الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ مواضع الحرث لكم. وهذا مجاز، شبهن بالمحارث تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور. وقوله :﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ﴾ تمثيل، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم. لا تحظر عليكم جهة دون جهة، والمعنى : جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن يكون المأتى واحداً وهو موضع الحرث. وقوله :﴿هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء﴾، ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾، ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ﴾ من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة. وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة على المؤمنين أن يتعلموها ويتأدّبوا بها ويتكلفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم. وروي : أن اليهود كانوا يقولون : من جامع امرأته وهي مجبية من دبرها في قبلها كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ : فقال كذبت اليهود ونزلت. ﴿وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ﴾ ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة وما هو خلاف ما نهيتكم عنه. وقيل : هو طلب الولد، وقيل : التسمية على الوطء ﴿واتقوا الله﴾ فلا تجترئوا على المناهي ﴿واعلموا أَنَّكُم ملاقوه﴾ فتزوّدوا ما لا تفتضحون به ﴿وَبَشّرِ المؤمنين﴾ المستوجبين للمدح والتعظيم بترك القبائح وفعل الحسنات
فإن قلت : ما موقع قوله :﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ مما قبله ؟ قلت : موقعه موقع البيان والتوضيح لقوله :﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ يعني أنّ المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث، ترجمة له وتفسيراً، أو إزالة للشبهة، ودلالة على أنّ الغرض الأصيل في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهنّ إلا من المأتي الذي يتعلق به هذا الغرض.
فإن قلت : ما بال ﴿يَسْألُونَكَ﴾ جاء بغير واو ثلاث مرات، ثم مع الواو ثلاثاً ؟ قلت : كان سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرّقة، فلم يؤت بحرف العطف لأنّ كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ. وسألوا عن الحوادث الأخر في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع لذلك، كأنه قيل : يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن الإنفاق، والسؤال عن كذا وكذا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى