البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿سل بني إسرائيل﴾ الخطاب للنبي ﷺ، قال الزمخشري : أو لكل أحد.
وقرأ أبو عمرو، في رواية ابن عباس : أسأل.
وقرأ قوم : إسل، وأصله إسأل، فنقل حركة الهمزة إلى السين وحذف الهمزة التي هي عين، ولم تحذف همزة الوصل لأنه لم يعتد بحركة السين لعروضها، كما قالوا : ألحمر في الأحمر.
وقرأ الجمهور : سل، فيحتمل وجهين : أحدهما : أن أصله إسأل، فلما نقل وحذف اعتدّ بالحركة، فحذف الهزة لتحرك ما بعدها، والوجه الآخر : أنه جاء على لغة من يجعل المادّة من : سين، وواو، ولام، فيقول : سأل يسأل، فقال : سل، كما قال : خف، فلا يحتاج في مثل هذا إلى همزة وصل، وانحذفت عين الكلمة لالتقائها ساكنة مع اللام الساكنة، ولذلك تعود إذا تحركت الفاء نحو : خافا وخافوا وخافي.
ولما تقدّم :﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل﴾ وكان المعنى في ذلك استبطاء حق لهم في الإسلام، وأنهم لا ينتظرون إلاَّ آية عظيمة تلجئهم إلى الدخول في الإسلام، جاء هذا الأمر بسؤالهم عما جاءتهم من الآيات العظيمة، ولم تنفعهم تلك الآيات، فعدم إسلامهم مرتب على عنادهم واستصحاب لجاجهم، وهذا السؤال ليس سؤالاً عما لا يعلم، إذ هو عالم أن بني إسرائيل آتاهم الله آيات بينات، وإنما هو سؤال عن معلوم، فهو تقريع وتوبيخ، وتقرير لهم على ما آتاهم الله من الآيات البينات، وأنها ما أجدت عندهم لقوله بعد :﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته﴾.
وفي هذا السؤال أيضاً تثبيت وزيادة، كما قال تعالى :﴿وكلا نقصّ عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ أو : زيادة يقين المؤمن، فالخطاب في اللفظ له ﷺ، والمراد : أمّته، أو إعلام أهل الكتاب أن هذا القول من عند الله لأن النبي ﷺ وقومه لم يكونوا يعرفون شيئاً من قصص بني إسرائيل، ولا ما كان فيهم من الآيات قبل أن أنزل الله ذلك في كتابه.
﴿بني إسرائيل﴾ من كان بحضرته منهم، ﷺ، أو من آمن من به منهم، أو علماؤهم، أو أنبياؤهم، أقوال أربعة.
﴿وكم﴾ في موضع نصب على أنها مفعول ثان ﴿لآتيناهم﴾ على مذهب الجمهور، أو على أنها مفعول أول على مذهب السهيلي على ما مر ذكره، وأجاز ابن عطية أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل يفسره ما بعده، وجعل ذلك من باب الإشتغال، قال : وكم، في موضع نصب إمّا بفعل مضمر بعدها، لأن لها صدر الكلام تقديره : كم آتيناهم، أو باتيانهم. انتهى.
وهذا غير جائز إن كان قوله : من آية تمييزاً لكم، لأن الفعل المفسر لهذا الفعل المحذوف لم يعمل في ضمير الاسم الأول المنتصب بالفعل المحذوف ولا في سببيته، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون من باب الإشتغال.
ونظير ما أجاز أن يقول : زيداً ضربت، فتعرب زيداً مفعولاً بفعل محذوف يفسره ما بعده، التقدير : زيداً ضربت ضربت، وكذلك : الدرهم أعطيت زيداً، ولا نعمل أحداً ذهب إلى ما ذهب إليه، بل نصوص النحويين، سيبويه فمن دونه، على أن مثل هذا هو مفعول مقدم منصوب بالفعل بعده، وإن كان تمييز : كم، محذوفاً.
وأطلقت : كم، على القوم أو الجماعة، فكان التقدير : كم من جماعة آتيناهم، فيجوز ذلك، إذ في الجملة المفسرة لذلك الفعل المحذوف ضمير عائد على : كم، وأجاز ابن عطية وغيره أن تكون : كم، في موضع رفع بالابتداء، والجملة من قوله : آتيناهم، في موضع الخبر، والعائد محذوف، التقدير : آتيناهموه، أو آتيناهموها، وهذا لا يجوز عند البصريين إلاَّ في الشعر، أو في شاذ من القرآن، كقراءة من قرأ
﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ برفع الحكم، وقال ابن مالك : لو كان المبتدأ غير : كل، والضمير مفعول به، لم يجز عند الكوفيين حذفه مع بقاء الرفع إلاَّ في الاضطرار، والبصريون يجيزون ذلك في الاختيار، ويرونه ضعيفاً، انتهى.
فإذا كان لا يجوز إلاَّ في الاضطرار، أو ضعيفاً، فأي داعية إلى جواز ذلك في القرآن مع إمكان حمله على غير ذلك ؟ ورجحانه وهو أن تكون في موضع نصب على ما قررناه.
وكم، هنا إستفهامية ومعناها التقرير لا حقيقة الإستفهام، وقد يخرج الإستفهام عن حقيقته إذا تقدّمه ما يخرجه، نحو قولك : سواء عليك أقام زيد أم قعد، و : ما أبالي أقام زيد أم قعد، وقد عملت أزيد منطلق أو عمرو وما أدري أقريب أم بعيد، فكل هذا صورته صورة الاستفهام، وهو على التركيب الإستفهامي وأحكامه، وليس على حقيقة الإستفهام.
وهذه الجملة من قوله :﴿كم آتيناهم﴾ في موضع المفعول الثاني : لسل، لأن سأل يتعدى لإثنين ؛ أحدهما : بنفسه، والآخر : بحرف جر، إما عن، وإما الباء.
وقد جمع بينهما في الضرورة نحو.
فأصبحن لا يسألنه عن بما به***
و : سأل، هنا معلقة عن الجملة الاستفهامية، فهي عاملة في المعنى، غير عاملة في اللفظ، لأن الإستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلاَّ الجار، قالوا : وإنما علقت : سل، وإن لم تكن من أفعال القلوب، لأن السؤال سبب للعلم، فأجرى السبب مجرى المسبب في ذلك، وقال تعالى :﴿سلهم أيهم بذلك زعيم﴾ وقال الشاعر.
سائل بني أسد ما هذه الصوت***
وقال :
واسأل بمصقلة البكري ما فعلا***
وأجاز الزمخشري أن تكون : كم، هنا خبرية، قال : فإن قلت : كم استفهامية أم خبرية ؟
قلت : يحتمل الأمرين، ومعنى الإستفهام فيها التقدير.
انتهى كلامه.
وهو ليس بجيد، لأن جعلها خبرية هو اقتطاع للجملة التي هي فيها من جملة السؤال، لأنه يصير المعنى : سل بني إسرائيل، وما ذكر المسؤول عنه، ثم قال : كثيراً من الآيات آتيناهم، فيصير هذا الكلام مفلتاً مما قبله، لأنه جملة : كم آتيناهم، صار خبراً صرفاً لا يتعلق به : سل، وأنت ترى معنى الكلام، ومصب السؤال على هذه الجملة، فهذا لا يكون إلاَّ في الإستفهامية، ويحتاج في تقرير الخبرية إلى تقدير حذف، وهو المفعول الثاني : لسل، ويكون المعنى : سل بني إسرائيل عن الآيات التي آتيناهم، ثم أخبر تعالى أن كثيراً من الآيات آتيناهم.
﴿من آية﴾ تمييز ل : كَمْ، ويجوز دخول : من، على تمييز الإستفهامية والخبرية، سواء وليها أم فصل بينهما، والفصل بينهما بجملة، وبظرف، ومجرور، جائز على ما قرر في النحو، وأجاز ابن عطية أن يكون : من آية، مفعولاً ثانياً : لآيتناهم، وذلك على التقدير الذي قدّره قبل من جواز نصب : كم، بفعل محذوف يفسره : آتيناهم، وعلى التقدير الذي قررناه من أن : كم، تكون كناية عن قوم أو جماعة، وحذف تمييزها لفهم المعنى، فإذا كان كذلك، فإن كانت : كم، خبرية فلا يجوز أن تكون : من آية، مفعولاً ثانياً، لأن زيادة : من، لا تكون في الإيجاب على مذهب البصريين غير الأخفش، وإن كانت إستفهامية فيمكن أن يقال : يجوز ذلك فيه لانسحاب الاستفهام على ما قبله، وفيه بعد، لأن متعلق الإستفهام هو المفعول الأول لا الثاني، فلو قلت : كم من درهم أعطيته من رجل، على زيادة : من، في قولك : من رجل، لكان فيه نظر، وقد أمعنا الكلام على زيادة : من، في ( منهج السالك ) من تأليفنا.
و : الآيات البينات، ما تضمنته التوراة والإنجيل من صفة النبي ﷺ، وتحقيق نبوته، وتصديق ما جاء به، أو معجزات موسى صلى الله على نبينا وعليه : كالعصا، واليد البيضاء، وفلق البحر، أو : القرآن قصّ الله قصص الأمم الخالية حسبما وقعت على لسان من لم يدارس الكتب ولا العلماء، ولا كتب ولا ارتجل، أو معجزات رسول الله ﷺ : كتسبيح الحصى، وتفجير الماء من بين أصابعه، وانشقاق القمر، وتسليم الحجر، أربعة أقوال، وقدروا بعد قوله : من آية بينة، محذوفاً، فقدّره بعضهم : فكذبوا بها، وبعضهم : فبدلوها.
﴿ومن يبدل نعمة الله﴾ نعمة الله : الحجج الواضحة الدالة على أمره ﷺ يبدل بها التشبيه والتأويلات، أو ما ورد في كتاب الله من نعته ﷺ، يبدل به نعت الدجال، أو الإعتراف بنبوته يبدل لها الحجد لها، أو كتب الله المنزلة على موسى وعيسى على نبينا وعليهم السلام يبدل بها غير أحكامها كآية الرجم وشبهها، أو الإسلام.
قاله الطبري ؛ أو شكر النعمة يبدل بها الكفر أو آياته وهي أجل نعمة من الله، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلاله، وتبديلهم إياها، أن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم، فجعلوها أسباب ضلالتهم، كقوله :﴿فزادتهم رجساً إلى رجسهم﴾ قاله الزمخشري : سبعة أقوال.
ولفظ : من يبدل، عام وهو شرط، فيندرج فيه مع بني إسرائيل كل مبدل نعمه : ككفار قريش وغيرهم، فإن بعثه محمد ﷺ نعمة عليهم، وقد بدلوا بالشكر عليها وقبولها الكفر.
﴿من بعد ما جاءته﴾ أي : من بعدما أسديت إليه، وتمكن من قبولها، ومن بعدما عرفها كقوله :﴿ثم يحرفونه من بعدما عقلوه﴾ وأتى بلفظ : من، إشعاراً بابتداء الغاية، وأنه يعقب : ما جاءته، يبدله.
وفي قوله :﴿من بعدما جاءته﴾ تأكيد، لأن إمكانية التبديل منه متوقفة على الوصول إليه.
وقرئ : ومن يبدل بالتخفيف، ويبدلَ، يحتاج لمفعولين : مبدل ومبدل له، فالمبدل هو الذي يتعدى إليه الفعل بحرف جر، والبدل هو الذي يتعدى إليه الفعل بنفسه، ويجوز حذف حرف الجر لفهم المعنى، وتقدم الكلام على هذا في قوله :﴿فبدل الذين ظلموا﴾ وإذا تقرر هذا، فالمفعول الواحد هنا محذوف، وهو البدل، والأجود أن يقدر مثل ما لفظ به في قوله :﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾ فكفراً هو البدل، ونعمة الله، هو المبدل، وهو الذي أصله : أن يتعدى إليه الفعل بحرف الجر، فالتقدير إذن : ومن يبدل نعمة الله كفراً، وجاز حذف المفعول الواحد وحرف الجر لفهم المعنى، ولترتيب جواب الشرط على ما قبله فإنه يدل على ذلك، لأنه لا يترتب على تقدير : أن يكون النعمة هي البدل، والكفر هو المبدل أن يجاب بقوله :﴿فان الله شديد العقاب﴾ خبر يتضمن الوعيد، ومن حذف حرف الجر لدلالة المعنى قوله :﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ أي : بسيئاتهم، ولا يصح أن يكون التقدير : سيئاتهم بحسنات، فتكون السيئات هي البدل، والحسنات هي المبدل، لأن ذلك لا يترتب على قوله :﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً﴾ ﴿فإن الله شديد العقاب﴾ خبر يتضمن الوعيد بالعقاب على من بدل نعمة الله، فإن كان جواب الشرط فلا بد من تقدير عائد في الجملة على اسم الشرط، تقديره : فان الله شديد العقاب له، أو تكون الألف واللام معاقبة للضمير على مذهب الكوفيين، فيغنى عن الربط لقيامها مقام الضمير، والأَوْلى أن يكون الجواب محذوفاً لدلالة ما بعده عليه، التقدير : يعاقبه.
قال عبد القاهر في كتاب ( دلائل الإعجار ) : ترك هذا الإضمار أَوْلى، يعنى بالإضمار شديد العقاب له، لأن المقصود من الآية التخويف لكونه في ذلك موصوفاً بأنه شديد العقاب، من غير التفات إلى كونه شديد العقاب.
لهذا، ولذلك سمى العذاب عقاباً، لأنه يعقب الجرم.
وذكر بعض من جمع في التفسير : أن هذه الآية :﴿سل بني إسرائيل﴾ مؤخرة في التلاوة، مقدمة في المعنى، والخطاب للنبي ﷺ، قال : والتقدير : فإن زللتم إ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى