اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
الكلامُ في صدرِ هذه الآية كالتي قبلها، إلاَّ أنَّ الخِطابَ في :" طَلَّقتم " للأزواجِ، وفي :" فَلاَ تعضُلُوهُنَّ " للأولياء ؛ لأنه يروَى في سبب نُزُولِ هذه الآيةِ وجهان :
الأول : أَنَّ معقل بن يسار زوَّج أخته جميل بن عبد الله بن عاصمٍ، وقيل : كانت تحت أبي الدَّحْدَاحِ(١) عاصم بن عدي بن عجلان فطلقها، ثم تركها حتى انقضَتْ عدَّتها، ثم ندم ؛ فجاء يخطبُها، فقال : زوجتُك، وفرشتُك، وأكرمتُك ؛ فطلقتها ثم جئت تخطِبُها ؟ ! لا والله، لا تعود إليك أبداً، وكانت المرأةُ تُرِيدُ أَنْ ترجع إليه، فقال لها معقل : إنه طلَّقكِ ثُمَّ تريدين مراجعته ؟ وجهي مِنْ وَجْهِك حرامٌ، إنْ راجعته ؛ فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، فدعا رسولُ الله - ﷺ - معقل بن يسار، وتلا عليه الآيةَ، فقال : رغم أنْفِي لأَمْرِ رِبِّي، اللَّهُمّ رضيتُ، وسلّمْتُ لأَمْرك، وأَنكح أُخْتَه زوْجَها(٢).
الثاني : روَى مجاهد، والسدي : أَنَّ جابر بن عبد الله، كانت له ابنةُ عَمٍّ فطلقها زَوْجُها، وأراد رجعتها بعد العِدّة ؛ فأَبَى جابر ؛ فأنزل اللهُ - تعالى - هذه الآيةَ، وكان جابرٌ يقولَ : فِيَّ نزلت هذه الآيةُ(٣).
وقيل : الخطابُ فيهما للأزواج، ونُسِبَ العَضْلُ إليهم ؛ لأنهم كذلك كانوا يفعلون، يُطَلِّقُونَ، ويأْبَونَ أن تتزوج المرأَةُ بعدَهم ؛ ظلماً وقهراً.
قوله :" أَزْوَاجَهُنَّ " مجازٌ ؛ لأنه إذا أُريد به المطلِّقون، فتسميتُهم بذلك اعتباراً بما كانوا عليه، وإن أُريد بهم غيرُهم مِمَّن يُرِدْنَ تزويجهم فباعتبار ما يؤولون إليه. قال ابن الخطيب(٤) : وهذا هو المختارُ ؛ لأن قوله :﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ شرطٌ، والجزاءُ قوله :" فلا تَعْضُلُوهُنَّ " والشرطُ خطابٌ مع الأزواجِ، فيكون الجزاءُ خِطَاباً معهم أيضاً ؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لصار تقديرُ الآيةِ : إذا طلقتم النساء أَيُّها الأزواج، فلا تعضُلُوهُنَّ أيها الأولياءُ، وحينئذٍ لا يكونُ بين الشرطِ والجزاءِ مناسبةٌ أصلاً، وذلك يُوجِبُ تفكيك نظم الآيةِ، وتنزيه كلام اللهِ عز وجل عن مثل هذا، واجبٌ. ثم يتأكدُ بوجهين آخرين :
الأول : أَنَّه من أَوَّل آية الطَّلاق إلى هذا الموضع، خطابٌ مع الأزواجِ، ولم يجرِ للأولياءِ ذِكْرٌ اَلْبَتَّة، وصرفُ الخِطَابِ إلى الأَولياءِ خِلاَفُ النَّظْمِ.
الثاني : أَنَّ ما قبل هذه الآيةِ خطابٌ مع الأَزواجِ في كيفيةِ مُعاملتهم مع النساءِ بعد انقضاءِ العِدَّة، فكان صَرْفُ الخِطابِ إلى الأزواجِ، أولى ؛ لأنه تَرتيبٌ حَسَنٌ لَطِيفٌ.
واستدلَّ الأولُونَ بما تقدَّمَ مِنْ سَبب النزولِ.
ويمكِنُ الجوابُ عنه من وجهين :
الأول : أَنَّ المحافظة على نظمِ كَلاَمِ الله - تعالى -، أَوْلى من المحافظة على خبر الواحِدِ.
الثاني : أَنَّ الرَّوايتين في سبب النزولِ تَعَارَضَتَا ؛ فَرُوِيَ أَنَّ معقل كان يقولُ : فِيّ نزلت هذه الآية، وجابرٌ كان يقولُ فيّ نزلت، وإذا تعارضت الروايتان تساقطتا فبقي ما ذكرناه من التَّمَسك بنظم كَلاَمِ الله تعالى سليماً عن المعارِضِ، وفي هذه الاستدلالِ نظرٌ، ولا تعارُضَ بين الخبرين ؛ لأن مدلولَهُمَا واحدٌ.
واحتجوا أيضاً بأن هذه الآيةَ لو كانت خطاباً مع الأزواج، فلا تخْلُوا إِمَّا أَنْ تكونَ خِطَاباً معهم قبل انقضاءِ العِدَّةِ، أو بعد انقضائِها.
والأولُ باطل ؛ لأنَّ ذلك مستفادٌ من الآيةِ الأُولَى، فلما حملنا هذه الآيةَ على هذا المعنى، كان تكراراً من غير فائدةٍ، وأيضاً فقد قال تعالى :﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فنهى عن العضل حال حُصُولِ التراضي، ولا يحصلُ التراضِي بالنكاح، إلاَّ بعد التصريح بالخطبة ولا يجوزُ التصريح بالخطبة إلاَّ بعد انقضاء العِدَّة، وقال تعالى :﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
والثاني - أيضاً - باطلٌ ؛ لأنَّ بعد انقضاءِ العدَّةِ، ليس للزوج قدرةٌ على عضلِ المرأة، فكيف يُصْرفُ هذا النهي إليه ؟ !
ويمكنُ أن يُجابَ : بأن الرجل يمكن أَنْ يَكُونَ بحيثُ يشتد نَدَمُه على مفارقَةِ المرأة، بعد انقضاءِ عدَّتها، وتلحقُه الغيرة، إذا رأى مَنْ يخطبُها، وحينئذٍ يعضلها عن من يَنْكِحها، إِمَّا بأن يجحد الطلاق، أو يَدَّعي أنه كان راجعها في العدَّة، أو يدس إلى مَنْ يخطبها بالتهديد والوعيد، أو يسيء القول فيها : بأنْ ينسبها إلى أمورٍ تُنَفِّر الرجال عنها، فَنَهَى اللهُ تعالى الأزواج عن هذه الأَفعالِ، وعرَّفَهم أن تركها أزكَى، وأطهر، من دنسِ الآثام.
واحتجوا - أيضاً - بقوله تعالى :﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ قالوا : معناه : ولا يَمْنَعُوهن أَنْ يَنْكِحْنَ الذين كانوا أزواجاً لهُنَّ قبل ذلك، وهذا الكلامُ لا ينتظِمُ إلاَّ إذا جعلنا الآيةَ خطاباً للأولياءِ.
ويمكن الجوابُ : بأنَّ معنى قوله :﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ أن يَنكحنَ مَنْ يُرِدْنَ أن يتزوَّجنَه، فيكونون أزواجاً لهن والعربُ تسمي الشَّيْءَ بما يَؤُول إليه.
[ وقيل : الخِطَابُ فيهما للأَولياء، وفيهِ بُعْدٌ ؛ من حيثُ إنَّ الطلاقَ لا يُنْسَبُ إليهم إلا بمجازٍ بعيدٍ، وهو أنْ جَعَلَ تَسَبُّبَهُمْ في الطَّلاقِ طَلاَقاً ] والفاءُ في " فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ " جوابُ " إذا ".
والعَضْلُ : قيل : المَنْعُ، ومنه :" عَضَلَ أَمَتَهُ "، مَنَعَها من التزوُّجِ، يَعْضلُها بكسر العينِ وضَمِّها ؛ قال ابن هرمزٍ :[ الوافر ]
وقال :[ الطويل ]
ومنه :" دَجَاجَةٌ مُعْضِلٌ "، أي : احتبسَ بَيْضُها، وقيل : أَصلهُ الضِّيقُ ؛ قال أوس :[ الطويل ]
أي : ضَيِّقة بِهم، وعَضَلَتِ المَرْأَة، أي : نَشَبَ وَلَدُها في بَطْنِهَا، وكذلك عضلت الشَّاةُ، وأَعْضَلَ الدَّاءُ الأَطِبَّاء : إِذَا أَعياهُمْ، ويُقَالُ : دَاءٌ عُضَالٌ، أي : ضَيِّقُ العِلاج ؛ وقالت ليلى الأخيلية :[ الطويل ]
والمُعْضِلاتُ : المُشْكِلاَتُ ؛ لضِيق فَهْمِها ؛ قال الشافعيُّ :[ المتقارب ]
قوله تعالى :" أَن يَنكِحْنَ " فيه وجهان :
أحدهما : أنه بدلٌ من الضميرِ المنصوبِ في " تَعْضُلُوهُنَّ " بدلُ اشْتِمالٍ، فيكون في محلِّ نصب، أي : فلا تَمْنَعُوا نكاحَهُنَّ.
والثاني : أَنْ يَكُونَ على إسقاط الخافِضِ، وهو إمَّا " مِنْ "، أو " عَنْ " فيكونُ في محلِّ " أَنْ " الوجهان المشهُورانِ : أعني مذهب سيبويه(١٠)، ومذهب الخليل. و " يَنْكِحْنَ " مضارعُ " نَكَحَ " الثّلاثيّ، وكانَ قياسُه أنْ تُفْتَحَ عينُه ؛ لأنَّ لامَه حرف حَلقٍ.
قوله :﴿إِذَا تَرَاضَوْاْ﴾ في ناصبِ هذا الظَّرْفِ وجهان :
أحدهما :" ينكِحْنَ " أي : أَنْ ينكِحْنَ وقتَ التَّراضِي.
والثاني : أَنْ يكونَ " تَعْضُلُوهنَّ " أي : لا تعضُلوهنَّ وقتَ التَّراضِي، والأولُ أظهرُ. و " إذا " هنا مُتَمحِّضَة للظرفيةِ. والضميرُ في " تراضَوا " يجوزُ أَنْ يَعُودَ إلى الأوْلياءِ وللأزواج، وأَنْ يَعُودَ على الأَزْوَاجِ والزوجاتِ، ويكونُ مِنْ تَغْلِيبِ المذكرِ على المؤنثِ.
قوله :" بَيْنَهُمْ " ظرفُ مكانٍ مجازيّ، وناصبُه " تراضَوا ".
قوله :﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ :
أحدها : أنه متعلقٌ بتراضَوا، أي : تَرَاضَوا بما يَحْسُن مِنَ الدِّينِ والمروءَةِ.
والثاني : أن يتعلَّق ب " يَنْكِحْنَ " فيكون " ينكِحْنَ " ناصباً للظرفِ، وهو " إِذا " ؛ ولهذا الجارِّ أيضاً.
والثالث : أَن يتعلَّق بمحذوفٍ على أَنَّه حالٌ من فاعل تَرَاضَوا.
والرابع : أنه نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، دلَّ عليه الفعلُ، أي : تراضياً كائناً بالمعروف.
تمسّكَ بهذه الآيةِ مَنْ يشترط الوَلِيَّ في النكَاحِ ؛ بناءَ على أَنَّ الخطاب في هذه الآية للأولياء، قال : لأَنَّ المرأة لو كانت تُزوِّج نفسها، أَوْ تُوكِّلُ مَنْ يُزوِّجها، ما كان الوليُّ قادراً على عضلها من النِّكاح، ولو لم يكن قادراً على العضلِ لما نهاهُ اللهُ عن العضل وقد تقدم ما فيه من البحث، وإِنْ سلم، فلم لا يجوزُ أَنْ يكون المرادُ بالنَّهي عنِ العضلِ أَنْ يخليها ورأيها في ذلك ؛ لأَنَّ الغالب في الأَيَامَى أَن يرجعن إلى رأي الأَولياء، في بَابِ النكاحِ، وإِنْ كان الاستئذان الشرعي حاصِلاً لهن، وأَنْ يكُنَّ تحت رأيهم، وتدبيرهم، وحينئذٍ يكُونون مُتمكِّنين مِنْ منعهنَّ ؛ لتمكنهم مِنْ تخليتهن، فيكون النَّهي محمولاً على هذا الوجه، وهذا منقولٌ عن ابن عبَّاسٍ، في تفسير هذه الآيةِ(١١). وأيضاً فثبوتُ العضلِ في حَقِّ الولي مُمْتَنِعٌ ؛ لأنه متى عضل القريبُ فلا يبقى لعضله أثرٌ.
وتمسَّك أبو حنيفة بقوله تعالى :﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ على أَنَّ النكاح بغير وَليٍّ جائزٌ، قال : لأنه أَضَافَ النكاح إليها إضافة الفعْل إلى فاعله، ونهى الوليَّ عَنْ منعها منه، قال : ويتأكَّدُ هذا بقوله تعالى :﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وبقوله :﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وتزويجها نفسها مِنَ الكُفءِ، فعلٌ بالمعروفِ ؛ فوجب أَنْ يَصِحَّ.
وقوله تعالى :﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] دليلٌ واضِحٌ مع أَنَّهُ لم يحضر هناك ولي البتَّةَ.
وأجاب الأولون : بأن الفِعْل كما يُضافُ إلى المباشر، قد يُضافُ إلى المتسبّب، يقال : بني الأمِيرُ داراً، وضرب ديناراً، وإنْ كان مجازاً، إلاَّ أنَّهُ يجب المصيرُ إليه ؛ لدلالةِ الأَحاديث على بُطْلان هذا النِّكَاح.
قال الشَّافعيُّ - رحمه اللهُ - دلَّ سياقُ الكلامينِ - أي في الآيتين - على افتراق البُلُوغين، ومعناه أَنَّه تعالى قال في الآية الأولى :﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] ولو كانت عِدَّتها قد انقضت، لما قال :﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لأن إمساكها بعد العدّة لا يجوزُ وتكون مُسَرَّحَةً، فلا حاجة إلى تسريحها، وأما هذه الآية، فإنه نهى عن عضلهن عن التَّزويج، وهذا النَّهْي إِنَّما يحسن في الوقت الذي يمكنها أَنْ تتزوَّج فيه، وذلك إِنَّ
الأول : أَنَّ معقل بن يسار زوَّج أخته جميل بن عبد الله بن عاصمٍ، وقيل : كانت تحت أبي الدَّحْدَاحِ(١) عاصم بن عدي بن عجلان فطلقها، ثم تركها حتى انقضَتْ عدَّتها، ثم ندم ؛ فجاء يخطبُها، فقال : زوجتُك، وفرشتُك، وأكرمتُك ؛ فطلقتها ثم جئت تخطِبُها ؟ ! لا والله، لا تعود إليك أبداً، وكانت المرأةُ تُرِيدُ أَنْ ترجع إليه، فقال لها معقل : إنه طلَّقكِ ثُمَّ تريدين مراجعته ؟ وجهي مِنْ وَجْهِك حرامٌ، إنْ راجعته ؛ فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، فدعا رسولُ الله - ﷺ - معقل بن يسار، وتلا عليه الآيةَ، فقال : رغم أنْفِي لأَمْرِ رِبِّي، اللَّهُمّ رضيتُ، وسلّمْتُ لأَمْرك، وأَنكح أُخْتَه زوْجَها(٢).
الثاني : روَى مجاهد، والسدي : أَنَّ جابر بن عبد الله، كانت له ابنةُ عَمٍّ فطلقها زَوْجُها، وأراد رجعتها بعد العِدّة ؛ فأَبَى جابر ؛ فأنزل اللهُ - تعالى - هذه الآيةَ، وكان جابرٌ يقولَ : فِيَّ نزلت هذه الآيةُ(٣).
وقيل : الخطابُ فيهما للأزواج، ونُسِبَ العَضْلُ إليهم ؛ لأنهم كذلك كانوا يفعلون، يُطَلِّقُونَ، ويأْبَونَ أن تتزوج المرأَةُ بعدَهم ؛ ظلماً وقهراً.
قوله :" أَزْوَاجَهُنَّ " مجازٌ ؛ لأنه إذا أُريد به المطلِّقون، فتسميتُهم بذلك اعتباراً بما كانوا عليه، وإن أُريد بهم غيرُهم مِمَّن يُرِدْنَ تزويجهم فباعتبار ما يؤولون إليه. قال ابن الخطيب(٤) : وهذا هو المختارُ ؛ لأن قوله :﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ شرطٌ، والجزاءُ قوله :" فلا تَعْضُلُوهُنَّ " والشرطُ خطابٌ مع الأزواجِ، فيكون الجزاءُ خِطَاباً معهم أيضاً ؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لصار تقديرُ الآيةِ : إذا طلقتم النساء أَيُّها الأزواج، فلا تعضُلُوهُنَّ أيها الأولياءُ، وحينئذٍ لا يكونُ بين الشرطِ والجزاءِ مناسبةٌ أصلاً، وذلك يُوجِبُ تفكيك نظم الآيةِ، وتنزيه كلام اللهِ عز وجل عن مثل هذا، واجبٌ. ثم يتأكدُ بوجهين آخرين :
الأول : أَنَّه من أَوَّل آية الطَّلاق إلى هذا الموضع، خطابٌ مع الأزواجِ، ولم يجرِ للأولياءِ ذِكْرٌ اَلْبَتَّة، وصرفُ الخِطَابِ إلى الأَولياءِ خِلاَفُ النَّظْمِ.
الثاني : أَنَّ ما قبل هذه الآيةِ خطابٌ مع الأَزواجِ في كيفيةِ مُعاملتهم مع النساءِ بعد انقضاءِ العِدَّة، فكان صَرْفُ الخِطابِ إلى الأزواجِ، أولى ؛ لأنه تَرتيبٌ حَسَنٌ لَطِيفٌ.
واستدلَّ الأولُونَ بما تقدَّمَ مِنْ سَبب النزولِ.
ويمكِنُ الجوابُ عنه من وجهين :
الأول : أَنَّ المحافظة على نظمِ كَلاَمِ الله - تعالى -، أَوْلى من المحافظة على خبر الواحِدِ.
الثاني : أَنَّ الرَّوايتين في سبب النزولِ تَعَارَضَتَا ؛ فَرُوِيَ أَنَّ معقل كان يقولُ : فِيّ نزلت هذه الآية، وجابرٌ كان يقولُ فيّ نزلت، وإذا تعارضت الروايتان تساقطتا فبقي ما ذكرناه من التَّمَسك بنظم كَلاَمِ الله تعالى سليماً عن المعارِضِ، وفي هذه الاستدلالِ نظرٌ، ولا تعارُضَ بين الخبرين ؛ لأن مدلولَهُمَا واحدٌ.
واحتجوا أيضاً بأن هذه الآيةَ لو كانت خطاباً مع الأزواج، فلا تخْلُوا إِمَّا أَنْ تكونَ خِطَاباً معهم قبل انقضاءِ العِدَّةِ، أو بعد انقضائِها.
والأولُ باطل ؛ لأنَّ ذلك مستفادٌ من الآيةِ الأُولَى، فلما حملنا هذه الآيةَ على هذا المعنى، كان تكراراً من غير فائدةٍ، وأيضاً فقد قال تعالى :﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فنهى عن العضل حال حُصُولِ التراضي، ولا يحصلُ التراضِي بالنكاح، إلاَّ بعد التصريح بالخطبة ولا يجوزُ التصريح بالخطبة إلاَّ بعد انقضاء العِدَّة، وقال تعالى :﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
والثاني - أيضاً - باطلٌ ؛ لأنَّ بعد انقضاءِ العدَّةِ، ليس للزوج قدرةٌ على عضلِ المرأة، فكيف يُصْرفُ هذا النهي إليه ؟ !
ويمكنُ أن يُجابَ : بأن الرجل يمكن أَنْ يَكُونَ بحيثُ يشتد نَدَمُه على مفارقَةِ المرأة، بعد انقضاءِ عدَّتها، وتلحقُه الغيرة، إذا رأى مَنْ يخطبُها، وحينئذٍ يعضلها عن من يَنْكِحها، إِمَّا بأن يجحد الطلاق، أو يَدَّعي أنه كان راجعها في العدَّة، أو يدس إلى مَنْ يخطبها بالتهديد والوعيد، أو يسيء القول فيها : بأنْ ينسبها إلى أمورٍ تُنَفِّر الرجال عنها، فَنَهَى اللهُ تعالى الأزواج عن هذه الأَفعالِ، وعرَّفَهم أن تركها أزكَى، وأطهر، من دنسِ الآثام.
واحتجوا - أيضاً - بقوله تعالى :﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ قالوا : معناه : ولا يَمْنَعُوهن أَنْ يَنْكِحْنَ الذين كانوا أزواجاً لهُنَّ قبل ذلك، وهذا الكلامُ لا ينتظِمُ إلاَّ إذا جعلنا الآيةَ خطاباً للأولياءِ.
ويمكن الجوابُ : بأنَّ معنى قوله :﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ أن يَنكحنَ مَنْ يُرِدْنَ أن يتزوَّجنَه، فيكونون أزواجاً لهن والعربُ تسمي الشَّيْءَ بما يَؤُول إليه.
[ وقيل : الخِطَابُ فيهما للأَولياء، وفيهِ بُعْدٌ ؛ من حيثُ إنَّ الطلاقَ لا يُنْسَبُ إليهم إلا بمجازٍ بعيدٍ، وهو أنْ جَعَلَ تَسَبُّبَهُمْ في الطَّلاقِ طَلاَقاً ] والفاءُ في " فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ " جوابُ " إذا ".
والعَضْلُ : قيل : المَنْعُ، ومنه :" عَضَلَ أَمَتَهُ "، مَنَعَها من التزوُّجِ، يَعْضلُها بكسر العينِ وضَمِّها ؛ قال ابن هرمزٍ :[ الوافر ]
| وَإِنَّ قَصَائِدِي لَكَ فَاصْطَنِعْنِي | كَرَائِمُ قَدْ عُضِلْنَ عَنِ النِّكَاحِ(٥) |
| وَنَحْنُ عَضَلْنَا بِالرِّمَاحِ نِسَاءَنَا | وَمَا فِيكُمُ عَنْ حُرْمَةِ اللهِ عَاضِلُ(٦) |
| تَرَى الأَرْضَ مِنَّا بِالْقَضَاءِ مَرِيضَةً | مُعَضَّلَةً مِنَّا بِجَيْشٍ عَرَمْرَمِ(٧) |
| شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ العُضَالِ الَّذِي بِهَا | غُلاَمٌ إِذَا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاهَا(٨) |
| إِذَا المُعْضِلاَتُ تَصَدَّيْنَنِي | كَشَفْتُ حَقَائِقَهَا بِالنَّظَرْ(٩) |
أحدهما : أنه بدلٌ من الضميرِ المنصوبِ في " تَعْضُلُوهُنَّ " بدلُ اشْتِمالٍ، فيكون في محلِّ نصب، أي : فلا تَمْنَعُوا نكاحَهُنَّ.
والثاني : أَنْ يَكُونَ على إسقاط الخافِضِ، وهو إمَّا " مِنْ "، أو " عَنْ " فيكونُ في محلِّ " أَنْ " الوجهان المشهُورانِ : أعني مذهب سيبويه(١٠)، ومذهب الخليل. و " يَنْكِحْنَ " مضارعُ " نَكَحَ " الثّلاثيّ، وكانَ قياسُه أنْ تُفْتَحَ عينُه ؛ لأنَّ لامَه حرف حَلقٍ.
قوله :﴿إِذَا تَرَاضَوْاْ﴾ في ناصبِ هذا الظَّرْفِ وجهان :
أحدهما :" ينكِحْنَ " أي : أَنْ ينكِحْنَ وقتَ التَّراضِي.
والثاني : أَنْ يكونَ " تَعْضُلُوهنَّ " أي : لا تعضُلوهنَّ وقتَ التَّراضِي، والأولُ أظهرُ. و " إذا " هنا مُتَمحِّضَة للظرفيةِ. والضميرُ في " تراضَوا " يجوزُ أَنْ يَعُودَ إلى الأوْلياءِ وللأزواج، وأَنْ يَعُودَ على الأَزْوَاجِ والزوجاتِ، ويكونُ مِنْ تَغْلِيبِ المذكرِ على المؤنثِ.
قوله :" بَيْنَهُمْ " ظرفُ مكانٍ مجازيّ، وناصبُه " تراضَوا ".
قوله :﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ :
أحدها : أنه متعلقٌ بتراضَوا، أي : تَرَاضَوا بما يَحْسُن مِنَ الدِّينِ والمروءَةِ.
والثاني : أن يتعلَّق ب " يَنْكِحْنَ " فيكون " ينكِحْنَ " ناصباً للظرفِ، وهو " إِذا " ؛ ولهذا الجارِّ أيضاً.
والثالث : أَن يتعلَّق بمحذوفٍ على أَنَّه حالٌ من فاعل تَرَاضَوا.
والرابع : أنه نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، دلَّ عليه الفعلُ، أي : تراضياً كائناً بالمعروف.
فصل
تمسّكَ بهذه الآيةِ مَنْ يشترط الوَلِيَّ في النكَاحِ ؛ بناءَ على أَنَّ الخطاب في هذه الآية للأولياء، قال : لأَنَّ المرأة لو كانت تُزوِّج نفسها، أَوْ تُوكِّلُ مَنْ يُزوِّجها، ما كان الوليُّ قادراً على عضلها من النِّكاح، ولو لم يكن قادراً على العضلِ لما نهاهُ اللهُ عن العضل وقد تقدم ما فيه من البحث، وإِنْ سلم، فلم لا يجوزُ أَنْ يكون المرادُ بالنَّهي عنِ العضلِ أَنْ يخليها ورأيها في ذلك ؛ لأَنَّ الغالب في الأَيَامَى أَن يرجعن إلى رأي الأَولياء، في بَابِ النكاحِ، وإِنْ كان الاستئذان الشرعي حاصِلاً لهن، وأَنْ يكُنَّ تحت رأيهم، وتدبيرهم، وحينئذٍ يكُونون مُتمكِّنين مِنْ منعهنَّ ؛ لتمكنهم مِنْ تخليتهن، فيكون النَّهي محمولاً على هذا الوجه، وهذا منقولٌ عن ابن عبَّاسٍ، في تفسير هذه الآيةِ(١١). وأيضاً فثبوتُ العضلِ في حَقِّ الولي مُمْتَنِعٌ ؛ لأنه متى عضل القريبُ فلا يبقى لعضله أثرٌ.
وتمسَّك أبو حنيفة بقوله تعالى :﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ على أَنَّ النكاح بغير وَليٍّ جائزٌ، قال : لأنه أَضَافَ النكاح إليها إضافة الفعْل إلى فاعله، ونهى الوليَّ عَنْ منعها منه، قال : ويتأكَّدُ هذا بقوله تعالى :﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وبقوله :﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وتزويجها نفسها مِنَ الكُفءِ، فعلٌ بالمعروفِ ؛ فوجب أَنْ يَصِحَّ.
وقوله تعالى :﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] دليلٌ واضِحٌ مع أَنَّهُ لم يحضر هناك ولي البتَّةَ.
وأجاب الأولون : بأن الفِعْل كما يُضافُ إلى المباشر، قد يُضافُ إلى المتسبّب، يقال : بني الأمِيرُ داراً، وضرب ديناراً، وإنْ كان مجازاً، إلاَّ أنَّهُ يجب المصيرُ إليه ؛ لدلالةِ الأَحاديث على بُطْلان هذا النِّكَاح.
فصل في اختلاف البلوغين
قال الشَّافعيُّ - رحمه اللهُ - دلَّ سياقُ الكلامينِ - أي في الآيتين - على افتراق البُلُوغين، ومعناه أَنَّه تعالى قال في الآية الأولى :﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] ولو كانت عِدَّتها قد انقضت، لما قال :﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لأن إمساكها بعد العدّة لا يجوزُ وتكون مُسَرَّحَةً، فلا حاجة إلى تسريحها، وأما هذه الآية، فإنه نهى عن عضلهن عن التَّزويج، وهذا النَّهْي إِنَّما يحسن في الوقت الذي يمكنها أَنْ تتزوَّج فيه، وذلك إِنَّ
١ - عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام البلوي العجلاني حليف الأنصار. كان سيد بني عجلان، وهو أخو معن بن عدي ويكنى: أبا عمرو، يقال: أبا عبد الله، واتفقوا على ذكره في البدريين، ويقال: إنه لم يشهدها بل خرج فكسر فرده النبي-صلى الله عليه وسلم- من الروحاء واستخلفه على العالية من المدينة وله ذكر في الصحيح من حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين، وغاير البغوي بين عاصم بن عدي العجلاني وبين عاصم والد أبي القداح، فوهم، وصرح ابن خزيمة في صحيحه بأن والد ابن القداح هو عاصم بن عدي العجلاني، وقال ابن سعد وابن السكن وغيرهما: مات سنة خمس وأربعين وهو ابن مائة وخمس عشرة وقيل: عشرين وقال الزبير بن بكار في ترجمة عبد الرحمن بن عوف: ومن ولده عمر ومعن وزيد وأمهم سهلة بنت عاصم بن عدي العجلاني كان عبد العزيز بن عمران يحدث عن أبيه عن جده عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال عاش عاصم بن عدي عشرين ومائة سنة، فلما حضرته الوفاة بكى عليه أهله فقال: لا تبكوا علي إنما فنيت فناء وذكر الطبري أنه كان قصير القامة ينظر الإصابة ترجمة رقم (٤٣٤٦)، الأعلام ٣/٢٤٨..
٢ - أخرجه بهذا اللفظ الحاكم (٢/١٧٤) والبيهقي (٧/١٣٨) والطبري في "تفسيره" (٥/١٩) عن الحسن وأخرجه الحاكم (٢/١٨٠) والطبري في "تفسيره" (٥/١٨) مختصرا عن معقل بن يسار.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وتعقبه الذهبي فقال: الفضل ضعفه ابن معين وقواه غيره.
وأخرجه باختصار أيضا البخاري (٩/٤٢٥-٤٢٦) والطبري في "تفسيره" (٥/١٧) عن الحسن عن معقل بن يسار..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢١-٢٢) والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥١١) وزاد نسبته لابن المنذر عن السدي..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٩٦..
٥ - ينظر: الكشاف ٢/٢٧٨، الدر المصون ١/٥٦٦..
٦ - ينظر: البحر ٢/٢١٥، الدر المصون ١/٥٦٦..
٧ - ينظر ديوانه (١٢١)، اللسان: مرض، الدر المصون ١/٥٦٦..
٨ - ينظر ديوانه (١١٨)، اللسان: عضل، الدر المصون ١/٥٦٧..
٩ - ينظر ديوانه (٤٨)، البحر ٢/٢١٦، الدر المصون ١/٥٦٧..
١٠ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/١٧..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٩٧..
٢ - أخرجه بهذا اللفظ الحاكم (٢/١٧٤) والبيهقي (٧/١٣٨) والطبري في "تفسيره" (٥/١٩) عن الحسن وأخرجه الحاكم (٢/١٨٠) والطبري في "تفسيره" (٥/١٨) مختصرا عن معقل بن يسار.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وتعقبه الذهبي فقال: الفضل ضعفه ابن معين وقواه غيره.
وأخرجه باختصار أيضا البخاري (٩/٤٢٥-٤٢٦) والطبري في "تفسيره" (٥/١٧) عن الحسن عن معقل بن يسار..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢١-٢٢) والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥١١) وزاد نسبته لابن المنذر عن السدي..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٩٦..
٥ - ينظر: الكشاف ٢/٢٧٨، الدر المصون ١/٥٦٦..
٦ - ينظر: البحر ٢/٢١٥، الدر المصون ١/٥٦٦..
٧ - ينظر ديوانه (١٢١)، اللسان: مرض، الدر المصون ١/٥٦٦..
٨ - ينظر ديوانه (١١٨)، اللسان: عضل، الدر المصون ١/٥٦٧..
٩ - ينظر ديوانه (٤٨)، البحر ٢/٢١٦، الدر المصون ١/٥٦٧..
١٠ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/١٧..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٩٧..