البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الألف : عدد معروف وجمعه في القلة آلاف وفي الكثرة ألوف، ويقال : آلفت الدراهم وآلفت هي، وقيل : ألوف جمع آلف كشاهد وشهود.
﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى متى ذكر شيئاً من الأحكام التكليفية، أعقب ذلك بشيء من القصص على سبيل الاعتبار للسامع، فيحمله ذلك على الإنقياد وترك العناد، وكان تعالى قد ذكر أشياء من أحكام الموتى ومن خلفوا، فأعقب ذلك بذكر هذه القصة العجيبة، وكيف أمات الله هؤلاء الخارجين من ديارهم، ثم أحياهم في الدنيا، فكما كان قادراً على إحيائهم في الدنيا هو قادر على إحياء المتوفين في الآخرة، فيجازي كلاَّ منهم بما عمل.
ففي هذه القصة تنبيه على المعاد، وأنه كائن لا محالة، فيليق بكل عاقل أن يعمل لمعاده : بأن يحافظ على عبادة ربه، وأن يوفي حقوق عباده.
وقيل : لما بين تعالى حكم النكاح، بين حكم القتال، لأن النكاح تحصين للدّين، والقتال تحصين للدّين والمال والروح، وقيل : مناسبة هذه الآية لما قبلها : هو أنه لما ذكر :﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾ ذكر هذه القصة لأنها من عظيم آياته، وبدائع قدرته.
وهذه همزة الاستفهام دخلت على حرف النفي، فصار الكلام تقريراً، فيمكن أن يكون المخاطب علم بهذه الصفة قبل نزول هذه الآية، ويجوز أن يكون لم يعرفها إلاَّ من هذه الآية، ومعناه التنبيه والتعجب من حال هؤلاء، والرؤية هنا علمية، وضمنت معنى ما يتعدّى بإلى، فلذلك لم يتعد إلى مفعولين، وكأنه قيل : ألم ينته علمك إلى كذا.
وقال الراغب : رأيت، يتعدّى بنفسه دون الجار، لكن لما استعير قولهم : ألم تر المعنى : ألم تنظر، عدّي تعديته، وقلما يستعمل ذلك في غير التقرير، ما يقال : رأيت إلى كذا. انتهى.
و : ألم تر، جرى مجرى التعجب في لسانهم، كما جاء في الحديث :« ألم تر إلى مجزز ! » وذلك في رؤيته أرجل زيد وابنه أسامة، وكان أسود، فقال هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل رسول الله ﷺ على بعض نسائه، فقال على سبيل التعجب :« ألم تر إلى مجزز ! » الحديث.
وقد جاء هذا اللفظ في القرآن :﴿ألم تر إلى الذين نافقوا﴾ ﴿ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم﴾ ﴿ألم تر إلى ربك كيف مدّ الله﴾ وقال الشاعر :
ألم ترياني كلما جئت طارقاً***
وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
ويجوز أن يكون الخطاب للنبي ﷺ، ويجوز أن يكون لكل سامع.
وقرأ السلمي : تر، بسكون الراء، قالوا : على توهم أن الراء آخر الكلمة، قال الراجز :
قالت سليمى اشتر لنا سويقا***
واشتر فعجل خادماً لبيقا
ويجوز أن يكون من إجراء الوصل مجرى الوقف، وقد جاء في القرآن : كإثبات ألف :﴿الظنونا﴾ ﴿والسبيلا﴾ ﴿والرسولا﴾ في الوصل.
وهؤلاء الذين خرجوا قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد، فخافوا القتل، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله :﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ الآية.
وقيل : قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء فخرجوا فراراً منه، فأماتهم الله فبنى عليهم سائر بني إسرائيل حائطاً حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فدعا الله فأحياهم له.
حكى هذا قوم من اليهود لعمر بن الخطاب.
وقال السدّي : هم أمّة كانت قبل واسط في قرية يقال لها داوردان وقع بها الطاعون، فهربوا منه، فأماتهم الله، ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أن لا مفر من قضاء الله.
وقيل : مر عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم، وتفرّقت أوصالهم، فلوى شدقه وأصابعه تعجباً مما رأى.
فأوحى إليه : نادِ فيهم أن قوموا بإذن الله.
فنادى، فنظر إليهم قياماً يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله لا أنت.
وممن قال فرّوا من الطاعون : الحسن، وعمار بن دينار.
وقيل : فروا من الحمى، حكاه النقاش.
وقد كثر الاختلاف والزيادة والنقص في هذه القصص، والله أعلم بصحة ذلك، ولا تعارض بين هذه القصص، إلاَّ أن عين أن ﴿الذين خرجوا من ديارهم﴾ هم من ذكر في القصة لا غير، وإلاَّ فيجوز أن ذكرت كل قصة على سبيل المثال، إذ لا يمتنع أن يفر ناسٌ من الجهاد، وناس من الطاعون، وناس من الحمى، فيميتهم ثم يحييهم ليعتبروا بذلك، ويعتبر من يأتي بعدهم، وليعلموا جميعاً أن الإماتة والإحياء بيد الله، فلا ينبغي أن يخاف من شيء مقدّر، ولا يغتر فطن بحيلة أنها تنجيه مما شاء الله.
﴿وهم ألوف﴾ في هذا تنبيه على أن الكثرة والتعاضد، وإن كانا نافعين في دفع الأذيات الدنيوية، فليسا بمغنيين في الأمور الإلهية.
وهي جملة حالية، وألوف جمع ألف جمع كثرة، فناسب أن يفسر بما زاد على عشرة آلاف، فقيل : ستمائة ألف.
وقال عطاء : تسعون، وقيل : ثمانون، وقال عطاء أيضاً سبعون وقال ابن عباس : أربعون.
وقال أيضاً : بضع وثلاثون.
وقال أبو مالك : ثلاثون، يعنون ألفاً.
وقد فسر بما هو لأدنى العدد استعير لفظ الجمع الكثير للجمع القليل، فقال أبو روق : عشرة آلاف، وقال الكلبي ومقاتل : ثمانية، وقال أبو صالح : سبعة، وقال ابن عباس، وابن جبير : أربعة وقال عطاء الخراساني : ثلاثة آلاف.
وقال البغوى : الأَوْلى قول من قال : إنهم كانوا زيادة على عشرة آلاف، لأن ألوفاً جمع الكثير، ولا يقال لما دون العشرة الآلاف ألوف. انتهى.
وهذا ليس كما ذكر، فقد يستعار أحد الجمعين للآخر، وإن كان الأصل استعمال كل واحد منهما في موضوعه.
وهذه التقديرات كلها لا دليل على شيء منها، ولفظ القرآن :﴿وهم ألوف﴾ لم ينص على عدد معين، ويحتمل أن لا يراد ظاهر جمع ألف، بل يكون ذلك المراد منه التكثير، كأنه قيل : خرجوا من ديارهم وهم عالم كثيرون، لا يكادون يحصيهم عادٌّ، فعبر عن هذا المعنى بقوله : وهم ألوف، كما يصح أن تقول : جئتك ألف مرة، لا تريد حقيقة العدد إنما تريد جئتك مراراً كثيرة لا تكاد تحصى من كثرتها ونظير ذلك قول الشاعر :
هو المنزل الآلاف من جوّ ناعط***
بني أسد حزناً من الأرض أوعرا
ولعل من كان معه لم يكن ألوفاً، فضلاً عن أن يكونوا آلافاً، ولكنه أراد بذلك التكثير، لأن العرب تكثر بآلاف وتجمعه، والجمهور على أن قوله : وهم ألوف، جمع ألف العدد المعروف الذي هو تكرير مائة عشر مرات، وقال ابن زيد : ألوف جمع آلف.
كقاعد وقعود.
أي : خرجوا وهم مؤتلفون لم يخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم، بل ائتلفوا، فخالفت هذه الفرقة، فخرجت فراراً من الموت وابتغاء الحياة، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم.
وقال الزمخشري : وهذا من بدع التفاسير، وهو كما قال.
وقال القاضي : كونه جمع ألف من العدد أولى، لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمة تفيد مزيد اعتبار، وأما وروده على قوم بينهم ائتلاف فكوروده وبينهم اختلاف في أن وجه الاعتبار لا يتغير.
﴿حذر الموت﴾ هذا علة لخروجهم، لما غلب على ظنهم الموت بالطاعون أو بالجهاد، حملهم على الخروج ذلك، وهو مفعول من أجله، وشروط المفعول له موجودة فيه من كونه مصدراً متحد الفاعل والزمان.
﴿فقال لهم الله موتوا﴾ ظاهره أن ثَمّ قولاً لله، فقيل : قال لهم ذلك على لسان الرسول الذي أذن له في أن يقول لهم ذلك عن الله، وقيل : على لسان الملك.
وحكي : أن ملكين صاحا بهم : موتوا، فماتوا.
وقيل : سمعت الملائكة ذلك فتوفتهم، وقيل : لا قول هناك، وهو كناية عن قابليتهم الموت في ساعة واحدةٍ وموتهم كموتة رجل واحد، والمعنى : فأماتهم، لكن أخرج ذلك مخرج الشخص المأمور بشيء، المسرع الامتثال من غير توقف، ولا امتناع، كقوله تعالى :﴿كن فيكون﴾
وفي الكلام حذف، التقدير : فماتوا، وظاهر هذا الموت مفارقة الأرواح الأجساد، فقيل : ماتوا ثمانية أيام ثم أحياهم بعد، بدعاء حزقيل ؛ وقيل : سبعة أيام، وقد تقدّم في بعض القصص أنه عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم، وهذا لا يكون في العادة في ثمانية أيام، وهذا الموت ليس بموت الآجال، بل جعله الله في هؤلاء كمرض وحادث مما يحدث على البشر، كحال ﴿الذي مر على قرية﴾ المذكورة بعد هذا.
﴿ثم أحياهم﴾ العطف بثم يدل على تراخي الإحياء عن الإماتة، قال قتادة : أحياهم ليستوفوا آجالهم.
وظاهره أن الله هو الذي أحياهم بغير واسطة، وقال مقاتل : كانوا قوم حزقيل، فخرج فوجدهم موتى، فأوحى الله إليه : إني جعلت حياتهم إليك، فقال لهم : احيوا.
وقال ابن عباس : النبي شمعون، وريح الموتى توجد في أولادهم.
وقيل : النبي يوشع بن نون، وقال وهب : اسمه شمويل وهو ذو الكفل، وقال مجاهد : لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرقون، لكن سحنة الموت على وجوههم ولا يلبس أحد منهم ثوباً إلاَّ عاد كفناً دسماً، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم، وقيل : معنى إماتتهم تذليلهم تذليلاً يجري مجرى الموت، فلم تغن عنهم كثرتهم وتظاهرهم من الله شيئاً، ثم أعانهم وخلصهم ليعرفوا قدرة الله في أنه يذل من يشاء، ويعز من يشاء، وقيل : عنى بالموت : الجهل، وبالحياة : العلم، كما يحيا الجسد بالروح.
وأتت هذه القصة بين يدي الأمر بالقتال تشجيعاً للمؤمنين، وحثاً على الجهاد والتعريض للشهادة، وإعلاماً أن لا مفر مما قضى الله تعالى :﴿قل لن يصيبنا إلاَّ ما كتب الله لنا﴾ واحتجاجاً على اليهود، والنصارى بإنبائه ﷺ بما لا يدفعون صحته، مع كونه أمّياً لم يقرأ كتاباً، ولم يدارس أحداً، وعلى مشركي العرب إذ من قرأ الكتب يصدقه في إخباره بما جاء به مما هو في كتبهم.
﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾ أكد هذه الجملة : بإن، واللام، وأتى الخبر : لذو، الدالة على الشرف، بخلاف صاحب، و : الناس، هنا عام، لأن كل أحد لله عليه فضل أيّ فضل، وخصوصاً هنا، حيث نبههم على ما به يستبصرون ويعتبرون على النشأة الآخرة، وأنها ممكنة عقلا، كائنة بإخباره تعالى : إذ أعاد إلى الأجسام البالية المشاهدة بالعين الأرواح المفارقة، وأبقاها فيها الأزمان الطويلة إلى أن قبضها ثانية، وأي فضل أجل من هذا الفضل، إذ تتضمن جميع كليات العقائد المنجية وجزئياتها : ويجوز أن يراد : بالناس، ههنا الخصوص، وهم هؤلاء الذين تفضل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد ففروا منه خوفاً من الموت، فأماتهم، ثم تفضل عليهم بالإحياء وطوّل لهم في الحياة ليستيقنوا أن لا مفر من القدر، ويستدركوا ما فاتهم من الطاعات، وقص الله علينا ذلك تنبيهاً على أن لا نسلك مسلكهم بل نمتثل ما يأمر به تعالى.
﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ تقدّم فضل الله على جميع الناس بالإيجاد والرزق، وغير ذلك، فكان المناسب لهم أنهم يشكرون الله على ذلك، وهذا الاستدراك : بلكن، مما تضمنه قوله :﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾ والتقدير : فيجب عليهم أن يشكروا الله على فضله، فاستدرك بأن أكثرهم لا يشكرون، ودل على أن الشاكر قليل، كقوله :﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ ويخص : الناس، الثاني بالمكلفين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة الأخبار بقصة الخارجين من ديارهم، وهم عالم لا يحصون، فراراً من الموت، إما بالقتل إذ فرض عليهم القتال، وإما بالوباء، فأماتهم الله ثم أحياهم ليعلموا أنه لا مفر مما قدّره الله تعالى، وذلك لئلا نسلك ما سلكوه، فنحجم عن القتال، فأتت هذه الآية مثبتة لمن جاهد في سبيله، وذكر تعالى أنه ذو فضل على الناس، وذلك بإحيائهم والإحسان إليهم، ومع ذلك فأكثرهم لا يؤدّي شكر الله.
ثم أمر بالقتال في سبيل الله، وبأن نعلم أنه سميع لأقوالنا، عليم بنياتنا، ثم ذكر أن من أقرض الله فالله يضاعفه حيث يحتاج إليه، ثم ذكر أن بيده القبض والبسط، وأن مرجع الكل إليه.
ثم أخبر تعالى بقصة الملأ من بني إسرائيل، وذلك لنعتبر بها وتقتدي منها بما كان من أحوالهم حسناً، ونجتنب ما كان قبيحاً.
وهذه الحكمة في قصص الأولين علينا لنعتبر بها، وأنهم حين استولى عليهم العدّو، فملك بلادهم وأسر أبناءهم، ولم يكن لهم ملك يسوسهم في أمر الحرب، إذ هي محتاجة إلى من يُصدر عن أمره ويجتمع عليه، فسألوا نبيهم أن ينهض لهم ملكاً برسم الجهاد في سبيل الله، فتوقع النبي منهم أنه لو فرض عليهم القتال نكصوا عنه، فأجابوه : بأنا قد وترنا، وأخرجنا من ديارنا، وأبنائنا، وهذا أصعب شيء على النفوس، وهو أن يخرج من مسكن ألفه، ويفرق بينه وبين أبنائه، ولهذا دعا رسول الله ﷺ :« اللهم حبب لنا المدينة كحبنا مكة أو أكثر » وكثيراً ما بكى الشعراء المساكن والمعاهد، ألا ترى إلى قول بلال :
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة***
بواد وحولي إذخرٌ وجليلُ
وكان قتيبة بن سعيد المحدّث قد رزق من النصيب في الدنيا والجلالة، وحمل الناس العلم عنه، وكان ببغداد، فعبر مرة على مكان مولده ومنشئه صغيراً ببغلان، قيل : وهي ضيعة من أصغر الضياع، فتمنى أن لو كان مقيماً بها، ويترك رئاسة بغداد، دار الخلافة، وذلك نزوع إلى الوطن، وذكر تعالى أنه لما فرض القتال عليهم : أعرضوا عن قبوله إلاَّ قليلاً فإنه أخذ أمر الله بالقبول، ثم عرّض تعالى بالظالمين، وهم : الذين لم يقبلوا أمر الله بعد أن كانوا طلبوه، فهو يجازيهم على ظلمهم، ثم أخبر تعالى عن نبيهم أنه قال لهم عن الله إنه قد بعث طالوت ملكاً عليهم، ولم يكن عندهم من أنفسهم ولا أشرفهم منصباً، إذ ليس من سبط النبوّة، ولا من سبط الملك، فلم يأخذوا ما أخبرهم عن الله بالقبول، وشرعوا يتعنتون على عادتهم مع أنبيائهم، فاستبعدوا تمليكه عليهم، لأن فيهم من هو أحق بالملك منه على زعمهم، إذ لم يسبق له أن يكون من آبائه ملك فيعظم عند العامّة، ولأنه فقير، وهاتان الخلتان هما يضعفان الملك، إذ سابق الرئاسة والجاه والملاءة بالأموال مما يستتبع الرجال، ويستعبد الأحرار، وما علموا أن عناية المقادير تجعل المفضول فاضلاً.
فأخبرهم نبيهم، أن الله تعالى قد اختاره عليكم، وشرّفه بخصلتين : هما في ذاته : إحداهما : الخلق العظيم، والأخرى : المعرفة التي هي الفضل الجسيم، واستغنى بهذين الوصفين الذاتيين عن الوصفين الخارجين عن الذات، وهما الفخر : بالعظم الرميم، والاستكثار بالمال الذي مرتعه وخيم.
ثم أخبر أن الله تعالى يعطي ملكه من أراد، وأنه الواسع الفضل، العالم بمصالح العباد، فلا اعتراض عليه.
﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى متى ذكر شيئاً من الأحكام التكليفية، أعقب ذلك بشيء من القصص على سبيل الاعتبار للسامع، فيحمله ذلك على الإنقياد وترك العناد، وكان تعالى قد ذكر أشياء من أحكام الموتى ومن خلفوا، فأعقب ذلك بذكر هذه القصة العجيبة، وكيف أمات الله هؤلاء الخارجين من ديارهم، ثم أحياهم في الدنيا، فكما كان قادراً على إحيائهم في الدنيا هو قادر على إحياء المتوفين في الآخرة، فيجازي كلاَّ منهم بما عمل.
ففي هذه القصة تنبيه على المعاد، وأنه كائن لا محالة، فيليق بكل عاقل أن يعمل لمعاده : بأن يحافظ على عبادة ربه، وأن يوفي حقوق عباده.
وقيل : لما بين تعالى حكم النكاح، بين حكم القتال، لأن النكاح تحصين للدّين، والقتال تحصين للدّين والمال والروح، وقيل : مناسبة هذه الآية لما قبلها : هو أنه لما ذكر :﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾ ذكر هذه القصة لأنها من عظيم آياته، وبدائع قدرته.
وهذه همزة الاستفهام دخلت على حرف النفي، فصار الكلام تقريراً، فيمكن أن يكون المخاطب علم بهذه الصفة قبل نزول هذه الآية، ويجوز أن يكون لم يعرفها إلاَّ من هذه الآية، ومعناه التنبيه والتعجب من حال هؤلاء، والرؤية هنا علمية، وضمنت معنى ما يتعدّى بإلى، فلذلك لم يتعد إلى مفعولين، وكأنه قيل : ألم ينته علمك إلى كذا.
وقال الراغب : رأيت، يتعدّى بنفسه دون الجار، لكن لما استعير قولهم : ألم تر المعنى : ألم تنظر، عدّي تعديته، وقلما يستعمل ذلك في غير التقرير، ما يقال : رأيت إلى كذا. انتهى.
و : ألم تر، جرى مجرى التعجب في لسانهم، كما جاء في الحديث :« ألم تر إلى مجزز ! » وذلك في رؤيته أرجل زيد وابنه أسامة، وكان أسود، فقال هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل رسول الله ﷺ على بعض نسائه، فقال على سبيل التعجب :« ألم تر إلى مجزز ! » الحديث.
وقد جاء هذا اللفظ في القرآن :﴿ألم تر إلى الذين نافقوا﴾ ﴿ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم﴾ ﴿ألم تر إلى ربك كيف مدّ الله﴾ وقال الشاعر :
ألم ترياني كلما جئت طارقاً***
وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
ويجوز أن يكون الخطاب للنبي ﷺ، ويجوز أن يكون لكل سامع.
وقرأ السلمي : تر، بسكون الراء، قالوا : على توهم أن الراء آخر الكلمة، قال الراجز :
قالت سليمى اشتر لنا سويقا***
واشتر فعجل خادماً لبيقا
ويجوز أن يكون من إجراء الوصل مجرى الوقف، وقد جاء في القرآن : كإثبات ألف :﴿الظنونا﴾ ﴿والسبيلا﴾ ﴿والرسولا﴾ في الوصل.
وهؤلاء الذين خرجوا قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد، فخافوا القتل، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله :﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ الآية.
وقيل : قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء فخرجوا فراراً منه، فأماتهم الله فبنى عليهم سائر بني إسرائيل حائطاً حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فدعا الله فأحياهم له.
حكى هذا قوم من اليهود لعمر بن الخطاب.
وقال السدّي : هم أمّة كانت قبل واسط في قرية يقال لها داوردان وقع بها الطاعون، فهربوا منه، فأماتهم الله، ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أن لا مفر من قضاء الله.
وقيل : مر عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم، وتفرّقت أوصالهم، فلوى شدقه وأصابعه تعجباً مما رأى.
فأوحى إليه : نادِ فيهم أن قوموا بإذن الله.
فنادى، فنظر إليهم قياماً يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله لا أنت.
وممن قال فرّوا من الطاعون : الحسن، وعمار بن دينار.
وقيل : فروا من الحمى، حكاه النقاش.
وقد كثر الاختلاف والزيادة والنقص في هذه القصص، والله أعلم بصحة ذلك، ولا تعارض بين هذه القصص، إلاَّ أن عين أن ﴿الذين خرجوا من ديارهم﴾ هم من ذكر في القصة لا غير، وإلاَّ فيجوز أن ذكرت كل قصة على سبيل المثال، إذ لا يمتنع أن يفر ناسٌ من الجهاد، وناس من الطاعون، وناس من الحمى، فيميتهم ثم يحييهم ليعتبروا بذلك، ويعتبر من يأتي بعدهم، وليعلموا جميعاً أن الإماتة والإحياء بيد الله، فلا ينبغي أن يخاف من شيء مقدّر، ولا يغتر فطن بحيلة أنها تنجيه مما شاء الله.
﴿وهم ألوف﴾ في هذا تنبيه على أن الكثرة والتعاضد، وإن كانا نافعين في دفع الأذيات الدنيوية، فليسا بمغنيين في الأمور الإلهية.
وهي جملة حالية، وألوف جمع ألف جمع كثرة، فناسب أن يفسر بما زاد على عشرة آلاف، فقيل : ستمائة ألف.
وقال عطاء : تسعون، وقيل : ثمانون، وقال عطاء أيضاً سبعون وقال ابن عباس : أربعون.
وقال أيضاً : بضع وثلاثون.
وقال أبو مالك : ثلاثون، يعنون ألفاً.
وقد فسر بما هو لأدنى العدد استعير لفظ الجمع الكثير للجمع القليل، فقال أبو روق : عشرة آلاف، وقال الكلبي ومقاتل : ثمانية، وقال أبو صالح : سبعة، وقال ابن عباس، وابن جبير : أربعة وقال عطاء الخراساني : ثلاثة آلاف.
وقال البغوى : الأَوْلى قول من قال : إنهم كانوا زيادة على عشرة آلاف، لأن ألوفاً جمع الكثير، ولا يقال لما دون العشرة الآلاف ألوف. انتهى.
وهذا ليس كما ذكر، فقد يستعار أحد الجمعين للآخر، وإن كان الأصل استعمال كل واحد منهما في موضوعه.
وهذه التقديرات كلها لا دليل على شيء منها، ولفظ القرآن :﴿وهم ألوف﴾ لم ينص على عدد معين، ويحتمل أن لا يراد ظاهر جمع ألف، بل يكون ذلك المراد منه التكثير، كأنه قيل : خرجوا من ديارهم وهم عالم كثيرون، لا يكادون يحصيهم عادٌّ، فعبر عن هذا المعنى بقوله : وهم ألوف، كما يصح أن تقول : جئتك ألف مرة، لا تريد حقيقة العدد إنما تريد جئتك مراراً كثيرة لا تكاد تحصى من كثرتها ونظير ذلك قول الشاعر :
هو المنزل الآلاف من جوّ ناعط***
بني أسد حزناً من الأرض أوعرا
ولعل من كان معه لم يكن ألوفاً، فضلاً عن أن يكونوا آلافاً، ولكنه أراد بذلك التكثير، لأن العرب تكثر بآلاف وتجمعه، والجمهور على أن قوله : وهم ألوف، جمع ألف العدد المعروف الذي هو تكرير مائة عشر مرات، وقال ابن زيد : ألوف جمع آلف.
كقاعد وقعود.
أي : خرجوا وهم مؤتلفون لم يخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم، بل ائتلفوا، فخالفت هذه الفرقة، فخرجت فراراً من الموت وابتغاء الحياة، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم.
وقال الزمخشري : وهذا من بدع التفاسير، وهو كما قال.
وقال القاضي : كونه جمع ألف من العدد أولى، لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمة تفيد مزيد اعتبار، وأما وروده على قوم بينهم ائتلاف فكوروده وبينهم اختلاف في أن وجه الاعتبار لا يتغير.
﴿حذر الموت﴾ هذا علة لخروجهم، لما غلب على ظنهم الموت بالطاعون أو بالجهاد، حملهم على الخروج ذلك، وهو مفعول من أجله، وشروط المفعول له موجودة فيه من كونه مصدراً متحد الفاعل والزمان.
﴿فقال لهم الله موتوا﴾ ظاهره أن ثَمّ قولاً لله، فقيل : قال لهم ذلك على لسان الرسول الذي أذن له في أن يقول لهم ذلك عن الله، وقيل : على لسان الملك.
وحكي : أن ملكين صاحا بهم : موتوا، فماتوا.
وقيل : سمعت الملائكة ذلك فتوفتهم، وقيل : لا قول هناك، وهو كناية عن قابليتهم الموت في ساعة واحدةٍ وموتهم كموتة رجل واحد، والمعنى : فأماتهم، لكن أخرج ذلك مخرج الشخص المأمور بشيء، المسرع الامتثال من غير توقف، ولا امتناع، كقوله تعالى :﴿كن فيكون﴾
وفي الكلام حذف، التقدير : فماتوا، وظاهر هذا الموت مفارقة الأرواح الأجساد، فقيل : ماتوا ثمانية أيام ثم أحياهم بعد، بدعاء حزقيل ؛ وقيل : سبعة أيام، وقد تقدّم في بعض القصص أنه عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم، وهذا لا يكون في العادة في ثمانية أيام، وهذا الموت ليس بموت الآجال، بل جعله الله في هؤلاء كمرض وحادث مما يحدث على البشر، كحال ﴿الذي مر على قرية﴾ المذكورة بعد هذا.
﴿ثم أحياهم﴾ العطف بثم يدل على تراخي الإحياء عن الإماتة، قال قتادة : أحياهم ليستوفوا آجالهم.
وظاهره أن الله هو الذي أحياهم بغير واسطة، وقال مقاتل : كانوا قوم حزقيل، فخرج فوجدهم موتى، فأوحى الله إليه : إني جعلت حياتهم إليك، فقال لهم : احيوا.
وقال ابن عباس : النبي شمعون، وريح الموتى توجد في أولادهم.
وقيل : النبي يوشع بن نون، وقال وهب : اسمه شمويل وهو ذو الكفل، وقال مجاهد : لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرقون، لكن سحنة الموت على وجوههم ولا يلبس أحد منهم ثوباً إلاَّ عاد كفناً دسماً، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم، وقيل : معنى إماتتهم تذليلهم تذليلاً يجري مجرى الموت، فلم تغن عنهم كثرتهم وتظاهرهم من الله شيئاً، ثم أعانهم وخلصهم ليعرفوا قدرة الله في أنه يذل من يشاء، ويعز من يشاء، وقيل : عنى بالموت : الجهل، وبالحياة : العلم، كما يحيا الجسد بالروح.
وأتت هذه القصة بين يدي الأمر بالقتال تشجيعاً للمؤمنين، وحثاً على الجهاد والتعريض للشهادة، وإعلاماً أن لا مفر مما قضى الله تعالى :﴿قل لن يصيبنا إلاَّ ما كتب الله لنا﴾ واحتجاجاً على اليهود، والنصارى بإنبائه ﷺ بما لا يدفعون صحته، مع كونه أمّياً لم يقرأ كتاباً، ولم يدارس أحداً، وعلى مشركي العرب إذ من قرأ الكتب يصدقه في إخباره بما جاء به مما هو في كتبهم.
﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾ أكد هذه الجملة : بإن، واللام، وأتى الخبر : لذو، الدالة على الشرف، بخلاف صاحب، و : الناس، هنا عام، لأن كل أحد لله عليه فضل أيّ فضل، وخصوصاً هنا، حيث نبههم على ما به يستبصرون ويعتبرون على النشأة الآخرة، وأنها ممكنة عقلا، كائنة بإخباره تعالى : إذ أعاد إلى الأجسام البالية المشاهدة بالعين الأرواح المفارقة، وأبقاها فيها الأزمان الطويلة إلى أن قبضها ثانية، وأي فضل أجل من هذا الفضل، إذ تتضمن جميع كليات العقائد المنجية وجزئياتها : ويجوز أن يراد : بالناس، ههنا الخصوص، وهم هؤلاء الذين تفضل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد ففروا منه خوفاً من الموت، فأماتهم، ثم تفضل عليهم بالإحياء وطوّل لهم في الحياة ليستيقنوا أن لا مفر من القدر، ويستدركوا ما فاتهم من الطاعات، وقص الله علينا ذلك تنبيهاً على أن لا نسلك مسلكهم بل نمتثل ما يأمر به تعالى.
﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ تقدّم فضل الله على جميع الناس بالإيجاد والرزق، وغير ذلك، فكان المناسب لهم أنهم يشكرون الله على ذلك، وهذا الاستدراك : بلكن، مما تضمنه قوله :﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾ والتقدير : فيجب عليهم أن يشكروا الله على فضله، فاستدرك بأن أكثرهم لا يشكرون، ودل على أن الشاكر قليل، كقوله :﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ ويخص : الناس، الثاني بالمكلفين.
ثم أمر بالقتال في سبيل الله، وبأن نعلم أنه سميع لأقوالنا، عليم بنياتنا، ثم ذكر أن من أقرض الله فالله يضاعفه حيث يحتاج إليه، ثم ذكر أن بيده القبض والبسط، وأن مرجع الكل إليه.
ثم أخبر تعالى بقصة الملأ من بني إسرائيل، وذلك لنعتبر بها وتقتدي منها بما كان من أحوالهم حسناً، ونجتنب ما كان قبيحاً.
وهذه الحكمة في قصص الأولين علينا لنعتبر بها، وأنهم حين استولى عليهم العدّو، فملك بلادهم وأسر أبناءهم، ولم يكن لهم ملك يسوسهم في أمر الحرب، إذ هي محتاجة إلى من يُصدر عن أمره ويجتمع عليه، فسألوا نبيهم أن ينهض لهم ملكاً برسم الجهاد في سبيل الله، فتوقع النبي منهم أنه لو فرض عليهم القتال نكصوا عنه، فأجابوه : بأنا قد وترنا، وأخرجنا من ديارنا، وأبنائنا، وهذا أصعب شيء على النفوس، وهو أن يخرج من مسكن ألفه، ويفرق بينه وبين أبنائه، ولهذا دعا رسول الله ﷺ :« اللهم حبب لنا المدينة كحبنا مكة أو أكثر » وكثيراً ما بكى الشعراء المساكن والمعاهد، ألا ترى إلى قول بلال :
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة***
بواد وحولي إذخرٌ وجليلُ
وكان قتيبة بن سعيد المحدّث قد رزق من النصيب في الدنيا والجلالة، وحمل الناس العلم عنه، وكان ببغداد، فعبر مرة على مكان مولده ومنشئه صغيراً ببغلان، قيل : وهي ضيعة من أصغر الضياع، فتمنى أن لو كان مقيماً بها، ويترك رئاسة بغداد، دار الخلافة، وذلك نزوع إلى الوطن، وذكر تعالى أنه لما فرض القتال عليهم : أعرضوا عن قبوله إلاَّ قليلاً فإنه أخذ أمر الله بالقبول، ثم عرّض تعالى بالظالمين، وهم : الذين لم يقبلوا أمر الله بعد أن كانوا طلبوه، فهو يجازيهم على ظلمهم، ثم أخبر تعالى عن نبيهم أنه قال لهم عن الله إنه قد بعث طالوت ملكاً عليهم، ولم يكن عندهم من أنفسهم ولا أشرفهم منصباً، إذ ليس من سبط النبوّة، ولا من سبط الملك، فلم يأخذوا ما أخبرهم عن الله بالقبول، وشرعوا يتعنتون على عادتهم مع أنبيائهم، فاستبعدوا تمليكه عليهم، لأن فيهم من هو أحق بالملك منه على زعمهم، إذ لم يسبق له أن يكون من آبائه ملك فيعظم عند العامّة، ولأنه فقير، وهاتان الخلتان هما يضعفان الملك، إذ سابق الرئاسة والجاه والملاءة بالأموال مما يستتبع الرجال، ويستعبد الأحرار، وما علموا أن عناية المقادير تجعل المفضول فاضلاً.
فأخبرهم نبيهم، أن الله تعالى قد اختاره عليكم، وشرّفه بخصلتين : هما في ذاته : إحداهما : الخلق العظيم، والأخرى : المعرفة التي هي الفضل الجسيم، واستغنى بهذين الوصفين الذاتيين عن الوصفين الخارجين عن الذات، وهما الفخر : بالعظم الرميم، والاستكثار بالمال الذي مرتعه وخيم.
ثم أخبر أن الله تعالى يعطي ملكه من أراد، وأنه الواسع الفضل، العالم بمصالح العباد، فلا اعتراض عليه.