البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
التعريض : الإشارة إلى الشيء دون تصريح.
الخطبة : بكسر الخاء التماس النكاح، يقال خطب فلان فلانة، أي : سألها خطبه أي : حاجته، فهو من قولهم : ما خِطبك ؟ أي : ما حاجتك، وأمرك ؟ قال الفراء : الخطبة مصدر بمعنى الخطب، وهو من قولك : إنه يحسن القِعدة والجِلسة، يريد : القعود والجلوس.
والخُطبة بضم الخاء الكلام المشتمل على : الزجر، والوعظ، والإذكار، وكلاهما راجع للخطاب الذي هو الكلام، وكانت سجاح يقول لها الرجل : خطب، فتقول : نكح.
أكنّ الشيء : أخفاه في نفسه، وكنه : ستره شيء، والهمزة في أكنّ للتفرقة بين المعنيين، كأشرقت.
العقدة : في الحبل، وفي الغصن معروفة، يقال : عقدت الحبل والعهد، ويقال : أعقدت العسل، وهو راجع لمعنى الاشتداد، وتعقد الأمر عليّ اشتدّ، ومنه العقود.
﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطب النساء أو أكننتم في أنفسكم﴾ نفى الله الحرج في التعريض بالخطبة، وهو : إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإن من عزمي أن أتزوج ؛ وإنى فيك لراغب، وما أشبه ذلك، أو : أريد النكاح، وأحب امرأة كذا وكذا يعد أوصافها، قاله ابن عباس.
أو : إنك لنافقة، وإن قضي شيء سيكون، قاله الشعبي.
أو : يصف لها نفسه، وفخره، وحسبه، ونسبه، كما فعل الباقر مع سكينة بنت حنظلة، أو يقول لوليها : لا تسبقني بها، كما قال ﷺ لفاطمة بنت قيس :« كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك » وقد أوّل هذا على أنه منه ﷺ لفاطمة على سبيل الرأي فيمن يتزوجها، لا أنه أرادها لنفسه، ولذلك كره مجاهد أن يقول : لا تسبقيني بنفسك، ورآه من المواعدة سراً، أو يقول : ما عليك تأيم، ولعل الله يسوق إليك خيراً، أو رب رجل يرغب فيك، أو : يهدي لها ويقوم بشغلها إذا كانت له رغبة في تزويجها.
قال ابراهيم : أو يقول كل ما سوى التصريح، قاله ابن زيد، والإجماع على أنه لا يجوز التصريح بالتزويج، ولا التنبيه عليه، ولا الرفث، وذكر الجماع، والتحريض عليه.
وقد استدلت الشافعية بنفي الحرج في التعريض بالخطبة على أن التعريض بالندب لا يوجب الحد، فكما خالف نهيُ حكمَيْ التعريض والتصريح في الخطبة، فكذلك في القذف.
﴿أو أكننتم في أنفسكم﴾ أي : أخفيتم في أنفسكم من أمر النكاح فلم تعرضوا به ولم يصرّحوا بذكر، وكان المعنى رفع الجناح عمن أظهر بالتعريض أو ستر ذلك في نفسه، وإذا ارتفع الحرج عمن تعرض باللفظ فأحرى أن يرتفع عمن كتم، ولكنهما حالة ظهور وإخفاء عفى عنهما، وقيل : المعنى أنه يعقد قلبه على أنه سيصرّح بذلك في المستقبل بعد انقضاء العدة، فأباح الله التعريض، وحرم التصريح في الحال، وأباح عقد القلب على التصريح في المستقبل.
ولا يجوز أن يكون الإكنان في النفس هو الميل إلى المرأة، لأنه كان يكون من قبيل إيضاح الواضحات، لأن التعريض بالخطبة أعظم حالاً من ميل القلب.
﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾ هذا عذر في التعريض، لأن الميل متى حصل في القلب عسر دفعه، فأسقط الله الحرج في ذلك، وفيه طرف من التوبيخ، كقوله :« علم الله أنكم كنتم تختانون » وجاء الفعل بالسين التي تدل على تقارب الزمان المستقبل لا تراخيه، لأنهن يذكرن عندما انفصلت حبالهن من أزواجهن بالموت، وتتوق إليهن الأنفس، ويتمنى نكاحهن.
وقال الحسن، معنى : ستذكرونهن، كأنه قال : إن لم تنهوا. انتهى.
وقوله : ستذكرونهن، شامل لذكر اللسان وذكر القلب، فنفى الحرج عن التعريض وهو كسر اللسان، وعن الإخفاء في النفس وهو ذكر القلب.
﴿ولكن لا تواعدوهن سراً﴾ هذا الاستدراك من الجملة التي قبله، وهو قوله : ستذكرونهن، والذكر يقع على أنحاء وأوجه، فاستدرك منه وجه نهي فيه عن ذكر مخصوص، ولو لم يستدرك لكان مأذوناً فيه لاندراجه تحت مطلق الذكر الذي أخبر الله بوقوعه، وهو نظير قولك : زيد سيلقى خالداً ولكن لا يواجهه بشرٍّ، فاستدرك هذه الحالة مما يحتمله اللقاء، وإن من أحواله المواجهة بالشر، ولا يحتاج لكن إلى جملة محذوفة قبلها، لكن يحتاج ما بعد : لكن، إلى وقوع ما قبله من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، لأن نفي المواجهة بالشر يستدعي وقوع اللقاء.
قال الزمخشري، فإن قلت، أين المستدرك بقوله :﴿ولكن لا تواعدوهن﴾.
قلت، هو محذوف لدلالة :﴿ستذكرونهن﴾ عليه ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾ فاذكروهن ﴿ولكن لا تواعدوهن سرا﴾ انتهى كلامه.
وقد ذكرنا أنه لا يحتاج إلى تقدير محذوف قبل لكن، بل الاستدراك جاء من قبل قوله : ستذكرونهن، ولم يأمر الله تعالى بذكر النساء، لا على طريق الوجوب، ولا الندب، فيحتاج إلى تقدير : فاذكروهن، على ما قررناه قبل قولك : سألقاك ولكن لا تخف مني، لما كان اللقاء من بعض أحواله أن يخاف من الملقي استدرك فقال : ولكن لا تخف مني.
والسر ضد الجهر، ويكنى به عن الجماع حلاله وحرامه، لكنه في سر، وقد يعبر به عن العقد، لأنه سبب فيه، وقد فسر : السر، هنا : بالزنا الحسن، وجابر بن زيد، وأبو مجلز، والضحاك، والنخعي.
ومما جاء : السر، في الوطء الحرام، قوله الحطيئة :
ويحرم سر جارتهم عليهم***
ويأكل جارهم أنف القصاع
وقال الأعشى :
ولا تقربن جارة إنَّ سرها***
عليك حرام فانكحن أو تأبدا
وقال ابن جبير : السر، هنا النكاح.
وقال ابن زيد معنى ذلك : لا تنكحوهن وتكتمون ذلك، فإذا حلت أظهرتموه ودخلتم بهن، فسمى العقد عليهم مواعدة، وهذا ينبو عنه لفظ المواعدة.
قال بعضهم : جماعاً وهو أن يقول لها : إن نكحتك كان كيت وكيت، يريد ما يجري بينهما تحت اللحاف.
وقال ابن عباس، وابن جبير أيضاً، والشعبي، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، ومالك، وأصحابه، والجمهور : المعنى : لا توافقوهن المواعدة والتوثق وأخذ العهود في استسرار منكم وخفية.
فعلى هذا القول، والقول الذي قبله، ينتصب، سراً، على الحال، أي : مستسرين.
وعلى القولين الأولين ينتصب على المفعول، وإذا انتصب على الحال كان مفعول : فواعدوهن محذوفاً، تقديره : النكاح، وقيل : انتصب على أنه نعت مصدر محذوف، تقديره : مواعدة سراً.
وقيل التقدير في : وانتصب انتصاب الظرف، على أن المواعدة في السر عبارة عن المواعدة بما يستهجن لأن مسارتهن في الغالب بما يستحي من المجاهرة به، والذي تدل عليه الآية أنهم : نهوا أن يواعد الرجل المرأة في العدة، أن يطأها بعد العدة بوجه التزويج.
وأما تفسير السر هنا بالزنا فبعيد، لأنه حرام على المسلم مع معتدة وغيرها، وأما إطلاق المواعدة سراً على النقد فبعيد أيضاً، وأيد قول الجمهور فبعيد أيضاً، لأنهم نهوا عن المواعدة بالنكاح سراً وجهراً، فلا فائدة في تقييد المواعدة بالسر.
﴿إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾.
هذا الاستثناء منقطع لأنه لا يندرج تحت : سراً، من قوله :﴿ولكن لا تواعدوهن سراً﴾ على أي تفسير فسرته، والقول المعروف هو ما أبيح من التعريض، وقال الضحاك : من القول المعروف أن تقول للمعتدة : احبسى عليّ نفسك فإن لي بك رغبة فتقول هي : وأنا مثل ذلك.
قال ابن عطية : وهذا عندي مواعدة.
وإنما التعريض قول الرجل : إنكن لإماء كرام، وما قدر كان، وإنك لمعجبة ونحو هذا.
وقال الزمخشري :﴿إلا أن تقولوا قولا معروفاً﴾ وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا.
فان قلت : بم يتعلق حرف الاستثناء ؟ قلت : بلا تواعدوهنّ، أي : لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلاَّ مواعدة معروفة غير منكرة، أو : لا تواعدوهنّ إلاَّ بأن تقولوا، أي : لا تواعدوهنّ إلاَّ بالتعريض، ولا يجوز أن يكون استثناءً من : سراً، لادائه إلى قولك : لا تواعدوهن إلاَّ التعريض انتهى كلام الزمخشري.
ويحتاج إلى توضيح، وذلك أنه جعله استثناءً متصلاً باعتبار أنه استثناء مفرغ، وجعل ذلك على وجهين.
أحدهما : أن يكون استثناء من المصدر المحذوف، وهو الوجه الأول الذي ذكره، وقدّره : لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلاَّ مواعدة معروفة غير منكرة، فكأن المعنى : لا تقولوا لهن قولاً تعدونهن به إلاَّ قولاً معروفاً، فصار هذا نظير : لا تضرب زيداً ضرباً شديداً.
والثاني : أن يكون استثناء مفرغاً من مجرور محذوف، وهو الوجه الثاني الذي ذكره، وقدره : إلاَّ بأن تقولوا، ثم أوضحه بقوله : إلاَّ بالتعريض، فكان المعنى : لا تواعدوهنّ سراً، أي نكاحاً بقول من الأقوال، إلاَّ بقول معروف، وهو التعريض.
فحذف : من أن، حرف الجر، فيبقى منصوباً أو مجروراً على الخلاف الذي تقدم في نظائره.
والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الذي قبله انتصب نصب المصدر، وهذا انتصب على إسقاط حرف الجر، وهو : الباء، التي للسبب.
قوله ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعاً من : سراً، لأدائه إلى قوله : لا تواعدوهنّ إلاَّ التعريض، والتعريض ليس مواعداً، فلا يصح عنده أن ينصب عليها العامل، وهذا عنده على أن يكون منقطعاً نظير : ما رأيت أحداً إلاَّ حماراً.
لكن هذا يصح فيه : ما رأيت إلاَّ حماراً، وذلك لا يصح فيه، لا تواعدوهنّ إلاَّ التعريض، لأن التعريض لا يكون مواعداً بل مواعداً به النكاح، فانتصاب : سراً، على أنه مفعول، فكذلك ينبغي أن يكون : أن تقولوا، مفعولاً، ولا يصح ذلك فيه، فلا يصح أن يكون استثناء منقطعاً.
هذا توجيه منع الزمخشري أن يكون استثناء منقطعاً.
وما ذهب إليه ليس بصحيح لأنه لا ينحصر الاستثناء المنقطع فيما ذكر، وهو أن يمكن تلك العامل السابق عليه، وذلك أن الاستثناء المنقطع على قسمين.
أحدهما : ما ذكره الزمخشري، وهو : أن يتسلط العامل على ما بعد ؛ إلاَّ، كما مثلنا به في قولك : ما رأيت أحداً إلاَّ حماراً.
و : ما في الدار أحد إلاَّ حماراً.
وهذا النوع فيه خلاف عن العرب، فمذهب الحجازيين نصب هذا النوع من المستثنى، ومذهب بني تميم اتباعه لما قبله في الإعراب، ويصلح في هذا النوع أن تحذف الأول وتسلط ما قبله على ما بعد إلاَّ، فتقول : ما رأيت إلاَّ حماراً، وما في الدار إلاَّ حمار.
ويصح في الكلام :﴿ما لهم به من علم إلاَّ اتباع الظن﴾
والقسم الثاني : من قسمي الاستثناء المنقطع هو أن لا يمكن تسلط العامل على ما بعد إلاَّ، وهذا حكمه النصب عند العرب قاطبة، ومن ذلك : ما زاد إلاَّ ما نقص، وما نفع إلاَّ ما ضر.
فما بعد إلاَّ لا يمكن أن يتسلط عليه زاد ولا نقص، بل يقدّر المعنى : ما زاد، لكن النقص حصل له، وما نفع لكن الضرر حصل، فاشترك هذا القسم مع الأوّل في تقدير إلاَّ بلكن، لكن الأوّل يمكن تسليط ما قبله عليه، وهذا لا يمكن.
وإذا تقرر هذا فيكون قوله :﴿إلاَّ أن تقولوا﴾ استثناء منقطعاً من هذا القسم الثاني، وهو ما لا يمكن أن يتوجه عليه العامل، والتقدير : لكنّ التعريض سائغ لكم، وكأن الزمخشري ما علم أن الاستثناء المنقطع يأتي على هذا النوع من عدم توجيه العامل على ما بعد إلاَّ، فلذلك منعه، والله أعلم.
وظاهر النهي في قوله ﴿لا تواعدوهنّ سرّاً﴾ التحريم حتى قال مالك في رواية ابن وهب عنه، فيمن واعد في العدّة ثم تزّوجها بعد العدّة، قال : فراقها أحب إليّ دخل بها أو لم يدخل، وتكون
قيل : وتضمنت هذه الآيات ضروباً من البديع.
منها : معدول الخطاب، وهو أن الخطاب بقوله :﴿والذين يتوفون﴾ الآية عام والمعنى على الخصوص.
ومنها : النسخ، إذ هي ناسخة للحول على قول الأكثرين.
ومنها : الاختصاص، وهو أن يخص عدداً فلا يكون ذلك إلاَّ لمعنى، وذلك في قوله :﴿أربعة أشهر وعشراً﴾ ومنها : الكناية، في قوله :﴿ولكن لا تواعدوهنّ سرًّا﴾ كنى بالسر عن النكاح، وهي من أبلغ الكنايات.
ومنها : التعريض، في قوله :﴿يعلم ما في أنفسكم﴾ ومنها : التهديد، بقوله ﴿فاحذروه﴾ ومنها : الزيادة في الوصف، بقوله :﴿غفور حليم﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى