جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنّىَ شِئْتُمْ وَقَدّمُواْ لأنْفُسِكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوَاْ أَنّكُمْ مّلاَقُوهُ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك : نساؤكم مزدرع أولادكم، فأتوا مزدرعكم كيف شئتم، وأين شئتم. وإنما عنى بالحرث المزدَرَع، والحرث هو الزرع، ولكنهن لما كنّ من أسباب الحرث جعلن حرثا، إذ كان مفهوما معنى الكلام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال : حدثنا ابن المبارك، عن يونس، عن عكرمة، عن ابن عباس : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ قال : منبت الولد.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أما الحرث فهي مزرعة يحرث فيها.
القول في تأويل قوله تعالى : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ.
يعني تعالى ذكره بذلك : فانكحوا مزدرع أولادكم من حيث شئتم من وجوه المأتى. والإتيان في هذا الموضع كناية عن اسم الجماع.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : أنّى شِئْتُمْ فقال بعضهم : معنى أنّى : كيف. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن عطية، قال : حدثنا شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ قال : يأتيها كيف شاء ما لم يكن يأتيها في دبرها أو في الحيض.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ قال : ائتها أنى شئت مقبلة ومدبرة، ما لم تأتها في الدبر والمحيض.
حدثنا عليّ بن داود قال : حدثنا أبو صالح. قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ يعني بالحرث : الفرج، يقول : تأتيه كيف شئت مستقبلة ومستدبرة وعلى أيّ ذلك أردت بعد أن لا تجاوز الفرج إلى غيره، وهو قوله : فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللّهُ.
٣حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ قال : يأتيها كيف شاء ما لم يعمل عمل قوم لوط.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا الحسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ قال : يأتيها كيف شاء، واتّق الدبر والحيض.
حدثني عبيد الله بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، قال : ثني يزيد أن ابن كعب كان يقول : إنما قوله : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ يقول : ائتها مضطجعة وقائمة ومنحرفة ومقبلة ومدبرة كيف شئت إذا كان في قُبُلها.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن مرة الهمداني، قال : سمعته يحدّث أن رجلاً من اليهود لقي رجلاً من المسلمين، فقال له : أيأتي أحدكم أهله باركا ؟ قال : نعم. قال : فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، قال : فنزلت هذه الآية : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ يقول : كيف شاء بعد أن يكون في الفرج.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ إن شئت قائما أو قاعدا أو على جنب إذا كان يأتيها من الوجه الذي يأتي منه المحيض، ولا يتعدّى ذلك إلى غيره.
حدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ ائت حرثك كيف شئت من قبلها، ولا تأتيها في دبرها. أنّى شِئْتُمْ قال : كيف شئتم.
٣حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرنا عمرو بن الحرث، عن سعيد بن أبي هلال أن عبد الله بن عليّ حدثه : أنه بلغه أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ جلسوا يوما ورجل من اليهود قريب منهم، فجعل بعضهم يقول : إني لاَتي امرأتي وهي مضطجعة، ويقول الآخر : إني لاَتيها وهي قائمة، ويقول الاَخر : إني لاَتيها على جنبها وباركة فقال اليهودي : ما أنتم إلا أمثال البهائم، ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة. فأنزل الله تعالى ذكره : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فهو القبل.
وقال آخرون : معنى : أنّى شِئْتُمْ من حيث شئتم، وأيّ وجه أحببتم. ذكر من قال ذلك :
٣حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال : حدثنا ابن أبي فديك، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس : أنه كان يكره أن تؤتى المرأة في دبرها ويقول : إنما الحرث من القبل الذي يكون منه النسل والحيض. وينهى عن إتيان المرأة في دبرها ويقول : إنما نزلت هذه الآية : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ يقول : من أيّ وجه شئتم.
٣حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا ابن واضح، قال : حدثنا العتكي، عن عكرمة : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ قال : ظهرها لبطنها غير معاجَزَة، يعني الدبر.
٣حدثنا عبيد الله بن سعد، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن يزيد، عن الحرث بن كعب، عن محمد بن كعب، قال : إن ابن عباس كان يقول : اسق نباتك من حيث نباته.
٣حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ يقول : من أين شئتم. ذكر لنا والله أعلم أن اليهود قالوا : إن العرب يأتون النساء من قبل أعجازهنّ، فإذا فعلوا ذلك جاء الولد أحول فأكذب الله أحدوثتهم، فقال : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال : يقول : ائتوا النساء في ( غير ) أدبارهن على كل نحو. قال ابن جريج : سمعت عطاء بن أبي رباح قال : تذاكرنا هذا عند ابن عباس، فقال ابن عباس : ائتوهن من حيث شئتم مقبلة ومدبرة فقال رجل : كأن هذا حلال. فأنكر عطاء أن يكون هذا هكذا، وأنكره، كأنه إنما يريد الفرج مقبلة ومدبرة في الفرج.
وقال آخرون : معنى قوله : أنّى شِئْتُمْ متى شئتم. ذكر من قال ذلك :
حدثت عن حسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ يقول : متى شئتم.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثنا أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، وهو عمار الدهني، عن سعيد بن جبير أنه قال : بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس، أتاه رجل فوقف على رأسه، فقال : يا أبا العباس أو يا أبا الفضل ألا تشفيني عن آية المحيض ؟ فقال : بلى فقرأ : وَيَسألُونَكَ عَنِ المَحِيض حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس : من حيث جاء الدم من ثَمّ أمرت أن تأتي، فقال له الرجل : يا أبا الفضل كيف بالآية التي تتبعها : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ ؟ فقال : إي ويحك وفي الدبر من حرث ؟ لو كان ما تقول حقا لكان المحيض منسوخا إذا اشتغل من ههنا جئت من ههنا ولكن أنى شئتم من الليل والنهار.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أين شئتم، وحيث شئتم. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا ابن عون، عن نافع، قال : كان ابن عمر إذا قرىء القرآن لم يتكلم. قال : فقرأت ذات يوم هذه الآية : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ فقال : أتدري فيمن نزلت هذه الآية ؟ قلت : لا. قال : نزلت في إتيان النساء في أدبارهن.
حدثني إبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مسلم، قال : حدثنا أبو عمر الضرير، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، صاحب الكراب يسي، عن ابن عون، عن نافع، قال : كنت أمسك على ابن عمر المصحف، إذ تلا هذه الآية : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ فقال : أن يأتيها في دبرها.
٣٤٦٥حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا عبد الملك بن مسلمة، قال : حدثنا الدراورديّ، قال : قيل لزيد بن أسلم : إن محمد بن المنكدر ينهى عن إتيان النساء في أدبارهن فقال زيد : أشهد على محمد لأخبرني أنه يفعله.
حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر، قال : ثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس، أنه قيل له : يا أبا عبد الله إن الناس يروون عن سالم :«كذب العبد أو العلج على أبي »، فقال مالك : أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له : إن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر، فقال له : يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري، فنحمّض لهن ؟ فقال : وما التحميض ؟ قال : الدبر فقال ابن عمر : أف أف، يفعل ذلك مؤمن ؟ أو قال مسلم. فقال مالك : أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع.
٣حدثني محمد بن إسحاق، قال : أخبرنا عمرو بن طارق، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب، عن موسى بن أيوب الغافقي، قال : قلت لأبي ماجد الزيادي : إن نافعا يحدّث عن ابن عمر : في دبر المرأة فقال : كذب نافع، صحبت ابن عمر ونافع مملوك، فسمعته يقول : ما نظرت إلى فرج امرأتي منذ كذا وكذا.
٣حدثني أبو قلابة قال : حدثنا عبد الصمد، قال : ثني أبي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ قال : في الدبر.
٣حدثني أبو مسلم، قال : حدثنا أبو عمر الضرير، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا روح بن القاسم، عن قتادة قال : سئل أبو الدرداء عن إتيان النساء في أدبارهنّ، فقال : هل يفعل ذلك إلا كافر قال : روح : فشهدت ابن أبي مليكة يسأل عن ذلك، فقال : قد أردته من جارية لي البارحة فاعتاص عليّ، فاستعنت بدهن أو بشحم. قال : فقلت له : سبحان الله أخبرنا قتادة أن أبا الدرداء قال : هل يفعل ذلك إلا كافر فقال : لعنك الله ولعن قتادة فقلت : لا أحدّث عنك شيئا أبدا، ثم ندمت بعد ذلك.
واعتلّ قائلو هذه المقالة لقولهم بما :
٣حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : أخبرنا أبو بكر بن أبي أويس الأعشى، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر : أن رجلاً أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك، فأنزل الله : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ.
حدثني يونس، قال : أخبرني ابن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار : أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله ﷺ، فأنكر الناس ذلك وقالوا : أثفرها فأنزل الله تعالى ذكره : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ.
وقال آخرون : معنى ذلك : ائتوا حرثكم كيف شئتم، إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا. ذكر من قال ذلك :
حدث