تفسير ابن عرفة — ابن عرفة

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض. . .﴾(١).
[ ٥٣ظ ] قال القاضي عياض في تنبيهاته/ : قيل أصله : من حاضت ( السمرة )(٢) إذا خرج منها ( ماء )(٣) أحمر، ولعل الشجرة إنّما شبهت بالمرأة.
قال ابن عرفة : ظاهرة أنه حقيقة فيهما.
وقال الزمخشري : في ( أساس )(٤) البلاغة : من المجاز قولهم حاضت ( السُّمرة )(٥) إذا خرج منها ماء أحمر(٦).
قال ابن عرفة : وينبغي أن ينظر الأغلب، والظاهر أنه مجاز كما قال لأن مسيس الحاجة إلى الإخبار عن حيض المرأة أشد وأكثر من الإخبار عن حيض السمرة فينبغي أن يحكم بأنّه الأسبق وحيض ( الشجرة )(٧) منقول عنه.
قوله تعالى :﴿قُلْ هُوَ أَذىً. . .﴾(٨).
( وقال تعالى :﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً﴾(٩) والجامع أنّ الأذى هو الأمر المؤلم الذي )(١٠) يقصد إماطته، وأتى هنا بالحكم مقرونا ( بعلته )(١١) ونصوا على أنّ ( الأصل تقديم العلة على المعلول )(١٢) كهذه الآية، وكقولك : سهى فسجد، وزنا فرجم. وقد يجيء الحكم مذكورا قبلها ( وإنّما )(١٣) ذلك لأن العلة أصل في الأصل واعتبارها فرع في الأصل.
واختلفوا في الحائض إذا طهرت من الدم ولم تتطهر بالماء فالمشهور أن وطأها حرام(١٤).
وحكى القاضي عياض في الإكمال عن ابن بكير(١٥) جواز وطئها ابتداء من غير كراهة(١٦).
قلت : وكذا حكى ابن العربي في الأحكام(١٧) وحكى غيرهما عن ابن بكير كراهة وطئها. وقرأ(١٨) أبو بكر(١٩) وحمزة « حتى يَطْهُرْنَ » بالتشديد واختلفوا في فهم الآية على القول المشهور، فقال بعض البيانيين : فيها حرف التقابل أي حتَّى يَطهرن وَيَتَطَهَّرْنَ فَإِذَا طَهُرنَ وَتَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنّ. مثل قول الله عز وجلّ ﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ﴾(٢٠) وقول الشاعر :
وإني لَتَعْرُوني لذكراك هزة. . . كما انتفض العصفور بَلَّله القطر(٢١)
أي : وإني لتعروني لذكراك سكون ثم يزول عنِّي فأفيق وأنتفض لها كما يعتري العصفور عندما بَلَّله القطر، فإنه يسكن ثم ينتفض وكذا قوله الآخر :
فإن كان شجوا فاعذروني على الهوى. . . وإن كان داء غيره فلك العذر(٢٢)
أي فاعذرني فلك العذر وإن كان داء غيره فاعذرني أيضا. انظر ابن الصائغ في باب المعرب والمبني.
وقال العلامة ابن رشد : في البيان والتحصيل « يَطهرن » بمعنى : يَتَطَهَّرْنَ بدليل قراءة التشديد ولو كان الأول في الدّم والثاني للماء لجاز بالأول ما لم يجز بالثاني، إذ لا يقال : لا تقم حتى يأتي زيد، فإذا أتى عمرو فافعله(٢٣).
وقال ابن عبد البر(٢٤) في الاستذكار : الحجة للمشهور أنهم جعلوها كالحيض في العدة فأوجبوا لزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل بالماء فإن قيل : الله تعالى قال :« حتى يَطْهُرْنَ ». وَحَتَّى غاية لما بعدها بخلاف ما قبلها ؟
فالجواب : بأنه قد يقع التّحريم بشيء آخر ولا يزول بزواله لعله أخرى ( تخلفه )(٢٥) كقوله تعالى في المبتوته :﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾(٢٦)
وليس بنكاح الزوج تحل له حتى يطلقها الزوج وتعتد منه. انتهى.
قلت : ونقل صاحبنا الفقيه أبو عبد الله أحمد بن علي بن ميمون النّجار عن بعضهم أنه تعقب على ابن رشد بأن التطهير بالماء يستلزم الطّهر من الدم فصار كقوله : لا تفعل كذا حتى يأتي زيد فإذا دخل عندك زيد فافعله. لأن دخوله مستلزم لإتيانه. وهذا الكلام جائز بلا شك وذكرته لشيخنا ابن عرفة فاستحسنه وأجاب عن كلام ابن عبد البر بأنّ ( المبتوتة )(٢٧) خرجت بالإجماع لإجماعهم على أنها لا تحل للأول حتى يطلقها الثاني ومسألتنا فيها ( الخلاف )(٢٨).
قلت : وبين الأصوليين خلاف في لزوم عكس العلة الشرعية، وأشار إليه ابن بشير في النكاح الأول، وكلام ابن عبد البر مبني على عدم انعكاسها.
قوله تعالى :﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين. . .﴾.
التَّشديد لتكثير التَّوبة ودوامها، فقد تكون توبة واحدة لكنّها دائمة فمن يذكر المعصية ويندم عليها تائب، ومن يذكرها ويتشوّق لعودته إليها غير تائب لأنه مصر عليها، وتارة يقف ولا يندم ولا يتشوّق إلى العودة، واختلفوا هل تجب التوبة في كل زمن هو فيه ذاكر للمعصية، أم لا تجب على قولين ؟
١ - قال البسيلي في تفسير قوله تعالى:
﴿ويسألونك عن المحيض﴾: ظاهره وقوع السؤال من جماعة.
وقال ابن عطية: السائل واحد فكيف يفهم مع الآية إلا أن يقال المباشر بالسؤال واحد وغيره سأل ولم يباشر بالسؤال فيكون على هذا من باب إطلاق اللفظ واستعماله في حقيقته ومجازه.
الزمخشري: إن قلت ما بال "يسألونك" قد جاء بغير واو ثلاث مرات مع أن الواو ثلاثا؟ فأجاب بأن سؤالهم عن تلك الحوادث: الأول وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف عطف لأن كل واحد من تلك السؤالاتسؤال مبتدأ ويسألون عن الحوادث الأخرى في وقت واحد فجيء بحرف العطف لذلك كأنه قيل: "يجمعون لك من السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن الإنفاق والسؤال عن كذا وكذا.
وهذا بناء منه على أن الواو تفيد الجمع في الزمان وعدم المهلة وهوخلاف قول المحققين، ومذهب المحققين أنها تفيد الاشتراك في الفعل ولا يقتضي إثبات المهلة ولا نفيها ولا إثبات الترتيب ولا نفيه بخلاف الفاء فإنها صريحة في الترتيب و (ثم) صريحة في المهلة.
قال ابن هشام: الواو العاطفة معناها مطلق الجمع فتعطف الشيء على صاحبه، نحو:﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة﴾ وعلى سابقه نحو ﴿ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم﴾. وعلى لاحقه نحو ﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك﴾.
وقد اجتمع هذان في ﴿ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم﴾ فعلى هذا إن قيل: قام زيد احتمل ثلاثة معان:
قال مالك: وكونها للمعية راجح وللترتيب كثير ولحكمه قليل. ويجوز أن يكون بين متعاطفيها تقارب أو تراخ نحو ﴿إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ فإن الرد بعد الإلقاء في اليم والإرسال على أربعين سنة.
وقول بعضهم: إن معناها الجمع المطلق غير سديد لتقييد الجمع بقيد الإطلاق وإنما هي للجمع لا بقيد. وقال السيرافي: "إن النحويين واللغويين أجمعوا على أنها لا تفيد الترتيب". وهذا مردود، بل قال بإفادتها إياه: قطرب والربعي والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي. ونقل الإمام في البرهان عن بعض الحنفية أنها للمعية..

٢ - د: الشجرة..
٣ - أ ب ج: دم..
٤ - أ ب ج: اقتباس..
٥ - د: الشجرة..
٦ - جاء في لسان العرب: يقال حاضت السمرة تحيض حيضا وهي شجرة يسيل منها شيء كالدم. ١/٧٧٠..
٧ - د: السمرة..
٨ - قال البسيلي في تفسير قوله تعالى:
﴿قل هو أذى﴾: استدل به ابن سرور على أن أقل الحيض لا حد له خلافا لمن ذهب إلى أن أقله ثلاثة أيام وهم الكوفيون أو يوم وليلة وهو الشافعي.
الطبري قال: ووجه الدليل من الآية من ثلاثة أوجه:
الأول أنهم اقتصروا في جوابهم عن سؤالهم على الإخبار بأنه (أذى) ومن شرط الجواب أن يكون مطابقا للسؤال وذلك أنه يقتضي أن يكون كل أذى حيض لأنهم سألوا عن المحيض فأخبروا بأنه أذى، والأذى يطلق على القليل والكثير فلولا أن يسيره حيض لما صح الجواب، وهذا الوجه الذي ذكر ضعيف لأنه لا يلزم مطابقة الجواب للسؤال من جميع الوجوه.
قال الوجه الثاني: أنه تعالى أمرنا باعتزالهن في حال الحيض وعلق الأمر باعتزالهن على شرط وجوده فلابد من أن يكون لنا ما نعلم به كونهن حيضا ليصح منا امتثال الأمر بالاعتزال ويكون ذلك قبل تقضي وقته فلو كان محدودا بثلاثة أيام لما علمت في ابتدائه به هل يدوم ثلاثة أيام فيكون حيضا مانعا من الصلاة أو أقل فلا يمنع فيؤدي إلى تكليف ما لا يطاق.
أما إذا قلنا: أول دم تراه ولو دفعة فهو حيض أمكن اعتزالهن وسقوط التكليف عنهن.
- الثالث: أن السؤال وقع عن الحيض والحيض هو السيلان فأول دم تراه يتناوله الاسم لصدق السيلان عليه..

٩ - سورة آل عمران الآية: ١١١..
١٠ - د: نقص..
١١ - ج: نقص..
١٢ - ب ج د هـ: نقص..
١٣ - ج: كان..
١٤ - قال البسيلي في تفسير قوله تعالى:
﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن﴾: أجاز ابن بكير والعراقيون وطء الحائض إذا طهرت ولم تغتسل.
قال ابن يونس: واستدل بثلاثة أوجه:
- الأول: قوله ﴿حتى يطهرن﴾ فعلق المنع بغاية ومن شرط الغاية أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها.
- الثاني: أن الحكم إذا تعلق بعلة وجب زواله بزوالها والعلة هنا وجود الدم فوجب أن يجوز الوطء إذا ارتفع.
- الثالث: أن الحيض قد زال ولم يبق إلا الغسل فوجب أن يجوز وطؤها كالجنب.
قال ابن بكير: ورواية أشهب عن مالك في العتبية من أنه لا يجبر زوجته النصرانية إذا طهرت على الغسل من الحيض يدل على أنه يجوز له الوطء قبل الغسل.
ورده ابن رشد، والظاهر من مذهب مالك أن وطأها إذا طهرت من الدم ولم تغتسل ممنوع لا مكروه بدليل قوله تعالى:﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ لأن المعنى حتى يطهرن بالماء ﴿فإذا تطهرن﴾ قرئ ﴿حتى يطهرن﴾ بالتشديد وهي القراءة المختارة لأن المعنى يدل على أن الطهر الأول هو الثاني إما من الدم أو بالماء، ومن حملها جميعا على أن المراد بهما التطهير بالماء إذ هو الأظهر من التفعل إذ يراد به الاغتسال بالماء، لم يجز وطء الحائض حتى تغتسل.
ومن قال: المراد بهما الطهر من الدم إذ قد يعبر عن الطهر من الدم باتطهير كما يقال: تكسر الحجر، وتبرد الماء، أجاز الوطء من غير اغتسال وهو الأظهر في المعنى والقياس لأن العلة في المنع وجود الدم بدليل قوله: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ فإذا ارتفعت العلة بزواله جاز الوطء.
وأما قول من قال: إن معنى قوله: ﴿حتى يطهرن﴾ أي من الدم فإذا تطهرن أي بالماء فبعيد لأن الله أباح وطأهن إذا تطهرن بقوله:﴿حتى يطهرن﴾ ثم بين الوطء الذي أباحه إذا تطهرن بقوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ أي على الوجه الذي أذن الله فيه، فلو كان الطهر الأول من الدم، والثاني بالماء لجاز بالأول ما لم يجز بالثاني لأنه أطلق الأول بقوله:﴿فلا تقربوهن حتى يطهرن﴾.
وقيد الثاني بقوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾. وهذا ما لا يصح أن يقال ولا يستقيم في الكلام ان تقول: لا تفعل كذا حتى يكون كذا فإذا كان كذا لشيء آخر فافعله.
هذا الكلام غير صحيح لأنا نقول: وسؤالك لا يجوز أن يقال: لا تكرم زيدا حتى ياتي خالد، فإذا أتى عمرو فأكرمه، لا يتناول محل النزاع لأن قوله ﴿فإذا تطهرن﴾ المراد به الاغتسال وهو ملزوم لارتفاع الدم وإنما نظيره قولنا: لا تكرم زيدا حتى يأتي عمرو فإذا دخل عندك عمرو فأكرمه أو إذا أتاك خالد أو عمرو فأكرمه.
وقال جابر الباجي: قال مالك والشافعي وجمهور الفقهاء: لا يجوز وطؤها حتى تغتسل سواء انقطع دمها لأكثر أمد الحيض أو أقله.
وقال ابن بكير: الإمساك عنها استحسان وقال أبو حنيفة: إن انقطع الدم لأكثر أمد الحيض وهو عشرة أيام عنده جاز أن يطأها قبل أن تغتسل وإن انقطع قبل لم يجز له وطؤها حتى تغتسل أو يحكم بطهرها لمجيء آخر وقت الصلاة، يريد لأنها إذا مضى عليها وقت صلاة تكون طاهرة باعتبار الحكم لأنها مكلفة بالاغتسال.
قال ابن عبد البر: وهذا الحكم لا وجه له وقد حكموا للحائض بعد انقطاع بحكم الحائض في العدة وقالوا لزوجها: عليها الرجعة ما لم تغتسل.
قال: فإن قيل قال الله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾. وحتى غاية، فما بعدها بخلافها؟ قيل: لأن في قوله تعالى:﴿فإذا تطهرن﴾ دليلا على المنع حتى يطهرن بالماء لأن ﴿تطهرن﴾ كقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ يريد الاغتسال بالماء.
وقد يقع التحريم لشيء ولا يزول لعلة أخرى كقوله عز وجل في المبتوتة ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾. وليس بنكاح الزوج يحل له بل حتى يطلقها الزوج وتعتد منه. يقال له: المبتوتة خرجت بالإجماع إذ أجمعوا على أنها لا تحل بنفس الدخول بل حتى يطلقها الزوج وتعتد منه، ولم يخالف أحد في ذلك وأمر به الشارع، وأما هذا فلا إجماع فيه الخلاف موجود فلا دليل لك فيه.
وقال بعض البيانيين: في الآية حذف التقابل حذف من الأول لدلالة الثاني، ومن الثاني لدلالة الأول والتقدير: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ ويتطهرن فإذا طهرن وتطهرن.
قال ابن يونس: قال غير واحد من البغدايين: علق تعالى جواز الوطء بالطهارة التي هي انقطاع الدم والتطهر الذي هو الغسل فلا يجوز إباحة وطئها إلا بعد حصول الشرطين، ثم إنه سبحانه وتعالى أثنى على فاعل هذه الطهارة فقال: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ والثناء لا يقع إلا على فعل يصدر من جهة المكلف وانقطاع الدم ليس من فعل المرأة إذ ليست قادرة على كفه فلا يكون الثناء إلا على الاغتسال بالماء.
قال ابن العربي: فإن قيل المراد حتى ينقطع دمهن وقد يستعمل التشديد موضع التخفيف فيقال: تطهر بمعنى طهر وقطع بمعنى قطع ولا يفتقر إلى إضماره وأنتم تفتقرون أن تقولوا: إن التقدير يطهرن بالماء؟
قلنا لا يقال: اطهرت بمعنى انقطع دمها، وإنما التشديد تكثير التخفيف. وأيضا فالظاهر أن ما بعد الغاية هو المذكور قبلها فيكون "يطهرن" مخففا بمعنى المشدد وجمع بين اللغتين كما قال: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين﴾.
فإن قيل إن ﴿فإذا تطهرن﴾ ابتداء كلام لأنه لو كان بمعنى الأول لاكتفى بالأول عنه فقال: ﴿حتى يطهرن فأتوهن﴾ – فأجاب بأوجه:
-أحدها: أن المعاد في الشرط هو المذكور في الغاية بدليل إثباته بالفاء، ولو كان غيره لذكره بالواو، وأما الزيادة فلا تخرجه عن أن يكون هو بعينه ألا ترى أنك تقول: لا تعط هذا الثوب زيدا حتى يدخل الدار فإذا دخل فأعطه ثوبا ومائة درهم، ولو كان غيره لقلت: فإذا دخل وجلس فافعل كذا وكذا.
- الثاني: أنه على الحكم بقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ على انقطاع الدم والاغتسال بالماء فصار كقوله: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ فعلق دفع المال على البلوغ وإيناس الرشد وكذلك قوله في المطلقة: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ – ثم جاءت السنة باشتراط الوطء. فإن قيل: فعلى هذا انفصل التحريم إلى غاية، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها فأجيزوا بعد انقطاع الدم ليثبت حكم الغاية؟
قلنة: إنما تخالف ما بعدها ما قبلها إذا كانت مطلقة، أما إذا ضم إليها شرط آخر فإن الحكم يرتبط به كقوله: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾.
فإن قيل: إنما هذا إعادة لما تقدم وليس بتجديد شرط كقولك: لا تعط زيدا شيئا حتى يدخل الدار، فإذا دخل فأعطه؟ فالجواب إن (تطهر) لا يقال إلا فيما يكسبه الإنسان وانقطاع الدم غير مكتسب.
فإن قيل: يقال "تقطع الحبل" ويقال في صفات الله "تجبر وتكبر" وليس فيه اكتساب ولا تكلف؟ فالجواب أن يكون نادرا ما سلمناه، لكن لا يقال تطهرت بمعنى انقطع دمها وإنما حملناه في تقطع الحبل على المجاز إذ لا مفر منه لأن الجامادات لا توصف بالاكتساب وهنا عنه مندوحة وهي حمله على الحقيقة وأن المراد به الاغتسال بالماء وأيضا فإنه مدحهن بقوله: ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾.
﴿من حيث أمركم الله﴾: فجرى فيه الخلاف الذي في لفظ أمر – هل هو للوجوب أم لمطلق الترجيح المحتمل للوجوب والندب..

١٥ - هو الحافظ يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي بالولاء محدث فقيه أخذ عن مالك. له الشروط والسجلات – كحالة ١٣/٢٠٨..
١٦ - وذكر الأبي في إكمال إكمال المعلم قولا ثالثا فقال: ولابن بكير قول ثالث بالكراهة ٢/٧٥..
١٧ - انظر أحكام القرآن لابن العربي ١/٧٣ وما بعدها ط أولى١٣٣١هـ مطبعة السعادة مصر..
١٨ - انظر كتاب حجة القراءات ص١٢٤ لأبي زرعة عبد الرحمان بن محمد بن زنجلة تحقيق سعيد أفغاني منشورات جامعة بنغازي ١٩٧٤.
- وانظر كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد ص١٨٢. وكتاب التيسير في القراءات السبعة لأبي عمرو الداني: ص٨٠..

١٩ - هو أبو بكر عاصم بن بهدلة أبي النجود احد القراء السبعة وهو الإمام الذي انتهت إليه رئاسة الإقراء بالموفة بعد أبي عبد الرحمان السلمي توفي في آخر سنة١٢٧هـ ٦ انظر كتاب السبعة في القراءات ص٧٠-.
٢٠ - سورة البقرة الآية: ١٧١..
٢١ - البيت من البحر الطويل..
٢٢ - البيت من البحر الطويل أيضا..
٢٣ - قال ابن رشد: والظاهر من مذهب مالك أن وطء المرأة إذا طهرت من الدم قبل أن تغتسل بالماء محظور لا مكروه بدليل قول الله عز وجل:﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ لأن المعنى في ذلك عنده والله أعلم: ولا تقربوهن حتى يطهرن بالماء، فإذا تطهرن به، إذا قرئ حتى "يطهرن" بتشديد الطاء والهاء، وهي القراءة المختارة لأن المعنى يدل على أن الطهر الأول هو الثاني إما من الدم وإما بالماء. البيان والتحصيل باب الوضوء الأول ٢٣و ظ. مخطوط دار الكتب الوطنية ١٢١٠١..
٢٤ - يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي، محدث، مؤرخ، فقيه. من تصانيفه الاستيعاب، والاستذكار لمذاهب أيمة الأمصار فيما تضمنه الموطأ من المعاني والآثار توفي سنة٤٦٣هـ. كشف الظنون٧٨، معجم المؤلفين. كحالة ١٣/٣١٣..
٢٥ - د: تخلف – هـ: تختله..
٢٦ - سورة البقرة – الآية. ٢٣٠..
٢٧ - أ: المثوبة..
٢٨ - أ ج: نقص..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى