البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ماذا : اذا أفردت كل واحدة منهما على حالها كانت : ما يراد بها الاستفهام، وذا : للإشارة، وإن دخل التجوّز فتكون : ذا، موصولة، لمعنى : الذي، والتي، وفروعها، وتبقى ما على أصلها من الاستفهام، فتفتقر : ذا، إذ ذاك إلى صلة، وتكون مركبة مع : ما، الاستفهامية، فيصير دلالة مجموعهما دلالة : ما، الاستفهامية لو انفردت، ولهذا قالت العرب : عن ماذا تسأل ؟ باثبات ألف : ما، وقد دخل عليها حرف الجر وتكون مركبة مع : ما، الموصولة، أو : ما، النكرة الموصوفة، فتكون دلالة مجموعهما دلالة : ما الموصولة، أو الموصوفة، لو انفردت دون : ذا، والوجه الأخر هو عن الفارسي.
﴿يسئلونك ماذا ينفقون﴾ نزلت في عمرو بن الجموح، كان شيخاً كبيراً ذا مال كثير، سأل بماذا أتصدق ؟ وعلى من أنفق ؟ قاله أبو صالح عن ابن عباس.
" وفي رواية عطاء نزلت في رجل قال : إن لي ديناراً.
قال النبي ﷺ :«أنفقه على نفسك » فقال إن لي دينارين : فقال :«أنفقهما على أهلك » فقال : إن لي ثلاثة.
فقال :«أنفقها على خادمك » فقال : إن لي أربعة.
فقال :«أنفقها على والديك ».
فقال إن لي خمسة.
فقال :«انفقها على قرابتك ».
فقال : إن لي ستة.
فقال :«انفقها في سبيل الله، وهو أحسنها » "
وينبغي أن يفهم من هذا الترقي على معنى أن ما أخبر به فاضل عما قبله، وقال الحسن : هي في التطوع، وقال السدي : هي منسوخة بفرض الزكاة.
قال ابن عطية : وَهَمَ المهدوي على السدي في هذا، فنسب إليه أنه قال : إن الآية في الزكاة المفروضة.
ثم نسخ منها الوالدان انتهى ؛ وقد قال : قدم بهذا القول، وهي أنها في الزكاة المفروضة، وعلى هذا نسخ منها الوالدان ومن جرى مجراهما من الأقربين، وقال ابن جريج : هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن الصبر على النفقة وبذل المال هو من أعظم ما تحلى به المؤمن، وهو من أقوى الأسباب الموصلة إلى الجنة، حتى لقد ورد : الصدقة تطفىء غضب الرب.
والضمير المرفوع في : يسألونك، للمؤمنين، والكاف لخطاب النبي ﷺ، و : ماذا، يحتمل هنا النصب والرفع، فالنصب على أن : ماذا، كلها استفهام، كأنه قال : أي شيء ينفقون ؟ فماذا منصوب بينفقون، والرفع على أن : ما.
وحدها هي الاستفهام، وذا موصولة بمعنى الذي، وينفقون صلة لذا، والعائد محذوف، التقدير : ما الذي ينفقون به ؟ فتكون : ما، مرفوعة بالابتداء، وذا بمعنى الذي خبره، وعلى كلا الإعرابين فيسألونك معلق، فهو عامل في المعنى دون اللفظ، وهو في موضع المفعول الثاني ليسألونك، ونظيره ما تقدم من قوله :﴿سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة﴾ على ما شرحناه هناك.
و : ماذا، سؤال عن المنفق، لا عن المصرف وكأن في الكلام حذفاً تقديره : ولمن يعطونه ؟ ونظير الآية في السؤال والتعليق.
قول الشاعر :
ألا تسألان المرء ماذا يحاول***
إلاَّ أن : ماذا، هنا مبتدأ، وخبر، ولا يجوز أن يكون مفعولاً بيحاول، لأن بعده :
أنحبُ فيُقضى، أم ضلال وباطل***
ويضعف أن يكون : ماذا كله مبتدأ، و : يحاول، الخبر لضعف حذف العائد المنصوب من خبر المبتدأ دون الصلة، فإن حذفه منها فصيح، وذكر ابن عطية : أن : ماذا، إذا كانت اسماً مركباً فهي في موضع نصب، إلاَّ ما جاء من قول الشاعر :
وماذا عسى الواشون أن يتحدَّثوا***
سوى أن يقولوا : إنني لك عاشق
فإن عسى لا تعمل في : ماذا، في موضع رفع، وهو مركب إذ لا صلة لذا. انتهى.
وإنما لم يكن : لذا، في البيت صلة لأن عسى لا تقع صلة للموصول الإسمي، فلا يجوز لذا أن تكون بمعنى الذي، وما ذكره ابن عطية من أنه إذا كانت اسماً مركبة فهي في موضع نصب، إلاَّ، في ذلك البيت لا نعرفه، بل يجوز أن نقول : ماذا محبوب لك ؟ و : من ذا قائم ؟ على تقدير التركيب، فكأنك قلت : ما محبوب ؟ ومن قائم ؟ ولا فرق بين هذا وبين من ذا تضربه ؟ على تقديره : من تضربه ؟ وجعل : من، مبتدأ.
﴿قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ هذا بيان لمصرف ما ينفقونه، وقد تضمن المسؤول عنه، وهو المنفق بقوله : من خير، ويحتمل أن يكون ماذا سؤالاً عن المصرف على حذف مضاف، التقدير مصرف ماذا ينفقون ؟ أي : يجعلون إنفاقهم ؟ فيكون الجواب إذ ذاك مطابقاً، ويحتمل أن يكون حذف من الأول الذي هو السؤال المصرف، ومن الثاني الذي هو الجواب ذكر المنفق، وكلاهما مراد، وإن كان محذوفاً، وهو نوع من البلاغة تقدّم نظيره في قوله :﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق﴾
وقال الزمخشري : قد تضمن قوله تعالى :﴿ما أنفقتم من خير﴾ بيان ما ينفقونه، وهو كل خير، وبني الكلام على هواهم، وهو بيان المصرف، لأن النفقة لا يعتدّ بها إلاَّ أن تقع موقعها، كقول الشاعر :
ان الصنيعة لا تكون صنيعة***
حتى يصاب بها طريق المصنع
انتهى كلامه، وهو لا بأس به و ﴿من خير﴾ يتناول القليل والكثير.
وبدأ في المصرف بالأقرب فالأقرب، ثم بالأحوج فالأحوج، وقد مرّ الكلام في شيء من هذا الترتيب وشبهه، وقد استدل بهذه الآية على وجوب نفقة الوالدين والأقربين على الواجد، وحمل بعضهم الآية على أنها في الوالدين إذا كانا فقيرين، وهو غني.
﴿وما تفعلوا من خير فان الله به عليم﴾ ما : في الموضعين شرطية منصوبة بالفعل بعدها، ويجوز أن تكون : ما، من قوله :﴿قل ما انفقتم﴾ موصولاً، وأنفقتم، صلة، و : للوالدين، خبر، فالجار والمجرور في موضع المفرد، أو في موضع الجملة على الخلاف الذي في الجار والمجرور الواقع خبراً، أو هو معمول لمفرد، أو لجملة.
وإذا كانت : ما، في : ما أنفقتم، شرطية، فهذا الجار والمجرور في موضع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير : فهو أو فمصرفه للوالدين.
وقرأ عليّ بن أبي طالب : وما يفعلوا، بالياء، فيكون ذلك من باب الالتفات، أو من باب ما أضمر لدلالة المعنى عليه، أي : وما يفعل الناس، فيكون أعم من المخاطبين قبل، إذ يشملهم وغيرهم، وفي قوله : من خير، في الإنفاق يدل على طيب المنفق، وكونه حلالاً، لأن الخبيث منهي عنه بقوله :
﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ وما ورد من أن الله طيب لا يقبل إلاَّ الطيب، ولأن الحرام لا يقال فيه خير.
وقوله : من خير في قوله : وما تفعلوا، هو أعم : من، خير، المراد به المال، لأنه ما يتعلق به هو الفعل، والفعل أعم من الإنفاق، فيدخل الإنفاق في الفعل، فخير، هنا هو الذي يقابل الشر، والمعنى : وما تفعلوا من شيء من وجوه البر والطاعات وجعل بعضهم هنا : وما تفعلوا، راجعاً إلى معنى الإنفاق، أي : وما تفعلوا من إنفاق خير، فيكون الأول بياناً للمصرف، وهذا بيان للمجازاة، والأوْلى العموم، لأنه يشمل إنفاق المال وغيره، ويترجح بحمل اللفظ على ظاهره من العموم.
ولما كان أولاً السؤال عن خاص، أجيبوا بخاص، ثم أتى بعد ذلك الخاص التعميم في أفعال الخير، وذكر المجازاة على فعلها، وفي قوله :﴿فإن الله به عليم﴾ دلالة على المجازاة، لأنه إذا كان عالماً به جازى عليه، فهي جملة خبرية، وتتضمن الوعد بالمجازاة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة إخبار الله تعالى عن القرون الماضية أنهم كانوا على سنن واحد، وأنه بعث إليهم النبيين مبشرين من أطاع بالثواب من الله تعالى، ومحذرين من عصى من عقاب الله، وقدم البشارة لأنها هي المفروح بها، ولأنها نتيجتها رضى الله عن من اتبع أوامره واجتنب نواهيه، وأنزل معهم كتاباً من عنده مصحوباً بالحق اللائح، ليكون أضبط لما أتوا به من الشرائع، لأن ما جاؤا به مما ليس في كتاب يقرأ ويدرس على مر الأعصار، وربما يذهب بذهابهم، فإذا كان ما شرع لهم مخلداً في الطروس كان أبقى، وإن ثمرة الكتب هي الفصل بين الناس فيما وقع فيه اختلافهم من أمر عقائدهم، وتكاليفهم، ومصالح دنياهم، ثم ذكر أنه ما اختلف فيما أختلف فيه إلا الذين أوتوه، أي : أوتوا الكتاب، ووصل إليهم من عند الله، وذلك بعد وضوح الآيات ومجيئها لهم، فكأن ما سبيله إلى الهداية والفصل في الإختلاف عند هؤلاء سبباً للاختلاف، فرتبوا على مجيء الشيء الواضح ضد مقتضاه، وأن الحامل على ذلك إنما هو البغي والظلم الذي صار بينهم، ثم هدى الله المؤمنين لاتباع الحق الذي أختلف فيه من اختلف، وذلك بتيسير الله تعالى لهم، ذلك من غير سابقة استحقاق، بل هدايته إياهم الحق هو بتمكينه تعالى لذلك.
ثم ذكر تعالى أن الهداية للصراط المستقيم إنما تكون لمن شاء تعالى هدايته.
ثم ذكر تعالى مخاطباً للمؤمنين، إذ كان قد أخبر ببعثة الرسل بالتكاليف الشرعية، أنه لا يحسب أن تنال الرتبة العالية من الفوز بدخول الجنة، ولما يقع ابتلاء لكم كما ابتلى من كان قبلكم، ثم فسر مثل الماضين بأنهم مستهم البأساء والضراء، وأنهم أزعجوا حتى سألوا ربهم عن وقت مجيء النصر لتصبر نفوسهم على ما ابتلاهم به، ولينتظروا الفرج من الله عن قرب، فأجيبوا بأن نصر الله قريب وما هو قريب، فالحاصل : فسكنت نفوسهم من ذلك الإزعاج بانتظار النصر القريب.
ثم سألوا رسول الله ﷺ عما ينفقون من أموالهم في وجوه البر ؟ فلم يبين لهم جنس ما ينفقون ولا مقداره، وذكر مصرف ذلك، لأنه هو الأهم في الجواب، وكأنه قيل : أي شيء ينفقون من قليل أو كثير فمصرفه لأقرب الناس إليكم، وهما : الوالدان : اللذان كانا سبباً في إيجادك وتربيتك من لدن خلقت إلى أن صار لك شيء من الدنيا، وفي الحنو عليك، ثم ذكر : الأقربين بصفة التفضيل، لأنهم هم الذين يشاركونك في النسب، والإنفاق عليهم صدقة وصلة، ثم ذكر اليتامى : وهم الذين قد توفي آباؤهم فليس لهم من يقوم بمصالحهم، فالإنفاق عليهم إحسان جزيل، ثم ذكر : المساكين، وهم الذين انتهوا، من الفقراء، إلى حالة المسكنة، وهي عدم الحركة والتصرف في أحوال الدنيا ومعاشها، ثم أخبر تعالى : أن ما أنفقتم فالله عليم به ومحصيه، فيجازي عليه ويثيب.
ثم أخبر تعالى عن فرض القتال على المؤمنين، وأنه مكروه للطباع لما فيه من إتلاف المهج وانتقاص الأموال، وانتهاك الأجساد بالسفر فيه وبغيره، ثم ذكر أن الإنسان قد يكره الشيء وهو خير له، لأن عقابه إلى خير، فالقتال، وإن كان مكروهاً للطبع، فإنه خير إن سلم، فخيره بالظفر بأعداء الله، وبالغنيمة، واستيلاء عليهم قتلاً ونهباً وتملك دار، وإن قتل فخيره أن له عند الله مرتبة الشهداء.
ويكفيك ما ورد في هذه المرتبة العظيمة في كتاب الله، وفيما صح عن رسول الله ﷺ، ثم ذكر مقابل هذا وهو قوله ﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ فمن المحبوب ترك القتال، وهو مدعاة إلى الدعاء والراحة، وفي ذلك الشر العظيم من تسلط أعداء الله والإيقاع بالمسلمين، واستئصال شأفتهم بالقتل والنهب وتملك ديارهم، فمتى أخلد الإنسان إلى الراحة طمع فيه عدوه، وبلغ منه مقاصده، ولقد أحسن زهير حيث قال :
جريء متى يظلم يعاقب بظلمه***
سريعاً، وإن لا يبد بالظلمُ يظلم
ثم ذكر تعالى أنه يعلم ما لا يعلمون حيث شرع القتال، فهو تعالى عالم بما يترتب لكم من المصالح الدينية والدنيوية على مشروعية القتال.
ثم ذكر تعالى أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن القتال في الشهر الحرام، لما كان وقع ذلك منهم، لا على سبيل القصد، بل على سبيل الظن أن الزمان الذي وقع فيه ليس هو من الشهر الحرام، فأخبروا أن ذلك هو إثم كبير، إذ كانت العادة أن الأشهر الحرم لا قتال فيها، ثم ذكر أن أكبر من ذلك هو ما يرتكبه الكفار من صد المسلمين عن سبيل الله، ومن الكفر بالله، وبالمسجد الحرام، ومن إخراج أهله منه.
ثم ذكر تعالى أن الفتنة أكبر من القتل وهو فتنة الرجل المسلم عن دينه، أكبر من قتله وهو على دينه، لأن تلك الفتنة تؤول به إلى النار، وقتله هذا يؤول به إلى الجنة.
ثم أخبر تعالى عن دوام عداء عداوة الكفار، وأن مقصدهم إنما هو فتنتكم عن دينكم ورجوعكم إلى ما هم عليه من الضلال، وأنه متى أمكنهم ذلك وقدروا عليه قاتلوكم، ثم أخبر تعالى أن من رجع عن دينه الحق إلى دينه الباطل، ووافى على ذلك، فجميع ما تقدّم من أعماله الصالحات قد بطلت في الدنيا بإلحاقه بالكفار، وإجراء أحكام المرتدين عليه، وفي الآخرة فلا يبقى لها ثمرة يرتجي بها غفراناً لما اجترح، بل مآله إلى النار خالداً فيها.
ثم لما ذكر حال المرتد عن دينه، ذكر حال من آمن بالله وثبت على إيمانه، وهاجر من وطنه الذي هو محل الكفر إلى دار الإسلام، ثم جاهد في سبيل الله من كفر بالله، وأنه طامع في رحمة الله.
ثم ذكر تعالى أنه غفور لما وقع منه قبل الإيمان ولما يتخلل في حالة الإيمان من بعض المخالفة، وأنه رحيم له، فهو يحقق له ما طمع فيه من رحمته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى