اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قال القرطبيُّ : لا جناح، أي : لا إِثْمَ(١) والجناحُ : الإثمُ، وهو أصح في الشَّرع.
وقيل : بل هو الأَمر الشاقُّ، وهو أصحُّ في اللغة ؛ قال الشَّمَّاخ :[ الوافر ]
إِذَا تَعْلُو بِرَاكِبِهَا خَلِيجاًتَذَكَّرُ مَا لَدَيْهِ مِنَ الجُنَاحِ(٢)
و " التَّعْريضُ " في اللغة : ضدُّ التصريح، ومعناه : أن يضمِّن كلامَهُ ما يصلحُ للدَّلالة على مقصُوده، ويصلُحُ للدَّلالة على غير مقصُوده، إلا أن إشعَاره بجانب المقصُود أتَمُّ وأرجحُ.
وأصلُهُ مِنْ عُرض الشيء، وهو جانبُهُ ؛ كأنَّه يحوم حولَهُ ؛ ولا يظهر، ونظيره أن يقول المُحتاج للمحتاج إليه : جئتُكَ لأُسلمَ عَلَيك، ولأنْظر إلى وجهك الكريم ؛ ولذلك قال :[ الطويل ]
. . . *** وَحَسْبُكَ بِالتَّسْلِيمِ مِنِّي تَقَاضِيَا(٣)
والتعريض قد يُسمَّى تلويحاً ؛ لأنَّه يَلُوحُ منه ما يريدُه، والفرقُ بين الكناية والتعريض : أنَّ الكناية ذكرُ الشَّيء بذكر لوازمه ؛ كقولك فلانٌ طويلُ النجادِ، كثيرُ الرماد ؛ لأنَّ النجاد عبارةٌ عن حَمِيلَةِ السَّيفِ، إذا كانت حميلةُ سيفهِ طويلةً، لزم منه أن يكونَ الرَّجُل طويلاً، وكذلك إذا كان كثير الرمَادِ، لزم منه أن يكون كثير الطَّبخ للأَضياف، وغيرهم، والتعريضُ أنْ يذكر كلاماً يحتمل المقصُود وغيره، إلاَّ أنَّ قرينة الحال تؤكِّد حمله على المقصُود.
وقال الفراء(٤) : الخِطْبَةُ مصدرٌ بمعنى الخَطْب، وهي مثل قولك : إِنَّه لَحَسَنُ القِعْدةِ والجِلْسَةِ تريد : القُعُود والجُلُوس والخطبَةُ مصدرٌ في الأصل بمعنى الخَطْبِ، والخَطْب : الحاجة، ثم خُصَّت بالتماس النكاح ؛ لأنه بعضُ الحاجات، يقال : ما خَطْبُكَ ؟ أي : ما حاجتُك. وفي اشتقاقه وجهان :
الأول : الأمر والشأن يقال ما خطبُكَ ؟ أي : ما شأنُكَ ؟ فقولهم : خَطَبَ فلانٌ فُلانَةً، أي : سَأَلَهَا أَمراً وشأناً في نفسِها.
والثاني : أصلُ الخِطْبة من الخطابة الَّذي هو الكلامُ، يقال : خَطَبَ المرأة، أي : خاطبها في أمر النِّكاح، والخطب : الأمر العظيم ؛ لأنَّه يحتاجُ لخطاب كثيرٍ. والخطبة بالضَّم، الكلامُ المشتملُ على الوعظِ والزَّجرِ، وكلاهما من الخَطْبِ الذي هو الكلامُ، وكانت سَجاح يُقال لها خِطْبٌ فتقول : نِكْحٌ.
قوله تعالى :﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : الهاءُ المجرورةُ في " بِهِ ".
والثاني :" مَا " المجرورة ب " فِي "، والعاملُ على كِلا التقديرين محذوفٌ، وقال أبو البقاء(٥) : حالٌ من الهاءِ المجرورةِ، فيكونُ العاملُ فيه " عَرَّضْتُمْ "، ويجوزُ أن يكونَ حالاً من " مَا " فيكونُ العاملُ فيه الاستقرارَ. قال شهاب الدين : وهذا على ظاهره ليس بجيِّدٍ ؛ لأنَّ العاملَ فيه محذوفٌ ؛ على ما تقرَّر، إلا أَنْ يريدَ من حيث المعنى لا الصناعةُ، فقد يجوزُ له ذلك.
والخِطبة بكسر الخاء - فعلُ الخاطِب - : من كلام وقصدٍ، واستلطافٍ، بفعل أَو قولٍ. يقال : خطبها يخطبها خطباً، أو خطبةً، ورجل خَطّاب كثيرُ التصرفِ في الخطبةِ، والخطيبُ : الخاطِبُ، والخِطِّيبَى : الخِطْبة، والخطبة فعلهُ : كجلسةٍ، وقعدةٍ، وخُطبة - بضمِّ الخاءِ - هي الكلامُ الذي يقال في النكاح، وغيره.
قال النحاس :" والخُطبة " ما كان لها أَوَّل وآخِر، وكذلك ما كان على فعله، نحو الأَكلة، والضَّغطَة(٦).

فصل في جواز التعريض بالخطبة في عدة الوفاة


التعريضُ بالخطبة مباحٌ في عدَّة الوفاة، وهو أَنْ يقول : رُبَّ راغبٍ فيك، ومَنْ يجدُ مثلك، إنَّك لجميلة إنَّك لصالِحَةٌ، إنّك عليّ كريمةٌ، إنِّي فيك لراغِبٌ، وإن مِنْ غرضي أَنْ أَتزوَّج، وإِنْ جمع اللهُ بيني وبينك بالحلالِ أعجبتني، وإِنْ تزوَّجتُك لأُحسن إليك، ونحو ذلك من الكلامِ، من غير أَنْ يقول : أَنحكيني.
والمرأةُ تجيبه بمثله، إِنْ رغبتْ فيه.
وقال إبراهيم : لا بأس أَنْ يُهدي لها ويقوم بشغلها في العدة، إذا كانت غير شابةٍ(٧).
روي أَنَّ سُكَيْنةَ بنت حنظلة ؛ بانت من زوجها، فدخل عليها أَبُو جعفرٍ محمَّد بن علي الباقر في عِدّتها، وقال : يا ابنة حنظلة، أنا مَنْ قد عَلِمْت قرابتي مِنْ رسولِ الله - ﷺ - وحقَّ جَدِّي عليِّ، وقدَمي في الإسلام، فقالت له سُكينة : أَتخطبني وأنا في العدَّة، وأَنْتَ يؤخذُ عنك ؟ فقال أو قد فعلت ؟ إِنَّما أخبرتُك بقرابتي مِنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم(٨) -.
وقد دخل رسول الله - ﷺ - على أُمِّ سلمة، وهي في عِدَّةٍ من زوجها، أبي سلمة، فذكر لها منزلتهُ مِنَ الله - عز وجلَّ - وهو متحامِلٌ على يده ؛ حتَّى أثَّر الحصيرُ في يده من شدَّة تحامله على يده(٩).

فصل


والنٍّساء في حكم الخِطبة على ثلاثة أقسامٍ :
الأول : التي يجوز خِطْبتُها تعريضاً، وتصريحاً، وهي الخاليةُ عن الأَزْوَاجِ والعدد إلاَّ أَنْ يكونَ خطبها غيره ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام :" لا يَخْطِبَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيْهِ "، وهذا الحديثُ وإِنْ كان مطلقاً ففيه ثلاثةُ أجوالٍ :
الحالة الأولى : أَنْ يخطب الرجلُ، فيجاب صريحاً ؛ فهاهنا لا يَحِلُّ لغيره أَنْ يخطبها.
الحالة الثانية : أَنْ يُجابَ بالردِّ صريحاً ؛ فهاهنا يَحِلُّ لغيره أَنْ يخطبها.
الحالة الثالثة : ألاَّ يوجد صريحُ الإجابة، ولا صريحُ الرَّدِّ ؛ فهاهنا فيه خلافٌ.
فقال بعضهم تجوزُ خطبتها ؛ لأَن السكوتَ لَمْ يدُلَّ على الرِّضا وهو الجديدُ عن الشَّافعيَّ.
وقال مالكٌ : لا يجوزُ، وهو القديمُ ؛ لأنَّ السكوت وإِنْ لم يدُلَّ على الرضا، لكنه لا يدلُّ أيضاً على الكراهة، فربَّمَا حصلت الرغبةُ مِنْ بعضِ الوجوه ؛ فتصيرُ هذه الخِطبةُ الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة.
القسم الثاني : التي لا تجوز خِطْبتُها ؛ لا تصريحاً، ولا تعريضاً، وهي زوجة الغير ؛ لأَنَّ خطبتها ربما صارت سبباً لتشويش الأَمر على زوجها، مِنْ حيثُ إنها إذا علمت رغبة الخاطب، فربما حملها ذلك على الامتناع مِنْ تأدية حُقُوق الزوج، والتسبب إلى هذا حرامٌ، والرجعية كذلك ؛ لأنها في حكم الزوجة ؛ لصحة طلاقها، وظهارها، ولعانها، وعِدَّتُها منه عِدَّة الوفاة إذا مات عنها ويتوارثان.
القسم الثالث : أَنْ يفصل في حقِّها بين التعريض، والتَّصريح، وهي المعتدة غير(١٠) الرجعيَّة، وهي ثلاثة أقسامٍ :
الأول : المعتدة عِدَّة الوفاةِ، يجوز خطبتها تعريضاً ؛ لقوله تعالى :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ فظاهره أنها المتوفَّى عنها زوجها ؛ لأنها مذكورةٌ عقب تلك الآية، ولمّا خُصِّصَ التعريضُ بعدم الجناح، دلّ على أنّ التصريحَ بخلافِهِ، والمعنى يُؤكِّدُه ؛ لأن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فربما حملها الحِرص على النكاح، على الإِخبار بانقضاء العِدَّة قبل أَوانها بخلافِ التعريضِ، فإنَّه يحتمل غير ذلك، فلا يدعوها إلى الكذب.
الثاني : المعتدةُ عن الطلاق الثلاث، والبائن باللِّعان والرَّضاع ففي جواز التعريض بخطبتها خلافٌ.
فقيل : يجوز التعريض بخطبتها، لأنّها ليست في نكاحٍ، فأشبهت المتوفى عنها.
وقيل : لا يجوزُ لأنّ عدتها بالأَقراءِ، فلا يُؤمن عليها الكَذِب في الإخبارِ بانقضاء عدَّتها ؛ لرغبتها في الخُطَّاب.
الثالث : البائِنُ لطلاقٍ أَوْ فسخٍ، وهي التي يجوزُ لزوجها نكاحُها في عدَّتها كالمختلعة، والتي انفسخ نكاحُها بعيبٍ أو عُنَّةٍ، أَو إعسار نفقةٍ، فهذه يجوزُ لزوجها التصريحُ، والتعريضُ ؛ وأَمَّا غيرُ الزوج، فلا يحلُّ له التصريحُ، وفي التعريض خلافٌ، والصحيحُ : أنّه لا يحِلُّ لأنها مُعتدةٌ، تحلُّ للزوجِ أَنْ يستنكحها في عِدَّتها، فلم يحلَّ التعريض لها كالرجعية.
وقيل : هي كالمتوفَّى عنها زوجها، والمطلقة ثلاثاً.
قوله تعالى :" أَوْ أَكْنَنتُمْ " " أَوْ " هنا للإباحةِ، أو التخيير، أو التفصيلِ، أو الإِبهامِ على المخاطبِ، " وأَكَنَّ " في نفسِهِ شيئاً، أي : أَخْفَاهُ، وكَنَّ الشيء بثوبٍ ونحوه : أي سَتَرَهُ به، فالهمزةُ في " أَكَنَّ " للتفرقة بين الاستعمالَيْنِ ك " أَشْرَقَتْ، وشَرَقَتْ ".
وقال الفراءُ(١١) : للعرب في " أَكْنَنْتُ الشَيْءَ " أي : سترتهُ، لغتان : كنَنْتُه، وأَكْنَنْتُه في الكِنِّ، وفي النَّفْس ؛ بمعنى، ومنه ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ [القصص: ٦٩]، و﴿بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] وفرَّق قومٌ بينهما، فقالوا : كننتُ الشيء، إذا صُنته حتَّى لا تُصيبه آفةٌ، وإن لم يكن مستُوراً يقال : دُرٌّ مكنونٌ وجاريةٌ مكنونةٌ، وبيضٌ مكنونٌ مصونٌ عن التدحرج ؛ وأمَّا " أَكْنَنْتُ " فمعناه : أضمرت ويستعمل ذلك في الشيء الذي يُخفيه الإنسانُ، ويستره عن غيره، وهو ضِدُّ أَعْلنتُ وأظهرت، ومفعول " أكنَّ " محذوفٌ يعودُ على " ما " الموصولة في قوله :" فِيمَا عَرَّضْتُمْ " أي : أو أكْنَنْتُمُوهُ، ف " فِي أَنْفُسِكُمْ " متعلِّقٌ ب " أَكْنَنتُمْ "، ويضعُفُ جعلُهُ حالاً من المفعولِ المقدَّرِ.

فصل في عدوم وجوب الحد بالتعريض


استدلَّ بعضهم(١٢) بهذه الآية على أنَّه لا يجب الحدُّ بالتعريض بالقذف [ لأن الله تعالى لمَّا دفع الجَرَج في التعريض بالنِّكاح، دلَّ على أنَّ التعريض بالقذف ](١٣) لا يوجب الحد.
وأُجيب بأنّ الله تعالى لم يحلَّ التصريح بالخطبة في النكاح للمعتدَّة، وأَذِن في التعريض الذي يُفهم منه النكاحُ، فهذه يدلُّ على أَنَّ التعريض يُفهم منه القذف(١٤) والأعراضِ يجب صيانتها، وذلك يوجب الحدَّ على المعرِّض ؛ لئلا يتعرض الفسقةُ إلى أخذ الأَعراضِ بالتعريض الذي يُفهم منه ما يُفهم بالتصريح.

فصل في المقصود من الآية


والمقصودُ من الآية أَنّه لا حرج في التعريض للمرأة في عِدَّة الوفاة، ولا فيما يُضمره الرجلُ من الرغبة فيها.
فإن قيل : إنَّ التعريضَ بالخطبة أعظم حالاً مِنْ أَنْ يميل بقلبه إليها، ولا يذكر باللِّسان شيئاً، فلمّا قدّم جواز التعريض بالخطبة، كان قوله بعد ذلك ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ جارٍ مجرى إيضاح الواضحات.
فالجواب : ليس المرادُ ما ذكرتم، بل المرادُ أنّه أباح التعريض، وحرّم التصريح في الحالِ، ثم قال :﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ والمرادُ : أَنْ يعقد قلبه على أنه سيصرحُ بذلك في المستقبلِ، ففي أوَّل الآيةِ أباح التعريض في الحالِ، وحرَّم التصريح في الحالِ، وهاهنا أباح له أن يعقد عليه على أنَّه سيصرِّحُ بذلك بعد انقضاء العدّة، ثم إنّه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك، فقال :" عَلِمَ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ " لأنَّ شهوةَ النفس إذا حصلت للنكاح، لا يكاد يخلُو ذلك المشتهي من العزم، والتَّمَنِّي، فلمّا كان دفع هذا الخَاطر، كالشيء الشَّاقِّ أَسقط عنه هذا الحرج، وأباحَ له ذلك، ثُمَّ قال :{ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنّ
١ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٢٤..
٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٢٤..
٣ - ينظر: الكشاف ١/٢٨٣، الرازي ٦/١١١..
٤ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١٥٢..
٥ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٨..
٦ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٢٥..
٧ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢١٦..
٨ - ينظر: المصدر السابق..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٩٩-١٠٠) وذكره ابن كثير في "تفسيره" (١/٥٦٧)..
١٠ - في ب: عن..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١٢..
١٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٢٥.
١٣ - سقط في ب..
١٤ - في أ: النكاح..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى