بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
﴿حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى﴾ ؛ قال ابن عباس : أي حافظوا على الصلوات المكتوبات الخمس في مواقيتها بوضوئها وركوعها وسجودها ؛ ﴿حافظوا عَلَى الصلوات﴾، يعني الصلاة الوسطى خاصة حافظوا عليها. ويقال : هي صلاة العصر. ويقال هي صلاة الصبح ويقال : هي صلاة الظهر.
حدثنا القاسم بن محمد بن روزية قال : حدثنا عيسى بن خشنام قال : حدثنا سويد بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن داود بن الحصين أنه بلغه، عن رجل، عن زيد بن ثابت أنه بلغه، عن علي وابن عباس أنهما كانا يقولان : صلاة الوسطى صلاة الصبح.
قال مالك : وذلك رأي. أخبرني القاسم بن محمد قال : حدثنا عيسى بن خنشام قال : حدثنا سويد بن سعيد بن مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن رجل، عن زيد بن ثابت أنه قال : صلاة الوسطى : صلاة الظهر.
وبهذا الإسناد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن الحكم، عن أبي يونس مولى عائشة رضي الله عنها أنه قال : أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت : إذا بلغت هذه الآية فآذني فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي :﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ : صلاة العصر.
قال الفقيه : حدثنا أبو إبراهيم الترمذي، عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر الطحاوي قال : حدثنا علي بن معبد قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم عن أبي إسحاق عن أبي جعفر محمد بن علي، عن عمرو بن رافع، مولى عمر وكان يكتب المصاحف أنه قال : اكتتبتني حفصة ابنة عمر مصحفاً وقالت : إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها، حتى تأتيني فأمليها عليك كما حفظتها من رسول الله ﷺ، فلما بلغتها أتيتها بالورقة فقالت : اكتب ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ صلاة العصر. ويقال : هي قراءة عبد الله بن مسعود.
وروي عن أبي هريرة وابن عمر أنهما قالا : صلاة الوسطى العصر وروي عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن علي أنه قال : كنت ظننت أنها صلاة الفجر، حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الخندق وقد شغلوه عن صلاة العصر، قال :« مَلأَ الله بُطُونَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً، شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى، صَلاةِ العَصْرِ » وإنما كان فائدة التخصيص بصلاة العصر، لأن ذلك وقت الشغل ويخاف فوتها ما لا يخاف لسائر الصلوات. وقد أكد بالذكر قال :﴿حافظوا عَلَى﴾ خاصة. ومن طريق المعقول يدل أيضاً على أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، لأن قبلها صلاتي النهار وبعدها صلاتي الليل.
ثم قال تعالى :﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين﴾، أي قوموا لله طائعين في الصلاة مطيعين. ويقال : صلوا لله قائمين، فكأنه أمر بطول القيام في الصلاة.
كما قال في آية أخرى :﴿يا مريم اقنتي لِرَبِّكِ واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ [آل عمران: ٤٣]. وروي عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن أفضل الصلاة فقال :« التِي يُطِيلُ القُنُوتَ فِيهَا »، يعني القيام. ويقال : قانتين، يعني ساكتين، كما روي عن زيد بن أرقم أنه قال : كنا نتكلم في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية :﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين﴾، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وقال الزجاج : المشهور في اللغة الدعاء في القيام، وحقيقة القانت القائم بأمر الله تعالى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى