جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنّ حَتّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ يُحِبّ التّوّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله : وَيَسَألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض وقيل «المحيض » لأن ما كان من الفعل ماضيه بفتح عين الفعل وكسرها في الاستقبال، مثل قول القائل : ضرب يضرب، وحبس يحبس، ونزل ينزل، فإن العرب تبني مصدره على المفعَل والاسم على المفعِل مثل المضَرب والمضرِب من ضربت، ونزلت منزِلاً ومَنْزَلاً. ومسموع في ذوات الياء والألف المعيش والمعاش والمعيب والمعاب، كما قال رؤبة في المعيش :
| إلَيْكَ أشْكُو شِدّةَ المَعِيشِ | وَمَرّ أعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي |
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وَيَسَألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ حتى بلغ : حّتى يَطْهُرْنَ فكان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت، ولا تؤاكلهم في إناء، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك، فحرم فرجها ما دامت حائضا، وأحلّ ما سوى ذلك : أن تصبغ لك رأسك، وتؤاكلك من طعامك، وأن تضاجعك في فراشك إذا كان عليها إزار محتجزة به دونك.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
وقد قيل : إنهم سألوا عن ذلك، لأنهم كانوا في أيام حيضهنّ يجتنبون إتيانهنّ في مخرج الدم ويأتونهن في أدبارهن. فنهاهم الله عن أن يقربوهن في أيام حيضهن حتى يطهرن، ثم أذن لهم إذا تطهرن من حيضهن في إتيانهن من حيث أمرهم باعتزالهن، وحرم إتيانهن في أدبارهن بكل حال. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال : حدثنا عبد الواحد، قال : حدثنا خصيف، قال : ثني مجاهد، قال : كانوا يجتنبون النساء في المحيض، ويأتونهنّ في أدبارهنّ، فسألوا النبيّ ﷺ عن ذلك، فأنزل الله : وَيَسَألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ إلى : فإذَا تَطَهّرْنَ فأتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللّهُ في الفرج ولا تعدوه.
وقيل : إن السائل الذي سأل رسول الله ﷺ عن ذلك كان ثابت بن الدحداح الأنصاري.
حدثني بذلك موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي.
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هُوَ أذًى.
يعني تعالى ذكره بذلك : قل لمن سألك من أصحابك يا محمد عن المحيض هو أذى. والأذى : هو ما يؤذى به من مكروه فيه، وهو في هذا الموضع يسمى أذى لنتن ريحه وقذره ونجاسته، وهو جامع لمعان شتى من خلال الأذى غير واحدة.
وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك على تقارب معاني بعض ما قالوا فيه من بعض، فقال بعضهم قوله : قُلْ هُوَ أذًى قل هو قذر. ذكر من قال ذلك :
٣حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي قوله : قُلْ هُوَ أذًى قال : أما أذى : فقذر.
٣حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : قُلْ هُوَ أذًى قال : قل هو أذى، قال : قذر.
وقال آخرون : قل هو دم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : وَيَسَألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أذًى قال : الأذى : الدم.
القول في تأويل قوله تعالى : فاعْتَزِلُوا النّساءَ فِي المَحِيضِ.
يعني تعالى ذكره بقوله : فاعْتَزِلُوا النّساءَ فِي المَحِيضِ فاعتزلوا جماع النساء ونكاحهنّ في محيضهن. كما :
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله : فاعْتَزِلُوا النّساءَ فِي المَحِيضِ يقول : اعتزلوا نكاح فروجهنّ.
واختلف أهل العلم في الذي يجب على الرجل اعتزاله من الحائض، فقال بعضهم : الواجب على الرجل اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا حماد بن مسعدة، قال : حدثنا عوف، عن محمد، قال : قلت لعبيدة : ما يحلّ لي من امرأتي إذا كانت حائضا ؟ قال : اللحاف واحد، والفراش شتى.
حدثني تميم بن المنتصر، قال : أخبرنا يزيد، قال : حدثنا محمد، عن الزهري، عن عروة، عن ندبة، مولاة آل عباس قالت : بعثتني ميمونة ابنة الحرث، أو حفصة ابنة عمر، إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابة من قبل النساء، فوجدت فراشها معتزلاً فراشه، فظننت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشه فراشها، فقالت : إني طامث، وإذا طمثت أعتزل فراشي. فرجعت فأخبرت بذلك ميمونة أو حفصة، فردّتني إلى ابن عباس، تقول لك أمك : أرغبت عن سنة رسول الله ﷺ فوالله لقد كان النبيّ ﷺ ينام مع المرأة من نسائه، وإنها لحائض، وما بينه وبينها إلا ثوب ما يجاوز الركبتين.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد، قال : قلت لعبيدة : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قال : الفراش واحد، واللحاف شتى، فإن لم يجد إلا أن يردّ عليها من ثوبه ردّ عليها منه.
واعتل قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهن، ولم يخصص منهن شيئا دون شيء، وذلك عامّ على جميع أجسادهنّ واجب اعتزال كل شيء من أبدانهن في حيضهن.
وقال آخرون : بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن موضع الأذى، وذلك موضع مخرج الدم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثني عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، قال : حدثنا مروان الأصغر، عن مسروق بن الأجدع، قال : قلت لعائشة : ما يحلّ للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قالت : كل شيء إلا الجماع.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، وحدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا عن عائشة أنها قالت : وأين كان ذو الفراشين وذو اللحافين ؟
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال : قلت لعائشة : ما يحرم على الرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قالت : فرجها.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة : أن مسروقا ركب إلى عائشة، فقال : السلام على النبيّ وعلى أهل بيته فقالت عائشة : أبو عائشة مرحبا فأذنوا له، فدخل فقال : إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي فقالت : إنما أنا أمك وأنت ابني. فقال : ما للرجل من امرأته وهي حائض ؟ قالت له : كل شيء إلا فرجها.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، قال : حدثنا حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت له : ما فوق الإزار.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا أيوب، عن نافع : أن عائشة قالت في مضاجعة الحائض : لا بأس بذلك إذا كان عليها إزار.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي معشر قال : سألت عائشة : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ فقالت : كل شيء إلا الفرج.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال : قال ابن عباس : إذا جعلت الحائض على فرجها ثوبا أو ما يكفّ الأذى، فلا بأس أن يباشر جِلْدُها زَوْجَها.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه سئل : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قال : ما فوق الإزار.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هاشم بن القاسم، قال : حدثنا الحكم بن فضيل، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : اتق من الدم مثل موضع النعل.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا أيوب، عن عكرمة، عن أم سلمة، قالت في مضاجعة الحائض : لا بأس بذلك إذا كان على فرجها خرقة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال : للرجل من امرأته كل شيء ما خلا الفرج يعني وهي حائض قال : يبيتان في لحاف واحد، يعني الحائض إذا كان على الفرج ثوب.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ عن عوف عن الحسن. قال : يبيتان في لحاف واحد يعني الحائض إذا كان على الفرج ثوب.
حدثنا تميم، قال : أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن ليث، قال : تذاكرنا عند مجاهد الرجل يلاعب امرأته وهي حائض، قال : اطعن بذكرك حيثما شئت فيما بين الفخذين والأليتين والسرة، ما لم يكن في الدبر أو الحيض.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، قال : يباشر الرجل امرأته وهي حائض ؟ قال : إذا كفّت الأذى.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : ثني عمران بن حدير، قال : سمعت عكرمة يقول : كل شيء من الحائض لك حلال غير مجرى الدم.
وعلة قائل هذه المقالة، قيام الحجة بالأخبار المتواترة عن رسول الله ﷺ أنه كان يباشر نساءه وهن حيض، ولو كان الواجب اعتزال جميعهن لما فعل ذلك رسول الله ﷺ، فلما صح ذلك عن رسول الله ﷺ، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله : فاعْتَزِلُوا النّساءَ فِي المَحِيضِ هو اعتزال بعض جسدها دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قبلها دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها.
وقال آخرون : بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن في حال حيضهن ما بين السرة إلى الركبة، وما فوق ذلك ودونه منها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن شريح، قال له : ما فوق السرّة. وذكر الحائض.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا يزيد، عن سعيد بن جبير، قال : سئل ابن عباس عن الحائض : ما لزوجها منها ؟ فقال : ما فوق الإزار.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد، قال : قال شريح : له ما فوق سرتها.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، قال : سئل سعيد بن المسيب : ما للرجل من الحائض ؟ قال : ما فوق الإزار.
وعلة من قال هذه المقالة صحة الخبر عن رسول الله ﷺ بما :
حدثني به ابن أبي الشو
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:" ويسألونك عن المحيض"، ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض.
* * *
وقيل:"المحيض"، لأن ما كان من الفعل ماضيه بفتح عين الفعل، وكسرها في الاستقبال، مثل قول القائل:" ضرَب يضرِب، وحبَس يحبِس، ونزل ينزل"، فإن العرب تبني مصدره على"المفعَل" والاسم على"المفعِل"، مثل"المضرَب، والمضرِب" من"ضربتُ"،"ونزلت منزلا ومنزلا". ومسموع في ذوات الياء والألف والياء،"المعيش والمعاش" و"المعيبُ والمعاب"، كما قال رؤبة في المعيش:
| إلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ المَعيشِ | وَمَرَّ أَعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي (١) |
وإنما كان القوم سألوا رسول الله ﷺ - فيما ذُكر لنا - عن الحيض، لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم ما يتبينون من أمره، لا يساكنون حائضًا في بيت، ولا يؤاكلونهنَّ في إناء ولا يشاربونهن. فعرَّفهم الله بهذه الآية، أنّ الذي عليهم في أيام حيض نسائهم: أن يجتنَّبوا جماعهن فقط، دون ما عدا ذلك من
ورواية الديوان، بعده:
| وَجَهْدَ أَعْوَامٍ بَرَيْنَ رِيشِي | نَتْفَ الحُبَارى عَنْ قَرًى رَهِيشِ |
٤٢٣١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" ويسألونك عن المحيض" حتى بلغ:" حتى يطهرن" فكان أهلُ الجاهلية لا تساكنهم حائضٌ في بيت، ولا تؤاكلهم في إناءٍ، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك، فحرَّم فرْجها ما دامت حائضًا، وأحل ما سوى ذلك: أن تصبغ لك رأسك، وتؤاكلك من طعامك، وأن تضاجعك في فراشك، إذا كان عليها إزارٌ محتجزةً به دونك. (١)
٤٢٣٢ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
* * *
وقد قيل: إنهم سألوا عن ذلك، لأنهم كانوا في أيام حيضهن يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم، ويأتونهنّ في أدبارهن، فنهاهم الله عن أن يقربوهن في أيام حيضهن حتى يطهرن، ثم أذن لهم - إذا تطهَّرن من حيضهن - في إتيانهن من حيث أمرَهم باعتزالهنَّ، وحرم إتيانهن في أدبارهنَّ بكل حال.
* ذكر من قال ذلك:
٤٢٣٣ - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثني مجاهد قال، كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله:" ويسألونك عن المحيض" إلى:" فإذا تطهرن فأتوهنّ من حيث أمركم الله" - في الفرج لا تعدوه. (٢)
* * *
(٢) في المطبوعة: "ولا تعدوه"، والصواب في المخطوطة بحذف الواو.
٤٢٣٤ - حدثني بذلك موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: قل لمن سألك من أصحابك يا محمد عن المحيض:"هو أذى".
* * *
"والأذى" هو ما يؤذى به من مكروه فيه. وهو في هذا الموضع يسمى"أذى" لنتن ريحه وقذره ونجاسته، وهو جامع لمعان شتى من خلال الأذى، غير واحدة.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك، على تقارب معاني بعض ما قالوا فيه من بعض.
فقال بعضهم: قوله:" قل هو أذى"، قل هو قَذَر.
* ذكر من قال ذلك:
٤٢٣٥ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:" قل هو أذى"، قال: أما"أذى" فقذرٌ.
٤٢٣٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:" قل هو أذى"، قال:"قل هو أذى"، قال: قذرٌ.
* * *
* ذكر من قال ذلك:
٤٢٣٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:" ويسألونك عن المحيض قل هو أذى"، قال: الأذى الدم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:" فاعتزلوا النساء في المحيض"، فاعتزلوا جماع النساء ونكاحهن في محيضهنّ، كما:-
٤٢٣٨ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:" فاعتزلوا النساء في المحيض"، يقول: اعتزلوا نكاحَ فُروجهنّ.
* * *
واختلف أهل العلم في الذي يجب على الرجل اعتزاله من الحائض.
فقال بعضهم: الواجبُ على الرجل، اعتزالُ جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه.
* ذكر من قال ذلك:
٤٢٣٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا عوف، عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما يحلُّ لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى. (١)
٤٢٤١ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد واللحاف شتى، فإن لم يجد إلا أن يردَّ عليها من ثوبه، ردَّ عليها منه.
* * *
واختلف في ضبط اسمها، فقيل بضم النون أو فتحها مع سكون الدال ثم فتح الباء الموحدة. وقيل بدية" بضم الباء الموحدة ثم فتح الدال ثم فتح الياء التحتية المشددة.
والحديث رواه أحمد في المسند ٦: ٣٣٢ (حلبي) عن يزيد بن هرون، بهذا الإسناد، نحوه، مع بعض اختصار. وهو في روايته عن ميمونة جزمًا، ليس فيه الشك بينها وبين حفصة. وهو الصواب ولعل الشك هنا من الطبري، أو من شيخه تميم بن المنتصر.
ثم إن ابن إسحاق خطأ هنا في جعل الحديث"عن الزهري، عن عروة". ولعل الخطأ من يزيد بن هرون. والصواب أنه"عن الزهري، عن حبيب مولى عروة، عن ندبة". وبذلك تضافرت الروايات في هذا الإسناد، كما سيأتي. ويؤيده أن ابن سعد ذكر في ترجمتها أنها تروي عن عروة، وروى بإسناده خبرًا عنها عن عروة بن الزبير.
و"حبيب مولى عروة": هو حبيب الأعور، مولى عروة بن الزبير. وهو تابعي ثقة، قال ابن سعد: "مات قديمًا في آخر سلطان بني أمية". وأخرج له مسلم في صحيحه.
والحديث رواه -على الصواب- البيهقي في السنن الكبرى ١: ٣١٣، من طريق بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه، عن الزهري، قال: "أخبرني حبيب مولى عروة بن الزبير، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس... "، فذكره مطولا.
ثم إن الحديث معروف من هذا الوجه على الصواب، مختصرًا بدون ذكر قصة ابن عباس.
فرواه أحمد في المسند ٦: ٣٣٢ (حلبي)، عن حجاج وأبي كامل، عن الليث، عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة، ولم يذكر لفظه، وأحاله على الرواية السابقة. ثم رواه بعد ذلك، ص: ٣٣٥- ٣٣٦، عن حجاج وأبي كامل، بالإسناد نفسه. وذكر لفظه مختصرًا عن ميمونة، دون القصة.
وكذلك رواه أبو داود: ٢٦٧، وابن حبان في صحيحه ٢: ٥٦٩ (مخطوطة الإحسان). والبيهقي ١: ٣١٣ - كلهم من طريق الليث بن سعد، به. وكذلك رواه النسائي ١: ٥٤- ٥٥، ٦٧، من طريق يونس والليث- كلاهما عن ابن شهاب، به مختصرًا.
فعن هذه الروايات كلها استيقنت أن رواية ابن إسحاق -هنا وعند أحمد-"عن الزهري، عن عروة" خطأ.
* * *
وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن، موضع الأذى، وذلك موضعُ مخرج الدم.
* ذكر من قال ذلك:
٤٢٤٢ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن قال، حدثنا مروان الأصفر، عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. (١)
مسروق بن الأجدع الهمداني: تابعي كبير ثقة، من سادات التابعين وفقهائهم.
وهذا الحديث نقله ابن كثير ١: ٥١٠ عن هذا الموضع. وكذلك نقله السيوطي ١: ٢٦٠، ولم ينسباه لغير الطبري.
وهو عندنا حديث مرفوع بالمعنى، وإن كان لفظه موقوفًا على عائشة. لأن الصحابي إذا حكى عما يحل ويحرم فالثقة به أن لا يحكي ذلك إلا عمن يؤخذ عنه الحلال والحرام، وهو معلم الخير، صلى الله عليه وسلم. وهذا عند الإطلاق، إلا أن تدل دلائل على أنه يقول ذلك اجتهادًا واستنباطًا من دلائل الكتاب والسنة. وانظر الأحاديث التالية لهذا.
٤٢٤٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحرم على الرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: فرجها. (٢)
٤٢٤٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة: أنّ مسروقًا ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهل بيته. فقالت عائشة: أبو عائشة! مرحبًا! فأذنوا له فدخل، فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي! فقالت: إنما أنا أمُّك، وأنت ابني! فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت له: كل شيء إلا فرجها. (٣)
٤٢٤٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت: له ما فوق الإزار. (٤)
(٢) الحديث: ٤٢٤٤- سالم ابن أبي الجعد: تابعي ثقة معروف، أخرج له الأئمة الستة. وهذا الحديث في معنى الحديث السابق: ٤٢٤٢، من وجه آخر، وبلفظ آخر. وإسناده صحيح.
(٣) الحديث: ٤٢٤٥- وهذا في معنى الحديثين السابقين، مع تفصيل في قصة السؤال والجواب. وإسناده صحيح أيضًا.
(٤) الحديث: ٤٢٤٦- ابن أبي زائدة: هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، مضى في: ٢٣٣٨. حجاج: هو ابن أرطأة.
وهذا في معنى ما قبله.
٤٢٤٨ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي معشر قال: سألتُ عائشة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ فقالت: كل شيء إلا الفرج. (١)
٤٢٤٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال، قال ابن عباس: إذا جعلت الحائض على فرجها ثوبًا أو ما يكفُّ الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدُها زوجَها. (٢)
٤٢٥٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا يزيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه سئل: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قال: ما فوق الإزار.
٤٢٥١ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هاشم بن القاسم قال، حدثنا الحكم بن فضيل، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اتق من الدم مثل موضع النعل. (٣)
وصواب الإسناد، كما في المحلى لابن حزم ٢: ١٨٣"روينا عن أيوب السختياني، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن مسروق، قال: سألت عائشة: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قالت: كل شيء إلا الفرج". فسقط من الإسناد رجلان: إبراهيم النخعي، ومسروق، وهو الذي سأل عائشة. وهكذا ذكره ابن حزم، فلم يذكر إسناده إلى أيوب.
وقد رواه الطحاوي في معاني الآثار ٢: ٢٢، بإسناده، من طريق عمرو بن خالد، عن عبيد الله -وهو ابن عمرو الرقى الجزري-"عن أيوب، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عائشة". ولم يذكر لفظه، إحالة على رواية أخرى قبله، بمعناه.
(٢) الخبر: ٤٢٤٩ -هذا إسناد منقطع- محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: تابعي ثقة معروف. ولكن روايته عن ابن عباس مرسلة، كما صرح بذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣٢/١٨٤.
(٣) الخبر: ٤٢٥١- الحكم بن فضيل، أبو محمد الواسطي: ثقة، وثقه ابن معين وغيره. مترجم في الكبير ١/٢/٣٣٧، وابن أبي حاتم ١/٢/١٢٦- ١٢٧، والتعجيل، والميزان، ولسان الميزان. وله ترجمة وافية في تاريخ بغداد ٨: ٢٢١- ٢٢٣. والبخاري لم يذكر فيه حرجًا.
والخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى ١: ٣١٤، من طريق الحسن بن مكرم. عن أبي النضر هاشم بن القاسم، بهذا الإسناد.
٤٢٥٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: للرجل من امرأته كل شيء ما خلا الفرج - يعني وهي حائض.
٤٢٥٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن قال: يبيتان في لحاف واحد - يعني الحائض - إذا كان على الفرج ثوب.
٤٢٥٥ - حدثنا تميم قال، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن ليث قال: تذاكرنا عند مجاهد الرجل يلاعب امرأته وهي حائض، قال: اطعن بذكرك حيث شئت فيما بين الفخذين والأليتين والسرة، ما لم يكن في الدبر أو الحيض. (٢)
٤٢٥٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر قال: يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ قال: إذا كفَّت الأذى.
٤٢٥٧ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني
فروى البيهقي ١: ٣١١، من طريق يزيد بن زريع، "حدثنا خالد، عن عكرمة، عن أم سلمة: أنها كانت مع رسول الله ﷺ في لحاف، فأصابها الحيض، فقال لها: قومي فاتزري ثم عودي".
وثبت نحو معناه عن أم سلمة أيضًا، بأطول من هذا، من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، مرفوعًا. رواه مسلم ١: ٩٥، والبيهقي ١: ٣١١، وذكر أنه أخرجه البخاري ومسلم.
(٢) في المطبوعة: "حيثما شئت"، وأثبت ما في المخطوطة.
* * *
قال أبو جعفر: وعلة قائل هذه المقالة، قيامُ الحجة بالأخبار المتواترة عن رسول الله ﷺ أنه كان يباشر نساءه وهن حُيَّض، ولو كان الواجبُ اعتزالَ جميعهنّ، لما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما صحّ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله:" فاعتزلوا النساءَ في المحيض"، هو اعتزال بعض جسدها دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قُبُلها، دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها.
* * *
وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهنّ في حال حيضهن، ما بين السرّة إلى الركبة، وما فوق ذلك ودونه منها.
* ذكر من قال ذلك:
٤٢٥٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن شريح قال: له ما فوق السرة - وذكر الحائض.
٤٢٥٩ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا يزيد، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن الحائض: ما لزوجها منها؟ فقال: ما فوق الإزار.
٤٢٦٠ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد قال: قال شريح: له ما فوق سُرَّتها.
٤٢٦١ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن واقد
* * *
وعلة من قال هذه المقالة، صحةُ الخبر عن رسول الله ﷺ بما:-
٤٢٦٢ - حدثني به ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا سليمان الشيباني = وحدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص قال، حدثنا الشيباني = قال حدثنا عبد الله بن شداد بن الهاد قال، سمعت ميمونة تقول: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهي حائض، أمرها فأتزرت".
٤٢٦٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة: أن النبي ﷺ كان يباشرها وهي حائض فوق الإزار. (١)
٤٢٦٤ - حدثني سفيان بن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، أمرها فأتزرت بإزار ثم يباشرها.
٤٢٦٥ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمرَها النبي ﷺ أن تأتزر، ثم يباشرها. (٢)
والحديثان في معنى واحد. وقد ذكره ابن كثير ١: ٥١١، بلفظ أولهما عن الصحيحين، وكذلك ذكره السيوطي ١: ٢٥٩، وزاد نسبته لابن أبي شيبة. وأبي داود، والبيهقي. وانظر البخاري ١: ٦٤، ومسلم ١: ٩٥، والسنن الكبرى ١: ٣١١.
(٢) الحديثان: ٤٢٦٤، ٤٢٦٥- هما حديث واحد بإسنادين. وذكره السيوطي ١: ٢٥٩، عن ابن أبي شيبة، والصحيحين، وأبي داود، وابن ماجه، بزيادة في آخره. وانظر البخاري ١: ٦٣. ومسلم ١: ٩٥، وأبا داود: ١١٢، ١١٣، والنسائي ١: ٥٤، ٦٧، والبيهقي ١: ٣١٠- ٣١١.
قالوا: فما فعل النبي ﷺ من ذلك فجائز، وهو مباشرة الحائض ما دون الإزار وفوقه، وذلك دون الركبة وفوق السرة، وما عدا ذلك من جسد الحائض فواجبٌ اعتزالُه، لعموم الآية.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن للرجل من امرأته الحائض ما فوق المؤتَزَر ودونه، لما ذكرنا من العلة لهم. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك. (٣) فقرأه بعضهم:" حتى يطهرن" بضم"الهاء" وتخفيفها. وقرأه آخرون بتشديد"الهاء" وفتحها.
وأما الذين قرأوه بتخفيف"الهاء" وضمها، فإنهم وجهوا معناه إلى: ولا تقربوا النساء في حال حيضهنّ حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويَطهُرن. وقال بهذا التأويل جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٤٢٦٦ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:" ولا تقربوهن حتى يطهرن"، قال: انقطاع الدم.
(٢) في المخطوطة إسقاط قوله: "لهم".
(٣) في المطبوعة: "اختلف القراء"، وقد مضى مثل ذلك مرارًا، وتركناه في بعض المواضع كما هو في المطبوعة. ولكنا سنقيمه منذ الآن على المخطوطة دون الإشارة إليه بعد هذا الموضع إلى آخر الكتاب، إن شاء الله.
٤٢٦٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة في قوله:" ولا تقربوهن حتى يطهرن"، قال: حتى ينقطع الدم. (١)
* * *
وأما الذين قرأوا ذلك بتشديد"الهاء" وفتحها، فإنهم عنوا به: حتى يغتسلن بالماء. وشددوا"الطاء" لأنهم قالوا: معنى الكلمة: حتى يتطهَّرْنَ، أدغمت"التاء" في"الطاء" لتقارب مخرجيهما.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: (حَتَّى يَطَّهَّرْنَ) بتشديدها وفتحها، بمعنى: حتى يغتسلن - لإجماع الجميع على أن حرامًا على الرجل أن يقرَب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر.
* * *
وإنما اختُلف في"التطهر" الذي عناه الله تعالى ذكره، فأحل له جماعها.
فقال بعضهم: هو الاغتسال بالماء، لا يحل لزوجها أن يقربها حتى تغسل جميع بدنها. (٢)
وقال بعضهم: هو الوضوء للصلاة.
وقال آخرون: بل هو غسل الفرج، فإذا غسلت فرجها، فذلك تطهرها الذي يحلّ به لزوجها غشيانُها.
* * *
(٢) في المطبوعة: "ولا يحل... " بزيادة الواو.
* * *
فتأويل الآية إذًا: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى، فاعتزلوا جماع نسائكم في وقت حيضهنّ، ولا تقربوهن حتى يغتسلن فيتطهرن من حيضهن بعد انقطاعه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:" فإذا تطهَّرن فأتوهن"، فإذا اغتسلن فتطهَّرن بالماء فجامعوهن.
* * *
فإن قال قائل: أففرض جماعهن حينئذ؟
قيل: لا.
فإن قال: فما معنى قوله إذًا:" فأتوهن"؟
قيل: ذلك إباحة ما كان منَع قبل ذلك من جماعهن، وإطلاقٌ لما كان حَظَر في حال الحيض، وذلك كقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [سورة المائدة: ٢]، وقوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ) [سورة الجمعة: ١٠]، وما أشبه ذلك.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:" فإذا تطهرن".
فقال بعضهم: معنى ذلك، فإذا اغتسلن.
* ذكر من قال ذلك:
٤٢٧٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني ابن مهدي ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" فإذا تطهرن"، فإذا اغتسلن. (١)
٤٢٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة في قوله:" فإذا تطهرن"، يقول: اغتسلن.
٤٢٧٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان - أو عثمان بن الأسود:-" فإذا تطهرن"، إذا اغتسلن.
٤٢٧٣ - حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عامر، عن الحسن: في الحائض ترى الطهر، قال: لا يغشاها زوجُها حتى تغتسل وتحلَّ لها الصلاة. (٢)
٤٢٧٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيره، عن إبراهيم: أنه كره أن يطأها حتى تغتسل - يعني المرأة إذا طهُرت.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فإذا تطهَّرن للصلاة.
* ذكر من قال ذلك:
٤٢٧٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا ليث، عن طاوس ومجاهد أنهما قالا إذا طهُرت المرأة من الدم فشاء زوجها أن يأمرَها
(٢) سقط من الترقيم: ٤٢٧٤
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية، قولُ من قال: معنى قوله:" فإذا تطهَّرن"، فإذا اغتسلن، لإجماع الجميع على أنها لا تصير بالوضوء بالماء طاهرًا الطُّهرَ الذي يحل لها به الصلاة. وإن القولَ لا يخلو في ذلك من أحد أمرين:
= إما أن يكون معناه: فإذا تطهَّرن من النجاسة فأتوهن.
فإن كان ذلك معناه، فقد ينبغي أن يكون متى انقطع عنها الدم فجائزٌ لزوجها جماعُها، إذا لم تكن هنالك نجاسة ظاهرة. هذا، إن كان قوله:" فإذا تطهَّرن" جائزًا استعماله في التطهُّر من النجاسة، ولا أعلمه جائزًا إلا على استكراه الكلام.
= أو يكون معناه: فإذا تطهَّرن للصلاة. وفي إجماع الجميع من الحجة على أنه غير جائز لزوجها غشيانها بانقطاع دم حيضها، (١) إذا لم يكن هنالك نجاسة، دون التطهر بالماء إذا كانت واجدته = أدلُّ الدليل على أن معناه: فإذا تطهرن الطهرَ الذي يجزيهن به الصلاة.
وفي إجماع الجميع من الأمة على أن الصلاة لا تحل لها إلا بالاغتسال، أوضح الدلالة على صحة ما قلنا: من أن غشيانها حرام إلا بعد الاغتسال، وأن معنى قوله:" فإذا تطهرن"، فإذا اغتسلن فصرن طواهرَ الطهرَ الذي يجزيهنّ به الصلاة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله".
فقال بعضهم: معنى ذلك: فأتوا نساءكم إذا تطهَّرن من الوجه الذي نهيتُكم عن إتيانهن منه في حال حيضهن، وذلك: الفرجُ الذي أمر الله بترك جماعهن فيه في حال الحيض. (١)
* ذكر من قال ذلك:
٤٢٧٧ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد قال، قال ابن عباس في قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهُنَّ.
٤٢٧٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، يقول: في الفرج، لا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك فقد اعتدَى.
٤٢٧٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة في قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوا.
٤٢٨٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير أنه قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس: أتاه رجلٌ فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس - أو: يا أبا الفضل - ألا تشفيني عن آية المحيض؟ قال: بلى! فقرأ:" ويسألونك
٤٢٨١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن عثمان، عن مجاهد قال: دبُر المرأة مثله من الرجل، ثم قرأ:" ويسألونك عن المحيض" إلى" فأتوهن من حيث أمركم الله"، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهن. (٢)
٤٢٨٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، قال: أمِروا أن يأتوهن من حيث نُهوا عنه.
٤٢٨٣ - حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثني مجاهد:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، في الفرج، ولا تعْدوه.
٤٢٨٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، يقول: إذا تطهرن فأتوهن من حيث نُهي عنه في المحيض.
٤٢٨٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان - أو: عثمان بن الأسود-:" فأتوهن من حيث أمركم الله" باعتزالهنّ منه.
٤٢٨٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، أي: من الوجه الذي يأتي منه المحيض، طاهرًا غيرَ حائض، ولا تعدوا ذلك إلى غيره.
(٢) الأثر: ٤٢٨١ - في المطبوعة: "عمرة عن مجاهد"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة. و"ابن أبي زائدة"، هو يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة. و"عثمان"، هو عثمان بن الأسود مولى بني جمح، وقد سلفت روايته عن مجاهد، أقربها رقم: ٢٧٨٢.
٤٢٨٨ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:" فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله"، من حيث نُهِيتم عنه في المحيض = وعن أبيه، عن ليث، عن مجاهد في قوله:" فإذا تطهَّرن فأتوهن من حيث أمركم الله"، من حيث نُهيتهم عنه، واتقوا الأدبار.
٤٢٨٩ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن يزيد بن الوليد، عن إبراهيم في قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، قال: في الفرج.
* * *
وقال آخرون: معناها: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله فيه أن تأتوهن منه. وذلك الوجه، هو الطهر دون الحيض. فكان معنى قائل ذلك في الآية: فأتوهنّ من قُبْل طُهرهنّ لا من قُبْل حيضهن. (٢)
* ذكر من قال ذلك:
٤٢٩٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال،
(٢) "قبل" (بضم فسكون)، يقال: "كان ذلك في قبل الشتاء وقبل الصيف"، أي في أوله وعند إقباله. وفي الحديث: "طلقوا النساء لقبل عدتهن" - ويروى: "في قبل طهرهن" أي في إقباله وأوله، وحين يمكنها الدخول في العدة، والشروع فيها، فتكون لها محسوبة. وذلك في حالة الطهر. وكذلك قوله هنا: "من قبل الطهر"، أي: في حال الطهر.
٤٢٩١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين في قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، قال: من قُبْل الطهر. (١)
٤٢٩٢ - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين بمثله.
٤٢٩٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبي رزين:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، يقول: ائتوهنّ من عند الطهر.
٤٢٩٤ - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا علي بن هاشم، عن الزبرقان، عن أبي رزين:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، قال: من قُبْل الطهر، ولا تأتوهن من قُبْل الحيضة. (٢)
٤٢٩٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، يقول: إذا اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله. يقول: طواهر غير حُيَّض. (٣)
٤٢٩٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، قال يقول: طواهر غيرَ حُيَّض. (٤)
٤٢٩٧ - حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا
(٢) في المطبوعة: "الحيض" وأثبتنا ما في المخطوطة.
(٣) انظر ما سلف رقم: ٤٢٨٧، والتعليق عليه.
(٤) انظر ما سلف رقم: ٤٢٨٧، والتعليق عليه.
٤٢٩٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك:"فأتوهن"، طُهَّرًا غير حيَّض. (١)
٤٢٩٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، قال: ائتوهن طاهرات غير حُيَّض.
٤٣٠٠ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، قال: طهَّرًا غير حيَّض في القُبُل. (٢)
* * *
وقال آخرون: بلى معنى ذلك: فأتوا النساء من قِبل النكاح، لا من قِبل الفُجور.
* ذكر من قال ذلك:
٤٣٠١ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا إسماعيل الأزرق، عن أبي عمر الأسدي، عن ابن الحنفية:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، قال: من قِبل الحلال، من قِبل التزويج.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك عندي قولُ من قال: معنى ذلك: فأتوهن من قُبْل طهرهن. وذلك أن كل أمر بمعنى، فنهيٌ عن خلافه وضده. وكذلك النهي عن الشيء أمرٌ بضده وخلافه. فلو كان معنى قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، فأتوهن من قِبل مخرج الدم الذي نهيتكم أن تأتوهن من قبله في حال حيضهن - لوجب أن يكون قوله:" ولا تقربوهن حتى يطهُرن"،
(٢) قوله"طهر"، جمع امرأة"طاهر"، وهو جمع قياسي لم تذكره المعاجم كالذي سلف"طواهر" و"فاعل" الصفة، إذا كانت فيه"تاء" ظاهرة، مثل"ضاربة" - أو مقدرة مثل حائض فقياسه: "فواعل"، و"فعل" (بضم الفاء وتشديد عينه وفتحها).
وفي إجماع الجميع =: على أن الله تعالى ذكره لم يُطْلِق في حال الحيض من إتيانهن في أدبارهن شيئًا حرَّمه في حال الطُّهر، ولا حرِّم من ذلك في حال الطهر شيئًا أحله في حال الحيض = ما يُعلم به فسادُ هذا القول.
وبعد، فلو كان معنى ذلك على ما تأوَّله قائلو هذه المقالة، لوجب أن يكون الكلام: فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله = (١) حتى يكون معنى الكلام حينئذ على التأويل الذي تأوله، ويكون ذلك أمرًا بإتيانهن في فروجهن. لأنّ الكلام المعروفَ إذا أريد ذلك، أن يقال:" أتى فلان زَوجته من قِبَل فرجها" - ولا يقال: أتاها من فرجها - إلا أن يكون أتاها من قِبَل فرجها في مكان غير الفرج.
* * *
فإن قال لنا قائل: فإنَّ ذلك وإنْ كان كذلك، فليس معنى الكلام: فأتوهن في فروجهن - وإنما معناه: فأتوهن من قِبَل قُبُلهن في فروجهن -، كما يقال:" أتيتُ هذا الأمرَ من مَأتاه".
قيل له: إن كان ذلك كذلك، فلا شك أن مأتى الأمر ووجهه غيره، وأن ذلك مطلبه. فإن كان ذلك على ما زعمتم، فقد يجب أن يكون معنى قوله:" فأتوهن من حيث أمركم الله"، غير الذي زعمتم أنه معناه بقولكم: ائتوهن من قبل مخرج الدم، ومن حيث أمِرتم باعتزالهن - ولكن الواجبُ أن يكون تأويلُه على ذلك: فأتوهن من قبل وُجوههنّ في أقبالهن، كما كان قول القائل:" ائت الأمر من مأتاه"، إنما معناه: اطلبه من مطلبه، ومطلبُ الأمر غيرُ الأمر المطلوب.
وانظر ما يؤيد ذلك أيضًا في معاني القرآن للفراء ١: ١٤٣.
وإذا كان كذلك، وكان معنى الكلام عندهم: فأتوهن من قبل وجوههن في فروجهن - وجب أن يكون على قولهم محرَّمًا إتيانهن في فروجهن من قِبل أدبارهن. وذلك إن قالوه، خرج من قاله من قِيل أهل الإسلام، وخالف نص كتاب الله تعالى ذكره، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الله يقول: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)، وأذن رسولُ الله ﷺ في إتيانهن في فروجهن من قبل أدبارهن.
فقد تبين إذًا إذْ كان الأمر على ما وصفنا، فسادُ تأويل من قال ذلك: فأتوهن في فروجهن حيث نهيتكم عن إتيانهنّ في حال حيضهن = وصحةُ القول الذي قلناه، وهو أن معناه: فأتوهن في فروجهنّ من الوجه الذي أذن الله لكم بإتيانهن، وذلك حال طهْرهن وتطهُّرهن، دون حال حيضهن.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:" إن الله يحب التوابين"، المنيبين من الإدبار عن الله وعن طاعته، إليه وإلى طاعته. وقد بينا معنى"التوبة" قبل. (٢)
* * *
واختلف في معنى قوله:" ويحب المتطهِّرين".
فقال بعضهم: هم المتطهِّرون بالماء.
* ذكر من قال ذلك:
(٢) انظر ما سلف ١: ٥٤٧/ ٢: ٧٢- ٧٣/ ٣: ٨١، ٢٥٩- ٢٦١.
٤٣٠٣ - حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا طلحة، عن عطاء، مثله.
٤٣٠٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء:" إن الله يحب التوابين" من الذنوب، لم يصيبوها =" ويحب المتطهرين"، بالماء للصلوات. (١)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك:" إن الله يحب التوابين"، من الذنوب =" ويحب المتطهرين"، من أدبار النساء أن يأتوها.
* ذكر من قال ذلك:
٤٣٠٥ - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا إبراهيم بن نافع قال، سمعت سليمان مولى أم علي قال، سمعت مجاهدًا يقول: من أتى امرأته في دبرها فليس من المتطهرين. (٢)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك:"ويحب المتطهرين"، من الذنوب أن يعودوا فيها بعد التوبة منها.
* ذكر من قال ذلك:
(٢) الأثر: ٤٣٠٥-"إبراهيم بن نافع" المخزومي المكي، روى عن ابن أبي نجيح، وكثير بن كثير، وعطاء بن أبي رباح، وعدة. روى عنه أبو عامر العقدي وأبو نعيم وغيرهما. كان حافظًا، وكما أوثق شيخ بمكة، وهو ثقة، وكان أحمد يطريه. و"سليمان مولى أم علي"، هو سليم المكي، أبو عبد الله، روى عن مجاهد. وعنه إبراهيم بن نافع وابن جريج وجماعة، صدوق من كبار أصحاب مجاهد. وكلاهما مترجم في التهذيب.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال:" إنّ الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة". لأن ذلك هو الأغلب من ظاهر معانيه.
وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر أمرَ المحيض، فنهاهم عن أمور كانوا يفعلونها في جاهليتهم: من تركهم مساكنة الحائض ومؤاكلتها ومشاربتها، وأشياء غير ذلك مما كان تعالى ذكره يكرهها من عباده. فلما استفتى أصحابُ رسولِ الله رسولَ الله ﷺ عن ذلك، (١) أوحى الله تعالى إليه في ذلك، فبيَّن لهم ما يكرهه مما يرضاه ويحبه، وأخبرهم أنه يحب من خلقه من أناب إلى رضاه ومحبته، تائبًا مما يكرهه.
وكان مما بيَّن لهم من ذلك، (٢) أنه قد حرّم عليهم إتيان نسائهم وإن طهُرن من حيضهن حتى يغتسلن، ثم قال: ولا تقربوهن حتى يطهُرن، فإذا تطهَّرن فأتوهن، فإن الله يحب المتطهرين = يعني بذلك: المتطهرين من الجنابة والأحداث للصلاة، والمتطهرات بالماء - من الحيض والنفاس والجنابة والأحداث - من النساء.
* * *
وإنما قال:" ويحب المتطهرين" - ولم يقل" المتطهرات" - وإنما جرى قبل ذلك ذكرُ التطهر للنساء، لأن ذلك بذكر" المتطهرين" يجمع الرجال والنساء. ولو ذكر ذلك بذكر" المتطهرات"، لم يكن للرجال في ذلك حظ، وكان للنساء خاصة. فذكر الله تعالى ذكره بالذكر العام جميعَ عباده المكلفين، إذ كان قد
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "مع ذلك"، والذي أثبته هو الصواب الحق.
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة(٥).
فقوله :﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ يعني [ في ](٦) الفَرْج، لقوله :" اصنعوا كل شيء إلا النكاح " (٧) ؛ ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم إلى أنه تجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج.
قال أبو داود : حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ أنّ النبي ﷺ كان إذا أراد من الحائض شيئًا، ألقى على فرجها ثوبًا(٨).
وقال أبو داود أيضًا : حدثنا القَعْنَبِيّ، حدثنا عبد الله - يعني ابن عمر بن غانم - عن عبد الرحمن - يعني ابن زياد - عن عمارة بن غُرَاب : أن عمَّة له حدثته : أنها سألت عائشة قالت : إحدانا تحيض، وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد ؟ قالت : أخبرك بما صنع رسول الله ﷺ : دخل فمضى إلى مسجده - قال أبو داود : تعني مسجد بيتها - فما انصرف حتى غلبتني عيني، وأوجعه البرد، فقال :" ادني مني ". فقلت : إني حائض. فقال :" اكشفي عن فخذيك ". فكشفت فخذي، فوضع خدّه وصدره على فخذي، وحنَيت(٩) عليه حتى دفئ ونام صلى الله عليه وسلم(١٠).
وقال : أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب عن كتاب أبي قلابة : أن مسروقًا ركب إلى عائشة، فقال : السلام على النبي وعلى أهله(١١). فقالت عائشة : أبو(١٢)
عائشة ! مرحبًا مرحبًا. فأذنوا له فدخل، فقال : إني أريد أن أسألك(١٣) عن شيء، وأنا أستحي. فقالت : إنما أنا أمّك، وأنت ابني. فقال : ما للرجل من امرأته وهي حائض ؟ فقالت : له كل شيء إلا فرجها(١٤).
ورواه أيضًا عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جَوْشن، عن مروان الأصفر، عن مسروق قال : قلت لعائشة : ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا ؟ قالت : كل شيء إلا الجماع.
وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وعكرمة.
وروى ابن جرير أيضًا، عن أبي كُرَيْب، عن ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن ميمون بن مِهْران، عن عائشة قالت : له ما فوق الإزار.
قلت : وتحل مضاجعتها ومؤاكلتها بلا خلاف. قالت عائشة : كان رسول الله ﷺ يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن(١٥). وفي الصحيح عنها قالت : كنت أتعرّق العَرْق وأنا حائض، فأعطيه النبي ﷺ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب(١٦).
وقال أبو داود : حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، عن جابر بن صُبْح(١٧) سمعت خلاسًا الهَجَري قال : سمعت عائشة تقول : كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد، وإني حائض طامث، فإن أصابه مني شيء، غسل مكانه لم يَعْدُه، وإن أصاب - يعني ثوبه - شيء غسل مكانه لم يَعْدُه، وصلى فيه(١٨).
فأما ما رواه أبو داود : حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن أبي اليمان، عن أم ذرة، عن عائشة : أنها قالت : كنتُ إذا حضْتُ نزلت عن المثَال على الحصير، فلم نقرب رسول الله ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر(١٩) - فهو محمول(٢٠) على التنزه والاحتياط.
وقال آخرون : إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار، كما ثبت في الصحيحين، عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت : كان النبي(٢١) ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض(٢٢). وهذا لفظ البخاري. ولهما عن عائشة نحوه(٢٣).
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة من حديث العلاء بن الحارث، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري : أنه سأل رسولَ الله ﷺ : ما يَحِل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال :" ما(٢٤) فوق الإزار " (٢٥).
ولأبي داود أيضًا، عن معاذ بن جبل قال : سألت رسول الله ﷺ عما يحل لي من امرأتي وهي حائض(٢٦). قال :" ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل ". وهو رواية عن عائشة - كما تقدم - وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وشريح.
فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل ما فوق الإزار منها، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي رحمه الله، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم. ومأخذهم(٢٧) أنه حريم الفرج، فهو حرام، لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله عز وجل، الذي أجمع العلماء على تحريمه، وهو المباشرة في الفرج. ثم من فعل ذلك فقد أثم، فيستغفر الله ويتوب إليه. وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا ؟ فيه قولان :
أحدهما : نعم، لما رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض :" يتصدق بدينار، أو نصف دينار " (٢٨). وفي لفظ للترمذي :" إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإن كان دمًا أصفر فنصف دينار ". وللإمام أحمد أيضًا، عنه : أن رسول الله ﷺ جعل في الحائض تصاب، دينارًا فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل، فنصف دينار.
والقول الثاني : وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي، وقول الجمهور : أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله عز وجل، لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث، فإنه [ قد ](٢٩) روي مرفوعًا كما تقدم وموقوفًا، وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، فقوله تعالى :﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ تفسير لقوله :﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ونهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا، ومفهومه حله إذا انقطع، [ وقد قال به طائفة من السلف. قال القرطبي : وقال مجاهد وعكرمة وطاوس : انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ ](٣٠).
وقوله :﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال. وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة، لقوله :﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وليس له في ذلك مستند، لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول، منهم من يقول : إنه للوجوب كالمطلق. وهؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم، ومنهم من يقول : إنه للإباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر. والذي ينهض عليه الدليل أنه يُرَدّ الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان واجبًا فواجب، كقوله تعالى :
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، أو مباحًا فمباح، كقوله تعالى :﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، واختاره بعض أئمة المتأخرين، وهو الصحيح.
وقد اتفق العلماء(٣١) على أن المرأة إذا انقطع حيضُها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم، إن(٣٢) تعذر ذلك عليها بشرطه، [ إلا يحيى بن بكير من المالكية وهو أحد شيوخ البخاري، فإنه ذهب إلى إباحة وطء المرأة بمجرد انقطاع دم الحيض، ومنهم من ينقله عن ابن عبد الحكم أيضا، وقد حكاه القرطبي عن مجاهد وعكرمة عن طاوس كما تقدم ](٣٣). إلا أن أبا حنيفة، رحمه الله، يقول(٣٤) فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض، وهو عشرة أيام عنده : إنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل [ ولا يصح لأقل من ذلك المزيد في حلها من الغسل ويدخل عليها وقت صلاة إلا أن تكون دمثة، فيدخل بمجرد انقطاعه ](٣٥) والله أعلم.
وقال ابن عباس :﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي : من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي : بالماء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، ومقاتل بن حيان، والليث بن سعد، وغيرهم.
وقوله :﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد : يعني الفَرْج ؛ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقول في الفرج ولا تَعْدوه(٣٦) إلى غيره، فمن فعل شيئا من ذلك فقد اعتدى.
وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة :﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي : أن تعتزلوهن. وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر، كما سيأتي تقريره قريبًا.
وقال أبو رَزين، وعكرمة، والضحاك وغير واحد :﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني : طاهرات غير حُيَّض، ولهذا قال تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي : من الذنب وإن تكرر(٣٧) غشْيانه، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي : المتنزهين عن(٣٨) الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى.
٢ في جـ: "أنه"..
٣ في أ، و: "فاستقبلهما"..
٤ في جـ: "من لبن لرسول"..
٥ المسند (٣/١٣٢) وصحيح مسلم برقم (٣٠٢)..
٦ زيادة من أ..
٧ في جـ، أ، و: "إلا الجماع"..
٨ سنن أبي داود برقم (٢٧٢).
٩ في أ: "وحننت"..
١٠ سنن أبي داود برقم (٢٧٠)..
١١ في جـ: "الصلاة على النبي وعلى آله"..
١٢ في أ: "ابن"..
١٣ في أ: "إني سائلك"..
١٤ تفسير الطبري (٤/٣٧٨)..
١٥ رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٧)..
١٦ صحيح مسلم برقم (٣٠٠)..
١٧ في جـ، أ، و: "صبيح"..
١٨ سنن أبي داود برقم (٢٦٩)..
١٩ سنن أبي داود برقم (٢٧١)..
٢٠ في جـ: "فمحمول"..
٢١ في جـ: "كان رسول الله"..
٢٢ صحيح البخاري برقم (٣٠٣) وصحيح مسلم برقم (٢٩٤)..
٢٣ صحيح البخاري برقم (٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢٩٣)..
٢٤ في جـ: "لك ما"..
٢٥ المسند (٤/٣٤٢) وسنن أبي داود برقم (٢١٢) وسنن الترمذي برقم (١٣٣) وسنن ابن ماجة برقم (٦٥١)..
٢٦ سنن أبي داود برقم (٢١٣)..
٢٧ في أ، و: "ومأخذه"..
٢٨ المسند (١/٢٣٠) وسنن أبي داود برقم (٢٦٦) وسنن الترمذي برقم (١٣٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٨٢)..
٢٩ زيادة من جـ..
٣٠ زيادة من جـ، أ..
٣١ في جـ: "جمهور العلماء"..
٣٢ في جـ: "أو"..
٣٣ زيادة من جـ، أ..
٣٤ في جـ: "إلا أبا حنيفة وصاحبيه فإنهم رحمهم الله يقولون"..
٣٥ زيادة من جـ..
٣٦ في جـ: "ولا تعداه"..
٣٧ في جـ: "وإن تكون"..
٣٨ في جـ، أ: "من"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَغَضِبَ عَلَيْهَا فَلَطَمَهَا، ثُمَّ فَزِعَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهَا. فَقَالَ لَهُ: "مَا هِيَ؟ " قَالَ: تَصُومُ، وَتَصِلِي، وَتُحْسِنُ الوضوءَ، وَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: "يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ". فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأعتقَنَّها ولأتزوجَنها (٢). فَفَعَلَ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: نَكَحَ أمَة. وَكَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَنْكِحُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ، ويُنكحوهم رَغْبَةً فِي أَحْسَابِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾
وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْإِفْرِيقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَنْكِحُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلَا تَنْكِحُوهُنَّ عَلَى أَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ (٣) وَانْكِحُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، فَلَأَمَةٌ سَوْدَاءُ خَرْماء ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ" (٤). وَالْإِفْرِيقِيُّ ضَعِيفٌ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" (٥). وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مِثْلُهُ (٦). وَلَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَالِحٍةُ" (٧).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ أَيْ: لَا تُزَوّجوا الرِّجَالَ الْمُشْرِكِينَ النِّسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الْمُمْتَحَنَةِ: ١٠].
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أَيْ: وَلَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ -وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا -خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ، وَإِنْ كَانَ رَئِيسًا سَرِيًا (٨) ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أَيْ: معاشَرتهم وَمُخَالَطَتُهُمْ تَبْعَثُ عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا وَاقْتِنَائِهَا وَإِيثَارِهَا عَلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَعَاقِبَةُ ذَلِكَ وَخِيمَةٌ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: بِشَرْعِهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾
(٢) في أ: "لأعتقها ولأتزوجنها".
(٣) في جـ: "أن يطغيهن".
(٤) المنتخب لعبد بن حميد برقم (٣٢٨).
(٥) صحيح البخاري برقم (٥٠٩٠) وصحيح مسلم برقم (١٤٦٦).
(٦) صحيح مسلم برقم (٧١٥).
(٧) صحيح مسلم برقم (١٤٥٧).
(٨) في جـ: "شريفا".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ (٥).
فَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ يَعْنِي [فِي] (٦) الفَرْج، لِقَوْلِهِ: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ" (٧) ؛ وَلِهَذَا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ إِلَى أَنَّهُ تَجُوزُ مُبَاشَرَةُ الْحَائِضِ فِيمَا عَدَا الْفَرْجِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا، أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا (٨).
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا القَعْنَبِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ -عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ -عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غُرَاب: أَنَّ عمَّة لَهُ حَدَّثَتْهُ: أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِحْدَانَا تَحِيضُ، وَلَيْسَ لَهَا وَلِزَوْجِهَا فِرَاشٌ إِلَّا فِرَاشٌ وَاحِدٌ؟ قَالَتْ: أُخْبِرُكِ بِمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَخَلَ فَمَضَى إِلَى مَسْجِدِهِ -قَالَ أَبُو دَاوُدَ: تَعْنِي مَسْجِدَ بَيْتِهَا -فَمَا انْصَرَفَ حَتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي، وَأَوْجَعَهُ الْبَرْدُ، فَقَالَ: "ادْنِي مِنِّي". فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: "اكْشِفِي عَنْ فَخِذَيْكِ". فَكَشَفْتُ فَخِذِي، فَوَضَعَ خَدَّهُ وَصَدْرَهُ عَلَى فَخِذِي، وحنَيت (٩) عَلَيْهِ حَتَّى دَفِئَ وَنَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (١٠).
وَقَالَ: أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ كِتَابِ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّ مَسْرُوقًا رَكِبَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى أهله (١١). فقالت عائشة: أبو (١٢)
(٢) في جـ: "أنه".
(٣) في أ، و: "فاستقبلهما".
(٤) في جـ: "من لبن لرسول".
(٥) المسند (٣/١٣٢) وصحيح مسلم برقم (٣٠٢).
(٦) زيادة من أ.
(٧) في جـ، أ، و: "إلا الجماع".
(٨) سنن أبي داود برقم (٢٧٢)
(٩) في أ: "وحننت".
(١٠) سنن أبي داود برقم (٢٧٠).
(١١) في جـ: "الصلاة على النبي وعلى آله".
(١٢) في أ: "ابن".
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَوْشن، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا؟ قَالَتْ: كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْران، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَهُ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ.
قُلْتُ: وَتَحُلُّ مُضَاجَعَتَهَا وَمُؤَاكَلَتَهَا بِلَا خِلَافٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنِي فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَكَانَ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ (٣). وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَتَعَرَّقُ العَرْق وَأَنَا حَائِضٌ، فَأُعْطِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَضَعُ فَمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعْتُ فَمِي فِيهِ، وَأَشْرَبُ الشَّرَابَ فَأُنَاوِلُهُ، فَيَضَعُ فَمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كُنْتُ أَشْرَبُ (٤).
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ جَابِرِ بْنِ صُبْح (٥) سَمِعْتُ خِلَاسًا الهَجَري قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيتُ فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ، وَإِنِّي حَائِضٌ طَامِثٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ، غَسَلَ مَكَانَهُ لَمْ يَعْدُه، وَإِنْ أَصَابَ -يَعْنِي ثَوْبَهُ -شَيْءٌ غَسَلَ مَكَانَهُ لَمْ يَعْدُه، وَصَلَّى فِيهِ (٦).
فَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ أُمِّ ذَرَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: كنتُ إِذَا حضْتُ نَزَلْتُ عَنِ المثَال عَلَى الْحَصِيرِ، فَلَمْ نَقْرَبْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ نَدْنُ مِنْهُ حَتَّى نَطْهُرَ (٧) -فَهُوَ مَحْمُولٌ (٨) عَلَى التَّنَزُّهِ وَالِاحْتِيَاطِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا تَحِلُّ لَهُ مُبَاشَرَتُهَا فِيمَا عَدَا مَا تَحْتَ الْإِزَارِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةِ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ (٩) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ (١٠). وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَلَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ (١١).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حديث العلاء بن الحارث، عن حزام
(٢) تفسير الطبري (٤/٣٧٨).
(٣) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٧).
(٤) صحيح مسلم برقم (٣٠٠).
(٥) في جـ، أ، و: "صبيح".
(٦) سنن أبي داود برقم (٢٦٩).
(٧) سنن أبي داود برقم (٢٧١).
(٨) في جـ: "فمحمول".
(٩) في جـ: "كان رسول الله".
(١٠) صحيح البخاري برقم (٣٠٣) وصحيح مسلم برقم (٢٩٤).
(١١) صحيح البخاري برقم (٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢٩٣).
وَلِأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ (٣). قَالَ: "مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ". وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عَائِشَةَ -كَمَا تَقَدَّمَ -وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَشُرَيْحٍ.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَمَا شَابَهَهَا حُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ مِنْهَا، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، الَّذِي رَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ. وَمَأْخَذُهُمْ (٤) أَنَّهُ حَرِيمُ الْفَرْجِ، فَهُوَ حَرَامٌ، لِئَلَّا يُتَوَصَّلَ إِلَى تَعَاطِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، الَّذِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ الْمُبَاشِرَةُ فِي الْفَرْجِ. ثُمَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَثِمَ، فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ. وَهَلْ يَلْزَمُهُ مَعَ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: "يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ" (٥). وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيَ: "إِذَا كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَدِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ دَمًا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ". وَلِلْإِمَامِ أَحْمَدَ أَيْضًا، عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِي الْحَائِضِ تُصَابُ، دِينَارًا فَإِنْ أَصَابَهَا وَقَدْ أَدْبَرَ الدَّمُ عَنْهَا وَلَمْ تَغْتَسِلْ، فَنِصْفُ دِينَارٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْجَدِيدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ رَفْعُ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ [قَدْ] (٦) رُوِيَ مَرْفُوعًا كَمَا تَقَدَّمَ وَمَوْقُوفًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وَنَهْيٌ عَنْ قُرْبَانِهِنَّ بِالْجِمَاعِ مَا دَامَ الْحَيْضُ مَوْجُودًا، وَمَفْهُومُهُ حِلُّهُ إِذَا انْقَطَعَ، [وَقَدْ قَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَطَاوُسٌ: انْقِطَاعُ الدَّمِ يُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا وَلَكِنْ بِأَنْ تَتَوَضَّأَ] (٧).
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ نَدْبٌ وَإِرْشَادٌ إِلَى غِشْيَانِهِنَّ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ. وَذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إِلَى وُجُوبِ الْجِمَاعِ بَعْدَ كُلِّ حَيْضَةٍ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُسْتَنَدٌ، لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ بَعْدَ الْحَظْرِ. وَفِيهِ أَقْوَالٌ لِعُلَمَاءَ الْأُصُولِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لِلْوُجُوبِ كَالْمُطْلَقِ. وَهَؤُلَاءِ يَحْتَاجُونَ إِلَى جَوَابِ ابْنِ حَزْمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، وَيَجْعَلُونَ تَقَدُّمَ النَّهْيِ عَلَيْهِ قَرِينَةً صَارِفَةً لَهُ عَنِ الْوُجُوبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَالَّذِي يَنْهَضُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ أَنَّهُ يُرَدّ الْحُكْمُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ قَبْلَ النَّهْيِ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَوَاجِبٌ، كقوله تعالى:
(٢) المسند (٤/٣٤٢) وسنن أبي داود برقم (٢١٢) وسنن الترمذي برقم (١٣٣) وسنن ابن ماجة برقم (٦٥١).
(٣) سنن أبي داود برقم (٢١٣).
(٤) في أ، و: "ومأخذه".
(٥) المسند (١/٢٣٠) وسنن أبي داود برقم (٢٦٦) وسنن الترمذي برقم (١٣٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٨٢).
(٦) زيادة من جـ.
(٧) زيادة من جـ، أ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ (١) عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا انْقَطَعَ حيضُها لَا تَحِلُّ حَتَّى تَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ أَوْ تَتَيَمَّمَ، إِنَّ (٢) تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِشَرْطِهِ، [إِلَّا يَحْيَى بْنَ بُكَيْرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى إِبَاحَةِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْقُلُهُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَيْضًا، وَقَدْ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ عَنْ طَاوُسٍ كَمَا تَقَدَّمَ] (٣). إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، يَقُولُ (٤) فِيمَا إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَهُوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ عِنْدَهُ: إِنَّهَا تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ وَلَا تَفْتَقِرُ إِلَى غُسْلٍ [وَلَا يَصِحُّ لِأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ الْمَزِيدِ فِي حِلِّهَا مِنَ الْغُسْلِ وَيَدْخُلُ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ دَمِثَةً، فَيَدْخُلُ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِهِ] (٥) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أَيْ: مِنَ الدَّمِ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أَيْ: بِالْمَاءِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي الفَرْج؛ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ فِي الْفَرْجِ وَلَا تَعْدوه (٦) إِلَى غَيْرِهِ، فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدِ اعْتَدَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ: أَنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ حِينَئِذٍ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ قَرِيبًا.
وَقَالَ أَبُو رَزين، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: طَاهِرَاتٌ غَيْرُ حُيَّض، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الذَّنْبِ وَإِنَّ تَكَرَّرَ (٧) غشْيانه، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أَيِ: الْمُتَنَزِّهِينَ عَنِ (٨) الْأَقْذَارِ وَالْأَذَى، وَهُوَ مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ إِتْيَانِ الْحَائِضِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْمَأْتَى.
وَقَوْلُهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَرْثُ مَوْضِعُ الْوَلَدِ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أَيْ: كَيْفَ شئْتم مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً فِي صِمام وَاحِدٍ، كَمَا ثَبَتَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعيم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عن ابْنِ المنْكَدر قَالَ: سَمعت جَابِرًا قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وَرَوَاهُ دَاوُدُ (٩) مِنْ حَدِيثِ سفيان الثوري به (١٠).
(٢) في جـ: "أو".
(٣) زيادة من جـ، أ.
(٤) في جـ: "إلا أبا حنيفة وصاحبيه فإنهم رحمهم الله يقولون".
(٥) زيادة من جـ.
(٦) في جـ: "ولا تعداه".
(٧) في جـ: "وإن تكون".
(٨) في جـ، أ: "من".
(٩) في جـ، أ، و: "ورواه مسلم وأبو داود".
(١٠) صحيح البخاري برقم (٤٥٢٨).
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي الْحَدِيثِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مُقْبِلَةٌ وَمُدْبِرَةٌ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْفَرْجِ".
وَفِي حَدِيثِ بَهْز بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدة الْقُشَيْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاؤُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرَ؟ قَالَ: "حَرْثُكَ، ائْتِ حَرْثَكَ أَنَّى شِئْتَ، غَيْرَ أَلَّا تضربَ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحَ، وَلَا تَهْجُرَ إِلَّا فِي الْمَبِيتِ (٢). الْحَدِيثُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ (٣).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعة عَنْ يَزِيدَ ابن أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ حَنَشِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى نَاسٌ مِنْ حِمْيَرَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي أَجْبِي النِّسَاءَ، فَكَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٤).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ "مُشْكِلُ الْحَدِيثِ": حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ وَعَنْ يَعْقُوبَ، بِهِ (٥).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم (٦) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ ابْنَةِ (٧) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقُلْتُ: إِنِّي سَائِلُكِ عَنْ أَمْرٍ، وَإِنَّى (٨) أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَكَ. قالت: فلا تستحي يَا ابْنَ أَخِي. قَالَ: عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ؟ قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي أَمُّ سَلَمَةَ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا لَا يَجُبّون النِّسَاءَ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِنَّهُ مَنْ جَبَّى امْرَأَتَهُ كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ نَكَحُوا فِي نِسَاءِ الْأَنْصَارِ، فجبَّوهُنّ، فَأَبَتِ امْرَأَةٌ أَنْ تُطِيعَ زَوْجَهَا وَقَالَتْ: لَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَتْ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتِ: اجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْيَتِ الْأَنْصَارِيَّةُ أَنْ تَسْأَلَهُ، فَخَرَجَتْ، فَحَدَثَتْ أَمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "ادْعِي الْأَنْصَارِيَّةَ": فدُعيَتْ، فَتَلَا عَلَيْهَا هَذِهِ الْآيَةَ: " ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ صمامًا واحدًا".
(٢) في جـ، أ، و: "في البيت".
(٣) المسند (٥/٣) وسنن أبي داود برقم (٢١٤٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (٩١٦٠).
(٤) ورواه الطبري في تفسيره (٤/٤١٣) والطبراني في المعجم الكبير (١٢/٢٣٧) من طريق ابن لهيعة به.
(٥) مشكل الآثار برقم (٦١١٨).
(٦) في جـ: "بن خيثم".
(٧) في أ: "بنت".
(٨) في جـ: "وأنا".
قُلْتُ: وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ خُثَيْم (٣) عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَك، عَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْهَا فَقَالَتْ: إِنْ زَوِّجِي يَأْتِينِي مُحيّيَة وَمُسْتَقْبِلَةً فَكَرِهْتُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "لَا بَأْسَ إِذَا كَانَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ" (٤).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي القَمي (٥) -عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ! قَالَ: "مَا الَّذِي أَهْلَكَكَ؟ " قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلَيِ الْبَارِحَةَ! قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا. قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ".
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ (٦). وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلان، حَدَّثَنَا رِشْدين، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ يَحْيَى الْمُعَافِرِيِّ، عَنْ حَنَش، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "آتِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، إِذَا كَانَ فِي الْفَرْجِ" (٧).
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ (٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَثْفَرَ رَجَلٌ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: أَثْفَرَ فُلَانٌ امْرَأَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٩).
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبُو الْأَصْبَغِ، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد -يعني ابن سلمة -عن محمد ابن إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ -وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ -أَوْهَمَ، إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ -وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ -مَعَ أَهْلِ هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ -وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ -وَكَانُوا يَرَوْنَ لَهُمْ فَضْلًا عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ، فَكَانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَأْتُونَ النِّسَاءَ إِلَّا عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أَسْتَرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ، فَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ أَخَذُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَشْرَحون النِّسَاءَ شَرْحًا مُنْكَرًا، وَيَتَلَذَّذُونَ بِهِنَّ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمُ امْرَأَةً مِنَ
(٢) المسند (٦/٣٠٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٧٩).
(٣) في جـ: "خيثم".
(٤) مسند أبي حنيفة برقم (١٠٢).
(٥) في جـ: "العمى".
(٦) المسند (١/٢٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٩٨٠).
(٧) المسند (١/٢٦٨).
(٨) في هـ: "شريح".
(٩) مسند أبي يعلى (٢/٣٥٤) وقال الهيثمي في المجمع (٦/٣١٩) :"شيخه الحارث بن سريج، ضعيف كذاب" ولكنه توبع، تابعه يعقوب بن حميد، فرواه عن عبد الله بن نافع عن هشام، عن زيد بن أسلم به، أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار برقم (٦١١٨) وقد سبق.
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، وَيَشْهَدُ (٢) لَهُ بِالصِّحَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَلَا سِيَّمَا رِوَايَةَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَإِنَّهَا مُشَابَهَةٌ لِهَذَا السِّيَاقِ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، أُوقِفُهُ (٣) عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ (٤) وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا يَشْرَحُونَ (٥) النِّسَاءَ بِمَكَّةَ، وَيَتَلَذَّذُونَ بِهِنَّ.. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِتَمَامِ سِيَاقِهَا (٦).
وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "إِنَّ ابْنَ عُمَرَ -وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ -أَوْهَمَ". كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يفرغُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ قَالَ (٧) : أَتُدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا. ثُمَّ مَضَى. وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قَالَ: يَأْتِيهَا فِي.. (٨).
هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ (٩).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَرَأْتُ ذَاتَ يَوْمٍ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَتُدْرِي فِيمَ نَزَلَتْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: نَزَلَتْ فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ (١٠).
وَحَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قَالَ: فِي الدُّبُرِ (١١).
وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا يَصِحُّ.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ
(٢) في جـ: "وشهد".
(٣) في حـ، أ، و: "أوقفه عليه".
(٤) في جـ: "فيه".
(٥) في جـ: "يشرخون".
(٦) المعجم الكبير (١١/٧٧).
(٧) في جـ: "فقال".
(٨) بياض في جميع النسخ، وفي فتح الباري ٨/١٣٠: "كذا وقع في جميع النسخ، لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور، ووقع في الجمع بين الصحيحين للحميدي: يأتيها في الفرج. وهو من عنده بحسب ما فهمه" ومستفادا من هامش ط. الشعب.
(٩) صحيح البخاري برقم (٤٥٢٦).
(١٠) تفسير الطبري (٤/٤٠٤).
(١١) تفسير الطبري (٤/٤٠٦).
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: لَوْ كَانَ هَذَا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَمَا أُولِعَ (٢) النَّاسُ بِنَافِعٍ. وَهَذَا تَعْلِيلٌ مِنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ دَاوُدَ بن قيس، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ -فَذَكَرَهُ.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَأْتِيهَا فِي قُبُلِهَا مِنْ دُبُرِهَا، لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ النُّفَيْلِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الْمُفَضَّلِ (٣) بْنِ فَضَالَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الطَّوِيلِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: إِنَّهُ قَدْ أَكْثَرَ عَلَيْكَ الْقَوْلَ: إِنَّكَ تَقُولُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِنَّهُ أَفْتَى أَنْ تُؤْتَى النِّسَاءُ فِي أَدْبَارِهِنَّ قَالَ: كَذَبُوا عَلَيَّ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ كَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ عَرَضَ الْمُصْحَفَ يَوْمًا وَأَنَا عِنْدَهُ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فَقَالَ: يَا نافعُ، هَلْ تَعْلَمُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْآيَةِ؟ قُلْتُ (٤) : لَا. قَالَ: إِنَّا كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نُجبِّي (٥) النِّسَاءَ، فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ وَنَكَحْنَا نِسَاءَ الْأَنْصَارِ، أَرَدْنَا مِنْهُنَّ مِثْلَ مَا كُنَّا نُرِيدُ فَإِذَا هُنَّ قَدْ كَرِهْنَ ذَلِكَ وَأَعْظَمْنَهُ، وَكَانَتْ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ قَدْ أَخَذْنَ بِحَالِ الْيَهُودِ، إِنَّمَا يُؤْتَيْنَ عَلَى جَنُوبِهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٦).
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ زَكَرِيَّا (٧) بْنِ يَحْيَى الْكَاتِبِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ (٨) عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، فَذَكَرَهُ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ خِلَافَ ذَلِكَ صَرِيحًا، وَأَنَّهُ لَا يُبَاحُ وَلَا يَحِلُّ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ كَانَ قَدْ نُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ فِي كِتَابِ السِّرِّ (٩) وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَنْكَرُ أَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِالزَّجْرِ عَنْ فِعْلِهِ وَتَعَاطِيهِ؛ فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ (١٠) عَنْ سُهَيْلِ (١١) بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَحْيُوا، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا يَحِلُّ مَأْتَى النِّسَاءِ فِي حُشُوشِهِنَّ" (١٢).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ (١٣) بْنِ شَدَّادٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ في دبرها (١٤).
(٢) في جـ: "لما ولع".
(٣) في جميع المخطوطات: "الفضل"، والصواب ما أثبتناه.
(٤) في جـ، أ: "قال".
(٥) في أ: "نجب".
(٦) سنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٧٨).
(٧) في أ: "عن أبي زكريا".
(٨) في أ: "عباس".
(٩) في أ: "السير".
(١٠) في أ: "عباس".
(١١) في جـ، أ: "عن سهل".
(١٢) ورواه الدارقطني في السنن (٣/٢٨٨) من طريق الحسن بن عرفة به.
(١٣) في جـ، أ: "عن عبد الله".
(١٤) المسند (٥/٢١٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٨٥، ٨٩٨٦) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٢٤) وانظر الاختلاف فيه في: سنن النسائي (٥/٣١٦ - ٣١٩).
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ. وَفِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مَخْرمة بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْب، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ". ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ (١). وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٢). وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا. وَلَكِنْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ هَنَّادٍ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، بِهِ (٣) مَوْقُوفًا.
وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ إِتْيَانِ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا، قَالَ (٤) : تَسْأَلُنِي عَنِ الْكُفْرِ! [إِسْنَادٌ صَحِيحٌ] (٥).
وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ (٦) -بِهِ نَحْوَهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هُمَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا هِيَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى" (٧).
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا هُمَامٌ، قَالَ: سُئل قَتَادَةُ عَنِ الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا. فَقَالَ قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "هِيَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى".
قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ وسَّاج، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: وَهَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا كَافِرٌ؟ (٨).
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَحْيَىُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو (٩) بْنِ الْعَاصِ، قَوْلَهُ. وَهَذَا أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، مَوْقُوفًا مِنْ قَوْلِهِ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن زياد بن العم، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ
(٢) صحيح ابن حبان برقم (١٣٠٢) "موارد".
(٣) سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٠٢).
(٤) في جـ: "فقال".
(٥) زيادة من جـ، أ، و.
(٦) في هـ: "عن عكرمة" وهو خطأ.
(٧) المسند (٢/٢١٠).
(٨) زوائد المسند (٢/٢١٠).
(٩) في جـ: "عمر".
ابْنُ لَهيعة وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عن عيسى بن حطان، عن مُسْلم بن سَلام، عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إن تُؤْتَى النِّسَاءُ فِي أَدْبَارِهِنَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ (٢).
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ أَيْضًا، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ [بِهِ] (٣) وَفِيهِ زِيَادَةٌ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ (٤).
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُورِدُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كَمَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (٥) وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ طَلْقٍ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عن سُهَيل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُخلَّد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ".
وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (٦) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلٍ (٧).
وَحَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَكِيع، بِهِ (٨).
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الرَّيَّانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ -وَاللَّفْظُ لَهُ -قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَلْعُونٌ من أتى امرأة في دبرها" (٩).
(٢) ذكره ابن حجر في أطراف المسند (٤/٣٨٤) ولم أجده في المطبوع.
(٣) زيادة من جـ، أ.
(٤) ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٤/٣٨٤) وسنن الترمذي برقم (١١٦٤).
(٥) المسند (١/٨٦).
(٦) في أ، و: "عن أبي هريرة عن النبي".
(٧) المسند (٢/٣٤٤) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٢٣).
(٨) المسند (٢/٤٤٤) وسنن أبي داود برقم (٢١٦٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (٩٠١٥).
(٩) رواه أبو نعيم في جزء له عال عن أحمد بن القاسم بن الريان، قال الذهبي: "فيه ما ينكر".
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ: وَرِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ الرَّيَّانِ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا السَّنَدِ، وَهْمٌ مِنْهُ، وَقَدْ ضَعَّفُوهُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: رَوَاهَا (١) مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجي، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ".
وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ فِيهِ كَلَامٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: رَوَاهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حَكِيمٍ الْأَثْرَمِ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الهُجيْمي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ" (٢).
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: ضَعَّفَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ. وَالَّذِي قَالَهُ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ حَكِيمٍ [الْأَثْرَمِ] (٣) عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ: لَا يُتَابَعُ فِي حَدِيثِهِ (٤).
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ كِتَابِهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ" (٥).
تَفَرَّدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الكنَاني الْحَافِظُ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ بَاطِلٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ وَمِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ؛ فَإِنْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدٍ، فَإِنَّمَا سَمِعَهُ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ، وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَدْ أَجَادَ وَأَحْسَنَ الِانْتِقَادَ؛ إِلَّا أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ [بْنَ مُحَمَّدٍ] (٦) الصَّنْعَانِيَّ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ اخْتَلَطَ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُ حَمْزَةَ الْكِنَانِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَلَكِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ دُحَيْم، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَابَعَهُ زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ (٧) عُبَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إتيان الرجال النساء (٨) في
(٢) المسند (٢/٤٠٨) وسنن أبي داود برقم (٣٩٠٤) وسنن الترمذي برقم (١٣٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٩٠١٦) وسنن ابن ماجة برقم (٦٣٩).
(٣) زيادة من جـ، أ، وفي و: "حكيم الترمذي".
(٤) التاريخ الكبير (٣/١٧).
(٥) سنن النمسائي الكبرى برقم (٩٠١٠).
(٦) زيادة من جـ، أ، و.
(٧) في جـ: "عن".
(٨) في جـ، أ: "والنساء".
ثُمَّ رَوَاهُ، عَنْ بُنْدَار، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهِ. قَالَ: مَنْ أَتَى امْرَأَةً (٢) فِي دُبُرِهَا مَلَكَ (٣) كُفْرَهُ (٤). هَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا. وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ طريق علي بن بَذِيمَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -مَوْقُوفًا (٥). وَرَوَاهُ بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْأَدْبَارِ فَقَدْ كَفَرَ" وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَبَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَتَرَكَهُ آخَرُونَ (٦).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ الْبَلْخِيُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ -وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ قَالَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ" (٧).
وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالِقَانِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنْ زمعة بن صالح، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: "لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ" (٨).
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ (٩). الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا غُنْدَر وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِيسَى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طَلْقِ بْنِ يَزِيدَ -أَوْ يَزِيدَ بْنِ طَلْقٍ -عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَسْتَاهِهِنَّ" (١٠).
وَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِيسَى بْنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ طَلْقٍ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الحَرَميّ، حَدَّثَنَا أَخِي أُنَيْسِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (١١) أَنَّ أَبَاهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَعْقَاعِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي الْقَعْقَاعِ، عَنِ ابن مسعود،
(٢) في جـ، أ، و: "امرأته".
(٣) في جـ: "تلك"، وفي أ: "وذلك".
(٤) سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠١٩).
(٥) سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٢١).
(٦) رواه العقيلي في الضعفاء الكبير (١/١٤٩).
(٧) ذكره الدارقطني في العلل (٢/١٦٧) قال: "ولم يذكر طاوسا في حديث عمرو بن دينار، وقول عثمان بن اليمان أصحها".
(٨) سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٠٨).
(٩) سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٠٩).
(١٠) ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٤/٣٨٤) من طريق غندر في مسند علي بن طلق، ولا أدري كيف وقع هنا يزيد بن طلق، وقد بين الحافظ الصواب في ذلك، والله أعلم.
(١١) في أ: "أخي أنيس بن أبي تميم".
وَقَدْ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَغَيْرُهُمْ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّقِرِيِّ -وَاسْمُهُ سَلَمَةَ بْنُ تَمَامٍ: ثِقَةٌ -عَنْ أَبِي الْقَعْقَاعِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -مَوْقُوفًا. وَهُوَ أَصَحُّ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَامِلِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ" (٢) مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ هُوَ الْجَزَرِيُّ وَشَيْخُهُ، فِيهِمَا مَقَالٌ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (٣) وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ (٤) وَأَبِي ذَرٍّ، وَغَيْرِهِمْ. وَفِي كُلٍّ مِنْهَا (٥) مَقَالٌ لَا يَصِحُّ مَعَهُ الْحَدِيثُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الصَّلت بْنِ بَهْرام، عَنْ أَبِي الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِي جُوَيْرِيَةَ (٦) قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ إِتْيَانِ امْرَأَةٍ فِي دُبُرِهَا، فَقَالَ: سَفَلْتَ، سَفَّلَ اللَّهُ بِكَ! أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٨٠].
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَهُوَ الثَّابِتُ بِلَا شَكٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ يُحَرِّمُهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الدَّارِمِيِّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَبِي الْحُبَابِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: مَا تَقُوُلُ فِي الْجَوَارِي، أَنُحْمِضُ لَهُنَّ؟ قَالَ: وَمَا التَّحْمِيضُ؟ فَذَكَرَ الدُّبر. فَقَالَ: وَهَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَقُتَيْبَةُ، عَنِ اللَّيْثِ، بِهِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَنَصٌّ صَرِيحٌ مِنْهُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَكُلُّ مَا وَرَدَ عَنْهُ مِمَّا يَحْتَمِلُ وَيَحْتَمِلُ فَهُوَ مَرْدُودٌ إِلَى هَذَا الْمُحْكَمِ (٧).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْغَمْرِ (٨) حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ يَرْوُونَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: كَذَبَ الْعَبْدُ، أَوِ الْعِلْجُ، عَلَى أَبِي [عَبْدِ اللَّهِ] (٩) فَقَالَ مَالِكٌ: أَشْهَدُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ أَنَّهُ أَخْبَرَنِي، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ مَا قَالَ نَافِعٌ. فَقِيلَ لَهُ: فَإِنَّ الْحَارِثَ بْنَ يَعْقُوبَ يَرْوِي عَنْ أَبِيِ الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّا نَشْتَرِي الْجَوَارِيَ أَفَنُحْمِضُ لَهُنَّ؟ فَقَالَ: وَمَا التَّحْمِيضُ؟ فَذَكَرُ لَهُ الدُّبُرَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أُفٍّ! أُفٍّ! أَيَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ -أَوْ قَالَ: مسلم -فقال مالك: أشهد على ربيعة
(٢) الكامل لابن عدي (٣/٢٠٦).
(٣) حديث أبي بن كعب رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٥٤٥٧) من طريق أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعب به
(٤) حديث عقبة بن عامر رواه ابن عدي في الكامل (٤/١٤٨) من طريق ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ، عَنْ عقبة به.
(٥) في أ: "منهما".
(٦) في جـ: "عن أبي جرير به"، وفي أ: "عن أبي جويرة".
(٧) في جـ، أ: "هذا الحكم".
(٨) في جـ، أ، و: "أحمد بن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْغَمْرِ".
(٩) زيادة من جـ.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَصْبُغَ بْنِ الْفَرَجِ الْفَقِيهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: إِنَّ عِنْدَنَا بِمِصْرَ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ سَعِيدِ (٢) بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَشْتَرِي الْجَوَارِيَ، فَنُحَمِّضُ لَهُنَّ؟ قَالَ: وَمَا التَّحْمِيضُ؟ قُلْتُ: نَأْتِيهِنَّ فِي أَدْبَارِهِنَّ. فَقَالَ: أُفٍّ! أُفٍّ! أَوْ يَعْمَلُ هَذَا مُسْلِمٌ؟ فَقَالَ لِي مَالِكٌ: فَأَشْهَدُ عَلَى رَبِيعَةَ لَحَدَّثَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ (٣).
وَرَوَى النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ (٤) كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فِي دُبُرِهَا (٥).
وَرَوَى مَعْنُ (٦) بْنُ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ حُصَيْنٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ (٧) بْنُ رَوْحٍ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ: مَا تَقُولُ فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ: قَالَ: مَا أَنْتُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ. هَلْ يَكُونُ الْحَرْثُ إِلَّا مَوْضِعَ الزَّرْعِ، لَا تَعْدُو الْفَرْجَ.
قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ؟! قَالَ: يَكْذِبُونَ عَلَيَّ، يَكْذِبُونَ عَلَيَّ.
فَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهِمْ قَاطِبَةً. وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَعِكْرِمَةَ، وَطَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ (٨) وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ: أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ عَلَى فَاعِلِهِ (٩) الْكُفْرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ حُكِيَ فِي هَذَا شَيْءٌ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى حَكَوْهُ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَفِي صِحَّتِهِ عَنْهُ نَظَرٌ.
[وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ لَهُ وَجَمَعَهُ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَحْوَصِ بْنِ وَهْبٍ إِبَاحَتُهُ] (١٠).
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: رَوَى أَصْبُغُ بْنُ الْفَرَجِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ فِي دِينِي يَشُكُّ أَنَّهُ حَلَالٌ. يَعْنِي وَطْءَ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا؟ هَذِهِ حِكَايَةُ الطَّحَاوِيِّ.
وَقَدْ رَوَى (١١) الْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، عَنِ الإمام مالك من طرق ما يقتضي
(٢) في أ: "عن سفيان".
(٣) سنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٧٩).
(٤) في أ، و: "أن عبد الله بن عمر".
(٥) سنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٨٠).
(٦) في هـ: "معمر" والصواب ما أثبتناه من جـ، أ، و.
(٧) في جـ، أ، و: "حدثني إسرائيل".
(٨) في جـ: "بن جبير".
(٩) في أ، و: "على فعله".
(١٠) زيادة من جـ، أ، و.
(١١) في جـ: "وقد أورد".
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
يخبر تعالى عن سؤالهم عن المحيض، وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض، كما كانت قبل ذلك، أم تجتنب مطلقا كما يفعله اليهود ؟.
فأخبر تعالى أن الحيض أذى، وإذا كان أذى، فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده، ولهذا قال :﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي : مكان الحيض، وهو الوطء في الفرج خاصة، فهذا هو المحرم إجماعا، وتخصيص الاعتزال في المحيض، يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها، في غير الوطء في الفرج جائز.
لكن قوله :﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ يدل على أن المباشرة فيما قرب من الفرج، وذلك فيما بين السرة والركبة، ينبغي تركه كما كان النبي ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض، أمرها أن تتزر، فيباشرها.
وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحُيَّض ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي : ينقطع دمهن، فإذا انقطع الدم، زال المنع الموجود وقت جريانه، الذي كان لحله شرطان، انقطاع الدم، والاغتسال منه.
فلما انقطع الدم، زال الشرط الأول وبقي الثاني، فلهذا قال :﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي : اغتسلن ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي : في القبل لا في الدبر، لأنه محل الحرث.
وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض، وأن انقطاع الدم، شرط لصحته.
ولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده، وصيانة عن الأذى قال تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي : من ذنوبهم على الدوام ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي : المتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث.
ففيه مشروعية الطهارة مطلقا، لأن الله يحب المتصف بها، ولهذا كانت الطهارة مطلقا، شرطا لصحة الصلاة والطواف، وجواز مس المصحف، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة، والصفات القبيحة، والأفعال الخسيسة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يخبر تعالى عن سؤالهم عن المحيض، وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض، كما كانت قبل ذلك، أم تجتنب مطلقا كما يفعله اليهود؟.
فأخبر تعالى أن الحيض أذى، وإذا كان أذى، فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده، ولهذا قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي: مكان الحيض، وهو الوطء في الفرج خاصة، فهذا هو المحرم إجماعا، وتخصيص الاعتزال في المحيض، يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها، في غير الوطء في الفرج جائز.
لكن قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ يدل على أن المباشرة فيما قرب من الفرج، وذلك فيما بين السرة والركبة، ينبغي تركه كما كان النبي ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض، أمرها أن تتزر، فيباشرها.
وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحُيَّض ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: ينقطع دمهن، فإذا انقطع الدم، زال المنع الموجود وقت جريانه، الذي كان لحله شرطان، انقطاع الدم، والاغتسال منه.
فلما انقطع الدم، زال الشرط الأول وبقي الثاني، فلهذا قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: في القبل لا في الدبر، لأنه محل الحرث.
وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض، وأن انقطاع الدم، شرط لصحته.
ولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده، وصيانة عن الأذى قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي: من ذنوبهم على الدوام ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي: المتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث.
ففيه مشروعية الطهارة مطلقا، لأن الله يحب المتصف بها، ولهذا كانت الطهارة مطلقا، شرطا لصحة الصلاة والطواف، وجواز مس المصحف، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة، والصفات القبيحة، والأفعال الخسيسة.
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ مقبلة ومدبرة غير أنه لا يكون إلا في القبل، لكونه موضع الحرث، وهو الموضع الذي يكون منه الولد.
وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر، لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه الحرث، وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ في تحريم ذلك، ولعن فاعله.
﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات، ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته، ويجامعها على وجه القربة والاحتساب، وعلى رجاء تحصيل الذرية الذين ينفع الله بهم.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أحوالكم، كونوا ملازمين لتقوى الله، مستعينين بذلك لعلمكم، ﴿أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها.
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يذكر المبشر به ليدل على العموم، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير، رتب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة.
وفيها محبة الله للمؤمنين، ومحبة ما يسرهم، واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٣٤ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- الْمَحِيضِ
- هو والحيض واحد المحيض يكون مصدرا كالمقيل والمسير، ويكون زمانا ومكانا. وهو هنا محتمل للثلاثة، وقال بكلّ قائل.والحيض: دم جبلّة يرخيه رحم المرأة لزمان مخصوص.
- يَطْهُرْنَ
- ينقطع عنهن الدّم، ويَطْهُرْنَ يغتسلن بالماء، وأصله يتطهّرن فأدغمت التاء في الطّاء.
إعراب الآية ٢٢٢ من سورة البقرة
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٢ الى ٢٢٣]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ محيض مصدر ومثله جاء مجيئا وقال مقيلا. قُلْ هُوَ أَذىً ابتداء وخبر، وأذى من ذوات الياء. يقال: أذيت به أذى وأذاني وهما آذياني. وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ لم تحذف النون للنصب لأنها علامة التأنيث وقد ذكرناه. فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ «حيث» في العربية للموضع فتأوّل قوم هذا على ما يجب في العربية أنه موضع بعينه وهو الفرج، وقال قوم: قد بيّن ذلك الموضع بقوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فإنّى شئتم وهو الذي أمر به. وأما قول مجاهد من حيث نهوا عنه في محيضهنّ فيدلّ على أنه جعل الأمر والنهي شيئا واحدا، وهذا مردود. «أنّى» ظرف وحقيقته: من أين شئتم، وقيل: كيف شئتم وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أي الطاعة ثم حذف المفعول. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ حذفت النون للإضافة لأنه بمعنى المستقبل.
وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت سعيد بن جبير يحدّث عن ابن عباس قال سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يخطب يقول: «إنّكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا» «١» ثم تلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٤]
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ نهي قال ابن عباس «٢» : يحلف أن لا يصل ذا قرابته. أَنْ تَبَرُّوا في موضع نصب، وإن شئت في موضع خفض، وإن شئت في موضع رفع فالنصب على ثلاث تقديرات منها: في أن تبرّوا ثم حذف «في» فتعدّى الفعل، ومنها: كراهة أن تبرّوا ثم يحذف، ومنها: لئلا تبرّوا والخفض في جهة واحدة على قول الخليل والكسائي يكون في أن تبرّوا فأضمرت «في» وخفضت بها والرفع بالابتداء وحذفت الخبر، والتقدير أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أولى أو أمثل مثل طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: ٢١].
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٥]
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ يقال: لغا يلغوا أو يلغى لغوا ولغي يلغى لغى إذا
(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ١٨٧.
سبب نزول الآية ٢٢٢ من سورة البقرة
من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي
أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن جعفر، أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدَّغُولي، حدَّثنا محمد بن مِشْكَان، حدَّثنا حيان، حدَّثنا حماد، أخبرنا ثابت، عن أنس:
أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت، فلم يُؤَاكِلُوهَا ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية.
رواه مسلم عن زهير بن حرب، عن عبد الرحمن بن مَهْدِي، عن حماد.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الخَشَّاب، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، حدَّثنا أبو عِمْرَان موسى بن العباس الجُوَيْنِي، حدَّثنا محمد بن عبيد الله بن يزيد القَرْدُوَاني الحَرَّاني، حدَّثني أبي، عن سَابق بن عبد الله الرّقِّي، عن خُصَيْف، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر [بن عبد الله]، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قال:
إن اليهود قالت: من أتى امرأته من دبرها كان ولده أَحْوَل، فكان نساء الأنصار لا يدعن أزواجهن يأتونهن من أدبارهم، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عن إتيان الرجل امرأته وهي حائض، وعما قالت اليهود، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ يعني الاغتسال ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ يعني القُبُل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ فإنما الحرث حيث ينبت الولد ويخرج منه.
وقال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة [منهم] لم يُؤاكلوها ولم يشاربوها، ولم يساكنوها في بيت، كفعل المجوس، فسأل أبو الدَّحْدَاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ذلك فقال: يا رسول الله ما نصنع بالنساء إذا حضن. فأنزل الله هذه الآية.
القراءات في الآية ٢٢٢ من سورة البقرة
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
يَطْهُرْنَ
(يَطْهُرْن) بسكون الطاء وضم الهاء مخففة
(يَطَّهَّرْنَ) بفتح الطاء والهاء مشددتان
الموضوعات القرآنية للآية ٢٢٢ من سورة البقرة
١١ موضوعًا تتناولها هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
١١٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٦٤ قولًاعن عامر الشعبي -من طريق عاصم الأَحْوَل- قال: التّائِب من الذنب كمَن لا ذنبَ له. ثم قرأ: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾١
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق طلحة بن عمرو- في قوله: ﴿إن الله يحب التوابين﴾ من الذنوب، ﴿ويحب المتطهرين﴾ قال: بالماء للصلاة١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس-، وجابر بن زيد، ومجاهد بن جبر، ومقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١٢
عن الأعمش -من طريق أبي يحيى التيمي- في قوله: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾، قال: التوبة من الذنوب، والتَّطَهُّر من الشرك١
قال محمد بن السائب الكلبي: ﴿يحب التوابين﴾ من الذنوب، ﴿ويحب المتطهرين﴾ بالماء من الأحداث والنجاسات١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ من الذنوب، ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ من الأحداث، والجنابة، والحيض١
عن مقاتل بن حيّان: ﴿التوابين﴾ من الذنوب، ﴿والمتطهرين﴾ من الشرك، والجهل١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق سلمة بن نُبَيْطٍ- ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: طُهَّرًا غير حُيَّض، في القُبُل١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق خالد الحَذّاء- ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: من حيث أمركم أن تعتزِلوا١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عبيد الله العَتَكِيّ- قوله: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، يقول: إذا اغتسلن فأتُوهُنَ من حيث أمركم الله. يقول: طواهر غير حُيَّض١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: طواهر غير حُيَّض١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: طواهرَ من غير جماع ومن غير حيض، من الوجه الذي يأتي منه المحيض، ولا يتعدَّه إلى غيره، قال سعيد: ولا أعلمه إلا عن ابن عباس١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قوله: ﴿من حيث أمركم الله﴾، من الطُّهْر١
قال إسماعيل السدي: ﴿من حيث﴾ يعني: في حيث ﴿أمركم الله﴾١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾: من حيث نُهِيتم عنه في المحيض١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، أي: يُؤْتَيْنَ غَيْرَ حُيَّض، في فُروجِهِنَّ التي نُهِي عنها في الحَيْض١
عن سفيان، أو عثمان بن الأسود -من طريق أبي عاصم-: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ باعتزالهنّ منه١
عن الواقدي: ﴿من حيث أمركم الله﴾: هو الفَرْج١٢
عن أبي العالية -من طريق المِنهال- أنّه رأى رجلًا يتوضأ، فلَمّا فرغ قال: اللَّهُمَّ اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. فقال: إنّ الطهور بالماء حَسَنٌ، ولكنَّهُمُ المتطهرون من الذنوب١
عن أبي العالية: ﴿التوابين﴾ من الكفر، ﴿والمتطهرين﴾ بالإيمان١
عن سعيد بن جبير: ﴿التوابين﴾ من الشرك، ﴿والمتطهرين﴾ من الذنوب١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج-: ﴿يحب التوابين﴾ من الذنوب لم يصيبوها، ﴿ويحب المتطهرين﴾ من الذنوب لا يعودون فيها١
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق سليم مولى أم علي- قال: مَن أتى امرأته في دُبُرِها فليس من المتطهرين١٢
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، والليث بن سعد، نحو ذلك١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾، يعني: اغْتَسَلْنَ من المحيض١
عن سفيان أو عثمان بن الأسود -من طريق عاصم- ﴿فإذا تطهرن﴾: إذا اغْتَسَلْنَ١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: يعني أن يأتيها طاهرًا غير حائض١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- في قوله: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهُنَّ١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، يقول: في الفَرْجِ، ولا تَعْدُوه إلى غيره، فمَن فعل شيئًا من ذلك فقد اعتدى١
عن سعيد بن جبير أنّه قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس، أتاه رجلٌ، فوقف على رأسه، فقال: يا أبا العباس -أو: يا أبا الفضل- ألا تشفيني عن آية المحيض؟ قال: بلى. فقرأ: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ حتى بلغ آخر الآية. فقال ابن عباس: من حيث جاء الدَّمُ، مِن ثَمَّ أُمِرْتَ أن تأتي١
عن محمد ابن الحنفية -من طريق أبي محمد الأسَدِي- ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: من قِبَل التزويج، من قِبَل الحلال١
عن أبي رَزِين -من طريق الزَّبْرِقان- ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: من قُبْلِ الطُّهْرِ١، ولا تأتوهن من قُبْلِ الحيض٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
عن إبراهيم النخعي -من طريق يزيد بن الوليد- في قوله: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: في الفَرْج١
عن مجاهد بن جبر -من طريق خُصَيْف- في قوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهنّ من حيث أمركم الله﴾، قال: في الفَرْج، لا تَعْدُوهُ١
عن مجاهد بن جبر -من طريق عثمان بن الأسود، وابن أبي نجيح- ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: حيث نهاكم الله أن تأتوهُنَّ وهُنَّ حُيَّض، يعني: من قِبَل الفَرْج١
عن مجاهد بن جبر -من طريق عمر بن حبيب- ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: من حيث خرج الدم، فإن لم يأتها من حيث أُمِر فليس من التوابين ولا من المتطهرين١
عن مجاهد بن جبر -من طريق عَمْرة- قال: دُبُر المرأة مثله من الرجل. ثم قرأ: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ إلى ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهُنَّ١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- في قوله: ﴿فإذا تطهَّرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾: من حيث نُهيتهم عنه، واتَّقُوا الأدْبار١
عن سفيان أو عثمان بن الأسود -من طريق أبي عاصم- ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾: حتى ينقطع الدَّمُ عَنْهُنَّ١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾، قال: بالماء١
عن جابر بن عبد الله -من طريق محمد بن المنكدر-:... ﴿فإذا تطهرن﴾ بالاغتسال؛ ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾١
عن إبراهيم -من طريق مُغِيرة-: أنّه كَرِه أن يطأها حتى تغتسل. يعني: المرأة إذا طهُرت١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾، قال: إذا اغْتَسَلْنَ، ولا تَحِلُّ لزوجها حتى تغتسل١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق عمر بن حبيب- في قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث﴾، قال: للنساء طُهْرانِ: طهر قوله: ﴿حتى يطهرن﴾ يقول: إذا تَطَهَّرْنَ من الدم قبل أن يغتسلن. وقوله: ﴿إذا تطهرن﴾ أي: إذا اغْتَسَلْنَ، ولا تَحِلُّ لزوجها حتى تغتسل١
وعن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عبيد الله العَتَكِيُّ-، مثله١
عن طاووس، ومجاهد بن جبر -من طريق ليث- أنّهما قالا: إذا طَهُرت المرأةُ من الدم، فشاء زوجُها أن يأمرَها بالوضوء قبل أن تغتسل إذا أدركه الشَّبَق، فليُصِبْ١
عن مجاهد بن جبر، وعطاء، قالا: إذا رأت الطُّهْرَ فلا بأس أن تستطيب بالماء، ويأتيها قبل أن تغتسل١٢
عن الحسن البصري -من طريق عامر- في الحائض ترى الطُّهْرَ، قال: لا يغشاها زوجُها حتى تغتسل، وتَحِلَّ لها الصلاة١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي– في قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، قال: من الدَّم١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، قال: حتى ينقطع الدَّمُ١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عبيد الله العَتَكِيُّ- في قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، قال: حتى ينقطع الدم١
وعن الحسن البصري، نحو ذلك١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾، يعني: يَغْتَسِلْنَ١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- ﴿حتى يطهرن﴾، يعني: يَغْتَسِلْنَ من المحيض١
عن عكرمة، أنّ ابن عباس أخبره: أنّ القرآن أُنزِل في شأن الحائض، فقال الله عز وجل لرسوله: ﴿ويسئلونك عن المحيض﴾. قال: ﴿قل هو أذى﴾ لهم أذًى١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿قل هو أذى﴾، قال: الأذى: الدَّم١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿قل هو أذى﴾، قال: هو قَذَر١
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿قل هو أذى﴾، قال: أمّا ﴿أذى﴾: فقَذَرٌ١
قال الكلبي: دَمٌ١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَسْئَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أذىً﴾، يعني: قَذَر١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿فاعتزلوا النساء﴾، يقول: اعتَزِلُوا نِكاحَ فُرُوجَهُنَّ١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿ويَسْئَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾، قال: أُمِرُوا أن يعتزلوا مُجامَعَةَ النساء في المحيض١
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
آثار متعلقة بالآية
٤٢ قولًاعن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن توضأ فأحسن الوضوء، ثُمَّ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا عبدُه ورسوله، اللَّهُمَّ، اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. فُتِحَتْ له ثمانية أبواب الجنة، يدخُل من أيِّها شاء»١
عن أنس: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «التائبُ من الذنب كمَن لا ذنب له، وإذا أحبَّ اللهُ عبدًا لَمْ يَضُرَّهُ ذَنبٌ». ثم تلا ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾. قيل: يا رسول الله، وما علامة التوبة؟ قال: «النَّدامَة»١
عن عبد الله بن عباس، أنّه قيل له: أصُبُّ الماء على رأسي وأنا محرم؟ قال: لا بأس؛ إنّ الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين١
عن الحسن البصري -من طريق مُحْرِزِ بن عمرو- قال: إنّ الله -وله الحمد لا شريك له- رَفَعَ عن هذه الأمة الخطأَ والنسيان، وما اسْتُكْرِهُوا عليه، وما لا يُطِيقون، وأَحَلَّ لهم في حال الضرورة كثيرًا مما حُرِّم عليهم، وأعطاهم خمسًا:.. والرابعة: أنّ أحدهم لو عَمِل من الخطايا والذنوب حتى يبلغ الكفر، ثُمَّ تاب؛ أن يتوب عليه، ويوجب له محبته، وذلك لقوله جل وعز: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾١
عن عائشة: أنّ امرأة سألت النبيَّ ﷺ عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: «خذي فِرْصَةً١ مِن مسْكٍ، فتطهَّري بها». قالت: كيف أتَطَهَّرُ بها؟ قال: «تطهَّري بها». قالت: كيف؟ قال: «سبحان الله! تطهَّري بها». فاجتذبتُها إليَّ، فقلتُ: تَتَبَّعِي بها أثَرَ الدم٢
عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال: «مَن أتى حائِضًا، أو امرأةً في دُبُرِها، أو كاهنًا؛ فقد كفر بما أُنزِل على محمد ﷺ»١
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: «يتصدق بدينار، أو بنصف دينار»١
عن عبد الله بن عباس، قال: إذا أصابها في الدَّمِ فدينار، وإذا أصابها في انقِطاع الدم فنصف دينار١
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإذا كان دمًا أصفر فنصف دينار»١
عن ابن عباس، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، أصبتُ امرأتي وهي حائض. فأمره رسول الله ﷺ أن يُعْتِقَ نَسَمةً، وقيمة النَّسَمَةِ يومئذ دينار١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- أنّه سُئِل: ما للرَّجُلِ مِن امرأتِه إذا كانت حائضًا؟ قال: ما فوق الإزار١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: اتَّقِ مِن الدَّمِ مثلَ موضعِ النَّعْلِ١
عن محمد، قال: قلتُ لعَبِيدَة: ما لِلرَّجُلِ مِن امرأته إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراشُ واحد، واللِّحافُ شَتّى، فإن لم يَجِدْ إلا أن يَرُدَّ عليها من ثوبه ردَّ عليها منه١٢
عن ابن سيرين، عن شُرَيْحٍ، قال: لَهُ ما فوق السُّرَّة. وذَكَرَ الحائض١
عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، قال: سُئِل سعيد بن المسيب: ما للرجل من الحائض؟ قال: ما فوق الإزار١٢
عن لَيْثٍ، قال: تَذاكَرْنا عند مجاهد الرَّجُلَ يُلاعِبُ امرأته وهي حائض. قال: اطْعَن بذَكَرِك حيثُ شِئتَ فِيما بين الفَخِذَيْنِ والألْيَتَيْن والسُّرَّة، ما لم يكن في الدُّبُر أو الحيض١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عِمران بن حُدَيْر- قال: كلُّ شيء من الحائض لك حلالٌ، غير مجرى الدم١٢
عن عامر الشَّعْبِيِّ -من طريق إسماعيل بن أبي خالد- قال: يُباشِرُ الرجلُ امرأتَه وهي حائض، إذا كَفَّتِ الأذى١
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: للرَّجُلِ مِن امرأته كلُّ شيء، ما خلا الفرجَ. يعني: وهي حائض١٢
عن الحسن البصري -من طريق الربيع- قال: لا بأس أن يلعب على بطنها، وبين فَخِذَيْها١
عن بعض أزواج النبي ﷺ: أنّ النبي ﷺ كان إذا أراد مِن الحائض شيئًا ألْقى على فرجها ثوبًا، ثم صنع ما أراد١
عن عائشة أنّها سُئِلت: ما للرجل مِن امرأته وهي حائض؟ فقالت: كلُّ شيءٍ إلا فرجها١
عن عائشة، قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، فأراد النبي ﷺ أن يُباشِرَها؛ أمَرَها أن تَتَّزِرَ في فَوْر١ حيضتها، ثم يُباشرها. قالت: وأيُّكم يَمْلِكُ إرْبَه كما كان رسول الله ﷺ يَمْلِكُ إرْبَه٢
عن ميمونة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يُباشِر امرأةً من نسائه أمَرَها، فاتَّزَرَتْ وهي حائض١
عن ميمونة: أنّ رسول الله ﷺ كان يُباشِرُ المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزارٌ إلى أنصاف الفَخِذَيْن أو الرُّكْبَتَيْنِ مُحْتَجِزَةً به١
عن عائشة، قالت: كنتُ أنا ورسولُ الله ﷺ نَبِيتُ في الشِّعار الواحد وأنا حائِضٌ طامِث، فإن أصابه مِنِّي شيءٌ غسل مكانه لَمْ يَعْدُهُ، وإن أصاب ثوبَه مِنِّي شيءٌ غسل مكانَه لَمْ يَعْدُهُ، وصَلّى فيه١
عن عُمارَةَ بْنِ غُرابٍ، أنّ عمَّةً له حَدَّثَتْهُ، أنّها سَأَلَتْ عائشة، قالت: إحدانا تحيضُ وليس لها ولزوجها إلا فراشٌ واحد؟ قالت: أُخْبِرُكِ ما صنع رسولُ الله ﷺ؛ دَخَل، فمَضى إلى مسجده، فلم ينصرِف حتى غلبتني عيني وأَوْجَعَهُ البَرْدُ، فقال: «ادْنِي مِنِّي». فقلت: إنِّي حائضٌ. فقال: «وإنْ، اكشِفِي عن فَخِذَيْكِ». فكَشَفْتُ عن فَخِذَيَّ، فوضع خَدَّه وصدْرَه على فَخِذَيَّ، وحَنَيْتُ عليه حتى دَفِئَ ونام١
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا حِضتُ يأَمْرُنِي أن أتَّزِرَ، ثُمَّ يُباشِرُني١
عن أُمِّ سلمة، قالت: بينا أنا مع رسول ﷺ مُضْطَجِعَةً في خَمِيصَةٍ إذ حِضْتُ، فانسَلَلْتُ، فأَخَذْتُ ثِياب حَيْضَتِي، فقال: «أنُفِسْتِ؟». قلتُ: نعم. فدعاني، فاضطجعتُ معه في الخَمِيلَةِ١
عن أُمِّ سلمة، قالت: كنتُ مع رسول الله ﷺ في لِحافِه، فوجدتُ ما تَجِدُ النساءُ من الحَيْضَةِ، فانسَلَلْتُ من اللِّحافِ، فقال رسول الله ﷺ: «أنُفِسْتِ؟». قلتُ: وجدتُ ما تجد النساء من الحيضة. قال: «ذاك ما كُتب على بنات آدم». قالت: فانسَلَلْتُ، فأَصْلَحْتُ مِن شأني، ثم رجعتُ، فقال رسول الله ﷺ: «تعالَيْ، فادخلي معي في اللِّحاف». قالت: فدخلتُ معه١
عن معاوية بن أبي سفيان، أنّه سأل أُمَّ حبيبة: كيف كنتِ تصنعين مع رسول الله ﷺ في الحيض؟ قالت: كانتْ إحدانا في فَوْرِها أوَّلَ ما تحيض تَشُدُّ عليها إزارًا إلى أنصاف فخِذَيْها، ثم تَضطَجِعُ مع رسول الله ﷺ١
عن عبد الله بن سعد، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عن مُؤاكَلَةِ الحائض؟ فقال: «واكِلْها»١
عن معاذ بن جبل، قال: سألتُ رسول الله ﷺ عَمّا يَحِلُّ للرجل من امرأته وهي حائض. قال: «ما فوق الإزار، والتَّعَفُّفُ عن ذلك أفضل»١
عن نافع، أنّ عبد الله بن عمر أرسل إلى عائشة يسألها: هل يباشر الرجلُ امرأتَه وهي حائض؟ فقالت: لِتَشُدَّ إزارَها على أسفلها، ثم ليباشرْها إن شاء١
عن عُبادة، أنّ رسول الله ﷺ سُئل: ما يَحِلُّ للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: «ما فوق الإزار، وما تحت الإزار منها حرام»١
عن أمِّ سلمة، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يتقي سَورةَ الدم١ ثلاثًا، ثم يُباشِر بعد ذلك٢
عن مسروق، قال: قلتُ لعائشة: ما يَحِلُّ للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قال: كلُّ شيء إلا الجِماع١
عن أمِّ سلمة -من طريق عكرمة- قالت في مُضاجَعَةِ الحائض: لا بأس بذلك؛ إذا كان على فَرْجِها خِرْقة١
عن عروة، عن نُدْبَة مولاة آل عباس، قالت: بَعَثَتْنِي ميمونةُ ابنةُ الحارث -أو حفصةُ ابنة عمر- إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابةٌ من قِبَل النساء، فوجدتُ فراشَها مُعْتَزِلًا فِراشَه، فظننتُ أنّ ذلك عن الهُجْران، فسألتُها عن اعتزال فراشِه فراشَها، فقالت: إنِّي طامِثٌ، وإذا طَمِثْتُ اعتَزَلَ فراشي. فرجعتُ، فأخبرتُ بذلك ميمونة -أو حفصة-، فرَدَّتْنِي إلى ابن عباس، تقول لك أمُّك: أرَغِبْتَ عن سُنَّةِ رسول الله ﷺ؟! فواللهِ لقد كان النبيُّ ﷺ ينام مع المرأة من نسائه وإنّها لَحائِضٌ، وما بينه وبينها إلا ثوبٌ ما يُجاوِز الرُّكْبَتَيْن١
عن عبد الله بن عباس -من طريق محمد بن إبراهيم بن الحارث- قال: إذا جَعَلَت الحائضُ على فرجها ثوبًا، أو ما يَكُفُّ الأذى؛ فلا بأس أن يُباشِر جِلدَها زوجُها١
عن عائشة، أنّ النبي ﷺ قال لها وقد حاضَتْ: «إنّ هذا أمرٌ كتبه اللهُ على بناتِ آدم»١
عن يزيد بن بابَنُوس، قال: قلتُ لعائشة: ما تقولين في العِراك؟ قالت: الحيضَ تَعْنُون؟ قلنا: نعم. قالت: سَمُّوه كما سَمّاه الله١
نزول الآية
١١ قولًاعن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ القرآن أُنزل في شأن الحائض، والمسلمون يُخْرِجُونَهُنَّ من بيوتهنَّ كفعل العَجَم، ثم اسْتَفْتُوا رسول الله ﷺ في ذلك؛ فأنزل الله: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾. فظَنَّ المؤمنون أنّ الاعتزال كما كانوا يفعلون بخروجهنَّ من بيوتهنَّ، حتى قرأ آخر الآية، ففهم المؤمنون ما الاعتزال؛ إذ قال الله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده-: أن ثابت بن دَحْداحَة الأنصاري سأل النبيَّ ﷺ عن المحيض؛ فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾١
عن مجاهد بن جبر -من طريق خُصَيْف- قال: كانوا يجتنبون النساءَ في المحيض، ويأتونهنَّ في أدبارِهنَّ، فسألوا النبيَّ ﷺ عن ذلك؛ فأنزل الله: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ إلى ﴿فإذا تطهرن فأتوهنّ من حيث أمركم الله﴾ في الفَرْجِ، لا تَعْدُوهُ١
عن الحسن البصري: أنّ الشيطان أدْخَلَ على أهل الجاهلية في حَيْضِ النساء من الضِّيق ما أدْخَل على المجوس؛ فكانوا لا يُجالِسُونَهُنَّ في بيت، ولا يأكلون معهُنَّ، ولا يشربون، فلَمّا جاء الإسلام سأل المسلمون رسولَ الله ﷺ في ذلك؛ فأنزل الله: ﴿قل هو أذى﴾١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ حتى بلغ ﴿حتى يطهرن﴾، فكان أهلُ الجاهلية لا تُساكِنُهُمْ حائضٌ في بيت، ولا تُؤاكِلُهم في إناءٍ؛ فأنزل الله -تعالى ذِكْرُه- في ذلك، فحَرَّم فَرْجها ما دامت حائِضًا، وأَحَلَّ ما سوى ذلك؛ أن تَصْبَغ لك رأسَك، وتؤاكلَك مِن طعامك، وأن تُضاجِعَك في فراشك، إذا كان عليها إزارٌ مُحْتَجِزَةً به دونك١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، مثله١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾، قال: الذي سأل عن ذلك ثابتُ بنُ الدَّحْداح١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- في قوله: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾، قال: أُنزِلَت في ثابت بن الدَّحْداح١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَسْئَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أذىً﴾، يعني: قَذَر. نزلت في عمرو بن الدحداح الأنصاري من قُضاعَة. فلَمّا نزلت هذه الآية لَمْ يؤاكلوهنَّ في إناء واحد، وأخرجوهنَّ من البيوت والفُرُش كفِعْل العَجَم، فقال ناسٌ من العرب للنبي ﷺ: قد شَقَّ علينا اعتزالُ الحائض، والبردُ شديدٌ، فإن آثَرْناهم بالثياب هلك سائرُ البيت، وإن آثرْنا أهلَ البيت هَلَكَتِ النّساءُ بَرْدًا. فقال النبي ﷺ: «إنّكم لَمْ تُؤْمَروا أن تَعْزِلُوهُنَّ من البيوت، إنَّما أُمِرْتُم باعتزال الفَرْجِ إذا حِضْنَ، ويُؤْتَيْنَ إذا طَهُرْنَ». وقرأ عليهم: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾١
عن أنس: أنّ اليهود كانوا إذا حاضَتِ المرأةُ منهم أخرجوها من البيت، ولم يُؤاكِلُوها، ولم يُشارِبُوها، ولم يُجامِعُوها في البيوت، فسُئِل رسول الله ﷺ عن ذلك؛ فأنزل الله: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ الآية. فقال رسول الله ﷺ: «جامِعُوهُنَّ في البيوت، واصنعوا كُلَّ شيء إلا النكاح». فبَلَغَ ذلك اليهودُ، فقالوا: ما يُرِيدُ هذا الرجلُ أن يَدَعَ مِن أمْرِنا شيئًا إلا خالَفَنا فيه. فجاء أُسَيْدُ بن حُضَيْر، وعَبّادُ بن بِشْرٍ، فقالا: يا رسول الله، إنّ اليهود قالت كذا وكذا، أفلا نُجامِعُهُنَّ؟ فتَغَيَّر وجْهُ رسولِ الله ﷺ، حتى ظَنَنّا أن قد وجَدَ عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هَدِيَّةٌ من لبن إلى رسول الله ﷺ، فأَرْسَلَ في أثَرِهما، فسقاهما، فعرفا أنه لم يَجِدْ عليهما١
عن جابر، عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾، قال: إنّ اليهودَ قالوا: مَن أتى المرأة مِن دُبُرِها كان ولدُه أحْوَلَ. وكان نساء الأنصار لا يَدَعْنَ أزواجَهُنَّ يأتونهن مِن أدبارِهِنَّ، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ، فسألوه عن إتيان الرجل امرأته وهي حائض؛ فأنزل الله: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ يعني: الاطِّهارَ، ﴿فإذا تطهرن﴾ بالاغتسال ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ إنّما الحرثُ موضعُ الولد١
وقفات تدبرية في الآية ٢٢٢ من سورة البقرة
٢٧ وقفةً في هذه الآية
-
﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذىٰ فاعتزلوا النساء في المحيض.. ﴾ من عرف الله.. سيسأل عما يرضيه وعما يغضبه ﷻ !
— نايف الفيصل
-
﴿ ويسألونك ﴾ السؤال مفتاح العلم.. ومن استشار الرجال استعَار عقولهم.. ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.
— نايف الفيصل
-
﴿ ويَسألونك عن المحيض .. ﴾ المؤمن الصادق يَسأل.. يُثْقِلُ مرجعه الديني بالسؤال.. لا يقرّ له قرارٌ إلا إذا عرف الحكمَ الشرعي في كل شيء.
— نايف الفيصل
-
إن الله يحب التوابين ..... ألست تشعر بحب الله لهم مما تجد في نفسك من حبهم.
— عبدالله بلقاسم
-
مهما حاول الشيطان أن يهوِّل معصيتك ! أو أن يصدك ويقنّطك ! فتذكر .. أن ربك يحب توبتك .. ويفرح بأوبتك .. { إن الله يحب التوابين }.
— ناصر القطامي
-
"إن الله يحب التوابين" قد نترك الانتقام من الذين يسيئون إلينا وقد نتخطى جراحنا ونجاملهم لكن أن نحبهم بعد إساءتهم كل مرة فهذه الصفة لله وحده.
— عبدالله بلقاسم
-
{ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ } { إن الله لا يمل حتى تملوا } ما أكرم الله وما أحلمه .. لا تغلبنَّك الخطايا .. فربك كريم .. ودود رحيم.
— ماجد الزهراني
-
"إن الله يحب التوابين" علم الله أن الندم يوجع القلب ويحزنه ويلاحقه بالحسرة والأسى فعوض الله النادمين بالحب ، خفف ألم ندمك بتذكر محبة ربك.
— عبدالله بلقاسم
-
(إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) إذا أحب مولاك المتطهرين من الأحداث الأنجاس، فما الظن بمن تطهر من الذنوب والأدناس!
— العز بن عبدالسلام
-
(إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ليس هناك نظام أرضي أو سماوي اهتم كل هذا الاهتمام بجمال الجسم وطهارته! وإن نقاء المسلمين البدني شارة تميزوا بها بين الشعوب الأخرى.
— أبو حامدالغزالى
-
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ إنه ألم،ومعاناة،واضطراب، مع جسدها، وصلاتها وشكوكها،وتقلب أحواله،سبحانه يعلم أنه ألم لها وسيجزيها لصبرها.
— عبدالله بلقاسم
-
بعض الكلمات مدغمة وبعضها غير مدغم مثلاً (إنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) البقرة) بالتاء وآية أخرى (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) التوبة) بالشدة ،ما الفرق؟ أحدهما عندما تكون متوضأ وهناك أناس من المسلمين وهذه سنة عظيمة من ساعة أن يستيقظ إلى ساعة ما ينام هو متوضأ وكلما انتقض وضوؤه يتوضأ فهو دائم الطهور هذا المطهرين أما الذي يصلي وينقض وضوؤه ويجدد وضوءه قبل الصلاة هذا متطهر، فرب العالمين يرسم بهذه التاء المدغمة يرسم أيهما مطّهر وأيهما متطهر وكلا الحالتين عظيمة كقوله تعالى (فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ (222) البقرة) لم تكن طاهرة مجرد انقطع عنها الدم.
— أحمد الكبيسي
و١٥ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
الناسخ والمنسوخ في الآية ٢٢٢ من سورة البقرة
من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
قوله تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عَن المَحِيضِ﴾.
أكثرُ العلماء على أنها ناسخةٌ لشريعة بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا لا يجتمعون مع الحائضِ في بيتٍ، ولا يأكلونَ ولا يشربون معَها، فَنَسخَ الله ذلك من شريعتهم، و أمرنا باعتزال الحائض مِن الوطءِ لا غير.
قال أبو محمد؛ وإنما أُدْخِلَ هذا وأشباهُه في الناسخ والمنسوخ، وهو لم ينسخ قرآناً، لقوله تعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام: ٩٠] - على قول مَن قال -: تلزمُنا شريعتُهم حتى نؤمَر بتركها.
فأمّا من قال: لا يلزمُنا من شريعتِهم إلاّ ما أَمَرَنا به منها، فلا يجب أن يُدْخِل هذا (ونحوه) في الناسخ والمنسوخ؛ إذ لم يَنْسخ قرآناً، وهو الصّواب - إن شاء الله تعالى - لأن معنى: ﴿فَبهُداهم اقتَدِه﴾ يعني: في التوحيد خاصة، لا في الشّرائع. ويدلُّ على أنه ليس يُرادُ به الشرائعُ التي كانوا عليها، قولُه: ﴿لِكُلٍّ جعلنا مِنكُم شِرْعَةً ومنهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨].
ويدلُّ على ذلك أيضاً أنَّ شرائعَ مَن كان قبلَنا مختلفةٌ في الأحكام، ولا سبيل لنا إلى الجمع بين (التّحريم والتّحليل) في شيء واحد، ولا إلى فعل شيءٍ وتركِه في عبادةٍ واحدةٍ. فقد كانت لحومُ الإِبل وألبانُها وشحوم البقر والغنم حلالاً لمن كان قبلَ يعقوب من الأنبياء، ثم حُرِّمَت على يعقوب وعلى بني إسرائيل، فلا سبيلَ إلى الجمعِ بين الشَّريعتين البتَّة. والله - جلَّ ذكره - لم يخصَّ الأمرَ بالاقتداء بشريعةِ واحدٍ من الأنبياء، (وإنما جَمَعَهُم) فقال: ﴿فَبهُداهُمُ اقْتَدِه﴾. وهم لم يجتمعوا إلاَّ على التوحيد والتصديق بالله ورسلِه وكُتُبِه. واختلفوا في الشرائع التي شرعَ (الله لهم)على (ما شرع) لكُلِّ نبي.
فليس علينا أن نقتديَ من فعلِهم إلا بما اجتمعوا عليه. وما اختلفوا فيه لا سبيلَ إلى فعلِه لاختلاف أحكامه في شرائِعهم. وإنما نفعلُ من شرائعهم ما أُمِرْنا به. فعلى هذا القول: كان يجب ألاّ تُدْخَل هذه الآية ونحوها في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها لم تنسخ قرآناً.
ومذهب مالك في هذا الباب: أنّ ما أنزلَ الله علينا في كتابة وأعلَمنا أنهكان فرضاً عليهم ولم يأمرنا بخلافه، ولا بِتَرْك العمل به فواجبٌ علينا العمل به، نحو قوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا علَيْهِمْ فِيهَا أنّ النَّفْسَ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية. وقد اعترض على هذا المذهب بقصَّة أَيوب في يمينه، وبتزوُّجِ موسى (إحدى المرأتين)، ولا يقول مالك بشيءٍ مِن ذلك. و(عن هذا) أجوبةٌ يطولُ ذكرُها، ليست مِن هذا العلم، سنذكرُها في غير هذا الكتاب إن شاء الله.
وهذه المعاني من الأصول لها مواضعُ يُتَقَصَّى الكلامُ فيها ويبين في غير هذا الكتاب - إن شاء الله - (فهيَ) أصلُ الفقه والدِّين، وعليها بنى الفقهاءُ مسائلَهم وفُتْياهم، وإنما اختلفوا في الفت يا على نحو اختلافهم في معاني الأُصول. فمعرفةُ الأُصول عليها العُمْدَةُ عندَ أهل الفهم والنظر. ومعرفةُ المسائلِ (بغير معرفة) الأُصولِ إنما هو للمقلدين الضعفاء في الأفهام.
فتاوى متعلقة بالآية ٢٢٢ من سورة البقرة
فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية
ترجمات معاني الآية ٢٢٢ من سورة البقرة
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(222) And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives[82] during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves,[83] then come to them from where Allāh has ordained for you. Indeed, Allāh loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."
[82]- i.e., refrain from sexual intercourse.
[83]- By taking a complete bath (ghusl).
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا