البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
اللغو : ما يسبق به اللسان من غير قصد، قاله الفراء، وهو مأخوذ من قولهم لما لا يعتدّ به في الدية من أولاد الإبل : ويقال : لغا يلغو لغواً ولغى يلغي لغاً، وقال ابن المظفر : تقول العرب : اللغو واللاغية واللواغي واللغوي، وقال ابن الأنباري : اللغو عند العرب ما يطرح من الكلام استغناءً عنه، ويقال : هو ما لا يفهم لفظه.
يقال : لغا الطائر يلغو : صوّت، ويقال : لغا بالأمر لهج به يلغا، ويقال : اشتق من هذا اللغة، وقال ابن عيسى، وقد ذكر أن اللغو ما لا يفيد قال : ومنه اللغة لأنها عند غير أهلها لغو وغلط في هذا الاشتقاق، فإن اللغة إنما اشتقت من قولهم : لغى بكذا إذا أولع به.
الحليم : الصفوح عن الذنب مع القدرة على المؤاخذة به، يقال : حلم الرجل يحلم حلماً، وهو حليم، وقال النابغة الجعدي :
ولا خير في حلم إذا لم يكن له***
موارد تحمي صفوه أن يكدّرا
ويقال : حلم الأديم يحلم حلماً، إذا تثقب وفسد، قال :
فإنك والكتاب إلى علي***
كدابغه وقد حلم الأديم
و : حلم في النوم يحلم حلماً وحلماً، وهو : حالم، ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، لأنه تعالى لما نهى عن جعل الله معرضاً للأيمان، كان ذلك حتماً لترك الأيمان وهم يشق عليهم ذلك، لأن العادة جرت لهم بالأيمان، فذكر أن ما كان منها لغواً فهو لا يؤاخذ به، لأنه مما لا يقصد به حقيقة اليمين، وإنما هو شيء يجري على اللسان عند المحاورة من غير قصد، وهذا أحسن ما يفسر به اللغو، لأنه تعالى جعل مقابلة ما كسبه القلب وهو ماله فيه اعتماد وقصد.
واختلفت أقوال المفسرين في تفسير لغو اليمين، فقال أبو هريرة، وابن عباس، والحسن، وعطاء، والشعبي، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، والسدي عن أشياخه، ومالك في أشهر قوليه، وأبو حنيفة : هو الحلف على غلبة الظن، فيكشف الغيب خلاف ذلك ؛ وقالت عائشة، وابن عباس أيضاً، وطاووس، والشعبي، ومجاهد، وأبو صالح، والشافعي : هو ما يجرى على اللسان في درج الكلام والاستعجال : لا والله، وبلى والله، من غير قصد لليمين ؛ وهو أحد قولي مالك.
وقال سعيد بن جبير، وابن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابنا الزبير عبد الله وعروة : هو الحلف على فعل المعصية، إلاَّ أن ابن جبير قال : لا يفعل ويكفر، وباقيهم قالوا : لا يفعل ولا كفارة عليه، وقال ابن عباس أيضاً.
وعلي، وطاووس : هو الحلف في حال الغضب.
وقال النخعي : هو الحلف على شيء ينساه، وقال ابن عباس أيضاً، والضحاك : هو ما تجب فيه الكفارة إذا كفرت سقطت، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها، والرجوع إلى الذي هو خير ؛ وقال مكحول، وابن جبير أيضاً، وجماعة : هو أن يحرم على نفسه ما أحل الله، كقوله : مالي عليّ حرام إن فعلت كذا، والحلال عليّ حرام، وقال بهذا القول مالك إلاَّ في الزوجة، فألزم فيها التحريم إلاَّ أن يخرجها الحالف بقلبه، وقال زيد ابن أسلم وابنه : هو دعاء الرجل على نفسه أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي، هو مشرك، هو لغية، إن فعل كذا، وقال مجاهد : هو حلف المتبايعين، يقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر : والله ما أشتريه إلاَّ بكذا، وقال مسروق : هو ما لا يلزمه الوقاية، وروي عنه، وعن الشعبي : أنه الحلف على المعصية ؛ وقيل : هو يمين المكره، حكاه ابن عبد البر.
وهذه الأقوال يحتملها لفظ اللغو، إلاَّ أن الأظهر هو ما فسرناه أولاً، لأنه قابله كسب القلب، وهو تعمده للشيء، فجميع الأقوال غيره ينطبق عليها أنها كسب القلب، لأن للقلب قصداً إليها : ونفي الوحدة يدل على أنه لا إثم ولا كفارة، فيضعف قول من قال : إنها تختص بالإثم، ويفسر اللغو باليمين المكفرة، وسئل الحسن عن اللغو، والمسبية ذات الزوج، فوثب الفرزدق وقال : أما سمعت ما قلت :
ولست بمأخوذ بشيء تقوله***
إذا لم تعمد عاقدات العزائم
وما قلت :
وذات حليل أنكحتنا رماحنا***
حلالاً، ولولا سبيها لم تطلق ؟
فقال الحسن : ما اذكاك لولا حنثك.
باللغو : متعلق : بيؤاخذكم، والباء سببية، مثلها في ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم﴾ ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ وفي أيمانكم، متعلق بالفعل، أو بالمصدر، أو بمحذوف، أي : كائناً في أيمانكم، فيكون حالاً، ويقر به أنك لو جعلته في صلة : الذي، ووصفت به اللغو لاستقام.
﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ أي باليمين التي للقلب فيها كسب، فكل يمين عقدها القلب فهي كسب له ؛ وكذلك فسر مجاهد الكسب بالعقد، كآية المائدة ﴿بما عقدتم الأيمان﴾ وقال ابن عباس، والنخعي : هو أن يحلف كاذباً أو على باطل، وهي الغموس ؛ وقال زيد بن أسلم : هو أن يعقد الإشراك بقلبه إذا قال : هو مشرك إن فعل كذا، وقال قتادة : بما تعمد القلب من المآثم.
وهذا الذي ذكره تعالى : من المؤاخذة، هو العقوبة في الآخرة إن كانت اليمين غموساً، أو غير غموس وترك تكفيرها، والعقوبة في الدنيا بإلزام الكفارة إن كانت مما تكفر.
واختلفوا في اليمين الغموس، فقال مالك، وجماعة : لا تكفر، وهي أعظم ذنباً من ذلك.
وقال عطاء، وقتادة، والربيع، والشافعي : تكفر، والكفارة مؤاخذة.
والغموس ما قصد الرجل في الحلف به الكذب، وهي المصبورة، سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ومصبورة لأن صبرها مغالبة وقوة عليها، كما يصبر الحيوان للقتل والرمي.
وقسمت الأيمان إلى : لغو ومنعقدة، وغموس، والمنعقدة : هي على المستقبل التي يصح فيها الحنث والبر، وبينا اللغو والغموس، وقسمت أيضاً إلى : حلف على ما من محرم وهي : الكاذبة، ومباح : وهي الصادقة، وعلى مستقبل عقدها طاعة، والمقام عليها طاعة، وحلها معصية أو مكروه، ومقابلها أو ما هو مباح عقدها والمقام عليها وحلها، ولكن دخلت هنا بين نقيضين باعتبار وجود اليمين لأنها لا تخلو من أن لا يقصدها القلب، ولكن جرت على اللسان وهي : اللغو، أو تقصدها وهي : المنعقدة، وهما ضدان باعتبار أن لا توجد اليمين، إذ الإنسان قد يخلو من اليمين، وهذان النوعان من النقيضين والضد أحسن ما يقع فيه : لكن، وأما الخلافان ففي جواز وقوعها بينهما خلاف، وقد تقدّم طرف من هذا، وإبدال الهمزة واواً في مثل : يؤاخذ، مقيس، ونحوه : يؤذن، ويؤلف، وفي قوله :﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ محذوف تقديره : ولكن يؤاخذكم في أيمانكم بما كسبت قلوبكم، وحذف لدلالة ما قبله عليه، و : ما، في قوله : بما، موصولة، والعائد محذوف، ويحتمل أن تكون مصدرية، ويحسنه مقابلته بالمصدر، وهو قوله : باللغو، وجوّز أن تكون نكرة موصوفة.
﴿والله غفور حليم﴾ جاءت هاتان الصفتان تدلان على توسعة الله على عباده حيث لم يؤاخذهم باللغو في الأيمان، وفي تعقيب الآية بهما إشعار بالغفران، والحلم عن من أوعده تعالى بالمؤاخذة، وإطماع في سعة رحمته، لأن من وصف نفسه بكثرة الغفران والصفح مطموع في ما وصف به نفسه، فهذا الوعيد الذي ذكره تعالى مقيد بالمشيئة، كسائر وعيده تعالى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة نهي الله عباده عن ابتذال اسمه تعالى، وجعله كثير الترداد، وعلى ألسنتهم في أقسامهم على بر وتقوى وإصلاح، فدل ذلك على أن مبالغة النهي عن ذلك في أقسامهم على ما ينافي البر والتقوى والصلاح بجهة الأحرى، وأَلاولى، لأن الإكثار من اليمين بالله تعالى فيه عدم مبالاة واكتراث المقسم به، إذ الأيمان معرضة لحنث الإنسان فيها كثيراً، وقل أن يرى كثير الحلف إلاَّ كثير الحنث.
ثم ختم هذه الآية بأنه تعالى سميع لأقوالهم، عليم بنياتهم.
ولما تقدم النهي عن ما ذكرناه، سامحهم الله تعالى بأن ما كان يسبق على ألسنتهم على سبيل اللغو، وعدم القصد لليمين، لا يؤاخذون به، وإنما يؤاخذ بما انطوى عليه الضمير، وكسبه القلب بالتعهد، ثم ختم هذه الآية بما يدل على المسامحة في لغو اليمين من صفة الغفران والحلم.
ولما تقدّم كثير من الأحكام مع النساء ذكر حكم الإيلاء مع النساء، وهو : الحلف على الامتناع من وطئهنّ، فجعل لذلك مدّة، وهو أربعة أشهر أقصى ما تصبر المرأة عن زوجها غالباً، ثم بعد انتظار هذه المدة وانقضائها إن فاء فإن الله غفور لا يؤاخذه بل يسامحه في تلك اليمين، وإن عزم الطلاق أوقعه.
ولما جرى ذكر الطلاق استطرد إلى ذكر جملة من أحكامه فذكر عدّة المطلقة وأنها : ثلاثة قروء، ودل ذكر القرء على أن المراد بالمطلقات هنّ النساء اللواتي يحضن ويطهرن، ولم يطلقن قبل المسيس ولا هنّ حوامل، ودل على إرادة هذه المخصصات آيات أخر، وذكر تعالى أنه لا يحل لهنّ كتمان ما خلق الله في أرحامهنّ، فعمّ الدم والولد لأنهنّ كنّ يكتمن ذلك لأغراض لهنّ، وعلق ذلك على الإيمان بالله وهو الخالق ما في أرحامهنّ، وعلى الإيمان بالله واليوم الآخر وهو الوقت الذي يقع فيه الحساب، والثواب والعقاب على ما يرتكبه الإنسان من تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرّم الله، ومخالفته فيما شرع.
ثم ذكر تعالى أن أزواجهنّ الذين طلقوهنّ أحق بردّهنّ في مدّة العدّة، وشرط في الأحقية إرادة إصلاح الأزواج، فدل على أنه إذا قصد برجعتها الضرر لا يكون أحق بالردّ، ثم ذكر تعالى أن للزوجة حقوقاً على الرجل، مثل ما أن للرجل حقوقاً على الزوجة، فكل منهما مطلوب بإيفاء ما يجب عليه، ثم ذكر أن للرّجل مزيد مزية ودرجة على المرأة، فيكون حق الرجل أكثر، وطواعية المرأة له ألزم، ولم يبين الدرجة ما هي، ويظهر أنها ما يؤلف من كثرة الطواعية، والاهتبال بقدره، والتعظيم له، لأن قبله بالمعروف وهو الشيء الذي عرفه الناس في عوائدهم من كثرة تودّد المرأة لزوجها وامتثال ما يأمر به وختم هذه الآية بوصف العزة وهي : الغلبة، والقهر ؛ و : الحكمة، وهي وضع الشيء موضع ما يليق به، وهما الوصفان اللذان يحتاج إليهما التكليف.
ثم ذكر تعالى أن الطلاق الذي يستحق فيه الزوج الرجعة في تلك العدّة، هو مرتان طلقة بعد طلقة وبعد وقوع الطلقتين، إمّا أن يردّها ويمسكها بمعروف، أو يسرحها بإحسان، ثم ذكر عقب هذا حكم الخلع، لأن مشروعيته لا تكون إلاَّ قبل وجود الطلقة الثالثة، وأمّا بعدها فلا ينبغي خلع، فلذلك جاء بين الطلاق الذي له فيه رجعة، وبين الطلاق الذي يبت العصمة.
وذكر من أحكامه أنه : لا يحل أخذ شيء من مال الزوجة إلاَّ بشرط أن يخافا أن لا يقيما حدود الله، ثم أكد ذلك بذكر الخوف أن لا يقيما حدود الله، فجعل ذلك منهما معاً، فلو خاف أحدهما لم يجز الخلع، هذا ظاهر الآية.
يقال : لغا الطائر يلغو : صوّت، ويقال : لغا بالأمر لهج به يلغا، ويقال : اشتق من هذا اللغة، وقال ابن عيسى، وقد ذكر أن اللغو ما لا يفيد قال : ومنه اللغة لأنها عند غير أهلها لغو وغلط في هذا الاشتقاق، فإن اللغة إنما اشتقت من قولهم : لغى بكذا إذا أولع به.
الحليم : الصفوح عن الذنب مع القدرة على المؤاخذة به، يقال : حلم الرجل يحلم حلماً، وهو حليم، وقال النابغة الجعدي :
ولا خير في حلم إذا لم يكن له***
موارد تحمي صفوه أن يكدّرا
ويقال : حلم الأديم يحلم حلماً، إذا تثقب وفسد، قال :
فإنك والكتاب إلى علي***
كدابغه وقد حلم الأديم
و : حلم في النوم يحلم حلماً وحلماً، وهو : حالم، ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، لأنه تعالى لما نهى عن جعل الله معرضاً للأيمان، كان ذلك حتماً لترك الأيمان وهم يشق عليهم ذلك، لأن العادة جرت لهم بالأيمان، فذكر أن ما كان منها لغواً فهو لا يؤاخذ به، لأنه مما لا يقصد به حقيقة اليمين، وإنما هو شيء يجري على اللسان عند المحاورة من غير قصد، وهذا أحسن ما يفسر به اللغو، لأنه تعالى جعل مقابلة ما كسبه القلب وهو ماله فيه اعتماد وقصد.
واختلفت أقوال المفسرين في تفسير لغو اليمين، فقال أبو هريرة، وابن عباس، والحسن، وعطاء، والشعبي، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، والسدي عن أشياخه، ومالك في أشهر قوليه، وأبو حنيفة : هو الحلف على غلبة الظن، فيكشف الغيب خلاف ذلك ؛ وقالت عائشة، وابن عباس أيضاً، وطاووس، والشعبي، ومجاهد، وأبو صالح، والشافعي : هو ما يجرى على اللسان في درج الكلام والاستعجال : لا والله، وبلى والله، من غير قصد لليمين ؛ وهو أحد قولي مالك.
وقال سعيد بن جبير، وابن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابنا الزبير عبد الله وعروة : هو الحلف على فعل المعصية، إلاَّ أن ابن جبير قال : لا يفعل ويكفر، وباقيهم قالوا : لا يفعل ولا كفارة عليه، وقال ابن عباس أيضاً.
وعلي، وطاووس : هو الحلف في حال الغضب.
وقال النخعي : هو الحلف على شيء ينساه، وقال ابن عباس أيضاً، والضحاك : هو ما تجب فيه الكفارة إذا كفرت سقطت، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها، والرجوع إلى الذي هو خير ؛ وقال مكحول، وابن جبير أيضاً، وجماعة : هو أن يحرم على نفسه ما أحل الله، كقوله : مالي عليّ حرام إن فعلت كذا، والحلال عليّ حرام، وقال بهذا القول مالك إلاَّ في الزوجة، فألزم فيها التحريم إلاَّ أن يخرجها الحالف بقلبه، وقال زيد ابن أسلم وابنه : هو دعاء الرجل على نفسه أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي، هو مشرك، هو لغية، إن فعل كذا، وقال مجاهد : هو حلف المتبايعين، يقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر : والله ما أشتريه إلاَّ بكذا، وقال مسروق : هو ما لا يلزمه الوقاية، وروي عنه، وعن الشعبي : أنه الحلف على المعصية ؛ وقيل : هو يمين المكره، حكاه ابن عبد البر.
وهذه الأقوال يحتملها لفظ اللغو، إلاَّ أن الأظهر هو ما فسرناه أولاً، لأنه قابله كسب القلب، وهو تعمده للشيء، فجميع الأقوال غيره ينطبق عليها أنها كسب القلب، لأن للقلب قصداً إليها : ونفي الوحدة يدل على أنه لا إثم ولا كفارة، فيضعف قول من قال : إنها تختص بالإثم، ويفسر اللغو باليمين المكفرة، وسئل الحسن عن اللغو، والمسبية ذات الزوج، فوثب الفرزدق وقال : أما سمعت ما قلت :
ولست بمأخوذ بشيء تقوله***
إذا لم تعمد عاقدات العزائم
وما قلت :
وذات حليل أنكحتنا رماحنا***
حلالاً، ولولا سبيها لم تطلق ؟
فقال الحسن : ما اذكاك لولا حنثك.
باللغو : متعلق : بيؤاخذكم، والباء سببية، مثلها في ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم﴾ ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ وفي أيمانكم، متعلق بالفعل، أو بالمصدر، أو بمحذوف، أي : كائناً في أيمانكم، فيكون حالاً، ويقر به أنك لو جعلته في صلة : الذي، ووصفت به اللغو لاستقام.
﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ أي باليمين التي للقلب فيها كسب، فكل يمين عقدها القلب فهي كسب له ؛ وكذلك فسر مجاهد الكسب بالعقد، كآية المائدة ﴿بما عقدتم الأيمان﴾ وقال ابن عباس، والنخعي : هو أن يحلف كاذباً أو على باطل، وهي الغموس ؛ وقال زيد بن أسلم : هو أن يعقد الإشراك بقلبه إذا قال : هو مشرك إن فعل كذا، وقال قتادة : بما تعمد القلب من المآثم.
وهذا الذي ذكره تعالى : من المؤاخذة، هو العقوبة في الآخرة إن كانت اليمين غموساً، أو غير غموس وترك تكفيرها، والعقوبة في الدنيا بإلزام الكفارة إن كانت مما تكفر.
واختلفوا في اليمين الغموس، فقال مالك، وجماعة : لا تكفر، وهي أعظم ذنباً من ذلك.
وقال عطاء، وقتادة، والربيع، والشافعي : تكفر، والكفارة مؤاخذة.
والغموس ما قصد الرجل في الحلف به الكذب، وهي المصبورة، سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ومصبورة لأن صبرها مغالبة وقوة عليها، كما يصبر الحيوان للقتل والرمي.
وقسمت الأيمان إلى : لغو ومنعقدة، وغموس، والمنعقدة : هي على المستقبل التي يصح فيها الحنث والبر، وبينا اللغو والغموس، وقسمت أيضاً إلى : حلف على ما من محرم وهي : الكاذبة، ومباح : وهي الصادقة، وعلى مستقبل عقدها طاعة، والمقام عليها طاعة، وحلها معصية أو مكروه، ومقابلها أو ما هو مباح عقدها والمقام عليها وحلها، ولكن دخلت هنا بين نقيضين باعتبار وجود اليمين لأنها لا تخلو من أن لا يقصدها القلب، ولكن جرت على اللسان وهي : اللغو، أو تقصدها وهي : المنعقدة، وهما ضدان باعتبار أن لا توجد اليمين، إذ الإنسان قد يخلو من اليمين، وهذان النوعان من النقيضين والضد أحسن ما يقع فيه : لكن، وأما الخلافان ففي جواز وقوعها بينهما خلاف، وقد تقدّم طرف من هذا، وإبدال الهمزة واواً في مثل : يؤاخذ، مقيس، ونحوه : يؤذن، ويؤلف، وفي قوله :﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ محذوف تقديره : ولكن يؤاخذكم في أيمانكم بما كسبت قلوبكم، وحذف لدلالة ما قبله عليه، و : ما، في قوله : بما، موصولة، والعائد محذوف، ويحتمل أن تكون مصدرية، ويحسنه مقابلته بالمصدر، وهو قوله : باللغو، وجوّز أن تكون نكرة موصوفة.
﴿والله غفور حليم﴾ جاءت هاتان الصفتان تدلان على توسعة الله على عباده حيث لم يؤاخذهم باللغو في الأيمان، وفي تعقيب الآية بهما إشعار بالغفران، والحلم عن من أوعده تعالى بالمؤاخذة، وإطماع في سعة رحمته، لأن من وصف نفسه بكثرة الغفران والصفح مطموع في ما وصف به نفسه، فهذا الوعيد الذي ذكره تعالى مقيد بالمشيئة، كسائر وعيده تعالى.
ثم ختم هذه الآية بأنه تعالى سميع لأقوالهم، عليم بنياتهم.
ولما تقدم النهي عن ما ذكرناه، سامحهم الله تعالى بأن ما كان يسبق على ألسنتهم على سبيل اللغو، وعدم القصد لليمين، لا يؤاخذون به، وإنما يؤاخذ بما انطوى عليه الضمير، وكسبه القلب بالتعهد، ثم ختم هذه الآية بما يدل على المسامحة في لغو اليمين من صفة الغفران والحلم.
ولما تقدّم كثير من الأحكام مع النساء ذكر حكم الإيلاء مع النساء، وهو : الحلف على الامتناع من وطئهنّ، فجعل لذلك مدّة، وهو أربعة أشهر أقصى ما تصبر المرأة عن زوجها غالباً، ثم بعد انتظار هذه المدة وانقضائها إن فاء فإن الله غفور لا يؤاخذه بل يسامحه في تلك اليمين، وإن عزم الطلاق أوقعه.
ولما جرى ذكر الطلاق استطرد إلى ذكر جملة من أحكامه فذكر عدّة المطلقة وأنها : ثلاثة قروء، ودل ذكر القرء على أن المراد بالمطلقات هنّ النساء اللواتي يحضن ويطهرن، ولم يطلقن قبل المسيس ولا هنّ حوامل، ودل على إرادة هذه المخصصات آيات أخر، وذكر تعالى أنه لا يحل لهنّ كتمان ما خلق الله في أرحامهنّ، فعمّ الدم والولد لأنهنّ كنّ يكتمن ذلك لأغراض لهنّ، وعلق ذلك على الإيمان بالله وهو الخالق ما في أرحامهنّ، وعلى الإيمان بالله واليوم الآخر وهو الوقت الذي يقع فيه الحساب، والثواب والعقاب على ما يرتكبه الإنسان من تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرّم الله، ومخالفته فيما شرع.
ثم ذكر تعالى أن أزواجهنّ الذين طلقوهنّ أحق بردّهنّ في مدّة العدّة، وشرط في الأحقية إرادة إصلاح الأزواج، فدل على أنه إذا قصد برجعتها الضرر لا يكون أحق بالردّ، ثم ذكر تعالى أن للزوجة حقوقاً على الرجل، مثل ما أن للرجل حقوقاً على الزوجة، فكل منهما مطلوب بإيفاء ما يجب عليه، ثم ذكر أن للرّجل مزيد مزية ودرجة على المرأة، فيكون حق الرجل أكثر، وطواعية المرأة له ألزم، ولم يبين الدرجة ما هي، ويظهر أنها ما يؤلف من كثرة الطواعية، والاهتبال بقدره، والتعظيم له، لأن قبله بالمعروف وهو الشيء الذي عرفه الناس في عوائدهم من كثرة تودّد المرأة لزوجها وامتثال ما يأمر به وختم هذه الآية بوصف العزة وهي : الغلبة، والقهر ؛ و : الحكمة، وهي وضع الشيء موضع ما يليق به، وهما الوصفان اللذان يحتاج إليهما التكليف.
ثم ذكر تعالى أن الطلاق الذي يستحق فيه الزوج الرجعة في تلك العدّة، هو مرتان طلقة بعد طلقة وبعد وقوع الطلقتين، إمّا أن يردّها ويمسكها بمعروف، أو يسرحها بإحسان، ثم ذكر عقب هذا حكم الخلع، لأن مشروعيته لا تكون إلاَّ قبل وجود الطلقة الثالثة، وأمّا بعدها فلا ينبغي خلع، فلذلك جاء بين الطلاق الذي له فيه رجعة، وبين الطلاق الذي يبت العصمة.
وذكر من أحكامه أنه : لا يحل أخذ شيء من مال الزوجة إلاَّ بشرط أن يخافا أن لا يقيما حدود الله، ثم أكد ذلك بذكر الخوف أن لا يقيما حدود الله، فجعل ذلك منهما معاً، فلو خاف أحدهما لم يجز الخلع، هذا ظاهر الآية.