اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
" المحيض " فعل من الحيضِ، ويُرادُ به المصدرُ، والزمانُ، والمكانُ، تقولُ : حاضِت المرأَةُ تحيضُ، حَيضاً ومَحِيضاً، ومَحاضاً، فَبَنَوْه على مِفْعلٍ ومَفْعَل بالكَسرِ والفتحِ.
واعلم أنَّ في المَفْعَل مِنْ يَفْعِل بكسر العينِ ثلاثة مذاهب :
أحدها : أَنَّهُ كالصَّحيح، فتُفْتَحُ عينهُ مراداً به المصدرُ، وتُكسَرُ مراداً به الزَّمانُ والمكانُ.
والثَّاني : أَنْ يُتَخَيَّر بين الفتح والكسر في المصدرِ خاصَّةً، كما جاء هنا : المَحيضُ والمحَاضُ، ووجهُ هذا القول : أنَّهُ كثُر هذان الوجهان : أعني، الكسر، والفتح فاقْتَاسا.
والثالث : أَنْ يُقْتَصَرَ على السَّماعِ، فيما سُمِع فيه الكَسرُ، أو الفتحُ، لا يَتَعَدَّى. فالمحيضُ المُرادُ به المَصْدَرُ ليس بمقيسِ على المذهبين الأول والثالث، مقيسٌ على الثاني. ويقال : امرأَةٌ حائِضٌ ولا يقال :" حائِضَةٌ " إلا قليلاً، أنشد الفرَّاء :[ الطويل ]
. . . *** كَحَائِضَةٍ يُزْنَى بِهَا غَيْر طَاهِرِ(١)
وَالمَعْرُوفُ أَنَّ النَّحويين فَرَّقوا بين حائضٍ، وحائضةٍ : فالمُجرَّدُ من تاء التَّأنيث بمعنى النَّسَب، أي : ذاتُ حيضٍ، وإِنْ لم يكن عليها حَيْضٌ، والملتبسُ بالتَّاءِ لِمَنْ عليها الحَيْضُ في الحال، فيُحتمل أن يكونَ مرادُ الشاعر ذلك، وهكذا كُلُّ صفةٍ مختصةٍ بالمُؤَنّثِ نحو : طَامِث ومُرْضِع وشبههما.
قال القرطبيُّ : ويقال : نساءٌ حيض، وحوائض، والحَيضةُ : المرأَةُ الواحدة. والحِيضةُ بالكَسْر، الاسم والجمع الحيض، والحيضة أيضاً : الخرقةُ التي تَسْتَثْفِرُ بها المَرْأَةُ، قالت عَائِشَةُ : لَيْتَنِي كُنُتُ حِيْضَةٌ مُلْقَاةً " وكذلك المَحِيضَةُ، والجمع : المَحائص.
وأصلُ الحَيض السَّيَلانُ، والانفجِارُ، يُقالُ : حَاضَ السَّيلُ وَفَاضَ، قال الفَرَّاءُ :" حَاضَتِ الشَّجَرَةُ، أي : سال صَمْغُها "، قال الأَزهرِيُّ :" وَمِنْ هَذَا قيل لِلْحَوضِ : حَيْضٌ ؛ لأَنَّ المَاءَ يسيلُ إليه " والعربُ تُدْخِلُ الواو على اليَاءِ، وَالياءَ على الواوِ ؛ لأَنَّهُما من حَيِّز واحدٍ، وهو الهواءُ.
ويقالُ : حاضت المرأةُ وتحيَّضَتْ، ودَرَسَتْ، وعَرَكت، وطَمِثت فهي حائضٌ، ودارِسٌ، وعارِكٌ، وَطَامِثٌ، وطَامِسٌ، وكَابِرٌ، وَضَاحِكٌ. قال تعالى :﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] أي : حضن، وقال تعالى :﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١].
قال مجاهد(٢) : أي : حاضَتْ ونافس أيضاً، والظَّاهر أن المحيض مصدرٌ كالحيضِ، ومثله :" المَقِيلُ " مِنْ قال يقِيلُ ؛ قال الرَّاعِي :[ الكامل ]
وكذلك قال الطَّبريُّ :" إِنَّ المَحِيضَ اسْم كالمَعِيشِ : اسمُ العَيْشِ " ؛ وأنشد لرؤية :[ الرجز ]
وقيل : المَحيضُ في الآية المُرادُ به : اسمُ موضعِ الدَّم، وعلى هذا فهو مقيسٌ اتِّفاقاً، ويؤيِّد الأَوَّل قوله :﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. وقد يُجَابُ عنه بأنَّ ثَمَّ حذف مضافٍ، أي : هو ذُو أَذى، ويؤيِّدُ الثَّاني قوله :﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾. ومن حَمَلَه على المَصْدَرِ قَدَّر هنا حَذْفَ مُضَافٍ، أي : فاعْتَزِلُوا وَطْءَ النِّسَاءِ في زَمَانِ الحَيْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَحِيضُ الأَوَّلُ مَصْدَراً والثَّاني مكاناً.
حكى الواحديُّ في " البَسيط " (٥) عن ابن السَّكِّيت : إذا كان الفعلُ من ذوات الثلاثة نحو : كَالَ يكيلُ، وحاضَ يحيض وأشباهه، فإِنَّ الاسم منه مكسور والمصدر مفتوح، مِنْ ذلك مالَ ممالاً، وهذا مميله يذهب بالكسر إلى الاسم، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحهما جميعاً، أو كسرهما جميعاً في المصدرِ والاسمِ لجازَ، تقول : المَعَاشُ، والمَعِيشُ، والمَغَابُ، والمَغِيبُ، والمَسَارُ والمَسِيرُ فثبت أَنَّ لفظ المحيض حقيقةٌ في موضع الحيض، وأيضاً هو اسمٌ لنفس الحيضِ.
قال ابن الخطيب(٦) : وعندي أَنَّهُ ليس كذلك ؛ إذ لو كان المُرادُ بالمحيض هنا الحيض، لكان قوله تعالى ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ معناه : فاعتزلوا النِّساء في الحيض، ويكونُ المُرادُ : فاعتزلوا النساء في زمن الحيض، يكون ظاهره مانعاً من الاستمتاع بهنَّ فيما فوق السُّرَّة، ودون الرّكبة، ولما كان هذا المنعُ غير ثابت لزم القول بتطرُّق النَّسخ، والتَّخصيص إلى الآية، وهو خلاف الأصل، أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض ؛ كان معنى الآية : فاعتزلوا النِّسَاءَ في موضع الحيض من النِّسَاء، وعلى هذا التَّقدير لا يتطرَّقُ إلى الآية نسخٌ، ولا تخصِيصٌ.
ومن المعلوم أَنَّ اللَّفْظ إذا كان مشتركاً بين معنيين وكان حمله على أحدهما يوجب محذوراً، وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور، فإِنَّ حمل اللَّفظ على المعنى الَّذِي لا يُوجِبُ المحذورَ، أولى إذا سلَّمنا أَنَّ لفظ المحيض مشتركٌ بين الموضع، وبين المصَدرِ.
فإن قيل : الدَّليلُ على أَنَّ المُراد من المحيض الحيضُ قوله :﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾، ولو كانَ المُرَادُ الموضع لما صَحَّ هذا الوَصْفُ.
قلنا : بتقدير أَنْ يكون المحيض عبارة عن الحَيض، فالحيض نفسُهُ ليس بِأَذى لأن " الحَيْضَ " عبارةٌ عن الدَّمِ المخصوص، و " الأَذَى " كيفيَّةٌ مخصوصَةٌ وهو عرض، والجسم لا يكُونُ نفس العرض فَلا بُدَّ أَنْ يقُولُوا : المرادُ منه أَنَّ الحيض موصوف بكونه أذى، وإذا جاز ذلك فيجُوزُ لنا أيضاً أن نقول : إِنَّ المراد منه أنَّ ذلك المَوْضع ذو أذًى، وأيضاً لم لا يجوزُ أَنْ يكون المراد بالمحيض الأَوَّل الحيض، وبالمحيض الثَّاني موضع الحيضِ كَمَا تقدَّمَ وعلى هذا فيزولُ الإِشكالُ.
عن أنس بن مالك أَنَّ اليهُود، والمَجُوس كانُوا يبالغون في التَّباعد عن المرأَةِ حال حيضها، والنَّصارَى كانوا يجامعوهنّ ولا يبالون بالحيض، وأَنَّ أَهْلَ الجاهِليَّةِ كانُوا يقولُونَ مثل قولِ اليَهُودِ، والمَجُوسِ، وكانوا إذا حَاضَتِ المرأَةُ ؛ لم يُؤَاكِلُوها، ولم يُشارِبُوها، ولم يُجَالِسُوها على فراشٍ، ولم يساكنوها في بيتٍ كفعل اليهود والمجوس، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأخذ المُسْلِمُون بظاهر الآية، فأخرجوهنّ من بيوتهن، فقال ناسٌ من الأَعْراب : يا رسُول اللهِ البردُ شديدٌ، والثِّيابُ قَلِيلةٌ، فإِنْ آثرناهن بالثِّيابِ، هلك سائِرُ أهل البيت، وإن اسْتَأْثَرْنَاهَا هلكت الحيض، فقال عليه الصّلاة والسّلام :" إِنَّمَا أَمَرْتُكُم أَنْ تَعْتَزِلُوا مُجَامَعَتهنَّ إِذَا حِضْن ولَمْ آمُرُكُم بإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ كَفِعْلِ الأَعاجِمِ " فلمَّا سمع اليهُودُ ذلك قالوا : هذا الرَّجُلُ يُرِيدُ أَلاَّ يدع شيئاً من أمرنا، إلاَّ خالفنا فيه. فَجاء أُسيِّد بن حُضيرٍ وعباد بن بشر إلى رسول الله ﷺ فقالا : يا رسُول اللهِ إِنَّ اليهُود تقول كذا وكذا، أفلا ننكحهنّ في المحيض، فتغير وجه رسول الله ﷺ حتَّى ظننا أَنَّه غضب عليهما، فخرجا ؛ فَجَاءَتْهُ هديَّةٌ مِنْ لَبَنِ، فأرسل رسول الله ﷺ إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما(٧).
وجاء :" وَيَسْأَلُونَكَ " ثلاثَ مرَّاتٍ بحرفِ العطفِ بعد قوله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ وهي :﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ وجاء " يَسْأَلُونَكَ " أربع مراتٍ من غيرِ عطفٍ :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ﴾. فما الفرقُ ؟
والجوابُ : أَنَّ السُّؤالات الأَواخر وقعَتْ في وقتٍ واحدٍ، فجُمِع بينها بحرفِ الجمعِ، وهو الواوُ، أَمَّا السّؤالاتُ الأُوَلُ فوقعَتْ في أوقاتٍ متفرقةٍ، فلذلك استؤْنِفَتْ كلُّ جملةٍ، وجيء بها وحدها.
وقوله :" هو أَذًى " فيه وجهان :
أحدهما : قاله أبو البقاء :" أَنْ يكُونَ ضمير الوطءِ الممنوع " وكأنه يقول : إِنَّ السِّياق يدلُّ عليه، وإِنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ.
الثَّاني : أَنْ يعود على المحيض، قال أبو البقاء :" ويكون التَّقدير : هو سببُ أَذًى " وفيه نظرٌ ؛ فإنَّهم فَسَّروا الأَذَى هنا بالشَّيء القَذِر، فإذا أَرَدْنا بالمَحِيضِ نَفْسَ الدَّمِ، كان شيئاً مُسْتَقْذَراً، فلا حاجة إلى تقديرِ حَذْفِ مضافٍ.
قال عطاءٌ، وقتادةٌ، والسُّدِّيُّ : هو أَذًى، أي : قذر(٨) واعلم أَنَّ الأَذَى في اللُّغة ما يكره مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ويحتمل أن يَكُونَ قوله :" هُوَ أَذًى "، أي : سببُ الأَذَى قالوا : لأَنَّ من جَامَعَ في الحَيْض، قد يحصُلُ له في ذكره وأنثييه تفتيح وقروح.
وقوله :﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
الاعتزالُ : التَّنَحِّي عن الشَّيْءِ، وأَرَاد به هاهنا : تَرْكَ الوَطءِ، وقدَّم ذكر العِلَّة، وهي الأذى، ثم رَتَّبَ الحُكْم، وهو وجوب الاعتزال. فإن قيل : المرادُ ب " الأذى " هو الدَّمُ، وهو حاصِلٌ في وقت الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة وقت الاستحاضة، غير واجب، فانتقضت هذه العِلَّةُ.
والجواب : أَنَّ دم الحيض دَمٌ فاسِدٌ يتولّد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من عمق الرَّحم، ولو احْتَبَسَتْ تلك الفضلةُ لمرضت المرأةُ، فذلك الدَّمُ جارٍ مجرى البَوْلِ، والغائط، فكان أَذًى وقذراً، وأَمَّا دمُ الاستحاضة، فليس كذلك، بل هو دَمٌ صالحٌ يسير من عروق تنفجر من عمق الرَّحِمِ، فلا يكونُ أذى، قال عليه الصَّلاة والسَّلام لما سئل عن الاستحاضة فقال :" إِنَّ ذَلكَ دَمُ عِرْق، ولَيْسَ بِالحَيْضَةِ " (٩).
قال ابن الخطيب(١٠) : وهذا جوابٌ طبّيٌّ مُخَلِّصٌ ظاهر القرآن مِنَ الطَّعن.
اعلم أَنَّ الحيضِ موصوفٌ بصفاتٍ حقيقيةٍ، ويتفرَّعُ عليه أحكام شرعيّة فالصِّفاتُ نوعان :
الأول : المنبعُ ؛ فدم الحيض يخرجُ من الرَّحم، قال تعالى :﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قيل في تفسيره إنَّ المراد منه الحيض والحمل، وأَمَّا دم الاستحاضة، فإِنَّهُ لا يخرجُ من الرَّحم، لكن من عروق تنقطع من فم الرَّحم، قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في صفة دم الاستحاضة :" إِنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ " (١١)، وهذا يؤيّدُ ما تقدَّمَ في الجواب.
النوع الثاني : من صفات دم الحيضِ التي وصفه بها رسول اللهِ ﷺ وهي
واعلم أنَّ في المَفْعَل مِنْ يَفْعِل بكسر العينِ ثلاثة مذاهب :
أحدها : أَنَّهُ كالصَّحيح، فتُفْتَحُ عينهُ مراداً به المصدرُ، وتُكسَرُ مراداً به الزَّمانُ والمكانُ.
والثَّاني : أَنْ يُتَخَيَّر بين الفتح والكسر في المصدرِ خاصَّةً، كما جاء هنا : المَحيضُ والمحَاضُ، ووجهُ هذا القول : أنَّهُ كثُر هذان الوجهان : أعني، الكسر، والفتح فاقْتَاسا.
والثالث : أَنْ يُقْتَصَرَ على السَّماعِ، فيما سُمِع فيه الكَسرُ، أو الفتحُ، لا يَتَعَدَّى. فالمحيضُ المُرادُ به المَصْدَرُ ليس بمقيسِ على المذهبين الأول والثالث، مقيسٌ على الثاني. ويقال : امرأَةٌ حائِضٌ ولا يقال :" حائِضَةٌ " إلا قليلاً، أنشد الفرَّاء :[ الطويل ]
. . . *** كَحَائِضَةٍ يُزْنَى بِهَا غَيْر طَاهِرِ(١)
وَالمَعْرُوفُ أَنَّ النَّحويين فَرَّقوا بين حائضٍ، وحائضةٍ : فالمُجرَّدُ من تاء التَّأنيث بمعنى النَّسَب، أي : ذاتُ حيضٍ، وإِنْ لم يكن عليها حَيْضٌ، والملتبسُ بالتَّاءِ لِمَنْ عليها الحَيْضُ في الحال، فيُحتمل أن يكونَ مرادُ الشاعر ذلك، وهكذا كُلُّ صفةٍ مختصةٍ بالمُؤَنّثِ نحو : طَامِث ومُرْضِع وشبههما.
قال القرطبيُّ : ويقال : نساءٌ حيض، وحوائض، والحَيضةُ : المرأَةُ الواحدة. والحِيضةُ بالكَسْر، الاسم والجمع الحيض، والحيضة أيضاً : الخرقةُ التي تَسْتَثْفِرُ بها المَرْأَةُ، قالت عَائِشَةُ : لَيْتَنِي كُنُتُ حِيْضَةٌ مُلْقَاةً " وكذلك المَحِيضَةُ، والجمع : المَحائص.
وأصلُ الحَيض السَّيَلانُ، والانفجِارُ، يُقالُ : حَاضَ السَّيلُ وَفَاضَ، قال الفَرَّاءُ :" حَاضَتِ الشَّجَرَةُ، أي : سال صَمْغُها "، قال الأَزهرِيُّ :" وَمِنْ هَذَا قيل لِلْحَوضِ : حَيْضٌ ؛ لأَنَّ المَاءَ يسيلُ إليه " والعربُ تُدْخِلُ الواو على اليَاءِ، وَالياءَ على الواوِ ؛ لأَنَّهُما من حَيِّز واحدٍ، وهو الهواءُ.
ويقالُ : حاضت المرأةُ وتحيَّضَتْ، ودَرَسَتْ، وعَرَكت، وطَمِثت فهي حائضٌ، ودارِسٌ، وعارِكٌ، وَطَامِثٌ، وطَامِسٌ، وكَابِرٌ، وَضَاحِكٌ. قال تعالى :﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] أي : حضن، وقال تعالى :﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١].
قال مجاهد(٢) : أي : حاضَتْ ونافس أيضاً، والظَّاهر أن المحيض مصدرٌ كالحيضِ، ومثله :" المَقِيلُ " مِنْ قال يقِيلُ ؛ قال الرَّاعِي :[ الكامل ]
| بُنِيَتْ مَرَافِقُهُنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ | لاَ يَسْتَطِيعُ بِهَا القُرَادُ مَقِيلاَ(٣) |
| إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ | وَمَرَّ أَعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي(٤) |
حكى الواحديُّ في " البَسيط " (٥) عن ابن السَّكِّيت : إذا كان الفعلُ من ذوات الثلاثة نحو : كَالَ يكيلُ، وحاضَ يحيض وأشباهه، فإِنَّ الاسم منه مكسور والمصدر مفتوح، مِنْ ذلك مالَ ممالاً، وهذا مميله يذهب بالكسر إلى الاسم، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحهما جميعاً، أو كسرهما جميعاً في المصدرِ والاسمِ لجازَ، تقول : المَعَاشُ، والمَعِيشُ، والمَغَابُ، والمَغِيبُ، والمَسَارُ والمَسِيرُ فثبت أَنَّ لفظ المحيض حقيقةٌ في موضع الحيض، وأيضاً هو اسمٌ لنفس الحيضِ.
قال ابن الخطيب(٦) : وعندي أَنَّهُ ليس كذلك ؛ إذ لو كان المُرادُ بالمحيض هنا الحيض، لكان قوله تعالى ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ معناه : فاعتزلوا النِّساء في الحيض، ويكونُ المُرادُ : فاعتزلوا النساء في زمن الحيض، يكون ظاهره مانعاً من الاستمتاع بهنَّ فيما فوق السُّرَّة، ودون الرّكبة، ولما كان هذا المنعُ غير ثابت لزم القول بتطرُّق النَّسخ، والتَّخصيص إلى الآية، وهو خلاف الأصل، أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض ؛ كان معنى الآية : فاعتزلوا النِّسَاءَ في موضع الحيض من النِّسَاء، وعلى هذا التَّقدير لا يتطرَّقُ إلى الآية نسخٌ، ولا تخصِيصٌ.
ومن المعلوم أَنَّ اللَّفْظ إذا كان مشتركاً بين معنيين وكان حمله على أحدهما يوجب محذوراً، وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور، فإِنَّ حمل اللَّفظ على المعنى الَّذِي لا يُوجِبُ المحذورَ، أولى إذا سلَّمنا أَنَّ لفظ المحيض مشتركٌ بين الموضع، وبين المصَدرِ.
فإن قيل : الدَّليلُ على أَنَّ المُراد من المحيض الحيضُ قوله :﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾، ولو كانَ المُرَادُ الموضع لما صَحَّ هذا الوَصْفُ.
قلنا : بتقدير أَنْ يكون المحيض عبارة عن الحَيض، فالحيض نفسُهُ ليس بِأَذى لأن " الحَيْضَ " عبارةٌ عن الدَّمِ المخصوص، و " الأَذَى " كيفيَّةٌ مخصوصَةٌ وهو عرض، والجسم لا يكُونُ نفس العرض فَلا بُدَّ أَنْ يقُولُوا : المرادُ منه أَنَّ الحيض موصوف بكونه أذى، وإذا جاز ذلك فيجُوزُ لنا أيضاً أن نقول : إِنَّ المراد منه أنَّ ذلك المَوْضع ذو أذًى، وأيضاً لم لا يجوزُ أَنْ يكون المراد بالمحيض الأَوَّل الحيض، وبالمحيض الثَّاني موضع الحيضِ كَمَا تقدَّمَ وعلى هذا فيزولُ الإِشكالُ.
فصل في بيان مغالاة اليهود وغيرهم في أمر الحيض
عن أنس بن مالك أَنَّ اليهُود، والمَجُوس كانُوا يبالغون في التَّباعد عن المرأَةِ حال حيضها، والنَّصارَى كانوا يجامعوهنّ ولا يبالون بالحيض، وأَنَّ أَهْلَ الجاهِليَّةِ كانُوا يقولُونَ مثل قولِ اليَهُودِ، والمَجُوسِ، وكانوا إذا حَاضَتِ المرأَةُ ؛ لم يُؤَاكِلُوها، ولم يُشارِبُوها، ولم يُجَالِسُوها على فراشٍ، ولم يساكنوها في بيتٍ كفعل اليهود والمجوس، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأخذ المُسْلِمُون بظاهر الآية، فأخرجوهنّ من بيوتهن، فقال ناسٌ من الأَعْراب : يا رسُول اللهِ البردُ شديدٌ، والثِّيابُ قَلِيلةٌ، فإِنْ آثرناهن بالثِّيابِ، هلك سائِرُ أهل البيت، وإن اسْتَأْثَرْنَاهَا هلكت الحيض، فقال عليه الصّلاة والسّلام :" إِنَّمَا أَمَرْتُكُم أَنْ تَعْتَزِلُوا مُجَامَعَتهنَّ إِذَا حِضْن ولَمْ آمُرُكُم بإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ كَفِعْلِ الأَعاجِمِ " فلمَّا سمع اليهُودُ ذلك قالوا : هذا الرَّجُلُ يُرِيدُ أَلاَّ يدع شيئاً من أمرنا، إلاَّ خالفنا فيه. فَجاء أُسيِّد بن حُضيرٍ وعباد بن بشر إلى رسول الله ﷺ فقالا : يا رسُول اللهِ إِنَّ اليهُود تقول كذا وكذا، أفلا ننكحهنّ في المحيض، فتغير وجه رسول الله ﷺ حتَّى ظننا أَنَّه غضب عليهما، فخرجا ؛ فَجَاءَتْهُ هديَّةٌ مِنْ لَبَنِ، فأرسل رسول الله ﷺ إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما(٧).
فصل في مجيء " يسألونك " بحرف الواو
وجاء :" وَيَسْأَلُونَكَ " ثلاثَ مرَّاتٍ بحرفِ العطفِ بعد قوله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ وهي :﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ وجاء " يَسْأَلُونَكَ " أربع مراتٍ من غيرِ عطفٍ :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ﴾. فما الفرقُ ؟
والجوابُ : أَنَّ السُّؤالات الأَواخر وقعَتْ في وقتٍ واحدٍ، فجُمِع بينها بحرفِ الجمعِ، وهو الواوُ، أَمَّا السّؤالاتُ الأُوَلُ فوقعَتْ في أوقاتٍ متفرقةٍ، فلذلك استؤْنِفَتْ كلُّ جملةٍ، وجيء بها وحدها.
وقوله :" هو أَذًى " فيه وجهان :
أحدهما : قاله أبو البقاء :" أَنْ يكُونَ ضمير الوطءِ الممنوع " وكأنه يقول : إِنَّ السِّياق يدلُّ عليه، وإِنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ.
الثَّاني : أَنْ يعود على المحيض، قال أبو البقاء :" ويكون التَّقدير : هو سببُ أَذًى " وفيه نظرٌ ؛ فإنَّهم فَسَّروا الأَذَى هنا بالشَّيء القَذِر، فإذا أَرَدْنا بالمَحِيضِ نَفْسَ الدَّمِ، كان شيئاً مُسْتَقْذَراً، فلا حاجة إلى تقديرِ حَذْفِ مضافٍ.
فصل في المراد من " الأذى "
قال عطاءٌ، وقتادةٌ، والسُّدِّيُّ : هو أَذًى، أي : قذر(٨) واعلم أَنَّ الأَذَى في اللُّغة ما يكره مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ويحتمل أن يَكُونَ قوله :" هُوَ أَذًى "، أي : سببُ الأَذَى قالوا : لأَنَّ من جَامَعَ في الحَيْض، قد يحصُلُ له في ذكره وأنثييه تفتيح وقروح.
وقوله :﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
الاعتزالُ : التَّنَحِّي عن الشَّيْءِ، وأَرَاد به هاهنا : تَرْكَ الوَطءِ، وقدَّم ذكر العِلَّة، وهي الأذى، ثم رَتَّبَ الحُكْم، وهو وجوب الاعتزال. فإن قيل : المرادُ ب " الأذى " هو الدَّمُ، وهو حاصِلٌ في وقت الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة وقت الاستحاضة، غير واجب، فانتقضت هذه العِلَّةُ.
والجواب : أَنَّ دم الحيض دَمٌ فاسِدٌ يتولّد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من عمق الرَّحم، ولو احْتَبَسَتْ تلك الفضلةُ لمرضت المرأةُ، فذلك الدَّمُ جارٍ مجرى البَوْلِ، والغائط، فكان أَذًى وقذراً، وأَمَّا دمُ الاستحاضة، فليس كذلك، بل هو دَمٌ صالحٌ يسير من عروق تنفجر من عمق الرَّحِمِ، فلا يكونُ أذى، قال عليه الصَّلاة والسَّلام لما سئل عن الاستحاضة فقال :" إِنَّ ذَلكَ دَمُ عِرْق، ولَيْسَ بِالحَيْضَةِ " (٩).
قال ابن الخطيب(١٠) : وهذا جوابٌ طبّيٌّ مُخَلِّصٌ ظاهر القرآن مِنَ الطَّعن.
فصل في بيان صفات دم الحيض
اعلم أَنَّ الحيضِ موصوفٌ بصفاتٍ حقيقيةٍ، ويتفرَّعُ عليه أحكام شرعيّة فالصِّفاتُ نوعان :
الأول : المنبعُ ؛ فدم الحيض يخرجُ من الرَّحم، قال تعالى :﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قيل في تفسيره إنَّ المراد منه الحيض والحمل، وأَمَّا دم الاستحاضة، فإِنَّهُ لا يخرجُ من الرَّحم، لكن من عروق تنقطع من فم الرَّحم، قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في صفة دم الاستحاضة :" إِنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ " (١١)، وهذا يؤيّدُ ما تقدَّمَ في الجواب.
النوع الثاني : من صفات دم الحيضِ التي وصفه بها رسول اللهِ ﷺ وهي
١ - عجز بيت وصدره
رأيت ختون العام والعام قبله
ينظر المذكر والمؤنث للفراء (١٥٩)، المفصل لابن يعيش (٥/١٠٠)، الدر المصون ١/٥٤٣، واللسان (حيض)، و(ختن)..
٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٥٥..
٣ - ينظر ديوانه ص ٢٤١، والحيوان ٥/ ٤٣٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٣٢، وشرح اختيارات المفضل ص ٢٥٠، ٩٨٣، والكتاب ٤/٨٩، ولسان العرب (حبس) (زلل)، والدر المصون ١/٥٤٣..
٤ - ينظر ديوانه ٨٧، القرطبي ٣/٨١، الدر المصون ١/٥٤٣..
٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥٤-٥٥..
٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥٥..
٧ - أخرجه مسلم كتاب الحيض (٣٠٢) باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها والترمذي (٢٩٨١) وأبو داود (٢٥٨) والنسائي (٢٨٩) وابن ماجه (٦٤٤) وأحمد (٣/١٣٢-١٣٣) والطيالسي (١٩٣٣) والبغوي في "شرح السنة" (٣١٤) وأبو عوانة (١/٣١١) والبيهقي (١/٣١٣) وابن حبان (١٣٥٢) وأبو يعلى (٦/ ٢٣٨-٢٣٩) رقم (٣٥٣٣).
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٦١) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه..
٨ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٧٤) عن قتادة والسدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٦٣) عن قتادة وزاد نسبته لعبد الرزاق..
٩ - أخرجه البخاري (١/١٤٦) كتاب الحيض باب: إذا حاضت في شهر... الخ رقم (٣٢٥) والنسائي (١/٨٢) كتاب الحيض باب ٢ وأحمد (٦/٤٢٠) والبيهقي (١/١٧٠، ٣٢١، ٣٢٤، ٣٤٤، ٣٤٦، ٤٣٩). وانظر فتح الباري (١/٤٢٥)..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥٥..
١١ - أخرجه الترمذي (٢١٧-٢١٨) كتاب الطهارة باب في المستحاضة رقم (١٢٥).
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..
رأيت ختون العام والعام قبله
ينظر المذكر والمؤنث للفراء (١٥٩)، المفصل لابن يعيش (٥/١٠٠)، الدر المصون ١/٥٤٣، واللسان (حيض)، و(ختن)..
٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٥٥..
٣ - ينظر ديوانه ص ٢٤١، والحيوان ٥/ ٤٣٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٣٢، وشرح اختيارات المفضل ص ٢٥٠، ٩٨٣، والكتاب ٤/٨٩، ولسان العرب (حبس) (زلل)، والدر المصون ١/٥٤٣..
٤ - ينظر ديوانه ٨٧، القرطبي ٣/٨١، الدر المصون ١/٥٤٣..
٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥٤-٥٥..
٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥٥..
٧ - أخرجه مسلم كتاب الحيض (٣٠٢) باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها والترمذي (٢٩٨١) وأبو داود (٢٥٨) والنسائي (٢٨٩) وابن ماجه (٦٤٤) وأحمد (٣/١٣٢-١٣٣) والطيالسي (١٩٣٣) والبغوي في "شرح السنة" (٣١٤) وأبو عوانة (١/٣١١) والبيهقي (١/٣١٣) وابن حبان (١٣٥٢) وأبو يعلى (٦/ ٢٣٨-٢٣٩) رقم (٣٥٣٣).
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٦١) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه..
٨ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٧٤) عن قتادة والسدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٦٣) عن قتادة وزاد نسبته لعبد الرزاق..
٩ - أخرجه البخاري (١/١٤٦) كتاب الحيض باب: إذا حاضت في شهر... الخ رقم (٣٢٥) والنسائي (١/٨٢) كتاب الحيض باب ٢ وأحمد (٦/٤٢٠) والبيهقي (١/١٧٠، ٣٢١، ٣٢٤، ٣٤٤، ٣٤٦، ٤٣٩). وانظر فتح الباري (١/٤٢٥)..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥٥..
١١ - أخرجه الترمذي (٢١٧-٢١٨) كتاب الطهارة باب في المستحاضة رقم (١٢٥).
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..