غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿أن يخافا﴾ بضم الياء : يزيد وحمزة ويعقوب الباقون بفتح الياء ﴿نبينها﴾ بالنون المفضل. الباقون بياء الغيبة ﴿يفعل ذلك﴾ مدغماً حيث كان : أبو الحرث عن علي ﴿فقد ظلم﴾ مظهراً : ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وعاصم غير الأعشى.
الوقوف :﴿قروء﴾ ط ﴿الآخر﴾ ط ﴿إصلاحاً﴾ ط ﴿بالمعروف﴾ ص لعطف المتفقتين ولا تمام المقصود في تفضيل الرجال ﴿درجة﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿مرتان﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿بإحسان﴾ ط ﴿حدود الله﴾ الأول ط ﴿افتدت به﴾ ط ﴿تعتدوها﴾ ج ﴿الظالمون﴾ ه ﴿غيره﴾ ص لأن الطلاق للزوج الثاني على خطر الوجود لا منتظر معهود فكان خارجاً من مقتضى الجملة الأولى ﴿أن يقيما حدود الله﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ه ﴿أو سرحوهن بمعروف﴾ ص لطول الكلام ﴿لتعتدوا﴾ ج ﴿نفسه﴾ ط ﴿هزوا﴾ ص لطول ما بعده ﴿يعظكم به﴾ ط ﴿بالمعروف﴾ ط ﴿الآخر﴾ ط ﴿وأطهر﴾ ط ﴿لا تعلمون﴾ ه.
الحكم الخامس من أحكام الطلاق : بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة وذلك قوله ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ والسبب في إيقاع آية الخلع بين آية الرجعة وبين هذه بعد ما مر من مناسبتها للتسريح بإحسان، هو أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، ومعنى الآية فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين فلا تحل له من بعد ذلك التطليق حتى تنكح أي تتزوج غيره. والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج فيقال : فلانة ناكح في بني فلان أي لها زوج منهم. هذا عند من يفسر قوله ﴿الطلاق مرتان﴾ بالطلاق الرجعي. وأما عند من يفسره بأن التطليق الشرعي هو الذي يوقع على التفريق. فالمعنى عنده أنه إن طلقها الطلاق الموصوف بالتكرار في قوله ﴿الطلاق مرتان﴾ واستوفى نصابه ﴿فلا تحل له من بعد﴾ ذلك ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾. ومذهب جمهور المجتهدين أن النكاح ههنا بمعنى الوطء، لأن قوله ﴿زوجاً﴾ يدل على العقد. وقد نقلنا هذا عن أبي علي فيما سلف في تفسير قوله ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ [البقرة: ٢٢١] ويؤيد هذا " ما روي عن عائشة أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت : إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمان بن الزبير تزوجني. وإن ما معه مثل هدبة الثوب. فقال رسول الله ﷺ : تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ". كنى بالعسيلة عن لذة الجماع وإنما أنث لأن من العرب من يؤنث العسل. ويروى أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت فقالت : إنه قد كان مسني فقال لها : كذبت في قولك الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله ﷺ فأتت أبا بكر فقالت : أرجع إلى زوجي الأول فقال : قد عهدت رسول الله ﷺ حين قال لك ما قال فلا ترجعي إليه. فلما قبض أبو بكر قالت مثله لعمر فقال : إن أتيتني بعد مرتك هذه لأرجمنك فمنعها. وأيضاً المقصود من توقيت حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يستفرش زوجته رجل آخر ولهذا قال بعض أهل العلم : إنما حرم الله على نساء النبي ﷺ أن ينكحن زوجاً غيره لما فيه من الغضاضة. ومعلوم أن هذا الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول، فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصلح جعله مانعاً وزاجراً. ثم قال الشافعي : إذا طلق زوجته واحدة أو ثنتين ثم نكحت زوجاً آخر وأبانها ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة وهي التي بقيت من الطلقات، لأن هذه طلقة ثالثة من حيث إنها وجدت بعد طلقتين، والطلقة الثالثة توجب الحرمة الغليظة، وقال أبو حنيفة : بل يملك عليها ثلاثاً كما لو نكحت زوجاً بعد الثلاث وإذا تزوج الغير بالمطلقة ثلاثاً على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما فهذا متعة بأجل مجهول وهو باطل. ولو تزوجها بشرط أن يطلقها إذا أحلها للأول فقولان : أحدهما لا يصح، والثاني يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة. ولو تزوجها مطلقاً مضمراً أنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به. وقال مالك وأحمد والثوري : هذا النكاح باطل. وحيث حكمنا بفساد النكاح فالوطء لا يقع به التحليل على الأصح. وعن النبي ﷺ " لعن المحلل والمحلل له " وعن عمر : لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. ﴿فإن طلقها﴾ أي الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة ﴿فلا جناح عليهما﴾ على المرأة المطلقة والزوج الأول في ﴿أن يتراجعا﴾ بنكاح جديد إلى ما كانا عليه من النكاح فهذا تراجع لغوي وظاهر الآية يقتضي أن يحل للزوج الأول هذا التراجع عقيب ما يطلقها الزوج الثاني من غير عدة بدلالة فاء التعقيب في قوله ﴿فلا جناح عليهما﴾ ولهذا ذهب سعيد بن المسيب إلى أن النكاح ههنا بمعنى العقد، وأن التحليل يحصل بمجرد العقد لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة. والجواب أن الآية مخصوصة بقوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن﴾ ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ إن كان في ظنهما وفي عزيمتهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم يقل إن علما، ولا يجوز أن يفسر الظن ههنا بالعلم لأن اليقين في الاستقبال مغيب عن الإنسان، فإن لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالرجوع مذموم إلا أنه يصح شرعاً. من قرأ ﴿نبينها﴾ بالنون فمن طريقة الالتفات والنون للتعظيم، ومن قرأ بالياء فظاهر وصيغة المضارع أريد بها ههنا الحال فلا إشكال. وجوز بعضهم أن يكون المراد بها الاستقبال، وذلك أن النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يدخل فيها التخصيص وذلك يعرف بالسنة. فكان المراد - والله أعلم - إن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله، وسيبينها الله على لسان نبيه كمال البيان فهو كقوله تعالى ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس﴾ [النحل: ٤٤] وإنما خص البيان بالعلماء لأنهم هم المنتفعون بذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : إنه سبحانه من كمال الكرم والاصطناع إذا صدر من العبد أمارات النشوز والانقطاع أمهله إلى انقضاء عدة الجفاء، فلعله يعود إلى إقامة شرائط الوفاء، وتتحرك داعية في صميم قلبه من نتائج محبة ربه، إذ لم يكن له أن يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة. وإن ابتلاه الله بمحنة الفرقة فيقرع بأصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة فيقال له من غاية الفضل والنوال : يا قارع الباب دع نفسك وتعال، من طلب منا فلاحاً فليلزم عتبتنا مساء وصباحاً. ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن﴾ أي للعباد حق في ذمة الربوبية كما أن الله تعالى حقاً في ذمة عباده، فإذا تقرب العبد إليه شبراً فالله أحق برعاية الحق فيقرب إليه ذراعاً. والفضل له على الإطلاق لابدرجة بل بدرجات غير متناهية ﴿والله عزيز﴾ أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم كمال حقوقه ﴿حكيم﴾ لا تقتضي حكمته أن يطالبهم بما ليس في وسعهم بل يقبل منهم القليل ويوفيهم الثواب الجزيل ﴿الطلاق مرتان﴾ يعني أن أهل الصحبة لا يفارقون بجريمة ولا جريمتين كما في قصة موسى والخضر. ثم في الثالثة إن سلكوا سبيل الهجران فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقاً مثله، فإن ندم بعد ذلك عن أفعاله وسام ذلك الصديق وأمثاله ورجع إلى صحبة أشكاله ﴿فلا جناح﴾ في التراجع ﴿إن ظنا﴾ فيه خيراً ولا يجوز لأحد من الإخوان أن يعضله من صحبة الأقران. وفيه أن الله تعالى يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، فإذا أصر العبد ابتلاه بالخذلان وجعله قرين الشيطان كما قال :﴿ومن يعش عن ذكر الرحمان﴾ [الزخرف: ٣٦] فإن طلق قرين الشيطان ورجع إلى باب الرحمان تداركه بالغفران والرضوان. وأما قوله ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً﴾ فإشارة إلى أنه ليس لأهل الصحبة - وإن اتفقت المفارقة - أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه إلا أن يؤدي إلى مداهنة وإهمال حق من حقوق الدين ﴿فلا جناح عليهما فيها افتدت به﴾ كأن لم يكن بينهما صحبة ﴿فإن الله سميع﴾ بمقالتهم ﴿عليم﴾ بحالهم والله ولي التوفيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى