تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين : أن يكُفُّوا شرّ الأعداء عن حَوْزة الإسلام.
وقال الزهري : الجهادُ واجب على كلّ أحد، غزا أو قعد ؛ فالقاعد عليه إذَا استعين أن يَعينَ، وإذا استُغيثَ أن يُغيثَ، وإذا استُنْفرَ أن ينفر، وإن لم يُحتَجْ إليه قعد.
قلت : ولهذا ثَبَت في الصحيح(١) " من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية " (٢). وقال عليه السلام يوم الفتح :" لا هجرة، ولكن جهاد ونيَّة، إذا استنفرتم فانفروا " (٣).
وقوله :﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي : شديد عليكم ومشقة. وهو كذلك، فإنه إما أن يُقْتَلَ أو يجرحَ مع(٤) مشقة السفر ومجالدَة الأعداء.
ثم قال تعالى :﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي : لأنّ القتالَ يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم، وذرَاريهم، وأولادهم.
﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا عام في الأمور كلّها، قد يُحِبّ المرءُ شيئًا، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة. ومن ذلك القُعُود عن القتال، قد يَعْقُبُه استيلاء العدو على البلاد والحكم.
ثم قال تعالى :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي : هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبَرُ بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم ؛ فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون.
١ في أ: "في الصحيحين"..
٢ صحيح مسلم برقم (١٩١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٣ رواه البخاري في صحيحه برقم (١٨٣٤، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥) ومسلم في صحيحه برقم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما..
٤ في أ: "على"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى