الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ الطلاق المذكور الموصوف بالتكرار في قوله تعالى :﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ واستوفى نصابه. أو فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرّتين ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ من بعد ذلك التطليق. ﴿حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ حتى تتزوّج غيره، والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كما التزوج. ويقال : فلانة ناكح في بني فلان. وقد تعلق من اقتصر على العقد في التحليل بظاهره وهو سعيد ابن المسيب. والذي عليه الجمهور أنه لا بد من الإصابة، لما روى عروة عن عائشة رضي الله عنها : أنّ امرأة رفاعة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت : إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوّجني، وإنما معه مثل هدبة الثوب وإنه طلقني قبل أن يمسني، فقال رسول الله ﷺ :" أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا، حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك " وروي : أنها لبثت ما شاء الله، ثم رجعت فقالت : إنه كان قد مسني، فقال لها : كذبت في قولك الأوّل، فلن أصدّقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله ﷺ فأتت أبا بكر رضي الله عنه فقالت : أأرجع إلى زوجي الأوّل. فقال : قد عهدت رسول الله ﷺ حين قال لك ما قال، فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه قالت مثله لعمر رضي الله عنه فقال : إن أتيتني بعد مرّتك هذه لأرجمنك، فمنعها.
فإن قلت فما تقول في النكاح المعقود بشرط التحليل ؟ قلت : ذهب سفيان والأوزاعي وأبو عبيد ومالك وغيرهم إلى أنه غير جائز، وهو جائز عند أبي حنيفة مع الكراهة. وعنه أنهما إن أضمرا التحليل ولم يصرحا به فلا كراهة. وعن النبي ﷺ :« أنه لعن المحلل والمحلل له » وعن عمر رضي الله عنه : لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وعن عثمان رضي الله عنه : لا نكاح إلا نكاح رغبة غير مدالسة ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ الزوج الثاني. ﴿أَن يَتَرَاجَعَا﴾ أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج ﴿إِن ظَنَّا﴾ إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية. ولم يقل : إن علماً أنهما يقيمان، لأنّ اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله عز وجل. ومن فسر الظن ههنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى، لأنك لا تقول : علمت أن يقوم زيد، ولكن : علمت أنه يقوم، ولأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد، وإنما يظن ظناً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى