تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين
عن الكتاب
)كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ( البقرة : ٢١٦ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿كتب عليكم القتال﴾ أي فرض ؛ ف «الكتْب » هنا بمعنى الفرْض، كما في قوله تعالى :﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله تعالى :﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء: ١٠٣].
وقوله تعالى :﴿القتال﴾ أي قتال أعداء الله الكفار ؛ و ﴿القتال﴾ مصدر قاتل.
قوله تعالى :﴿وهو كره لكم﴾ ؛ ﴿كره﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول - يعني : وهو مكروه لكم - ؛ والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيراً، مثل :﴿وإن كن أولات حمل﴾ [الطلاق: ٦] يعني : محمول ؛ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم :«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد »(١)، أي مردود.
وجملة :﴿وهو كره لكم﴾ في محل نصب على الحال ؛ والضمير ﴿هو﴾ يعود على القتال ؛ وليس يعود على الكتابة ؛ فإن المسلمين لا يكرهون ما فرضه الله عليهم ؛ وإنما يكرهون القتال بمقتضى الطبيعة البشرية ؛ وفرق بين أن يقال : إننا نكره ما فرض الله من القتال ؛ وبين أن يقال : إننا نكره القتال ؛ فكراهة القتال أمر طبيعي ؛ فإن الإنسان يكره أن يقاتل أحداً من الناس فيقتله ؛ فيصبح مقتولاً ؛ لكن إذا كان هذا القتال مفروضاً علينا صار محبوباً إلينا من وجهٍ، ومكروهاً لنا من وجهٍ آخر ؛ فباعتبار أن الله فرضه علينا يكون محبوباً إلينا ؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يصرون أن يقاتلوا ؛ وباعتبار أن النفس تنفر منه يكون مكروهاً إلينا.
قوله تعالى :﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ ؛ ﴿عسى﴾ تأتي لأربعة معانٍ : للرجاء ؛ والإشفاق ؛ والتوقع ؛ والتعليل ؛ والظاهر أنها هنا للتوقع، أو للترجية - لا الترجي - ؛ فإن الله عزّ وجلّ لا يتَرجى ؛ كل شيء عنده هين ؛ لكن الترجية بمعنى أنه يريد من المخاطَب أن يرجو هذا ؛ أي افعلوا ما آمركم به عسى أن يكون خيراً ؛ وهذا الذي ذكره الله هنا واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحياناً يفعل الإنسان شيئاً من الأمور العادية، ويقول : ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل ؛ فإذا العاقبة تكون حميدة ؛ فحينئذ يكون كره شيئاً وهو خير له ؛ القتال كره لنا ولكن عاقبته خير ؛ لأن المقاتل في سبيل الله حاله كما قال عزّ وجلّ آمراً نبيه أن يقول :﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ [التوبة: ٥٢] - يعني : لا بد من إحدى حسنيين وهما إما النصر، والظفر ؛ وإما الشهادة.
قوله تعالى :﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ ؛ وذلك أيضاً كثيراً ما يقع : يحب الإنسان شيئاً، ويلح فيه، ثم تكون العاقبة سيئة ؛ والإنسان بمثل هذه الآية الكريمة يسلي نفسه في كل ما يفوته مما يحبه، ويصبر نفسه في كل ما يناله مما يكرهه.
قوله تعالى :﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ : هذه الجملة كالتعليل لقوله تعالى :﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ ؛ كأنه قال : إنكم لا تعلمون الخير، والشر فيما قدِّر لكم ؛ ولكن الله يعلم ذلك.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : فرضية الجهاد ؛ لقوله تعالى :﴿كتب عليكم القتال﴾ ؛ لكن لابد من شروط ؛ منها القدرة على قتال العدو بحيث يكون لدى المجاهدين قدرة بشرية، ومالية، وعتادية ؛ ومنها أن يكونوا تحت راية إمام يجاهدون بأمره.
٢ - ومنها : أنه لا حرج على الإنسان إذا كره ما كتب عليه ؛ لا كراهته من حيث أمَر الشارع به ؛ ولكن كراهته من حيث الطبيعة ؛ أما من حيث أمر الشارع به فالواجب الرضا، وانشراح الصدر به.
٣ - ومنها : أن البشر لا يعلمون الغيب ؛ لقوله تعالى :﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾.
٤ - ومنها : أن الله قد يحكم حكماً شرعياً، أو كونياً على العبد بما يكره وهو خير له.
٥ - ومنها : عموم علم الله عزّ وجلّ ؛ لقوله تعالى :﴿والله يعلم﴾ ؛ فحذف المفعول يفيد العموم، كما قال تعالى :﴿ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالًّا فهدى * ووجدك عائلًا فأغنى﴾ [الضحى: ٦ - ٨] : كلها محذوفة المفاعيل : آواك، وآوى بك أيضاً ؛ وأغناك، وأغنى بك ؛ وهداك، وهدى بك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار :«ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي ؛ وعالة فأغناكم الله بي »(٢).
٦ - ومنها : ضعف الإنسان، وأن الأصل فيه عدم العلم ؛ لقوله تعالى :﴿وأنتم لا تعلمون﴾، كما قال تعالى :﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾ [النحل: ٧٨]، وقال ممتناً على رسوله ( ص ) :﴿وعلَّمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣].
التفسير :
قوله تعالى :﴿كتب عليكم القتال﴾ أي فرض ؛ ف «الكتْب » هنا بمعنى الفرْض، كما في قوله تعالى :﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله تعالى :﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء: ١٠٣].
وقوله تعالى :﴿القتال﴾ أي قتال أعداء الله الكفار ؛ و ﴿القتال﴾ مصدر قاتل.
قوله تعالى :﴿وهو كره لكم﴾ ؛ ﴿كره﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول - يعني : وهو مكروه لكم - ؛ والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيراً، مثل :﴿وإن كن أولات حمل﴾ [الطلاق: ٦] يعني : محمول ؛ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم :«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد »(١)، أي مردود.
وجملة :﴿وهو كره لكم﴾ في محل نصب على الحال ؛ والضمير ﴿هو﴾ يعود على القتال ؛ وليس يعود على الكتابة ؛ فإن المسلمين لا يكرهون ما فرضه الله عليهم ؛ وإنما يكرهون القتال بمقتضى الطبيعة البشرية ؛ وفرق بين أن يقال : إننا نكره ما فرض الله من القتال ؛ وبين أن يقال : إننا نكره القتال ؛ فكراهة القتال أمر طبيعي ؛ فإن الإنسان يكره أن يقاتل أحداً من الناس فيقتله ؛ فيصبح مقتولاً ؛ لكن إذا كان هذا القتال مفروضاً علينا صار محبوباً إلينا من وجهٍ، ومكروهاً لنا من وجهٍ آخر ؛ فباعتبار أن الله فرضه علينا يكون محبوباً إلينا ؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يصرون أن يقاتلوا ؛ وباعتبار أن النفس تنفر منه يكون مكروهاً إلينا.
قوله تعالى :﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ ؛ ﴿عسى﴾ تأتي لأربعة معانٍ : للرجاء ؛ والإشفاق ؛ والتوقع ؛ والتعليل ؛ والظاهر أنها هنا للتوقع، أو للترجية - لا الترجي - ؛ فإن الله عزّ وجلّ لا يتَرجى ؛ كل شيء عنده هين ؛ لكن الترجية بمعنى أنه يريد من المخاطَب أن يرجو هذا ؛ أي افعلوا ما آمركم به عسى أن يكون خيراً ؛ وهذا الذي ذكره الله هنا واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحياناً يفعل الإنسان شيئاً من الأمور العادية، ويقول : ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل ؛ فإذا العاقبة تكون حميدة ؛ فحينئذ يكون كره شيئاً وهو خير له ؛ القتال كره لنا ولكن عاقبته خير ؛ لأن المقاتل في سبيل الله حاله كما قال عزّ وجلّ آمراً نبيه أن يقول :﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ [التوبة: ٥٢] - يعني : لا بد من إحدى حسنيين وهما إما النصر، والظفر ؛ وإما الشهادة.
قوله تعالى :﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ ؛ وذلك أيضاً كثيراً ما يقع : يحب الإنسان شيئاً، ويلح فيه، ثم تكون العاقبة سيئة ؛ والإنسان بمثل هذه الآية الكريمة يسلي نفسه في كل ما يفوته مما يحبه، ويصبر نفسه في كل ما يناله مما يكرهه.
قوله تعالى :﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ : هذه الجملة كالتعليل لقوله تعالى :﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ ؛ كأنه قال : إنكم لا تعلمون الخير، والشر فيما قدِّر لكم ؛ ولكن الله يعلم ذلك.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : فرضية الجهاد ؛ لقوله تعالى :﴿كتب عليكم القتال﴾ ؛ لكن لابد من شروط ؛ منها القدرة على قتال العدو بحيث يكون لدى المجاهدين قدرة بشرية، ومالية، وعتادية ؛ ومنها أن يكونوا تحت راية إمام يجاهدون بأمره.
٢ - ومنها : أنه لا حرج على الإنسان إذا كره ما كتب عليه ؛ لا كراهته من حيث أمَر الشارع به ؛ ولكن كراهته من حيث الطبيعة ؛ أما من حيث أمر الشارع به فالواجب الرضا، وانشراح الصدر به.
٣ - ومنها : أن البشر لا يعلمون الغيب ؛ لقوله تعالى :﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾.
٤ - ومنها : أن الله قد يحكم حكماً شرعياً، أو كونياً على العبد بما يكره وهو خير له.
٥ - ومنها : عموم علم الله عزّ وجلّ ؛ لقوله تعالى :﴿والله يعلم﴾ ؛ فحذف المفعول يفيد العموم، كما قال تعالى :﴿ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالًّا فهدى * ووجدك عائلًا فأغنى﴾ [الضحى: ٦ - ٨] : كلها محذوفة المفاعيل : آواك، وآوى بك أيضاً ؛ وأغناك، وأغنى بك ؛ وهداك، وهدى بك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار :«ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي ؛ وعالة فأغناكم الله بي »(٢).
٦ - ومنها : ضعف الإنسان، وأن الأصل فيه عدم العلم ؛ لقوله تعالى :﴿وأنتم لا تعلمون﴾، كما قال تعالى :﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾ [النحل: ٧٨]، وقال ممتناً على رسوله ( ص ) :﴿وعلَّمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣].
١ سبق تخريجه ١/٩١..
٢ سبق تخريجه ٢/٤٢٧، حاشية رقم (١)..
٢ سبق تخريجه ٢/٤٢٧، حاشية رقم (١)..