الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قولُه تعالى :﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ : شرطٌ جوابُهُ " فَأَمْسِكُوهُنَّ "، وقوله :" فبَلَغْنَ " عطفٌ على فعلِ الشرط. والبلوغُ : الوصولُ إلى الشيء : بَلَغَهُ يبلُغه بُلوغاً، قال امرؤ القيس :
ومنه : البُلْغَةُ والبَلاغُ اسمٌ لِما يُتَبَلَّغُ به.
قوله :﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال، وصاحبُها : إمَّا الفاعلُ أي : مصاحبين للمعروف، أو المفعولُ أي : مصاحباتٍ للمعروف.
قوله :﴿ضِرَاراً﴾ فيه وجهان، أظهرهُما أنه مفعولٌ من أجِلِهِ أي : لأجلِ الضِّرارِ. والثاني : أنه مصدرٌ في موضِعِ الحالِ أي : حالَ كونِكُم مُضَارِّينَ لهنَّ.
قوله :﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أدغم أبو الحارث عن الكسائي اللامَ في الذالِ إذا كان الفعلُ مجزوماً كهذه الآية، وهي في سبعةِ مواضعَ في القرآن :﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ في موضعين، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءِ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً﴾
[النساء: ٣٠]، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤]
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان: ٦٨]، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. وجاز لتقارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا واشتراكِهِما في الانفتاحِ والاستفال والجَهْر. وتَحَرَّز من غيرِ المجزومِ نحوُ : يفعلُ ذلك. وقد طَعَنَ قومٌ على هذه الروايةِ فقالوا : لا تَصِحُّ عن الكسائي لأنها تخالِفُ أصولَه، وهذا غيرُ صوابٍ.
قوله :﴿لِّتَعْتَدُواْ﴾ هذه لامُ العلة، وأجاز أبو البقاء :" أن تكونَ لامَ العاقبةِ، أي : الصيرورة، وفي متعلَّقِها وجهان، أحدُهما : أنه " لا تُمْسِكُوهُنَّ ". والثاني : أنه المصدرُ إنْ قلنا إنه حال، وإنْ قُلْنَا إنه مفعولٌ من أجله تعلَّقَتْ به فقط، وتكون علةً للعلةِ، كما تقول :" ضربت ابني تأديباً لينتفعَ "، فالتأديب علةٌ للضربِ والانتفاعُ علةٌ للتأديب، ولا يجوز أن تتعلَّقُ والحالةُ هذه ب " لا تُمْسِكُوهن ". و " تَعْتَدُوا " منصوبٌ بإضمارِ " أنْ " وهي وما بعدَها في محلِّ جر بهذه اللام، كما تقدَّم تقريرُه غيرَ مرةٍ. وأصل " تَعْتَدُوا " تَعْتَدِيُوا، فأُعِلَّ كنظائرِهِ، ولا يخفَى ذلك مِمَّا تَقدم.
قوله :﴿عَلَيْكُمْ﴾ يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما : أن يتعلَّقَ بنفسِ " النعمة " إن أريدَ بها الإِنعامُ، لأنها اسمُ مصدر كنبات من أَنْبَتَ، ولا تمنع تاءُ التأنيث من عملِ هذا المصدرِ لأنه مبنيٌّ عليها كقوله :
فأعمل " رهبةٌ " في " عقابك "، وإنما المحذُور أن يعملَ المصدرُ الذي لا يُبْنَى عليها نحو : ضربٌ وضَرْبَةٌ، ولذلك اعتذر الناس عن قوله :
بأنَّ المَلا وهو السراب منصوبٌ بفعلٍ مقدر لا بضربة. والثاني : ان يتعلَّقَ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من " نعمة " إنْ أريد بها المُنْعَمُ به، فعلى الأول تكون الجلالةُ في محلِّ رفعٍ، لأنَّ المصدرَ رافعٌ لها تقديراً إذا هي فاعلةٌ به وعلى الثاني في محلِّ جر لفظاً وتقديراً.
قوله :﴿وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ يجوزُ في " ما " وجهان، أحدُهما : أن تكونَ في محلِّ نصبٍ عطفاً على " نعمة " أي اذكروا نعمتَه والمُنَزَّل عليكم، فعلى هذا يكون قولُه " يَعِظُكُم " حالاً، وفي صاحبِها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أنه الفاعلُ في " أنزل " وهو اسمُ الله تعالى، أي : أنزله واعظاً به لكم. والثاني : أنه " ما " الموصولةُ، والعاملُ في الحالِ اذكروا. والثالث : أنه العائد على " ما " المحذوفُ، أي : وما أنزلهُ موعوظاً به، فالعاملُ في الحالِ على هذا القولِ وعلى القولِ الأولِ أَنْزَل.
والثاني : من وَجْهَي " ما " أن تكونَ في محلِّ رفع بالابتداء، ويكون " يَعِظُكُم " على هذا في محلِّ رفعٍ خبراً لهذا المتبدإِ، أي : والمُنَزَّلُ عليكم موعوظُ به. وأولُ الوَجْهَيْنِ أقوى وأحسنُ.
قوله :﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلِّقٌ ب " أَنْزَلَ ". و " من الكتاب " متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ، وفي صاحبِهِ وجهان، أحدُهما : أنه " ما " الموصولةُ. والثاني :" أنه عائدُها المحذوفُ، إذ التقدير : أنزله في حالِ كونِهِ من الكتاب. و " مِنْ " يجوز أن تكون تبعيضية وأن/ تكونَ لبيانِ الجنسِ عند مَنْ يرى ذلك. والضمير في " به " يعودُ على " ما " الموصولةِ.
| ومَجْرٍ كَغُلاَّنِ الأُنَيْعِمِ بالِغٍ | ديارَ العدوِّ ذي زُهاءٍ وَأَرْكَانِ |
قوله :﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال، وصاحبُها : إمَّا الفاعلُ أي : مصاحبين للمعروف، أو المفعولُ أي : مصاحباتٍ للمعروف.
قوله :﴿ضِرَاراً﴾ فيه وجهان، أظهرهُما أنه مفعولٌ من أجِلِهِ أي : لأجلِ الضِّرارِ. والثاني : أنه مصدرٌ في موضِعِ الحالِ أي : حالَ كونِكُم مُضَارِّينَ لهنَّ.
قوله :﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أدغم أبو الحارث عن الكسائي اللامَ في الذالِ إذا كان الفعلُ مجزوماً كهذه الآية، وهي في سبعةِ مواضعَ في القرآن :﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ في موضعين، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءِ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً﴾
[النساء: ٣٠]، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤]
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان: ٦٨]، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. وجاز لتقارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا واشتراكِهِما في الانفتاحِ والاستفال والجَهْر. وتَحَرَّز من غيرِ المجزومِ نحوُ : يفعلُ ذلك. وقد طَعَنَ قومٌ على هذه الروايةِ فقالوا : لا تَصِحُّ عن الكسائي لأنها تخالِفُ أصولَه، وهذا غيرُ صوابٍ.
قوله :﴿لِّتَعْتَدُواْ﴾ هذه لامُ العلة، وأجاز أبو البقاء :" أن تكونَ لامَ العاقبةِ، أي : الصيرورة، وفي متعلَّقِها وجهان، أحدُهما : أنه " لا تُمْسِكُوهُنَّ ". والثاني : أنه المصدرُ إنْ قلنا إنه حال، وإنْ قُلْنَا إنه مفعولٌ من أجله تعلَّقَتْ به فقط، وتكون علةً للعلةِ، كما تقول :" ضربت ابني تأديباً لينتفعَ "، فالتأديب علةٌ للضربِ والانتفاعُ علةٌ للتأديب، ولا يجوز أن تتعلَّقُ والحالةُ هذه ب " لا تُمْسِكُوهن ". و " تَعْتَدُوا " منصوبٌ بإضمارِ " أنْ " وهي وما بعدَها في محلِّ جر بهذه اللام، كما تقدَّم تقريرُه غيرَ مرةٍ. وأصل " تَعْتَدُوا " تَعْتَدِيُوا، فأُعِلَّ كنظائرِهِ، ولا يخفَى ذلك مِمَّا تَقدم.
قوله :﴿عَلَيْكُمْ﴾ يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما : أن يتعلَّقَ بنفسِ " النعمة " إن أريدَ بها الإِنعامُ، لأنها اسمُ مصدر كنبات من أَنْبَتَ، ولا تمنع تاءُ التأنيث من عملِ هذا المصدرِ لأنه مبنيٌّ عليها كقوله :
| فلولا رجاءُ النصرِ منك ورهبةٌ | عقابَكَ قد كانوا لنا كالموارِدِ |
| يُحايي به الجَلْدُ الذي هو حازِمٌ | بضربةِ كَفَّيْهِ المَلاَ وهْوَ راكِبُ |
قوله :﴿وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ يجوزُ في " ما " وجهان، أحدُهما : أن تكونَ في محلِّ نصبٍ عطفاً على " نعمة " أي اذكروا نعمتَه والمُنَزَّل عليكم، فعلى هذا يكون قولُه " يَعِظُكُم " حالاً، وفي صاحبِها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أنه الفاعلُ في " أنزل " وهو اسمُ الله تعالى، أي : أنزله واعظاً به لكم. والثاني : أنه " ما " الموصولةُ، والعاملُ في الحالِ اذكروا. والثالث : أنه العائد على " ما " المحذوفُ، أي : وما أنزلهُ موعوظاً به، فالعاملُ في الحالِ على هذا القولِ وعلى القولِ الأولِ أَنْزَل.
والثاني : من وَجْهَي " ما " أن تكونَ في محلِّ رفع بالابتداء، ويكون " يَعِظُكُم " على هذا في محلِّ رفعٍ خبراً لهذا المتبدإِ، أي : والمُنَزَّلُ عليكم موعوظُ به. وأولُ الوَجْهَيْنِ أقوى وأحسنُ.
قوله :﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلِّقٌ ب " أَنْزَلَ ". و " من الكتاب " متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ، وفي صاحبِهِ وجهان، أحدُهما : أنه " ما " الموصولةُ. والثاني :" أنه عائدُها المحذوفُ، إذ التقدير : أنزله في حالِ كونِهِ من الكتاب. و " مِنْ " يجوز أن تكون تبعيضية وأن/ تكونَ لبيانِ الجنسِ عند مَنْ يرى ذلك. والضمير في " به " يعودُ على " ما " الموصولةِ.