقول﴾ معطوف على قوله :﴿ومن الناس من يعجبك﴾ وعلى قوله :﴿ومن الناس من يشري﴾ فيصير الكلام معطوفاً على الذكر لأنه مناسب لما قبله من المعنى، ويصير التقسيم معطوفاً بعضه على بعض، لأن التقسيم الأول في معنى الثاني، فيتحد المعنى ويتسق اللفظ، ثم قال : ومثل هذا، فذكر قصة البقرة، وقتل النفس، وقصة المتوفى عنها زوجها، في الآيتين، قال : ومثل هذا في القرآن كثير، يعني : التقديم والتأخير، ولا يذهب إلى ما ذكره، ولا تقديم ولا تأخير في القرآن، لأن التقديم والتأخير عندنا من باب الضرورات، وتنزه كتاب الله تعالى عنه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من أواخر أقوال الحج وأفعاله الأمر بذكر الله في أيام معدودات، أي : قلائل، ودل الذكر على الرمي وإن لم يصرح به، لأن الذكر المأمور به في تلك الأيام هو عند الرمي، ودل الأمر على مشروعيته في أيام، وهو : جمع، ثم رخص في التعجيل عند انقضاء يومين منها، فسقط الذكر المختص به اليوم الثالث، وأخبر أن حال المتعجل والمتأخر سواء في عدم الإثم، وإن كان حال من تأخر أفضل، وكان بعض الجاهلية يعتقد أن من تعجل أثم، وبعضهم يعتقد أن من تأخر أثم، فلذلك أخبر أن الله رفع الإثم عنهما، إذ كان التعجل والتأخر مما شرعه الله تعالى، ثم أخبر أن ارتفاع الإثم لا يكون إلا لمن اتقى الله تعالى.
ثم أمر بالتقوى، وتكرار الأمر بها في الحج، ثم ذكر الحامل على التلبس بالتقوى، وهو كونه تعالى شديد العقاب لمن لم يتقه.
ثم لما كانت التقوى تنقسم إلى من يظهرها بلسانه وقلبه منطو على خلافها، وإلى من تساوى سريرته وعلانيته في التقوى، قسم الله تعالى ذلك إلى قسمين، فقال :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ أي : يؤنقك ويروق لفظه، يحسن ما يأتي به من الموافقة والطواعية ظاهراً، ثم لا يكتفي بما زوّر ونمق من كلامه اللطيف حتى يشهد الله على ما في قلبه من ذلك، فيحلف بالله أن سريرته مثل علانيته، وهو إذا خاصم كان شديد الخصومة.
وإذا خرج من عندك تقلب في نواحي الأرض، ثم ذكر تعالى سبب سعيه وأنه للإفساد مطلقاً، وليهلك الحرث والنسل اللذين هما قوام الوجود، ثم أخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، فهذا المتولي الساعي في الأرض يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، ثم ذكر أنه من شدّة الشكيمة في النفاق إذا أمر بتقوى الله تعالى استولت عليه الأنفة والغضب بالإثم.
أي : مصحوباً بالإثم فليس غضبه لله. إنما هو لغير الله، فلذلك استصحبه الإثم.
ثم ذكر تعالى ما يؤول إليه حال هذا الآنف المغترّ بغير الله، وهو جهنم، فهي كافية له، ومبدلته بعد عزه ذلاً، ثم ذمّ تعالى ما مهد لنفسه من جهنم، وبئس الغاية الذم.
ثم ذكر تعالى القسم المقابل لهذا القسم، وهو : من باع نفسه في طلاب رضى الله تعالى، واكتفى بهذا الوصف الشريف، إذ دل على انطوائه على جميع الطاعات والانقيادات، إذ صار عبد الله يوجد حيث رضي الله تعالى، ثم ذكر تعالى أن من كان بهذه المثابة رأف الله به ورحمه، ورأفة الله به تتضمن اللطف به والإحسان إليه بجميع أنواع الإحسان، وذكر الرأفة التي هي، قيل : أرق من الرحمة.
ثم نادى المؤمنين بقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأمرهم بالدخول في الإسلام، وثنى بالنهي، لأن الأمر أشق من النهي، لأن الأمر فعل والنهي ترك، ولمجاورته قوله :﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ فصار نظير :﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ ولما نهاهم تعالى عن اتباع خطوات الشيطان، وهي : سلوك معاصي الله، أخبر أنه إن زلوا من بعد ما أتتهم البينات الواضحة النيرة التي لا ينبغي أن يقع الزلل معها، لأن في ايضاحها ما يزيل اللبس، فاعلموا أن الله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الزلل بعد وضوح الآيات التي تقتضي الثبوت في الطاعة بما يناسب ذلك الزلل، فدل بعزته على القدرة، وبحكمته على جزاء العاصي والطائع :﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾
ثم أعرض تعالى عن خطابهم، وأخبر عنهم إخبار الغائبين، مسلياً لرسوله عن تباطئهم في الدخول في الإسلام، فقال : ما ينتظرون إلاَّ قيام الساعة يوم فصل الله بين العباد، وقضاء الأمر، ورجوع جميع الأمور إليه، فهناك تظهر ثمرة ما جنوا على أنفسهم، كما جاء في الحديث :« إن يوم القيامة يأتيهم الله في صورة » كذا، على ما يليق بتقديسه عن جميع ما يشبه المخلوقين، وننزهه عما يستحيل عليه من سمات الحدوث وصفات النقص.
ثم قال تعالى :﴿سل بني إسرائيل﴾ منبهاً على أن دأب من أرسل إليه الأنبياء، وظهرت لهم المعجزات الإعراض عن ذلك، وعدم قبول الإيمان، وأنهم يرتبون على الشيء غير مقتضاه، فيكذبون بالآيات التي جاءت دالة على الصدق.
ثم أخبر تعالى : أن من بدل نعمة الله عاقبه أشدّ العقاب، قابل نعمة الله التي هي مظنة الشكر بالكفر، ثم ذكر تعالى الحامل لهم على تبديل نعم الله، وهو : تزيين الحياة الدنيا، فرغبوا في الفاني وزهدو ا في الباقي إيثاراً للعاجل على الآجل، ثم ذكر مع ذلك استهزاءهم بالمؤمنين، حيث ما يتوهم في وصف الإيمان، والرغبة فيما عند الله تعالى، وذكر أنهم هم العالون يوم القيامة، ودل بذلك على أن أولئك هم السافلون، ثم ذكر أنه يرزق المؤمنين، وهم الذين يحبهم، بغير حساب، إشارة إلى سعة الرزق وعدم التقتير، والتقدير : وأعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء، تنبيهاً على إرادته لهم، ومحبته إياهم، واختصاصهم به، إذ لو قال : والله يرزقهم بغير حساب، لفات هذا المعنى من ذكر المشيئة التي هي الإرادة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى