الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ : قد تقدَّم أنَّ " ماذا " له ستة استعمالات/ وتحقيقُ القولِ فيه عند قولِه ﴿مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [البقرة: ٢٦]. وهنا يجوزُ أَنْ تكونَ " ماذا " بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ بمعنى الاستفهام فتكونَ مفعولاً مقدَّماً، ويجوزُ أن تكونَ " ما " و " ذا " خبرَه، وهو موصولٌ. و " ينفقون " صلتُه والعائدُ محذوفٌ، و " ماذا " معلِّقٌ للسؤال فهو في موضعِ المفعولِ الثاني، وقد تقدَّم تحقيقُه في قوله :﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: ٢١١]، وجاء " ينفقون " بلفظ الغيبة ؛ لأنَّ فاعلٌ الفعلِ قبلَه ضميرُ غَيْبَةٍ في " يسألونك "، ويجوزُ في الكلامِ " ماذا ننفقُ " كما يجوزُ : أَقْسَمَ زيدٌ ليَضْرِبَنَّ ولأضْرِبَنَّ، وسيأتي لهذا مزيدٌ بيانٍ في قولِه تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٤] في المائدةِ.
[ قوله ] :﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ﴾ يجوزُ في " ما " وجهان، أحدُهما : أن تكونَ شرطيةً، وهو الظاهرُ لتوافق ما بعدها، ف " ما " في محلِّ نصبٍ مفعولٌ مقدَّمٌ واجبُ التقديمِ، لأنَّ له صدرَ الكلامِ. و " أنفقْتُمْ " في محلِّ جزمٍ بالشرطِ، و " مِنْ خيرٍ " تقدَّم إعرابُه في قوله :﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾
[البقرة: ١٠٦].
وقوله :﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ جوابُ الشرطِ، وهذا الجارُ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي : فمَصْرِفُه للوالدَيْن، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ : إمَّا مفردٌ وإمَّا جملةٌ على حَسَبِ ما ذُكِر من الخلافِ فيما مَضَى. وتكونُ الجملةُ في محلِّ جزمٍ بجوابِ الشرطِ. والثاني : أن تكونَ " ما " موصولةً، و " أنفقتم " صلتُها، والعائدُ محذوفٌ لاستكمالِ الشروطِ، أي : الذي أنفقتموه. والفاءُ زائدةٌ في الخبرِ الذي هو الجارُّ والمجرورُ. قال أبو البقاء في هذا الوجهِ :" ومِنْ خيرٍ يكونُ حالاً من العائدِ المحذوفِ ".
وهم إنما سألوا عن المُنْفَقِ، فكيف أُجيبوا ببيانِ المَصْرِفِ للمُنْفِقِ عليه ؟ فيه أجوبةٌ منها : أنَّ في الآيةِ حَذْفاً وهو المُنْفَقُ عليه فَحُذف، تقديره : ماذا ينفقون ولِمَنْ يُعْطونه، فجاء الجوابُ عنهما، فأجابَ عن المُنْفَقِ بقوله :" مِنْ خيرٍ " وعن المُنْفقِ عليه بقوله :" فللوالدَيْن " وما بعده. ومنها : أن يكون " ماذا " سؤالاً عن المَصْرِفِ على حَذْفِ مضافٍ، تقديرُه : مَصْرِفُ ماذا يُنْفقون ؟ ومنها : أن يكونَ حَذَفَ من الأولِ ذِكْرَ المَصْرِفِ ومن الثاني ذِكْرَ المُنْفَقِ، وكلاهما مرادٌ، وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك في قولِه تعالى :
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ﴾ [البقرة: ١٧١]. وقال الزمخشري : قد تضمَّن قولُه :﴿مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ﴾ بيانَ ما يُنفقونه. وهو كلُّ خيرٍ ؛ وبُني الكلامُ على ما هو أَهَمُّ وهو بيانُ المَصْرِفِ، لأنَّ النفقة لا يُعْتَدُّ بها أَنْ تقعَ موقِعَها. [ قال ] :
إنَّ الصنيعة لا تكونُ صنيعةًحتى يُصابَ بها طريقُ المَصْنَعِ "
وأمَّا قولُه :﴿وَمَا تَفْعَلُواْ﴾ ف " ما " شرطيةٌ فقط لظهورِ عملها الجزمَ بخلافِ الأولى. وقرأ علي رضي الله عنه :" وما يفعلوا " بالياء على الغَيْبَة، فيُحْتمل أن يكونَ من بابِ الالتفات من الخطابِ، وأن يكونَ مِنْ الإِضمارِ لدلالةِ السياقِ عليه، أي : وما يفعلِ الناسُ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى