البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الركوب : معروف، وركبان : جمع راكب، وهو صفة استعملت استعمال الأسماء، فحسن أن يجمع جمع الأسماء، ومع ذلك فهو في الأسماء محفوظ قليل، قالوا : حاجر وحجران، ومثل، ركبان : صحبان، ورعيان، جمع صاحب وراع، فإن لم تستعمل الصفة استعمال الأسماء لم يجيء فيها فعلان، لم يرد مثل : ضربان وقتلان في جمع : ضارب وقاتل.
﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ لما ذكر المحافظة على الصلوات، وأمر بالقيام فيها قانتين، كان مما يعرض للمصلين حالة يخافون فيها، فرخص لهم في الصلاة ماشين على الأقدام، وراكبين.
والخوف يشمل الخوف من : عدّو، وسبع، وسيل وغير ذلك، فكل أمر يخاف منه فهو مبيح ما تضمنته الآية هذه.
وقال مالك : يستحب في غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن، وأكثر الفقهاء على تساوي الخوف.
و : رجالاً، منصوب على الحال، والعامل محذوف، قالوا تقديره : فصلوا رجالاً، ويحسن أن يقدر من لفظ الأول، أي : فحافظوا عليها رجالاً، ورجالاً جمع راجل، كقائم وقيام، قال تعالى :﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً﴾ وقال الشاعر :
وبنو غدانة شاخص أبصارهم***
يمشون تحت بطونهنّ رجالاً
والمعنى : ماشين على الأقدام، يقال منه : رجل يرجل رجلاً، إذا عدم المركوب، ومشى على قدميه، فهو راجل ورجل ورجل، على وزن رجل مقابل امرأة.
وهي لغة أهل الحجاز، يقولون : مشى فلان إلى بيت الله حافياً رجلاً، ويقال رجلان ورجيل ورجل، قال الشاعر :
عليّ إذا لاقيتُ ليلى بخلوة***
أن ازدار بيت الله رجلان حافياً
قالوا : ويجمع على : رجال ورجيل ورُجالي ورجالى ورجالة ورجلان ورَجلة ورجلة بفتح الجيم وأرجلة وأراجل وأراجيل ؛ قرأ عكرمة، وأبو مجلز : فرُجَّالاً، بضم الراء وتشديد الجيم، وروي عن عكرمة التخفيف مع ضم الراء، وقرئ : فرجلاً، بضم الراء وفتح الجيم مشدودة بغير ألف ؛ وقرئ : فرجلا، بفتح الراء وسكون الجيم.
وقرأ بديل بن ميسرة : فرجالاً فركباناً بالفاء، وهو جمع راكب.
قال الفضل : لا يقال راكب إلاَّ لصاحب الجمل، وأما صاحب الفرس فيقال له فارس، ولراكب الحمار حمَّار، ولراكب البغل بغَّال، وقيل : الأفصح أن يقال : صاحب بغل، وصاحب حمار.
وظاهر قوله :﴿فإن خفتم﴾ حصول مطلق الخوف، وأنه بمطلق الخوف تباح الصلاة في هاتين الحالتين.
وقالوا : هي صلاة الغداة للذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حالة المسايفة أو ما يشبهه، وأما صلاة الخوف بالإمام، وانقسام الناس فليس حكمها في هذه الآية.
وقيل : فرجالاً، مشاة بالجماعة لأنهم يمشون إلى العدو في صلاة الخوف، أو ركباناً أي : وجداناً بالإيماء.
وظاهر قوله : فرجالاً، أنهم يوقعون الصلاة وهم ماشون، فيصلون على كل حال، والركب يومىء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة، وهو قول الشافعي ؛ وقال أبو حنيفة : لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف.
ولم تتعرض الآية لعدد الركعات في هذا الخوف، والجمهور أنها لا تقصر الصلاة عن عدد صلاة المسافر إن كانوا في سفر تقصر فيه، وقال الحسن، وقتادة، وغيرهما : تصلى ركعة إيماء.
وقال الضحاك بن مزاحم : تصلى في المسايفة وغيرها ركعة، فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين.
وقال إسحاق : فإن لم يقدر إلاَّ على تكبيرة واحدة أجزأت عنه، ولو رأوا سواداً فظنوه عدوّاً ثم تبين أنه ليس بعدو، فقال أبو حنيفة : يعيدون.
وظاهر الآية : أنه متى عرض له الخوف فله أن يصلي على هاتي الحالتين، فلو صلى ركعة آمناً ثم طرأ له الخوف ركب وبنى، أو عكسه : أتم وبنى، عند مالك، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال المزني.
وقال أبو حنيفة : إذا استفتح آمناً ثم خاف، استقبل ولم يبن فإن صلى خائفاً ثم أَمن بنى ؛ وقال أبو يوسف : لا يبنى في شيء من هذا كله.
وتدل هذه الآية على عظيم قدر الصلاة وتأكيد طلبها إذا لم تسقط بالخوف، فلا تسقط بغيره من مرض وشغل ونحوه، حتى المريض إذا لم يمكنه فعلها لزمه الإشارة بالعين عند أكثر العلماء، وبهذا تميزت عن سائر العبادات لأنها كلها تسقط بالأعذار ويترخص فيها.
﴿فإذا أمنتم﴾ قال مجاهد أي : خرجتم من السفر إلى دار الإقامة، ورده الطبري، قيل : ولا ينبغي رده لأنه شرح الأمن بمحل الأمن لأن الإنسان إذا رجع من سفره وحل دار اقامته أمن، فكان السفر مظنة الخوف، كما أن دار الإقامة محل الأمن.
وقيل : معنى فإذا أمنتم أي : زال خوفكم الذي ألجاكم إلى هذه الصلاة.
وقيل : فإذا كنتم آمنين، أي : متى كنتم على أمن قبل أو بعد.
﴿فاذكروا الله﴾ بالشكر والعبادة ﴿كما علمكم﴾ أي : أحسن إليكم بتعليمكم ما كنتم جاهليه من أمر الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وحال الأمَن.
و : ما، مصدرية، و : الكاف، للتشبيه.
أمر أن يذكروا الله تعالى ذكراً يعادل ويوازي نعمة ما علمهم، بحيث يجتهد الذاكر في تشبيه ذكره بالنعمة في القدر والكفاءة، وإن لم يقدر على بلوغ ذلك.
ومعنى : كما علمكم، كما أنعم عليكم فعلمكم، فعبر بالمسبب عن السبب، لأن التعليم ناشىء عن إنعام الله على العبد وإحسانه له.
وقد تكون الكاف للتعليل، أي : فاذكروا الله لأجل تعليمه إياكم أي : يكون الحامل لكم على ذكره وشكره وعبادته تعليمه إياكم، لأنه لا منحة أعظم من منحة العلم.
﴿ما لم تكونوا تعلمون﴾ ما : مفعول ثان لعلمكم، وفيه الامتنان بالتعليم على العبد، وفي قوله :﴿ما لم تكونوا تعلمون﴾ إفهام أنكم علمتم شيئاً لم تكونوا لتصلوا لإدراكه بعقولكم لولا أنه تعالى علمكموه، أي : أنكم لو تركتم دون تعليم لم تكونوا لتعلموه أبدا.
وحكى النقاش وغيره أن معنى :﴿فاذكروا الله﴾ أي صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي : صلاة تامة بجميع شروطها وأركانها وتكون : ما، في :﴿كما علمكم﴾ موصولة أي : فصلوا الصلاة كالصلاة التي علمكم، وعبر بالذكر عن الصلاة والكاف إذ ذاك للتشبيه بين هيئتي الصلاتين : الصلاة التي كانت أولاً قبل الخوف، والصلاة التي كانت بعد الخوف في حالة الأمن.
قال ابن عطية : وعلى هذا التأويل :﴿ما لم تكونوا﴾ بدل من : ما، التي في قوله : كما، وإلاَّ لم يتسق لفظ الآية. انتهى.
وهو تخريج يمكن، وأحسن منه أن يكون بدلاً من الضمير المحذوف في علمكم العائد على ما، إذ التقدير علمكموه، أي : علمكم ما لم تكونوا تعلمون.
وقد أجاز النحويون : جاءني الذي ضربت أخاك، أي ضربته أخاك، على البدل من الضمير المحذوف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قيل : وفي هذه الآيات من بدائع البديع، وصنوف الفصاحة : النقل من صيغة : إفعلوا، إلى : فاعلوا، للمبالغة وذلك في : حافظوا، والاختصاص بالذكر في : والصلاة الوسطى، والطباق المعنوي في : فإن خفتم.
لأن التقدير في : حافظوا، وهو مراعاة أوقاتها وهيآتها إذا كنتم آمنين، والحذف في : فإن خفتم، العدوّ، أو ما جرى مجراه.
وفي : فرجالاً، أي : فصلوا رجالاً.
وفي : وصية لأزواجهم، سواء رفع أم نصب، وفي : غير إخراج، أي : لهنّ من مكانهنّ الذي يعتدون فيه، وفي : فإن خرجن من بيوتهنّ من غير رضا منهنّ، وفي : فيما فعلن في أنفسهنّ، أي : من ميلهنّ إلى التزويج أو الزينة بعد انقضاء المدّة وفي : بالمعروف، أي : عادة أو شرعاً وفي : عزيز، أي : انتقامه، وفي : حكيم، في أحكامه.
وفي قوله : حقاً، أي : حق ذلك حقاً، وفي : على المتقين، أي عذاب الله والتشبيه : في : كما علمكم، والتجنيس المماثل : وهو أن يكون بفعلين أو باسمين، وذلك في : علمكم ما لم تكونوا تعلمون، والتجنيس المغاير : في غير إخراج فان خرجهن، والمجاز في : يوفون، أي يقاربون الوفاة، والتكرار : في متاعاً إلى الحول، ثم قال : وللمطلقات متاع، فيكون للتأكيد إن كان إياه ولاختلاف المعنيين إن كان غيره.
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة حكم المتوفى عنها زوجها، وأن عدتها أربعة أشهر وعشر وأنهنّ إذا انقضت عدتهنّ لا حرج على من كان متولياً أمرهنّ من ولي أو حاكم فيما فعلن من : تعرض لخطبة، وتزين، وترك إحداد، وتزوّج وذلك بالمعروف شرعاً، وأعلم تعالى أنه خبير بما يصدر منا، وأنه لا جناح على من عرّض بالخطبة أو أكنّ التزويج في نفسه، وأفهم ذلك أن التصريح فيه الجناح، ثم إنه تعالى عذر في التعريض بأن النفوس تتوق إلى التزوّج وذكر النساء، ونهى تعالى عن مواعدة السر وهو النكاح، وأباح قولاً معروفاً من التنبيه به على أن المرأة مرغوب فيها، فإن في ذلك جبراً لها وبعض تأنيس منه لها بذلك.
ثم نهى عن بت النكاح قبل انقضاء العدّة، وأعلم أن ما في نفس الإنسان يعلمه الله، وأمر بأن يحذر، ولما كان الأمر بالحذر يستدعي مخوفاً، أعلم أنه غفور يستر الذنب، حليم يصفح عن المسيء، ليتعادل خوف المؤمن ورجاؤه، ثم ذكر رفع الحرج عن من طلق المرأة قبل المسيس، أو قبل أن يفرض لها الصداق، إذ كان يتوهم أن الطلاق قبل الدخول بها لا يباح، ثم أمر بالتمتيع ليكون ذلك عوضاً لغير المدخول بها مما كان فاتها من الزوج، ومن نصف الصداق الذي تشطر بالطلاق، وجبراً لها بذلك ولغير المفروض لها، وأن ذلك التمتيع على حسب وجد الزوج وإقتاره، ولم يعين المقدار، بل قال : إن ذلك بالمعروف، وهو الذي ألف عادة وشرعاً، وأن ذلك حق على من كان محسناً.
ثم ذكر أنه إذا طلق قبل المسيس وبعد الفرض فإنه ينتظر المسمى، فيجب لها نصف الصداق إلاَّ إن عفت المرأة فلم تأخذ منه شيئاً، أو عفا الزوج فأدى إليها الصداق كاملاً إذا كان الطلاق إنما كان من جهته، ثم ذكر أن العفو من أي جهة كان منهما أقرب لتحصيل التقوى للعافي، إذ هو : إما بين تارك حقه، أو باذل فوق الحق.
ثم نهى عن نسيان الفضل، ففي هذا النهي الأمر بالفضل.
ثم ختم ذلك بأنه بصير بجميع أعمالهم، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء باساءته.
ولما ذكر تعالى أحكام النكاح، وكادت تستغرق المكلف، نبه تعالى على أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى المكلف، وأمر بالمحافظة عليها وهي : الصلوات، وخص الوسطى منها بالذكر تنبيهاً على فضلها، ومن تسميتها بالوسطى تبين تمييزها على غيرها، وهي بلا شك صلاة العصر، ثم أمر بالقيام لله متلبسين بطاعته، ثم للمبالغة في توكيد إيجاب الصلوات لم يسامح بتركها حالة الخوف، بل أمر أن تؤدّى في تلك الحال، سواء كان الخائف ماشياً أو راكباً، وإن كان في ذلك بعض اختلال لشروطها ؛ ثم أمر أن تؤدّي على حالها الأول من إتمام شروطها، وهيآتها إذا أمن الخائف، وأن يؤديها على الحالة التي علمه الله في أدائها قبل الخوف.
وذكر أن اللواتي يتوفى عنهنّ أزواجهنّ لهن وصية بتمتيع إلى انقضاء حول من وفاة الأزواج، وأنهنّ لا يخرجن من بيوتهنّ في ذلك الحول، فإن اخترن الخروج فخرجن، فلا جناح على متولي أمرها فيما فعلت في نفسها، ثم أعلم أنه عزيز لا يغلب ويقهر، حكيم بوضع الأشياء مواضعها.
ثم ذكر تعالى أن للمطلقات متاعاً مما عرف شرعاً وعادة، واقتضى ذلك عموم كل مطلقة، وأن ذلك المتاع حق على من اتقى.
ولما كان تعالى قد بين عدة أحكام فيما تقدّم من الآيات، أحال على ذلك التبيين، وشبه التبيين الذي قد يأتي لسائر الآيات بالتبيين الذي سبق.
وان التبيين هو لرجائكم أن تعقلوا عن الله أحكامه فتجتنبوا ما نهى تعالى عنه، وتمتثلوا ما به أمر تعالى.
﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ لما ذكر المحافظة على الصلوات، وأمر بالقيام فيها قانتين، كان مما يعرض للمصلين حالة يخافون فيها، فرخص لهم في الصلاة ماشين على الأقدام، وراكبين.
والخوف يشمل الخوف من : عدّو، وسبع، وسيل وغير ذلك، فكل أمر يخاف منه فهو مبيح ما تضمنته الآية هذه.
وقال مالك : يستحب في غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن، وأكثر الفقهاء على تساوي الخوف.
و : رجالاً، منصوب على الحال، والعامل محذوف، قالوا تقديره : فصلوا رجالاً، ويحسن أن يقدر من لفظ الأول، أي : فحافظوا عليها رجالاً، ورجالاً جمع راجل، كقائم وقيام، قال تعالى :﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً﴾ وقال الشاعر :
وبنو غدانة شاخص أبصارهم***
يمشون تحت بطونهنّ رجالاً
والمعنى : ماشين على الأقدام، يقال منه : رجل يرجل رجلاً، إذا عدم المركوب، ومشى على قدميه، فهو راجل ورجل ورجل، على وزن رجل مقابل امرأة.
وهي لغة أهل الحجاز، يقولون : مشى فلان إلى بيت الله حافياً رجلاً، ويقال رجلان ورجيل ورجل، قال الشاعر :
عليّ إذا لاقيتُ ليلى بخلوة***
أن ازدار بيت الله رجلان حافياً
قالوا : ويجمع على : رجال ورجيل ورُجالي ورجالى ورجالة ورجلان ورَجلة ورجلة بفتح الجيم وأرجلة وأراجل وأراجيل ؛ قرأ عكرمة، وأبو مجلز : فرُجَّالاً، بضم الراء وتشديد الجيم، وروي عن عكرمة التخفيف مع ضم الراء، وقرئ : فرجلاً، بضم الراء وفتح الجيم مشدودة بغير ألف ؛ وقرئ : فرجلا، بفتح الراء وسكون الجيم.
وقرأ بديل بن ميسرة : فرجالاً فركباناً بالفاء، وهو جمع راكب.
قال الفضل : لا يقال راكب إلاَّ لصاحب الجمل، وأما صاحب الفرس فيقال له فارس، ولراكب الحمار حمَّار، ولراكب البغل بغَّال، وقيل : الأفصح أن يقال : صاحب بغل، وصاحب حمار.
وظاهر قوله :﴿فإن خفتم﴾ حصول مطلق الخوف، وأنه بمطلق الخوف تباح الصلاة في هاتين الحالتين.
وقالوا : هي صلاة الغداة للذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حالة المسايفة أو ما يشبهه، وأما صلاة الخوف بالإمام، وانقسام الناس فليس حكمها في هذه الآية.
وقيل : فرجالاً، مشاة بالجماعة لأنهم يمشون إلى العدو في صلاة الخوف، أو ركباناً أي : وجداناً بالإيماء.
وظاهر قوله : فرجالاً، أنهم يوقعون الصلاة وهم ماشون، فيصلون على كل حال، والركب يومىء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة، وهو قول الشافعي ؛ وقال أبو حنيفة : لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف.
ولم تتعرض الآية لعدد الركعات في هذا الخوف، والجمهور أنها لا تقصر الصلاة عن عدد صلاة المسافر إن كانوا في سفر تقصر فيه، وقال الحسن، وقتادة، وغيرهما : تصلى ركعة إيماء.
وقال الضحاك بن مزاحم : تصلى في المسايفة وغيرها ركعة، فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين.
وقال إسحاق : فإن لم يقدر إلاَّ على تكبيرة واحدة أجزأت عنه، ولو رأوا سواداً فظنوه عدوّاً ثم تبين أنه ليس بعدو، فقال أبو حنيفة : يعيدون.
وظاهر الآية : أنه متى عرض له الخوف فله أن يصلي على هاتي الحالتين، فلو صلى ركعة آمناً ثم طرأ له الخوف ركب وبنى، أو عكسه : أتم وبنى، عند مالك، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال المزني.
وقال أبو حنيفة : إذا استفتح آمناً ثم خاف، استقبل ولم يبن فإن صلى خائفاً ثم أَمن بنى ؛ وقال أبو يوسف : لا يبنى في شيء من هذا كله.
وتدل هذه الآية على عظيم قدر الصلاة وتأكيد طلبها إذا لم تسقط بالخوف، فلا تسقط بغيره من مرض وشغل ونحوه، حتى المريض إذا لم يمكنه فعلها لزمه الإشارة بالعين عند أكثر العلماء، وبهذا تميزت عن سائر العبادات لأنها كلها تسقط بالأعذار ويترخص فيها.
﴿فإذا أمنتم﴾ قال مجاهد أي : خرجتم من السفر إلى دار الإقامة، ورده الطبري، قيل : ولا ينبغي رده لأنه شرح الأمن بمحل الأمن لأن الإنسان إذا رجع من سفره وحل دار اقامته أمن، فكان السفر مظنة الخوف، كما أن دار الإقامة محل الأمن.
وقيل : معنى فإذا أمنتم أي : زال خوفكم الذي ألجاكم إلى هذه الصلاة.
وقيل : فإذا كنتم آمنين، أي : متى كنتم على أمن قبل أو بعد.
﴿فاذكروا الله﴾ بالشكر والعبادة ﴿كما علمكم﴾ أي : أحسن إليكم بتعليمكم ما كنتم جاهليه من أمر الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وحال الأمَن.
و : ما، مصدرية، و : الكاف، للتشبيه.
أمر أن يذكروا الله تعالى ذكراً يعادل ويوازي نعمة ما علمهم، بحيث يجتهد الذاكر في تشبيه ذكره بالنعمة في القدر والكفاءة، وإن لم يقدر على بلوغ ذلك.
ومعنى : كما علمكم، كما أنعم عليكم فعلمكم، فعبر بالمسبب عن السبب، لأن التعليم ناشىء عن إنعام الله على العبد وإحسانه له.
وقد تكون الكاف للتعليل، أي : فاذكروا الله لأجل تعليمه إياكم أي : يكون الحامل لكم على ذكره وشكره وعبادته تعليمه إياكم، لأنه لا منحة أعظم من منحة العلم.
﴿ما لم تكونوا تعلمون﴾ ما : مفعول ثان لعلمكم، وفيه الامتنان بالتعليم على العبد، وفي قوله :﴿ما لم تكونوا تعلمون﴾ إفهام أنكم علمتم شيئاً لم تكونوا لتصلوا لإدراكه بعقولكم لولا أنه تعالى علمكموه، أي : أنكم لو تركتم دون تعليم لم تكونوا لتعلموه أبدا.
وحكى النقاش وغيره أن معنى :﴿فاذكروا الله﴾ أي صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي : صلاة تامة بجميع شروطها وأركانها وتكون : ما، في :﴿كما علمكم﴾ موصولة أي : فصلوا الصلاة كالصلاة التي علمكم، وعبر بالذكر عن الصلاة والكاف إذ ذاك للتشبيه بين هيئتي الصلاتين : الصلاة التي كانت أولاً قبل الخوف، والصلاة التي كانت بعد الخوف في حالة الأمن.
قال ابن عطية : وعلى هذا التأويل :﴿ما لم تكونوا﴾ بدل من : ما، التي في قوله : كما، وإلاَّ لم يتسق لفظ الآية. انتهى.
وهو تخريج يمكن، وأحسن منه أن يكون بدلاً من الضمير المحذوف في علمكم العائد على ما، إذ التقدير علمكموه، أي : علمكم ما لم تكونوا تعلمون.
وقد أجاز النحويون : جاءني الذي ضربت أخاك، أي ضربته أخاك، على البدل من الضمير المحذوف.
لأن التقدير في : حافظوا، وهو مراعاة أوقاتها وهيآتها إذا كنتم آمنين، والحذف في : فإن خفتم، العدوّ، أو ما جرى مجراه.
وفي : فرجالاً، أي : فصلوا رجالاً.
وفي : وصية لأزواجهم، سواء رفع أم نصب، وفي : غير إخراج، أي : لهنّ من مكانهنّ الذي يعتدون فيه، وفي : فإن خرجن من بيوتهنّ من غير رضا منهنّ، وفي : فيما فعلن في أنفسهنّ، أي : من ميلهنّ إلى التزويج أو الزينة بعد انقضاء المدّة وفي : بالمعروف، أي : عادة أو شرعاً وفي : عزيز، أي : انتقامه، وفي : حكيم، في أحكامه.
وفي قوله : حقاً، أي : حق ذلك حقاً، وفي : على المتقين، أي عذاب الله والتشبيه : في : كما علمكم، والتجنيس المماثل : وهو أن يكون بفعلين أو باسمين، وذلك في : علمكم ما لم تكونوا تعلمون، والتجنيس المغاير : في غير إخراج فان خرجهن، والمجاز في : يوفون، أي يقاربون الوفاة، والتكرار : في متاعاً إلى الحول، ثم قال : وللمطلقات متاع، فيكون للتأكيد إن كان إياه ولاختلاف المعنيين إن كان غيره.
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة حكم المتوفى عنها زوجها، وأن عدتها أربعة أشهر وعشر وأنهنّ إذا انقضت عدتهنّ لا حرج على من كان متولياً أمرهنّ من ولي أو حاكم فيما فعلن من : تعرض لخطبة، وتزين، وترك إحداد، وتزوّج وذلك بالمعروف شرعاً، وأعلم تعالى أنه خبير بما يصدر منا، وأنه لا جناح على من عرّض بالخطبة أو أكنّ التزويج في نفسه، وأفهم ذلك أن التصريح فيه الجناح، ثم إنه تعالى عذر في التعريض بأن النفوس تتوق إلى التزوّج وذكر النساء، ونهى تعالى عن مواعدة السر وهو النكاح، وأباح قولاً معروفاً من التنبيه به على أن المرأة مرغوب فيها، فإن في ذلك جبراً لها وبعض تأنيس منه لها بذلك.
ثم نهى عن بت النكاح قبل انقضاء العدّة، وأعلم أن ما في نفس الإنسان يعلمه الله، وأمر بأن يحذر، ولما كان الأمر بالحذر يستدعي مخوفاً، أعلم أنه غفور يستر الذنب، حليم يصفح عن المسيء، ليتعادل خوف المؤمن ورجاؤه، ثم ذكر رفع الحرج عن من طلق المرأة قبل المسيس، أو قبل أن يفرض لها الصداق، إذ كان يتوهم أن الطلاق قبل الدخول بها لا يباح، ثم أمر بالتمتيع ليكون ذلك عوضاً لغير المدخول بها مما كان فاتها من الزوج، ومن نصف الصداق الذي تشطر بالطلاق، وجبراً لها بذلك ولغير المفروض لها، وأن ذلك التمتيع على حسب وجد الزوج وإقتاره، ولم يعين المقدار، بل قال : إن ذلك بالمعروف، وهو الذي ألف عادة وشرعاً، وأن ذلك حق على من كان محسناً.
ثم ذكر أنه إذا طلق قبل المسيس وبعد الفرض فإنه ينتظر المسمى، فيجب لها نصف الصداق إلاَّ إن عفت المرأة فلم تأخذ منه شيئاً، أو عفا الزوج فأدى إليها الصداق كاملاً إذا كان الطلاق إنما كان من جهته، ثم ذكر أن العفو من أي جهة كان منهما أقرب لتحصيل التقوى للعافي، إذ هو : إما بين تارك حقه، أو باذل فوق الحق.
ثم نهى عن نسيان الفضل، ففي هذا النهي الأمر بالفضل.
ثم ختم ذلك بأنه بصير بجميع أعمالهم، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء باساءته.
ولما ذكر تعالى أحكام النكاح، وكادت تستغرق المكلف، نبه تعالى على أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى المكلف، وأمر بالمحافظة عليها وهي : الصلوات، وخص الوسطى منها بالذكر تنبيهاً على فضلها، ومن تسميتها بالوسطى تبين تمييزها على غيرها، وهي بلا شك صلاة العصر، ثم أمر بالقيام لله متلبسين بطاعته، ثم للمبالغة في توكيد إيجاب الصلوات لم يسامح بتركها حالة الخوف، بل أمر أن تؤدّى في تلك الحال، سواء كان الخائف ماشياً أو راكباً، وإن كان في ذلك بعض اختلال لشروطها ؛ ثم أمر أن تؤدّي على حالها الأول من إتمام شروطها، وهيآتها إذا أمن الخائف، وأن يؤديها على الحالة التي علمه الله في أدائها قبل الخوف.
وذكر أن اللواتي يتوفى عنهنّ أزواجهنّ لهن وصية بتمتيع إلى انقضاء حول من وفاة الأزواج، وأنهنّ لا يخرجن من بيوتهنّ في ذلك الحول، فإن اخترن الخروج فخرجن، فلا جناح على متولي أمرها فيما فعلت في نفسها، ثم أعلم أنه عزيز لا يغلب ويقهر، حكيم بوضع الأشياء مواضعها.
ثم ذكر تعالى أن للمطلقات متاعاً مما عرف شرعاً وعادة، واقتضى ذلك عموم كل مطلقة، وأن ذلك المتاع حق على من اتقى.
ولما كان تعالى قد بين عدة أحكام فيما تقدّم من الآيات، أحال على ذلك التبيين، وشبه التبيين الذي قد يأتي لسائر الآيات بالتبيين الذي سبق.
وان التبيين هو لرجائكم أن تعقلوا عن الله أحكامه فتجتنبوا ما نهى تعالى عنه، وتمتثلوا ما به أمر تعالى.