تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢٢٣ وقوله تعالى :( نساؤكم حرث لكم ) [ الحرث هو المزرع ](١) ؛ وفيه دليل النهي عن الاعتزال عنها، لأن المزرع إذا ترك سدى يضيع، ويخرب، وفيه دليل أن الإباحة في إتيان النساء طلب التناسل والتوالد لا قضاء الشهوة، لأنه سمى ذلك حرثا، والحرث ما يحرث، فيتولد من ذلك الولد، وفيه دليل أن الإتيان في غير موضع الحرث محرم منهي(٢) وعلى ذلك جاءت الآثار أنها سميت اللوطية الصغرى وما جاء أنه نهى عن إتيان النساء في محاشهن ؛ يعني في أدبارهن. وفي بعض الأخبار : " إتيان النساء [ في أدبارهن ](٣) كفر " [ بنحوه أبو داوود : ٣٩٠٤ ].
وقوله تعالى :( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) يعني على أي جهة شئتم بعد أن يكون ذلك في المزرع. ولا بأس بالاعتزال عنها إذا أذنت لما ذكرنا أن الأمر بذلك أمر بطلب النسل لا قضاء الشهوة. فإذا كان كذلك فلها ألا تتحمل مشقة تربية، وأما الزوج فإنما عليه المؤنة ؛ وذلك مما ضمن الله لكل ذي روح بقوله :( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) [هود: ٦] لذلك نهي هو عن الاعتزال دون إذنها، ولم تنه هي عن الإذن عن ذلك، والله أعلم.
وأما الاعتزال عن الإماء وملك اليمين فإنه لا بأس ؛ لأنه لا يطلب النسل من الإماء في المتعارف، لذلك لم يكره، ولأن في إحبالهن إتلافا(٤)، وللرجل ألا يتلف ملكه، لذلك افترقا، والله أعلم.
والأصل أن الشهوات مجعولة لما بها إمكان قضاء الحاجات التي يقضي بها جري تدبير العالم، وبه يكون دوام النسل وبقاء الأبدان والحاجة لا تحتمل الوقوع في الأدبار، لذلك لم يجعل فيها.
وقوله تعالى :( وقدموا لأنفسكم ) : قيل فيه بوجهين : قيل : قدموا العمل الصالح، وقيل : قدموا لأنفسكم من الولد تحفظونه(٥) عند الزيغ عما لا يجب.
وقوله :( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) :[ يحتمل قوله :( أنكم ملاقوه ) أي ](٦) ما قدمتم من العمل الصالح، فتجزون على ذلك كقوله :( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ) [البقرة: ١١٠] ويحتمل قوله :( أنكم ملاقوه ) أي ملاقوا ربكم بوعده ووعيده.
١ - في الأصل و م: وهو المزرع، في ط ع: الحرث هو الزرع..
٢ - في ط ع: منتهى..
٣ - من ط ع..
٤ - في النسخ الثلاث: إتلاف..
٥ - في النسخ الثلاث: يحفظونه بالياء..
٦ - من ط ع..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى