البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
أنَّى : اسم ويستعمل شرطاً ظرف مكان، ويأتي ظرف زمان بمعنى : متى واستفهاماً بمعنى : كيف، وهي مبنية لتضمن معنى حرف الشرط، وحرف الإستفهام، وهو في موضع نصب لا يتصرف فيه بغير ذلك البتة.
﴿نساؤكم حرث لكم﴾ في البخاري ومسلم : أن اليهود كانت تقول في الذي يأتي امرأته من دبرها في قبلها إن الولد يكون أحول، فنزلت.
وقيل : سبب النزول كراهة نساء الانصار ذلك لما تزوجهم المهاجرون، وكانوا يفعلون ذلك بمكة، يتلذذون بالنساء مقبلات ومدبرات، روى معناه الحاكم في صحيحه، وقيل : سبب ذلك أن بعض الصحابة قال لرسول الله ﷺ : هلكت فقال :«وما الذي أهلك ؟ » قال : حولت رجلي الليله، فنزلت.
ومناسبتها لما قبلها ظاهرة، لأنه لما تقدّم ﴿فأتوهنّ من حيث أمركم الله﴾ وكان الإطلاق يقتضي تسويغ إتيانهنّ على سائر احوال الإتيان، أكد ذلك بأن نص بما يدل على سائر الكيفيات، وبين أيضاً المحل بجعله حرثاً وهو : القبل، والحرث كما تقدّم في قصة البقرة : شق الأرض للزرع، ثم سمى الزرع حرثاً
﴿أصابت حرث قوم﴾ وسمى الكسب حرثاً، قال الشاعر :
إذا أكل الجراد حروث قوم***
فحرثي همه أكل الجراد
قالوا : يريد فامرأتي، وأنشد أحمد بن يحي :
إنما الأرحام أرضو***
ن لنا محترثات
فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات***
وهذه الجملة جاءت بياناً وتوضيحاً لقوله :﴿فأتوهنّ من حيث أمركم الله﴾ وهو المكان الممنوع من استعماله وقت الحيض، ودل ذلك على أن الغرض الأصيل هو طلب النسل :«تناكحوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة »، لا قضاء الشهوة فقط، فأتوا النساء من المسلك الذي يتعلق به الغرض الأصلي، وهو القبل.
ونساؤكم : مبتدأ، وحرث لكم : خبر، إما على حذف أداة التشبيه، أي : كحرث لكم ويكون نساؤكم على حذف مضاف، أي : وطء نسائكم كالحرث لكم، شبه الجماع بالحرث، إذ النطفة كالبذر، والرحم كالأرض، والولد كالنبات، وقيل : هو على حذف مضاف أي : موضع حرث لكم، وهذه الكناية في النكاح من بديع كنايات القرآن، قالوا : وهو مثل قوله تعالى :﴿يأكل الطعام﴾ ومثل قوله :﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ على قول من فسره بالنساء، ويحتمل أن يكون : حرث لكم، بمعنى : محروثه لكم، فيكون من باب إطلاق المصدر، ويراد به اسم المفعول.
وفي لفظة : حرث لكم، دليل على أنه القبل لا الدبر ؟ قال الماتريدي : أي مزدرع لكم، وفيها دليل على النهي عن امتناع وطىء النساء، لأن المزدرع إذا ترك ضاع.
ودليل على إباحة الوطىء لطلب النسل والولد، لا لقضاء الشهوة.
انتهى كلامه.
وفرق الراغب بين الحرث والزرع، فقال : الحرث إلقاء البذر وتهيئة الأرض، والزرع مراعاته وإنباته، ولذلك قال تعالى ﴿أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ أثبت لهم الحرث ونفى عنهم الزرع.
﴿فأتوا حرثكم أنَّى شئتم﴾ الإتيان كناية عن الوطء، وجاء : حرث لكم، نكرة لأنه الأصل في الخبر، ولأنه كان المجهول، فأفادت نسبته إلى المبتدأ جواز الاستمتاع به شرعاً، وجاء : فأتوا حرثكم، معرفة لأن في الإضافة حوالة على شيء سبق، واختصاصاً بما أضيف إليه، ونظير ذلك أن تقول : زيد مملوك لك فأحسن إلى مملوكك.
وإذا تقدّمت نكرة، وأعدت اللفظ، فلا بد أن يكون معرفة : إما بالألف واللام، كقوله :﴿فعصى فرعون الرسول﴾ وإما بالإضافة كهذا.
وأنَّى : بمعنى : كيف بالنسبة إلى العزل، وترك العزل، قاله ابن المسيب، فتكون الكيفية مقصورة على هذين الحالين، أو بمعنى كيف على الإطلاق في أحوال المرأة، قاله عكرمة، والربيع، فتكون دلت على جواز الوطء للمرأة.
في أي حال شاءها الواطىء مقبلة ومدبرة، على أي شق، وقائمة ومضطجعة وغير ذلك من الأحوال، وذلك في مكان الحرث، أو : بمعنى متى ؟ قاله الضحاك، فيكون إذ ذاك ظرف زمان.
ويكون المعنى : قأتوا حرثكم في أي زمان أردتم.
وقال جماعة من المفسرين : أنَّى، بمعنى أي، والمعنى على أي صفة شئتم، فيكون على هذا تخييراً في الخلال والهيئة، أي : أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة، وقد وقع هذا مفسراً في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ قال :
« ذلك لا يبالي به بعد أن يكون في صمام واحد » والصمام رأس القارورة، ثم استعير.
وقالت فرقة : أنَّى، بمعنى : أين ؟ فجعلها مكاناً، واستدل بهذا على جواز نكاح المرأة في دبرها، وممن روي عنه إباحة ذلك : محمد بن المنكدر، وابن أبي ملكية، وعبد الله بن عمر، من الصحابة، ومالك، ووقع ذلك في العتبية.
وقد روي عن ابن عمر تكفير من فعل ذلك وإنكاره، وروي عن مالك إنكار ذلك، وسئل فقيل : يزعمون أنك تبيح إتيان النساء في أدبارهنّ ؟ فقال : معاذ الله، ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل :﴿نساؤكم حرث لكم﴾ وأنَّى يكون الحرث إلاَّ في موضع البذر ؟ ونقل مثل هذا عن الشافعي، وأبي حنيفة، ونقل جواز ذلك عن : نافع، وجعفر الصادق، وهو اختيار المرتضي من أئمة الشيعة، وذكر في ( المنتخب ) ما استدل به لهذا المذهب وما ورد به، فيطالع هناك، إذ كتابنا هذا ليس موضوعاً لذكر دلائل الفقه إلاَّ بمقدار ما يتعلق بالآية.
وقد روى تحريم ذلك عن رسول الله ﷺ اثنا عشر صحابياً بألفاظ مختلفة كلها تدل على التحريم، ذكرها أحمد في ( مسنده ) وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه ( تحريم المحل المكروه ).
قال ابن عطية : ولا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم، وقال أيضاً : أنى شئتم، معناه عند جمهور العلماء من : صحابة، وتابعين، وأئمة : من أي وجه شئتم، معناه : مقبلة ومدبرة على جنب، وأنَّى : إنما يجيء سؤالاً وإخباراً على أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من : كيف، ومن : أين، ومن : متى.
هذا هو الاستعمال العربي.
وقد فسر الناس أنَّى في هذه الآية بهذه الألفاظ، وفسرها سيبويه بكيف، ومن أين بإجتماعهما ؟ وقال النحويون : أنَّى، لتعميم الأحوال، وقد تأتي : أنى، بمعنى : متى، وبمعنى : أين، وتكون استفاماً وشرطاً، وجعلوها في الشرطية ظرف مكان فقط.
وإذا كان غالب مدلولها في اللغة أنها للاحوال، فلا حجة لمن تعلق بأنها تدل على تعميم مواضع الإتيان، فتكون بمعنى : أين قال الزمخشري وقوله :﴿فأتوا حرثكم انَّى شئتم﴾ تمثيل، أي فأتوهنّ كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها، من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، والمعنى : جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن يكون المأتى واحداً، وهو موضع الحرث.
وقوله :﴿هو أذى فاعتزلوا النساء﴾ ﴿من حيث أمركم الله﴾ ﴿فأتوا حرثكم أنَّى شئتم﴾ من الكنايات اللطيفة، والتعرضات المستحسنة، فهذه واشباهها في كلام الله تعالى آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها ويتأدبوا بها، ويتكلفوا مثلها في محاوراتهم ومكاتباتهم انتهى كلامه.
وهو حسن.
قالوا والعامل في : أنَّى فأتوا، وهذا الذي قالوه لا يصح، لأنا قد ذكرنا أنها تكون استفهاماً أو شرطاً، لا جائز أن تكون هنا شرطاً، لأنها إذ ذاك تكون ظرف مكان، فيكون ذلك مبيحاً لإتيان النساء في غير القبل، وقد ثبت تحريم ذلك عن رسول الله ﷺ، وعلى تقدير الشرطية يمتنع أن يعمل في الظرف الشرطي ما قبله، لأنه معمول لفعل الشرط، كما أن فعل الشرط معمول له، ولا جائز أن يكون استفاماً، لأنها إذا كانت استفهاماً اكتفت بما بعدها من فعل كقوله ﴿أنَّى يكون لي ولد﴾ ومن اسم كقوله :﴿أنَّى لك هذا﴾ ولا يفتقر إلى غير ذلك، وهنا يظهر افتقارها وتعلقها بما قبلها.
وعلى تقدير أن يكون استفهاماً لا يعمل فيها ما قبلها، وأنها تكون معمولة للفعل بعدها، فتبين على وجهي : أنَّى، أنها لا تكون معمولة لما قبلها، وهذا من المواضع المشكلة التي تحتاج إلى فكر ونظر.
والذي يظهر، والله أعلم، أنها تكون شرطاً لافتقارها إلى جملة غير الجملة التي بعدها، وتكون قد جعلت فيها الأحوال.
كجعل الظروف المكانية، وأجريت مجراها تشبيهاً للحال بالظرف المكاني، وقد جاء نظير ذلك في لفظ : كيف، خرج به عن الاستفهام إلى معنى الشرط في قولهم : كيف تكون أكون، وقال تعالى :﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ فلا يجوز أن تكون هنا استفهاماً، وإنما لحظ فيها معنى بالشرط وارتباط الجملة بالأخرى وجواب الجملة محذوف، ويدل عليه ما قبله، تقديره : أنى شئتم فأتوه، وكيف يشاء ينفق، كما حذف جواب الشرط في قولك : أضرب زيداً أنى لقيته، التقدير أنى لقيته فاضربه.
فان قلت : قد أخرجت : أنَّى، عن الظرفية الحقيقية وأبقيتها لتعميم الأحوال مثل : كيف، وجعلتها مقتضية لجملة أخرى كجملة الشرط، فهل الفعل الماضي الذي هو : شئتم، في موضع جزم كحالها إذا كانت ظرفاً ؟ أم هو في موضع رفع كهو بعد : كيف، في قولهم : كيف تصنع أصنع ؟.
فالجواب أنه يحتمل الأمرين، لكن يرجح أن تكون في موضع جزم لأنه قد استقر الجزم بها إذا كانت ظرفاً صريحاً، غاية ما في ذلك تشبيه الأحوال بالظروف، وبينهما علاقة واضحة، إذ كل منهما على معنى : في، بخلاف : كيف، فإنه لم يستقر فيها الجزم ومن أجاز الجزم بها، فإنما قاله بالقياس، والمحفوظ عن العرب الرفع في الفعل بعدها، حيث يقتضي جملة أخرى.
﴿وقدّموا لأنفسكم﴾ مفعول قدّموا محذوف، فقيل : التقدير ذكر الله عند القربان، أو : طلب الولد والإفراط شفعاء، قاله ابن عباس، أو : الخير، قاله السدي، أو : قدم صدق، قاله ابن كيسان، أو : الأجر في تجنب ما نهيتم وامتثال ما أمرتم به، قاله ابن عطية، أو : ذكر الله على الجماع، كما قال النبي ﷺ :
« لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال : اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضى بينهما ولد لم يضره » أو التسمية على الوطىء، حكاه الزمخشري.
أو : ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة، وهو خلاف ما نهيتكم عنه، قاله الزمخشري، وهو قول مركب من قول : من قبله.
والذي يظهر أن المعنى : وقدّموا لأنفسكم طاعة الله، وامتثاله ما أمر، واجتناب ما نهى عنه لأنه تقدّم أمر ونهي، وهو الخير الذي ذكره في قوله :﴿وما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾ ولذلك جاء بعده ﴿واتقوا الله﴾ أي : اتقو الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وهو تحذير لهم من المخالفة، ولأن العظيم الذي تقدّم يحتاج إلى أن يقدّم معك ما تقدّم به عليه مما لا تفتضح به عنده، وهو العمل الصالح.
﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾ الظاهر أن الضمير المجرور في : ملاقوه، عائد على الله تعالى، وتكون على حذف مضاف، أي : ملاقو جزائه على أفعالكم، ويجوز أن يعود على المفعول المحذوف الذي لقوله : وقدّموا، أي : واعلموا أنكم ملاقو ما قدّمتم من الخير والطاعة، وهو على حذف مضاف أيضاً، أي : ملاقو جزائه، ويجوز أن يعود على الجزاء الدال عليه معمول قدموا المحذوف، وفي ذلك رد على من ينكر البعث والحساب والمعاد، سواء عاد على الله تعالى أو على معمول قدّموا، أو على الجزاء.
﴿وبشر المؤمنين﴾ أي : بحسن العاقب
وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة إخبار الله تعالى عن المؤمنين أنهم يسألون رسول الله ﷺ عن الخمر والميسر، فوقع ما أخبر به تعالى، وأمر نبيه أن يخبر من سأله عنهما بأنهما قد اشتملا على إثم كبير، فكان هذا الإخبار مدعاة لتركهما، ودل ذلك على تحريمهما، والمعنى أنه يحصل بشرب الخمر واللعب بالميسر إثم، وما اكتفى بمطلق الإثم حتى وصفه بالكبر في قراءة، وبالكثرة في قراءة، وقد قال تعالى في المحرمات :﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم﴾ ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنتهون عنه﴾ ﴿إنه كان حوبا كبيراً﴾ فحيث وصف الإثم بالكبير، وكان من أعظم الآثام وأوغلها في التحريم، وأخبر أيضاً أن فيهما منافع للناس، من : أخذ الأموال بالتجارة في الخمر، وبالقمر في الميسر، وغير ذلك، لأنه ما من شيء حرم إلاَّ فيه منفعة بوجه ما، خصوصاً ما كان الطبع مائلاً إليه، أو كان الشخص ناشئاً عليه بالطبع.
ثم أخبر تعالى أن ضرر الإثم الذي هو جالب إلى النار، أعظم من النفع المنقضي بانقضاء وقته، ليرشد العاقل إلى تجنب ما عذابه دائم ونفعه زائل.
ثم أخبر تعالى أنهم يسألونه عن الشيء الذي ينفقونه ؟ فأجيبوا بأن ينفقوا ما سهل عليهم إنفاقه، ويشير ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ثم ذكر تعالى أنه يبين للمؤمنين الآيات بياناً مثل ما بين في أمر الخمر، والميسر، وما ينفقون.
ثم ذكر أنه بهذا البيان يحصل الرجاء في تفكر حال الدنيا والآخرة، فإذا فكر فيهما يرجح بالفكر إيثار الآخرة على الدنيا.
ثم استطرد من هذين السؤالين إلى السؤال عن أمر اليتامى، وما كلفوا في شأنهم، إذ كان اليتامى لا ينهضون بالنظر في أحوال أنفسهم، ولصغرهم ونقص عقولهم، فأجيبوا بأن إصلاحهم خير من إهمالهم للمصلح بتحصيل الثواب وللمصلح بتأديبه وتعليمه وتنمية ماله :«أمتي كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً».
ثم أخبر أن مخالطتهم مطلوبة لأنهم إخوانكم في الإسلام، فالإخوة موجبة للنظر في حال الأخ.
وأبرز الطلب في صورة شرطية، وأتى الجواب بما يقتضى الخلطة، وهو كونهم إخوانكم.
ولما أمر بالإصلاح لليتامى، ذكر أنه تعالى يعلم المفسد من المصلح، ليحذر من الفساد ويدعو إلى الصلاح، ومعنى علمه هنا أنه مجاز من أفسد، و : من أصلح، بما يناسب فعله، ثم أخبر تعالى أنه لو شاء لكلفكم ما يشق عليكم، فدل على أن التكاليف السابقة من تحريم الخمر والميسر، وتكليف الصدقة، بأن تكون عفواً، وتكليف إصلاح اليتيم ليس فيه مشقة ولا إعنات.
ثم ختم هذا بأنه هو العزيز الذي لا يغالب، الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها.
ولما ذكر تعالى تحريم شيء مما كانوا يتلذذون به، وهو شرب الخمر والأكل به، والقمر بالميسر والأكل به، ولما كان النكاح أيضاً من أعظم الشهوات والملاذ، استطرد إلى ذكر تحريم نوع منه، وهو نكاح من قام به الوصف المنافي للإيمان، وهو الإشراك الموجب للتنافر والتباعد.
والنكاح موجب للخلطة والمودّة قال تعالى :﴿وجعل بينكم مودّة ورحمة﴾ ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ لا يتراآى داراهما، فنهى فيهن عن نكاح من قام به الوصف المنافي للإيمان، وغيَّا ذلك بحصول الإيمان، ثم ذكر من كان رقيقاً وهو مؤمن، خير من مشرك ولو كان يعجب في حسن أو مال أو رئاسة ؛ ونبه على العلة الموجبة للترك، وهو أن من أشرك داع إلى النار، وجرّ ممن كان معاشر شخص ومخالطه وملابسه، حتى في النكاح الذي هو داع إلى التآلف من كل معاشرة أن يجيبه إذا دعاه لما هو من هواه، وهم كانوا قريبين عهد بالإيمان وحديثه، فمنعوا من ذلك سداً للتطرق إلى النار.
ثم أخبر تعالى أنه هو يدعو إلى الجنة والمغفرة، فهو الناظر بالمصلحة لكم في تحريم ما حرّم وإباحة ما أباح، وهو يبين آياته ويوضحها بحيث لا يظهر معها لبس، وذلك لرجاء تذكركم واتعاظكم بالآيات.
ولما ذكر تعالى تحريم نكاح من قام به وصف الإشراك، ذكر تحريم وطء من قام به في الحيض من المؤمنات، وغيَّا ذلك بالطهر كما غيَّا ما قبله بالإيمان، ثم أباح إذا تطهرن لنا الوطء لهنّ من حيث أمر الله وهو المكان الذي كان مشغولاً بالحيض، وأمرنا باجتناب وطئه في وقت الحيض، ثم نبه على مزية التائب والمتطهر بكونه تعالى يحبه، ولم يكتف بذلك في جملة واحدة حتى كرر ذلك في جملتين وأفرد كل وصف بمحبة فقال : إن الله يحب التوّابين ويحب المتطهرين.
ثم ذكر تعالى إباحة الوطء للمرأة التي ارتفع عنها الحيض على الحالة التي يشاؤها الزوج ويختارها، من كونها مقبلة أو مدبرة، أو مجنبة أو مضطجعة، ومن أي شق شاء، لما في التنقل من مزيد الالتذاذ، والاستمتاع بالنظر إلى سائر بدنها، والهيآت المحركة للباه.
ونبه بالحرث على أنه محل النسل، فدل ذلك على تحريم الوطء في الدبر لأنه ليس محل النسل، وإذا كانوا قد منعوا من وطء الحائض لما اشتمل عليه محل الوطء من الأذى بدم الحيض، فلأن يمنعوا من المحل الذي هو أكثر أذى أولى وأحرى، ولما كان قدم نهي وأمر في الآيات السابقة وفي هذا، ختم ذلك بالأمر بتقديم العمل الصالح، وأن ما قدّمه الإنسان إنما هو عائد على نفع نفسه، ثم أمر بتقوى الله تعالى، وأمر بأن يعلم ويوقن اليقين الذي لا شك فيه أنا ملاقو الله، فيجازينا على أعمالنا، وأمر نبيه أن يبشر المؤمنين، وهم الذين امتثلوا ما أمر به واجتنبوا ما نهى عنه، فكان ابتداء هذه الآيات بالتحذير عن معاطاة العصيان، واختتامها بالتبشير لأهل الإيمان آيات تعجز عن وصف ما تضمنته البدائع الألسن، ويذعن لفصاحتها الجهبذ اللسن، جمعت بين براعة اللفظ ونصاعة المعنى، وتعلق الجمل وتأنق المبنى، من سؤال وجواب، وتحذير من عقاب، وترغيب في ثواب، هدت إلى الصراط المستقيم، وتلقيت من لدن حكيم عليم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى