محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم وقدّموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشّر المؤمنين ٢٢٣﴾.
﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ روى الشيخان(١) عن جابر قال :( كانت اليهود تقول : إذا أتيت المرأة من دبرها في قبلها ثم حملت كان ولدها أحول. قال : فأنزلت ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾.
وعند مسلم عن الزهريّ :( إن شاء مجبيِّة، وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد ).
قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : هذه الزيادة يشبه أن تكون من تفسير الزهريّ، لخلوّها من رواية غيره من أصحاب ابن المنكدر، مع كثرتهم.
و ( المجبيِّة ) كملبيّة : المنكبّة على وجهها. و( الصمام الواحد ) : الفرج. وقوله تعالى :﴿حرث لكم﴾ الحرث : إلقاء البذر في الأرض، هذا أصله ؛ والكلام إما بحذف المضاف، أي مواضع حرث، أو المصدر بمعنى المفعول أي : محروثات. وإنما شُبِّهن بذلك لما بين ما يلقى في أرحامهن وبين البذور من المشابهة. من حيث إن كلا منها مادة لما يحصل منه. ولما عبّر تعالى عنهن بالحرث عبر عن مجامعتهن بالإتيان كما تقدم، فقال ﴿فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة. والمعنى : جامعوهن من أي جهة شئتم ولا تبالوا بقول اليهود. وفي تخصيص ( الحرث ) بالذكر تعميم جميع الكيفيات الموصلة إليه.
قال الزمخشريّ : وقوله تعالى :﴿هو أذى فاعتزلوا النساء من حيث أمركم الله فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾. من الكنايات اللطيفة، والتعريضات المستحسنة. وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدّبوا بها، ويتكلّفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم.
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية رواية أخرى أخرجها أبو داود(٢) والحاكم عن ابن عباس قال :( كان هذا الحي من الأنصار ( وهم أهل وثن ) مع هذا الحي من يهود ( وهم أهل كتاب ) كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم. وكان من أمر أهل الكتاب أنهم لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة. فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم. وكان هذا الحي من قريش / يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون منهن مُقْبلات ومُدْبرات مستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار. فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت : إنما كنا نؤتى على حرف. فاصنع ذلك، وإلا فاجتنبني. حتى سرى أمرهما. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ. فأنزل الله عز وجل ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ أي : مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد ).
تنبيه :
ما ذكرناه من الروايات هو المعوّل عليه عند المحققين.
وثمت روايات أخر تدل على أن هذه الآية إنما أنزلت رخصة في إتيان النساء في أدبارهن.
قال الطحاويّ : روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم قال :( ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال ( يعني وطء المرأة في دبرها ) ثم قرأ ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ ثم قال : فأيّ شيء أبين من هذا ؟ ) هذه حكاية الطحاويّ نقلها ابن كثير.
وقال الحافظ ابن حجر في ( تخريج أحاديث الرافعيّ ) : قال ابن القاسم :( ولم أدرك أحدا أقتدي به في ديني يشك فيه. والمدنيّون يروون فيه الرخصة عن النبي ﷺ ). يشير بذلك إلى ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد.
أما حديث ابن عمر فله طرق. رواه عنه نافع، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، وزيد بن أسلم. وسعيد بن يسّار. وغيرهم.
أمّا نافع فاشتهر عنه من طرق كثيرة جدا. منها رواية مالك، وأيوب، وعبيد الله بن عمر العمريّ، وابن أبي ذئب، وعبد الله بن عون، وهشام بن سعد، وعمر بن محمد بن زيد، وعبد الله بن نافع، وأبان بن صالح، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة.
قال الدارقطنيّ، في أحاديث مالك التي رواها خارج ( الموطّأ ) : نا أبو جعفر الأسوانيّ المالكيّ بمصر. ثنا محمد بن أحمد بن حمّاد، نا أبو الحرث أحمد بن سعيد الفهريّ، نا أبو ثابت / محمد بن عبيد الله. حدثنا الدراورديّ عن عبيد الله بن عمر بن حفص عن نافع قال : قال لي ابن عمر :( أمسك عليّ المصحف يا نافع. فقرأ حتى أتى على هذه الآية ﴿نساؤكم حرث لكم...﴾ فقال : تدري يا نافع فيمن أنزلت هذه الآية ؟ قال قلت : لا ؟ قال، فقال لي : في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم الناس ذلك، فأنزل الله تعالى :﴿نساؤكم حرث لكم...﴾ الآية قال نافع : فقلت لابن عمر : من دبرها في قبلها ؟ قال : لا، إلا في دبرها ).
قال أبو ثابت : وحدثني به الداورديّ عن مالك وابن أبي ذئب. وفيهما عن نافع مثله.
وفي تفسير البقرة من ( صحيح البخاري ) : نا إسحق، أنا النضر، أنا ابن عون عن نافع قال : كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه. فأخذت عليه يوما فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان، فقال : تدري فيم أنزلت ؟ فقلت : لا ! قال : نزلت في كذا وكذا. ثم مضى ).
وعن عبد الصمد : حدثني أبي يعني عبد الوارث حدثني أيوب عن نافع عن ابن عمر في قوله تعالى :﴿نساؤكم حرث لكم﴾ قال : يأتيها في... قال : ورواه محمد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر ؛ عن نافع، عن ابن عمر. هكذا وقع عنده.
والرواية الأولى في ( تفسير إسحق بن راهويه ) مثل ما ساق، لكن عيّن الآية وهي ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ وعيّن قوله كذا وكذا. فقال :( نزلت في إتيان النساء في أدبارهن ). وكذا رواه الطبريّ من طريق ابن علية عن ابن عون. وأما رواية عبد الصمد فهي في تفسير إسحق أيضا عنه، وقال فيه :( يأتيها في الدبر ).
وأما رواية محمد : فأخرجها الطبراني في ( الأوسط ) عن علي بن سعيد، عن أبي بكر الأعين، عن محمد بن يحيى بن سعيد بلفظ :( إنما أنزلت ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ رخصة في إتيان الدبر ). وأخرجه الحاكم في ( تاريخه ) من طريق عيسى بن مثرود عن / عبد الرحمن بن القاسم. ومن طريق سهل بن عمار عن عبد الله بن نافع. ورواه الدارقطنيّ في ( غرائب مالك ) من طريق زكريا الساجي عن محمد بن الحرث المدنيّ عن أبي مصعب. ورواه الخطيب في ( الرواة ) عن مالك من طريق أحمد بن الحكم العبديّ. ورواه أبو إسحق الثعلبيّ في ( تفسيره ) والدارقطنيّ أيضا من طريق إسحق بن محمد الفرويّ. ورواه أبو نعيم في ( تاريخ أصبهان ) من طريق محمد بن صدقة الفدكيّ، كلهم عن مالك. قال الدراقطني : هذا ثابت عن مالك.
وأما زيد بن أسلم : فروى النسائي والطبري من طريق أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عنه، عن ابن عمر :( أن رجلا أتى امرأته في دبرها على عهد رسول الله ﷺ، فوجد من ذلك وجدا شديدا، فأنزل الله عز وجل ﴿نساؤكم حرث لكم...﴾ الآية ).
وأما عبيد الله بن عبد الله بن عمر : فروى النسائيّ من طريق يزيد بن رومان عنه :( أن ابن عمر كان لا يرى به بأسا ). موقوف.
وأما سعيد بن يسّار : فروى النسائي والطحاويّ والطبريّ من طريق عبد الرحمن بن القاسم قال : قلت لمالك : إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحرث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال :( قلت لابن عمر : إنا نشتري الجواري فنحمض لهن ( والتحميض : الإتيان في الدبر ) فقال : أفّ ! أو يفعل هذا مسلم ؟ ) قال ابن القاسم : فقال لي مالك : أشهد على ربيعة لحدّثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال :( لا بأس به ).
وأما حديث أبي سعيد : فروى أبو يعلى وابن مردويه في ( تفسيره ) والطبري والطحاوي من طرق : عن عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ :( أن رجلا أصاب امرأة في دبرها فأنكر الناس ذلك عليه وقالوا : أثفرها ! فأنزل الله عز وجل :﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ ). ورواه أسامة بن أحمد التجيبيّ من طريق يحيى بن أيوب عن هشام بن سعد، ولفظه :( كنا / نأتي النساء في أدبارهن ويسمى ذلك الإثفار، فأنزل الله الآية ). ورواه من طريق معن بن عيسى عن هشام ولم يسمّ أبا سعيد قال :( كان رجال من الأنصار... ).
هذا، وقد روي في تحريم ذلك آثار كثيرة نقلها الحافظ ابن كثير في ( تفسيره )، وابن حجر في ( تخريج أحاديث الرافعيّ ). وكلها معلولة.
ولذا قال البزار : لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا، لا في الحظر ولا في الإطلاق. وكل ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت من طريق فيه، فغير صحيح.
وكذا روى الحاكم عن الحافظ أبي عليّ النيسابوريّ، ومثله عن النسائيّ، وقاله قبلهما البخاري.
وحكى ابن عبد الحكم الشافعي أنه قال : لم يصح عن رسول الله ﷺ في تحريمه ولا في تحليله شيء. والقياس أنه حلال.
وروى أحمد بن أسامة التجيبيّ من طريق معن بن عيسى قال : سألت مالكا عنه، فقال : ما أعلم فيه تحريما.
وقال ابن رشد في كتاب ( البيان والتحصيل في شرح العتبية ) روى العتبيّ عن ابن قاسم عن مالك أنه قال له وقد سأله عن ذلك مخليا به فقال : حلال ليس به بأس.
وأخرج الحاكم عن محمد بن عبد الحكم قال : قال الشافعيّ كلاما كلّم به محمد بن الحسن في مسألة إتيان المرأة في دبرها، قال : سألني محمد بن الحسن فقلت له : إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات وإن لم تصح فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلّمتك. قال : على المناصفة. قلت : فبأي شيء حرمته ؟ قال : بقول الله عز وجل ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ وقال :﴿فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾، والحرث لا يكون إلا في الفرج قلت : أفيكون ذلك محرما لما سواه ؟ قال : نعم. قلت : فما تقول لو وطئها بين ساقيها، أو في أعكانها، أو تحت إبطها، أو أخذت ذكره بيدها، أو في ذلك حرث... ؟ قال : لا ! / قلت : أفيحرم ذلك ؟ قال : لا ! قلت : فلِمَ تحتج بما لا حجة فيه ؟ قال : فإن الله قال :﴿والذين هم لفروجهم حافظون...﴾ الآية. قال : فقلت له : إن هذا مما يحتجون به للجواز أن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته وما ملكت يمينه، فقلت : أنت تتحفظ من زوجته وما ملكت يمينه. قال الحاكم : لعل الشافعيّ كان يقول بذلك في القديم. فأما في الجديد، فالمشهور أنه حرمه. فقد روى الأصم عن الربيع : أن الشافعيّ نصّ على تحريمه في ستة كتب من كتبه.. وأخرج الحاكم عن الأصم عن الربيع قال : قال الشافعي قال الله ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ احتملت الآية معنيين : أحدهما أن تُؤتَى المرأة من حيث شاء زوجها. لأن ﴿أنى شئتم﴾ يأتي بمعنى أين شئتم. ثانيهما أن ( الحرث ) إنما يراد به النبات في موضعه دون ما سواه. فاختلف أصحابنا في ذلك. فأحسب كلاًّ من الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية. قال : فطلبنا الدلالة من السنة، فوجدنا حديثين مختلفين : أحدهما ثابت ؛ وهو حديث خزيمة في التحريم. قال : فأخذنا به.
وعليه، فيكون الشافعيّ رجع عن القديم. وحديث خزيمة رواه الشافعيّ وأحمد والنسائيّ وابن ماجة(٣) وابن حبّان وأبو نعيم بالسند إلى خزيمة بن ثابت :( أن رجلا سأل النبي ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهن فقال : حلال. فلما ولّى الرجل دعاه أو أمر به فدُعي فقال : كيف قلت ؟ في أيّ الخرزتين ؟ أمن دبرها في قبلها ؟ فنعم ! أم من دبرها في دبرها فلا ! إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن ).
قال الحافظ ابن حجر في ( التلخيص الحبير ) : وفي إسنا
١ أخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٣٩ ـ باب ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم وقدّموا لأنفسكم...﴾ الآية، حديث ١٩٧٧.
ومسلم في: ١٦ ـ كتاب النكاح، حديث ١١٧ (طبعتنا)..

٢ أخرجه أبو داود في: ١٢ ـ كتاب النكاح، ٤٥ ـ باب في جامع النكاح، حديث ٢١٦٤..
٣ أخرجه أحمد في مسنده بالصفحة ٢١٣ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي).
وابن ماجة في: ٩ ـ كتاب النكاح، ٢٩ ـ باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن، حديث ١٩٢٤ (طبعتنا)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى