البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الكره : بضم الكاف وفتحها، والكراهية والكراهة مصادر لكره، قاله الزجاج، بمعنى : أبغض، وقيل : الكُره بالضم ما كرهه الإنسان، والكَره، بالفتح ما أكره عليه، وقيل : الكُره بالضم اسم المفعول، كالخبر، والنقض، بمعنى : المخبور والمنقوص، والكَره بالفتح.
المصدر.
عسى : من أفعال المقاربة، وهي فعل، خلافاً لمن قال : هي حرف ولا تتصرف، ووزنها : فعل، فإذا أسندت إلى ضمير متكلم أو مخاطب مرفوع، أو نون اناث، جاز كسر سينها ويضمر فيها للغيبة نحو : عسيا وعسوا، خلافاً للرماني، ذكر الخلاف عنه ابن زياد البغدادي، ولا يخص حذف : إن، من المضارع بالشعر خلافاً لزاعم ذلك، ولها أحكام كثيرة ذكرت في علم النحو، وهي : في الرجاء تقع كثيراً، وفي الإشفاق قليلاً قال الراغب.
﴿كتب عليكم القتال﴾ قال ابن عباس : لما فرض الله الجهاد على المسلمين، شق عليهم، وكرهوا، فنزلت هذه الآية.
وظاهر قوله : كتب، أنه فرض على الأعيان، كقوله :﴿كتب عليكم الصيام﴾ ﴿كتب عليكم القصاص﴾ ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ وبه قال عطاء، قال : فرض القتال على أعيان أصحاب محمد ﷺ، فلما استقرّ الشرع، وقيم به، صار على الكفاية.
وقال الجمهور : أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين، ثم استمرّ الإجماع على أنه فرض كفاية إلى أن نزل بساحة الإسلام، فيكون فرض عين.
وحكى المهدوي، وغيره عن الثوري أنه قال : الجهاد تطوّع، ويحمل على سؤال سائل، وقد قيم بالجهاد، فأجيب بأنه في حقه تطوّع.
وقرأ الجمهور : كتب، مبنياً للمفعول على النمط الذي تقدّم قبل هذا من لفظ : كتب، وقرأ قوم : كتب مبنياً للفاعل، وبنصب القتال، والفاعل ضمير في كتب يعود على اسم الله تعالى.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه : لما ذكر ما مس من تقدمنا من اتباع الرسل من البلايا، وأن دخول الجنة معروف بالصبر على ما يبتلى به المكلف، ثم ذكر الإنفاق على من ذكر، فهو جهاد النفس بالمال، انتقل إلى أعلى منه وهو الجهاد الذي يستقيم به الدين، وفيه الصبر على بذل المال والنفس.
﴿وهو كره لكم﴾ أي مكروه، فهو من باب النقض بمنى المنقوض، أو ذو كره إذا أريد به المصدر، فهو على حذف مضاف، أو لمبالغة الناس في كراهة القتال، جعل نفس الكراهة.
والظاهر عود : هو، على القتال، ويحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من : كتب، أي : وكتبه وفرضه شاق عليكم، والجملة حال، أي : وهو مكروه لكم بالطبيعة، أو مكروه قبل ورود الأمر.
وقرأ السلمي : كره بفتح الكاف، وقد تقدّم ذكر مدلول الكره في الكلام على المفردات.
وقال الزمخشري في توجيه قراءة السلمي : يجوز أن يكون بمعنى المضموم : كالضعف والضعف، تريد المصدر، قال : ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز، كأنهم أكرهوا عليه لشدّة كراهته له ومشقته عليهم، ومنه قوله تعالى :﴿حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً﴾ انتهى كلامه.
وكون كره بمعنى الإكراه، وهو أن يكون الثلاثي مصدراً للرباعي هو لا ينقاس، فإن روي استعمال عن العرب استعملناه.
﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾.
عسى هنا للاشفاق لا للترجي، ومجيئها للإشفاق قليل، وهي هنا تامة لا تحتاج إلى خبر، ولو كانت ناقصة لكانت مثل قوله تعالى :﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا﴾ فقوله : أن تكرهوا، في موضع رفع بعسى، وزعم الحوفي في أنه في موضع نصب، ولا يمكن إلاَّ بتكلف بعيد، واندرج في قوله : شيئاً القتال، لأنه مكروه بالطبع لما فيه من التعرض للأسر والقتل، وإفناء الأبدان، وإتلاف الأموال.
والخير الذي فيه هو الظفر.
والغنيمة بالاستيلاء على النفوس، والأموال أسراً وقتلاً ونهباً وفتحاً، وأعظمها الشهادة وهي الحالة التي تمناها رسول الله ﷺ مراراً.
والجملة من قوله : وهو خير لكم، حال من قوله : شيئاً، وهو نكرة، والحال من النكرة أقل من الحال من المعرفة، وجوّزوا أن تكون الجملة في موضع الصفة، قالوا : وساغ دخول الواو لما كانت صورة الجملة هنا كصورتها، إذ كانت حالاً. انتهى.
وهو ضعيف، لأن الواو في النعوت إنما تكون للعطف في نحو : مررت برجل عالم وكريم، وهنا لم يتقدم ما يعطف عليه، ودعوى زيادة الواو بعيدة، فلا يجوز أن تقع الجملة صفة.
﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ عسى هنا للترجي، ومجيئها له هو الكثير في لسان العرب، وقالوا : كل عسى في القرآن للتحقيق، يعنون به الوقوع إلاَّ قوله تعالى :﴿عسى ربه إن طلقكنّ أن يبدله أزواجاً﴾ واندرج في قوله : شيئاً، الخلود إلى الراحة وترك القتال، لأن ذلك محبوب بالطبع لما في ذلك من ضد ما قد يتوقع من الشر في القتال، والشر الذي فيه هو ذلهم، وضعف أمرهم، واستئصال شأفتهم، وسبى ذراريهم، ونهب أموالهم، وملك بلادهم.
والكلام على هذه إعراباً، كالكلام على التي قبلها.
﴿والله يعلم﴾ ما فيه المصلحة حيث كلفكم القتال ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ ما يعلمه الله تعالى، لأن عواقب الأمور مغيبة عن علمكم، وفي هذا الكلام تنبيه على الرضى بما جرت به المقادير، قال الحسن : لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلرب أمر تكرهه فيه أربك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك.
وقال أبو سعيد الضرير :
رب أمر تتقيه***
جر أمراً ترتضيه
خفى المحبوب منه***
وبدا المكروه فيه
وقال الوضاحي :
ربما خير الفتى***
وهو للخير كاره
وقال ابن السرحان :
كم فرحة مطوية***
لك بين أثناء المصائب
ومسرة قد أقبلت***
من حيث تنتظر النوائب
وقال آخر :
كم مرة حفت بك المكاره***
خار لك الله وأنت كاره
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة إخبار الله تعالى عن القرون الماضية أنهم كانوا على سنن واحد، وأنه بعث إليهم النبيين مبشرين من أطاع بالثواب من الله تعالى، ومحذرين من عصى من عقاب الله، وقدم البشارة لأنها هي المفروح بها، ولأنها نتيجتها رضى الله عن من اتبع أوامره واجتنب نواهيه، وأنزل معهم كتاباً من عنده مصحوباً بالحق اللائح، ليكون أضبط لما أتوا به من الشرائع، لأن ما جاؤا به مما ليس في كتاب يقرأ ويدرس على مر الأعصار، وربما يذهب بذهابهم، فإذا كان ما شرع لهم مخلداً في الطروس كان أبقى، وإن ثمرة الكتب هي الفصل بين الناس فيما وقع فيه اختلافهم من أمر عقائدهم، وتكاليفهم، ومصالح دنياهم، ثم ذكر أنه ما اختلف فيما أختلف فيه إلا الذين أوتوه، أي : أوتوا الكتاب، ووصل إليهم من عند الله، وذلك بعد وضوح الآيات ومجيئها لهم، فكأن ما سبيله إلى الهداية والفصل في الإختلاف عند هؤلاء سبباً للاختلاف، فرتبوا على مجيء الشيء الواضح ضد مقتضاه، وأن الحامل على ذلك إنما هو البغي والظلم الذي صار بينهم، ثم هدى الله المؤمنين لاتباع الحق الذي أختلف فيه من اختلف، وذلك بتيسير الله تعالى لهم، ذلك من غير سابقة استحقاق، بل هدايته إياهم الحق هو بتمكينه تعالى لذلك.
ثم ذكر تعالى أن الهداية للصراط المستقيم إنما تكون لمن شاء تعالى هدايته.
ثم ذكر تعالى مخاطباً للمؤمنين، إذ كان قد أخبر ببعثة الرسل بالتكاليف الشرعية، أنه لا يحسب أن تنال الرتبة العالية من الفوز بدخول الجنة، ولما يقع ابتلاء لكم كما ابتلى من كان قبلكم، ثم فسر مثل الماضين بأنهم مستهم البأساء والضراء، وأنهم أزعجوا حتى سألوا ربهم عن وقت مجيء النصر لتصبر نفوسهم على ما ابتلاهم به، ولينتظروا الفرج من الله عن قرب، فأجيبوا بأن نصر الله قريب وما هو قريب، فالحاصل : فسكنت نفوسهم من ذلك الإزعاج بانتظار النصر القريب.
ثم سألوا رسول الله ﷺ عما ينفقون من أموالهم في وجوه البر ؟ فلم يبين لهم جنس ما ينفقون ولا مقداره، وذكر مصرف ذلك، لأنه هو الأهم في الجواب، وكأنه قيل : أي شيء ينفقون من قليل أو كثير فمصرفه لأقرب الناس إليكم، وهما : الوالدان : اللذان كانا سبباً في إيجادك وتربيتك من لدن خلقت إلى أن صار لك شيء من الدنيا، وفي الحنو عليك، ثم ذكر : الأقربين بصفة التفضيل، لأنهم هم الذين يشاركونك في النسب، والإنفاق عليهم صدقة وصلة، ثم ذكر اليتامى : وهم الذين قد توفي آباؤهم فليس لهم من يقوم بمصالحهم، فالإنفاق عليهم إحسان جزيل، ثم ذكر : المساكين، وهم الذين انتهوا، من الفقراء، إلى حالة المسكنة، وهي عدم الحركة والتصرف في أحوال الدنيا ومعاشها، ثم أخبر تعالى : أن ما أنفقتم فالله عليم به ومحصيه، فيجازي عليه ويثيب.
ثم أخبر تعالى عن فرض القتال على المؤمنين، وأنه مكروه للطباع لما فيه من إتلاف المهج وانتقاص الأموال، وانتهاك الأجساد بالسفر فيه وبغيره، ثم ذكر أن الإنسان قد يكره الشيء وهو خير له، لأن عقابه إلى خير، فالقتال، وإن كان مكروهاً للطبع، فإنه خير إن سلم، فخيره بالظفر بأعداء الله، وبالغنيمة، واستيلاء عليهم قتلاً ونهباً وتملك دار، وإن قتل فخيره أن له عند الله مرتبة الشهداء.
ويكفيك ما ورد في هذه المرتبة العظيمة في كتاب الله، وفيما صح عن رسول الله ﷺ، ثم ذكر مقابل هذا وهو قوله ﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ فمن المحبوب ترك القتال، وهو مدعاة إلى الدعاء والراحة، وفي ذلك الشر العظيم من تسلط أعداء الله والإيقاع بالمسلمين، واستئصال شأفتهم بالقتل والنهب وتملك ديارهم، فمتى أخلد الإنسان إلى الراحة طمع فيه عدوه، وبلغ منه مقاصده، ولقد أحسن زهير حيث قال :
جريء متى يظلم يعاقب بظلمه***
سريعاً، وإن لا يبد بالظلمُ يظلم
ثم ذكر تعالى أنه يعلم ما لا يعلمون حيث شرع القتال، فهو تعالى عالم بما يترتب لكم من المصالح الدينية والدنيوية على مشروعية القتال.
ثم ذكر تعالى أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن القتال في الشهر الحرام، لما كان وقع ذلك منهم، لا على سبيل القصد، بل على سبيل الظن أن الزمان الذي وقع فيه ليس هو من الشهر الحرام، فأخبروا أن ذلك هو إثم كبير، إذ كانت العادة أن الأشهر الحرم لا قتال فيها، ثم ذكر أن أكبر من ذلك هو ما يرتكبه الكفار من صد المسلمين عن سبيل الله، ومن الكفر بالله، وبالمسجد الحرام، ومن إخراج أهله منه.
ثم ذكر تعالى أن الفتنة أكبر من القتل وهو فتنة الرجل المسلم عن دينه، أكبر من قتله وهو على دينه، لأن تلك الفتنة تؤول به إلى النار، وقتله هذا يؤول به إلى الجنة.
ثم أخبر تعالى عن دوام عداء عداوة الكفار، وأن مقصدهم إنما هو فتنتكم عن دينكم ورجوعكم إلى ما هم عليه من الضلال، وأنه متى أمكنهم ذلك وقدروا عليه قاتلوكم، ثم أخبر تعالى أن من رجع عن دينه الحق إلى دينه الباطل، ووافى على ذلك، فجميع ما تقدّم من أعماله الصالحات قد بطلت في الدنيا بإلحاقه بالكفار، وإجراء أحكام المرتدين عليه، وفي الآخرة فلا يبقى لها ثمرة يرتجي بها غفراناً لما اجترح، بل مآله إلى النار خالداً فيها.
ثم لما ذكر حال المرتد عن دينه، ذكر حال من آمن بالله وثبت على إيمانه، وهاجر من وطنه الذي هو محل الكفر إلى دار الإسلام، ثم جاهد في سبيل الله من كفر بالله، وأنه طامع في رحمة الله.
ثم ذكر تعالى أنه غفور لما وقع منه قبل الإيمان ولما يتخلل في حالة الإيمان من بعض المخالفة، وأنه رحيم له، فهو يحقق له ما طمع فيه من رحمته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى