تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
)سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ( البقرة : ٢١١ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿سل﴾ أصلها اسأل ؛ فنقلت حركة الهمزة إلى السين، ثم حذفت تخفيفاً ؛ ثم حذفت همزة الوصل لعدم الحاجة إليها ؛ و ﴿كم﴾ استفهامية علقت الفعل ﴿سل﴾ عن العمل ؛ فصارت هي، وجملتها في محل نصب ؛ وأصله سل فلاناً عن كذا، وكذا ؛ فعلقت الفعل عن المفعول الثاني ؛ و ﴿كم﴾ تحتاج إلى مميِّز ؛ لأن ﴿كم﴾ اسم مبهم تدل على عدد ؛ والمعدود : قوله تعالى :﴿من آية بينة﴾ ؛ و ﴿آتينا﴾ أي أعطينا ؛ وهي تنصب مفعولين ؛ المفعول الأول : الهاء ؛ والمفعول الثاني : محذوف ؛ والتقدير : كم من آية بينة آتيناهموها ؛ وعاد الضمير المحذوف إلى متأخر لفظاً ؛ لأنه متقدم رتبة ؛ إذ ﴿من آية﴾ كان حقها أن تكون بعد ﴿كم﴾ ؛ وجملة :﴿ومن يبدل...﴾ شرطية ؛ و ﴿مَن﴾ اسم شرط جازم ؛ ولهذا جزمت الفعل ؛ وجوابه مفهوم من قوله تعالى :﴿فإن الله شديد العقاب﴾ ؛ فالجملة هنا دالة على الجواب، وليست هي الجواب ؛ لأن شدة عقاب الله ثابتة سواء بدلوا، أم لم يبدلوا.
قوله تعالى :﴿سل بني إسرائيل﴾ ؛ الخطاب هل هو للرسول وحده ؛ أو لكل من يتأتى خطابه ؟ مثل هذه الخطابات تارة يقوم الدليل على أنها خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم، فتكون خاصة به ؛ وتارة يقوم الدليل على أنها عامة له، ولغيره، فتكون عامة ؛ وتارة لا يقوم الدليل على هذا، ولا على هذا ؛ فالظاهر أنها عامة ؛ لأن القرآن نزل للأمة إلى يوم القيامة ؛ فمن أمثلة ما قام الدليل على أنها للرسول ( ص ) قوله تعالى :﴿ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ١ - ٤] ؛ ومثال الذي قام الدليل على أنها عامة قوله تعالى :﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] ؛ فقال تعالى :﴿يا أيها النبي﴾ ؛ ولكن أمر بحكم عام، فقال تعالى :﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن﴾ ؛ وأما المحتمل فهو كثير في القرآن ؛ ومنه هذه الآية.
وقوله تعالى :﴿سل﴾ : أي سؤال توبيخ، وتبكيت ؛ لإقامة الحجة عليهم ببيان نعم الله التي كان حقه عليهم أن يشكروها، ولكن بدلوها كفراً ؛ وإلا فالظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم بما آتاهم الله من الآيات البينات ؛ و ﴿بني إسرائيل﴾ أي بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ؛ والمراد من ينتمي إليه ؛ لا أبناء صلبه خاصة.
قوله تعالى :﴿كم آتيناهم من آية بينة﴾ ؛ ﴿كم﴾ هذه تكثيرية - أي أعطيناهم آيات كثيرة - ؛ والإيتاء هنا يشمل الإيتاء الشرعي، والإيتاء القدري الكوني ؛ لأنهم أوتوا آيات بينات شرعية جاءت بها التوراة ؛ وأوتوا آيات بينات كونية، كالعصا، واليد ؛ و «الآية » بمعنى العلامة على الشيء ؛ و ﴿بينة﴾ أي ظاهرة في كونها آية.
قوله تعالى :﴿ومن يبدل نعمة الله﴾ أي ومن يجعل بدلها ؛ والمفعول الثاني محذوف ؛ تقديره : كفراً، كما يدل لذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم :﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾ [إبراهيم: ٢٨].
قوله تعالى :﴿فإن الله شديد العقاب﴾ أي قوي الجزاء بالعقوبة ؛ وسمي الجزاء عقوبة، وعقاباً ؛ لأنه يقع عقب الذنب مؤاخذة به.
وقوله تعالى :﴿شديد العقاب﴾ هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، مثل أن تقول : حسن الوجه - يعني : ذو الوجه الحسن - ؛ فهي صفة مشبهة.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : بيان كثرة ما أعطاه الله بني إسرائيل من الآيات البينة الدالة على صدق رسله ؛ لقوله تعالى :﴿سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة﴾.
٢ - ومنها : تقريع بني إسرائيل الذين كفروا بآيات الله، وتوبيخهم ؛ لأن المراد بالسؤال هنا سؤال توبيخ.
٣ - ومنها : أن الآيات من نعم الله ؛ لأنها تحمل المرء على الإيمان ؛ وفي الإيمان نجاته، وكرامته ؛ لقوله تعالى :﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته﴾.
٤ - ومنها : أن الآيات مبينة لما أتت دالةً عليه.
٥ - ومنها : التحذير من تبديل نعمة الله عزّ وجلّ ؛ لقوله تعالى :﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته﴾ [البقرة: ٢١١] ؛ والمراد : تبديل الشكر بالكفر ؛ لقوله تعالى :﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾.
٦ - ومنها : إثبات شدة العقاب من الله لمن بدل نعمته بالكفر ؛ وهذا من تمام عدله وحكمته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى