جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنّ حَتّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ يُحِبّ التّوّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله : وَيَسَألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض وقيل «المحيض » لأن ما كان من الفعل ماضيه بفتح عين الفعل وكسرها في الاستقبال، مثل قول القائل : ضرب يضرب، وحبس يحبس، ونزل ينزل، فإن العرب تبني مصدره على المفعَل والاسم على المفعِل مثل المضَرب والمضرِب من ضربت، ونزلت منزِلاً ومَنْزَلاً. ومسموع في ذوات الياء والألف المعيش والمعاش والمعيب والمعاب، كما قال رؤبة في المعيش :
إلَيْكَ أشْكُو شِدّةَ المَعِيشِوَمَرّ أعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي
وإنما كان القوم سألوا رسول الله ﷺ فيما ذكر لنا عن الحيض، لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم ما يتبينون من أمره، لا يساكنون حائضا في بيت، ولا يؤاكلونهنّ في إناء، ولا يشاربونهنّ، فعرّفهم الله بهذه الآية أن الذي عليهم في أيام حيض نسائهم أن يجتنبوا جماعهنّ فقط دون ما عدا ذلك من مضاجعتهن ومآكلتهن ومشاربتهن. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وَيَسَألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ حتى بلغ : حّتى يَطْهُرْنَ فكان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت، ولا تؤاكلهم في إناء، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك، فحرم فرجها ما دامت حائضا، وأحلّ ما سوى ذلك : أن تصبغ لك رأسك، وتؤاكلك من طعامك، وأن تضاجعك في فراشك إذا كان عليها إزار محتجزة به دونك.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
وقد قيل : إنهم سألوا عن ذلك، لأنهم كانوا في أيام حيضهنّ يجتنبون إتيانهنّ في مخرج الدم ويأتونهن في أدبارهن. فنهاهم الله عن أن يقربوهن في أيام حيضهن حتى يطهرن، ثم أذن لهم إذا تطهرن من حيضهن في إتيانهن من حيث أمرهم باعتزالهن، وحرم إتيانهن في أدبارهن بكل حال. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال : حدثنا عبد الواحد، قال : حدثنا خصيف، قال : ثني مجاهد، قال : كانوا يجتنبون النساء في المحيض، ويأتونهنّ في أدبارهنّ، فسألوا النبيّ ﷺ عن ذلك، فأنزل الله : وَيَسَألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ إلى : فإذَا تَطَهّرْنَ فأتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللّهُ في الفرج ولا تعدوه.
وقيل : إن السائل الذي سأل رسول الله ﷺ عن ذلك كان ثابت بن الدحداح الأنصاري.
حدثني بذلك موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي.

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هُوَ أذًى.


يعني تعالى ذكره بذلك : قل لمن سألك من أصحابك يا محمد عن المحيض هو أذى. والأذى : هو ما يؤذى به من مكروه فيه، وهو في هذا الموضع يسمى أذى لنتن ريحه وقذره ونجاسته، وهو جامع لمعان شتى من خلال الأذى غير واحدة.
وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك على تقارب معاني بعض ما قالوا فيه من بعض، فقال بعضهم قوله : قُلْ هُوَ أذًى قل هو قذر. ذكر من قال ذلك :
٣حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي قوله : قُلْ هُوَ أذًى قال : أما أذى : فقذر.
٣حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : قُلْ هُوَ أذًى قال : قل هو أذى، قال : قذر.
وقال آخرون : قل هو دم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : وَيَسَألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أذًى قال : الأذى : الدم.

القول في تأويل قوله تعالى : فاعْتَزِلُوا النّساءَ فِي المَحِيضِ.


يعني تعالى ذكره بقوله : فاعْتَزِلُوا النّساءَ فِي المَحِيضِ فاعتزلوا جماع النساء ونكاحهنّ في محيضهن. كما :
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله : فاعْتَزِلُوا النّساءَ فِي المَحِيضِ يقول : اعتزلوا نكاح فروجهنّ.
واختلف أهل العلم في الذي يجب على الرجل اعتزاله من الحائض، فقال بعضهم : الواجب على الرجل اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا حماد بن مسعدة، قال : حدثنا عوف، عن محمد، قال : قلت لعبيدة : ما يحلّ لي من امرأتي إذا كانت حائضا ؟ قال : اللحاف واحد، والفراش شتى.
حدثني تميم بن المنتصر، قال : أخبرنا يزيد، قال : حدثنا محمد، عن الزهري، عن عروة، عن ندبة، مولاة آل عباس قالت : بعثتني ميمونة ابنة الحرث، أو حفصة ابنة عمر، إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابة من قبل النساء، فوجدت فراشها معتزلاً فراشه، فظننت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشه فراشها، فقالت : إني طامث، وإذا طمثت أعتزل فراشي. فرجعت فأخبرت بذلك ميمونة أو حفصة، فردّتني إلى ابن عباس، تقول لك أمك : أرغبت عن سنة رسول الله ﷺ فوالله لقد كان النبيّ ﷺ ينام مع المرأة من نسائه، وإنها لحائض، وما بينه وبينها إلا ثوب ما يجاوز الركبتين.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد، قال : قلت لعبيدة : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قال : الفراش واحد، واللحاف شتى، فإن لم يجد إلا أن يردّ عليها من ثوبه ردّ عليها منه.
واعتل قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهن، ولم يخصص منهن شيئا دون شيء، وذلك عامّ على جميع أجسادهنّ واجب اعتزال كل شيء من أبدانهن في حيضهن.
وقال آخرون : بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن موضع الأذى، وذلك موضع مخرج الدم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثني عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، قال : حدثنا مروان الأصغر، عن مسروق بن الأجدع، قال : قلت لعائشة : ما يحلّ للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قالت : كل شيء إلا الجماع.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، وحدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا عن عائشة أنها قالت : وأين كان ذو الفراشين وذو اللحافين ؟
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال : قلت لعائشة : ما يحرم على الرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قالت : فرجها.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة : أن مسروقا ركب إلى عائشة، فقال : السلام على النبيّ وعلى أهل بيته فقالت عائشة : أبو عائشة مرحبا فأذنوا له، فدخل فقال : إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي فقالت : إنما أنا أمك وأنت ابني. فقال : ما للرجل من امرأته وهي حائض ؟ قالت له : كل شيء إلا فرجها.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، قال : حدثنا حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت له : ما فوق الإزار.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا أيوب، عن نافع : أن عائشة قالت في مضاجعة الحائض : لا بأس بذلك إذا كان عليها إزار.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي معشر قال : سألت عائشة : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ فقالت : كل شيء إلا الفرج.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال : قال ابن عباس : إذا جعلت الحائض على فرجها ثوبا أو ما يكفّ الأذى، فلا بأس أن يباشر جِلْدُها زَوْجَها.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه سئل : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قال : ما فوق الإزار.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هاشم بن القاسم، قال : حدثنا الحكم بن فضيل، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : اتق من الدم مثل موضع النعل.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا أيوب، عن عكرمة، عن أم سلمة، قالت في مضاجعة الحائض : لا بأس بذلك إذا كان على فرجها خرقة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال : للرجل من امرأته كل شيء ما خلا الفرج يعني وهي حائض قال : يبيتان في لحاف واحد، يعني الحائض إذا كان على الفرج ثوب.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ عن عوف عن الحسن. قال : يبيتان في لحاف واحد يعني الحائض إذا كان على الفرج ثوب.
حدثنا تميم، قال : أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن ليث، قال : تذاكرنا عند مجاهد الرجل يلاعب امرأته وهي حائض، قال : اطعن بذكرك حيثما شئت فيما بين الفخذين والأليتين والسرة، ما لم يكن في الدبر أو الحيض.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، قال : يباشر الرجل امرأته وهي حائض ؟ قال : إذا كفّت الأذى.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : ثني عمران بن حدير، قال : سمعت عكرمة يقول : كل شيء من الحائض لك حلال غير مجرى الدم.
وعلة قائل هذه المقالة، قيام الحجة بالأخبار المتواترة عن رسول الله ﷺ أنه كان يباشر نساءه وهن حيض، ولو كان الواجب اعتزال جميعهن لما فعل ذلك رسول الله ﷺ، فلما صح ذلك عن رسول الله ﷺ، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله : فاعْتَزِلُوا النّساءَ فِي المَحِيضِ هو اعتزال بعض جسدها دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قبلها دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها.
وقال آخرون : بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن في حال حيضهن ما بين السرة إلى الركبة، وما فوق ذلك ودونه منها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن شريح، قال له : ما فوق السرّة. وذكر الحائض.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا يزيد، عن سعيد بن جبير، قال : سئل ابن عباس عن الحائض : ما لزوجها منها ؟ فقال : ما فوق الإزار.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد، قال : قال شريح : له ما فوق سرتها.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، قال : سئل سعيد بن المسيب : ما للرجل من الحائض ؟ قال : ما فوق الإزار.
وعلة من قال هذه المقالة صحة الخبر عن رسول الله ﷺ بما :
حدثني به ابن أبي الشو

تفسير هذه الآية من كتب أخرى