محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ٢٢٢﴾.
﴿ويسألونك عن المحيض﴾ وهو الدم الخارج من الرحم على وجه مخصوص في وقت مخصوص. ويسمى الحيض أيضا. أي : هل يسبب ويقتضي مجانبة مس من رأته ؟ ﴿قل هو أذى﴾ أي : الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه، نفرة منه وكراهة له. ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ أي : فاجتنبوا مجامعتهن في زمنه.
قال الراغب : في قوله تعالى :﴿هو أذى﴾ تنبيه على أن العقل يقتضي تجنبه، كأنه قيل : الحيض أذى وكل أذى متحاشى منه. ولما كان الإنسان قد يتحمل الأذى ولا يراه محرما، صرح بتحريمه بقوله :﴿فاعتزلوا النساء﴾.
وروى الإمام أحمد ومسلم(١) عن ثابت عن أنس رضي الله عنه :( أن اليهود كانوا إذا حاضت / المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت. فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله عز وجل ﴿يسألونك عن المحيض قل هو أذى...﴾ إلى آخر الآية. فقال رسول الله ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ! فجاء أسيد بن حضير وعبّاد بن بشر فقالا : يا رسول الله ! إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهن ؟ فتغيّر وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما. فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما ).
﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ تأكيد لحكم الاعتزال، وتنبيه على أن المراد به عدم قربانهنّ، لا عدم القرب منهن، وكنى بقربانهنّ، المنهيّ عنه، عن مباضعتهنّ. فدل على جواز التمتع بهن حينئذ فيما دون الفرج.
( ففي الصحيحين ) (٢) عن عائشة رضي الله عنها قالت :( كنت أرجّل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض ).
وفيهما(٣) عنها أيضا قالت :( كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن ).
وروى مسلم(٤) عنها أيضا قالت :( كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ / فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب. وأتعرّق العَرْق وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ ).
وفي ( الصحيحين ) (٥) واللفظ لمسلم عن ميمونة قالت :( كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيّض ).
وفي لفظ له :( كان يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب ).
وقوله تعالى :﴿حتى يطهرن﴾ بيان لغاية الاعتزال. وقد قرئ في السبع : بفتح الطاء والهاء مع التشديد، وبسكون الطاء وضم الهاء مخففة. والقراءة الأولى تدل صريحا على أن غاية حرمة القربان هو الاغتسال، كما ينبئ عنه قوله تعالى :﴿فإذا تطهرن...﴾ إلخ. والقراءة الثانية وإن دلت على أن الغاية هو انقطاع الدم بناء على ما قيل : إن الطهر انقطاع الدم، والتطهر الاغتسال إلا أنه لما ضم إليها قوله تعالى :﴿فإذا تطهّرن﴾ صار المجموع هو الغاية ؛ وذلك بمنزلة أن يقول الرجل : لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار، فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلّمه ! فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامه بالأمرين جميعا. وكذلك الآية لما دلت على وجوب الأمرين وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة إلا عند حصول الأمرين، فمرجع القراءتين واحد، كما بينا.
وقد روى مسلم(٦) عن عائشة :( أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض ؟ فقال :/ تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرصة ممسكة فتطهر بها والفِرصة بالكسر : قطعة من صوف أو قطن أو غيره تتبع بها أثر الدم ).
ثم آذن تعالى أن التطهر شرط في إباحة قربانهن، لا يصح بدونه، بقوله سبحانه :﴿فإذ تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ أي : فجامعوهن من المكان الذي أمركم الله بتجنّبه في الحيض وهو القُبُل ولا تتعدّوه إلى غيره. ﴿إن الله يحب الثوابين﴾ من الذنوب ﴿ويحب المتطهرين﴾ أي : المتنزّهين عن الفواحش والأقذار. كمجامعة الحائض والإتيان في غير المأتى. وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها بارتكاب بعض الناس لما نهوا عنه وتكرير الفعل لمزيد من العناية بأمر التطهّر.
١ أخرجه مسلم في: ٣ ـ كتاب الحيض، حديث ١٦ (طبعتنا)..
٢ أخرجه البخاري في: ٦ ـ كتاب الحيض، ٢ ـ باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، حديث ٢١٠.
ومسلم في: ٣ ـ كتاب الحيض، حديث ١٠ (طبعتنا)..

٣ أخرجه البخاري في: ٦ ـ كتاب الحيض، ٣ ـ باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض، حديث ٢١١.
ومسلم في: ٣ – كتاب الحيض حديث ١٥ (طبعتنا)..

٤ أخرجه مسلم في: ٣ ـ كتاب الحيض، حديث ١٤ (طبعتنا)..
٥ أخرجه البخاري في: ٦ ـ كتاب الحيض، ٥ ـ باب مباشرة الحائض، حديث ٢١٤ ومسلم في: ٣ ـ كتاب الحيض، حديث ٣ (طبعتنا)..
٦ أخرجه مسلم في: ٣ ـ كتاب الحيض، حديث ٦١ (طبعتنا).
وتمام الحديث: فقالت أسماء: (وكيف نطهَّر بها؟ فقال: سبحان الله! تطهّرين بها فقالت عائشة (كأنها تخفي ذلك): تتبعين أثر الدم.
وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تأخذ ماء فتطّهّر، فتحسن الطهور. أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه. حتى تبلغ شؤون رأسها. ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار! لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى