زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فيه قولان : أحدهما : أن معناه : فلا جناح على الرجال في تزويجهن بعد ذلك. والثاني : فلا جناح على الرجال في ترك الإنكار عليهن إذا تزيّن وتزوجن. قال أبو سليمان الدمشقي : وهو خطاب لأوليائهن.
قوله تعالى :﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنه التزين والتشوف للنكاح، قاله الضحاك، ومقاتل. والثاني : أنه النكاح، قاله الزهري، والسدي. و " الخبير " من أسماء الله تعالى، ومعناه : العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته. و " الخبير " في صفة المخلوقين، إنما يستعمل في نوع من العلم، وهو : الذي يتوصل إليه بالاجتهاد دون النوع المعلوم ببدائه العقول. وعلم الله تعالى سواء، فيما غمض ولطف، وفيما تجلى وظهر.
قوله تعالى :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِسَاء﴾ هذا خطاب لمن أراد تزويج معتدة. والتعريض : الإيماء والتلويح من غير كشف، فهو إشارة بالكلام إلى ما ليس له في الكلام ذكر. والخطبة بكسر الخاء : طلب النكاح، والخطبة بضم الخاء، مثل الرسالة التي لها أول وآخر. قال ابن عباس : التعريض أن يقول : إني أريد أن أتزوج. وقال مجاهد : أن يقول : إنك لجميلة، وإنك لحسنة، وإنك لإلى خير.
قوله تعالى :﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ قال الفراء : فيه لغتان، كننت الشيء، وأكننته. وقال ثعلب : أكننت الشيء : إذا أخفيته في نفسك، وكننته : إذا سترته بشيء : وقال ابن قتيبة : أكننت الشيء : إذا سترته، ومنه هذه الآية، وكننته : إذا صنته، ومنه قوله تعالى :﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]. قال بعضهم : يجعل كننته، وأكننته، بمعنى.
قوله تعالى :﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ قال مجاهد : ذكره إياها في نفسه.
قوله تعالى :﴿وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا﴾ فيه أربعة أقوال : أحدها : أن المراد بالسر ها هنا : النكاح، قاله ابن عباس. وأنشد بيت امرئ القيس :
ألا زعمت بسباسة اليوم أننيكبرت وأن لا يشهد السر أمثالي
وفي رواية : يشهد اللهو. قال الفراء : ونرى أنه مما كنى الله عنه، كقوله تعالى :﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]. وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن السر : الإفضاء بالنكاح المحرم وأنشد :
ويحرم سر جارتهم عليهمويأكل جارهم أنف القصاع
قال ابن قتيبة : استعير السر للنكاح، لأن النكاح يكون سرا، فالمعنى : لا تواعدوهن بالتزويج، وهن في العدة تصريحا ﴿إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ لا تذكرون فيه رفثا ولا نكاحا. والثاني : أن المواعدة سرا : أن يقول لها : إني لك محب، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث : أن المراد بالسر الزنى. قاله الحسن، وجابر بن زيد، وأبو مجلز. وإبراهيم، وقتادة، والضحاك. والرابع : أن المعنى : لا تنكحوهن في عدتهن سرا، فإذا حلت أظهرتم ذلك، قاله ابن زيد. وفي القول المعروف قولان. أحدهما : أنه التعريض لها، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء، والقاسم بن محمد، والشعبي، ومجاهد، وإبراهيم، وقتادة، والسدي والثاني : أنه إعلام وليها برغبته فيها، وهو قول عبيدة.
قوله تعالى :﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النّكَاحِ﴾ قال الزجاج : معناه : لا تعزموا على عقدة النكاح، وحذفت " على " استخفافا، كما قالوا : ضرب زيد الظهر والبطن، معناه : على الظهر والبطن ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ أي : حتى يبلغ فرض الكتاب أجله. قال : ويجوز أن يكون " الكتاب " بمعنى " الفرض " كقوله تعالى :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] فيكون المعنى : حتى يبلغ الفرض أجله. قال ابن عباس، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، والسدي : بلوغ الكتاب أجله : انقضاء العدة.
قوله تعالى :﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ قال ابن عباس : من الوفاء، فاحذروه أن تخالفوه في أمره. والحليم قد سبق بيانه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى