محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٤٣ من سورة البقرة في ١١٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٤٣ من سورة البقرة

١١٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ )
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : " ألم تر "، ألم تعلم، يا محمد ؟ وهو من " رؤية القلب " لا " رؤية العين "، لأن نبينا محمدا ﷺ لم يدرك الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر، و " رؤية القلب " : ما رآه، وعلمه به. فمعنى ذلك : ألم تعلم يا محمد، الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ؟ ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " وهم ألوف ". فقال بعضهم : في العدد، بمعنى جماع " ألف ". ذكر من قال ذلك :
٥٥٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= وحدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع= قال، حدثنا سفيان، عن ميسرة النهدي، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا : " نأتي أرضا ليس فيها موت " ! حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله : " موتوا ". فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم، فأحياهم، فتلا هذه الآية :( إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ).
٥٥٩٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن ميسرة النهدي، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون، فأماتهم الله، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه، فأحياهم.
٥٥٩٨- حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال، أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد : أنه سمع وهب بن منبه يقول : أصاب ناسا من بني إسرائيل بلاء وشدة من الزمان، فشكوا ما أصابهم وقالوا : " يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه " ! فأوحى الله إلى حزقيل : إن قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا، وأي راحة لهم في الموت ؟ أيظنون أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت ؟ فانطلق إلى جبانة كذا وكذا، فإن فيها أربعة آلاف قال وهب : وهم الذين قال الله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " فقم فيهم فنادهم، وكانت عظامهم قد تفرقت، فرقتها الطير والسباع. فناداهم حزقيل فقال : " يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي " ! فاجتمع عظام كل إنسان منهم معا. ثم نادى ثانية حزقيل فقال : " أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم "، فاكتست اللحم، وبعد اللحم جلدا، فكانت أجسادا. ثم نادى حزقيل الثالثة فقال : " أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك " ! فقاموا بإذن الله، وكبروا تكبيرة واحدة.
٥٥٩٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، يقول : عدد كثير خرجوا فرارا من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله، ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم، فذلك قوله : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
٥٦٠٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أشعث بن أسلم البصري قال : بينما عمر يصلي ويهوديان خلفه = وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى= فقال أحدهم لصاحبه، أهو هو ؟ فلما انفتل عمر قال : أرأيت قول أحدكما لصاحبه : أهو هو ؟ فقالا إنا نجده في كتابنا : " قرنا من حديد، يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيي الموتى بإذن الله ". فقال عمر : ما نجد في كتاب الله " حزقيل " ولا " أحيى الموتى بإذن الله "، إلا عيسى. فقالا أما تجد في كتاب الله وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ، فقال عمر : بلى ! قالا وأما إحياء الموتى فسنحدثك : إن بني إسرائيل وقع عليهم الوباء، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله، فبنوا عليهم حائطا، حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم فقال شاء الله، فبعثهم الله له، فأنزل الله في ذلك : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، الآية.
٥٦٠١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن الحجاج بن أرطأة قال : كانوا أربعة آلاف.
٥٦٠٢- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، إلى قوله :( ثُمَّ أَحْيَاهُمْ )، قال : كانت قرية يقال لها داو ردان قبل واسط، وقع بها الطاعون، فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها، فهلك من بقي في القرية وسلم الآخرون، فلم يمت منهم كبير. فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا : أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا ! ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم ! فوقع في قابل فهربوا، وهم بضعة وثلاثون ألفا، حتى نزلوا ذلك المكان، وهو واد أفيح، فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا ! فماتوا، حتى إذا هلكوا وبليت أجسادهم، مر بهم نبي يقال له حزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوى شدقه وأصابعه، فأوحى الله إليه : يا حزقيل، أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم ؟ قال : وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم فقال : نعم ! فقيل له : ناد ! فنادى : " يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي ! "، فجعلت تطير العظام بعضها إلى بعض، حتى كانت أجسادا من عظام، ثم أوحى الله إليه أن ناد : " يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي لحما "، فاكتست لحما ودما، وثيابها التي ماتت فيها وهي عليها. ثم قيل له : ناد ! فنادى : " يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي "، فقاموا.
٥٦٠٣- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، قال : فزعم منصور بن المعتمر، عن مجاهد : أنهم قالوا حين أحيوا : " سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت "، فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم.
٥٦٠٤- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبد الرحمن بن عوسجة، عن عطاء الخراساني : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، قال : كانوا ثلاثة آلاف أو أكثر.
٥٦٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس : كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف، حظر عليهم حظائر، وقد أروحت أجسادهم وأنتنوا، فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح، وهم ألوف فرارا من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله ثم أحياهم، فأمرهم بالجهاد، فذلك قوله : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية.
٥٦٠٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه أن كالب بن يوقنا لما قبضه الله بعد يوشع، خلف فيهم - يعني في بني إسرائيل - حزقيل بن بوزي وهو ابن العجوز، وإنما سمي " ابن العجوز " أنها سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله لها، فلذلك قيل له " ابن العجوز " وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد ﷺ كما بلغنا : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ". .
٥٦٠٧- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال : بلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارا من بعض الأوباء من الطاعون، أو من سقم كان يصيب الناس حذرا من الموت، وهم ألوف، حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال لهم الله : " موتوا "، فماتوا جميعا. فعمد أهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع، ثم تركوهم فيها، وذلك أنهم كثروا عن أن يغيبوا. فمرت بهم الأزمان والدهور، حتى صاروا عظاما نخرة، فمر بهم حزقيل بن بوزى، فوقف عليهم، فتعجب لأمرهم ودخلته رحمة لهم، فقيل له : أتحب أن يحييهم الله ؟ فقال : نعم ! فقيل له : نادهم فقل : " أيتها العظام الرميم التي قد رمت وبليت، ليرجع كل عظم إلى صاحبه ". فناداهم بذلك، فنظر إلى العظام تواثب يأخذ بعضها بعضا. ثم قيل له : قل : " أيها اللحم والعصب والجلد، اكس العظام بإذن ربك "، قال : فنظر إليها والعصب يأخذ العظام ثم اللحم والجلد والأشعار، حتى استووا خلقا ليست فيهم الأرواح. ثم دعا لهم بالحياة، فتغشاه من السماء شيء كربه حتى غشي عليه منه، ثم أفاق والقوم جلوس يقولون : " سبحان الله، سبحان الله " قد أحياهم الله.
وقال آخرون : معنى قوله " وهم ألوف " وهم مؤتلفون. ذكر من قال ذلك :
٥٦٠٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قول الله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم "، قال : قرية كانت نزل بها الطاعون، فخرجت طائفة منهم وأقامت طائفة، فألح الطاعون بالطائفة التي أقامت، والتي خرجت لم يصبهم شيء. ثم ارتفع، ثم نزل العام القابل، فخرجت طائفة أكثر من التي خرجت أولا فاستحر الطاعون بالطائفة التي أقامت. فلما كان العام الثالث، نزل فخرجوا بأجمعهم وتركوا ديارهم، فقال الله تعالى ذكره : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، ليست الفرقة أخرجتهم، كما يخرج للحرب والقتال، قلوبهم مؤتلفة، إنما خرجوا فرارا. فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة، قال لهم الله : " موتوا "، في المكان الذي ذهبوا إليه يبتغون فيه الحياة. فماتوا، ثم أحياهم الله، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ. قال : ومر بها رجل وهي عظام تلوح، فوقف ينظر فقال : " أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ "، فأماته الله مائة عام.
ذكر الأخبار عمن قال : كان خروج هؤلاء القوم من ديارهم فرارا من الطاعون.
٥٦٠٩- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن الأشعث، عن الحسن في قوله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال. خرجوا فرارا من الطاعون، فأماتهم قبل آجالهم، ثم أحياهم إلى آجالهم.
٥٦١٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال : فروا من الطاعون، فقال لهم الله :( مُوتُوا ) ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم.
٥٦١١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عمرو بن دينار في قول الله تعالى ذكره : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال : وقع الطاعون في قريتهم، فخرج أناس وبقي أناس، فهلك الذين بقوا في القرية، وب
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
في هذه الآيات، فكذلك أبين لكم سائر الأحكام في آياتي التي أنزلتها على نبيي محمد ﷺ في هذا الكتاب، لتعقلوا- أيها المؤمنون بي وبرسولي- حدودي، فتفهموا اللازم لكم من فرائضي، وتعرفوا بذلك ما فيه صلاح دينكم ودنياكم، وعاجلكم وآجلكم، فتعلموا به ليصلح ذات بينكم، وتنالوا به الجزيل من ثوابي في معادكم.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره:"ألم تر"، ألم تعلم، يا محمد؟ = وهو من"رؤية القلب" لا رؤية العين"، (١) لأن نبينا محمدا ﷺ لم يدرك الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر، و"رؤية القلب": ما رآه، وعلمه به. (٢) فمعنى ذلك: ألم تعلم يا محمد، الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف؟
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"وهم ألوف".
فقال بعضهم: في العدد، بمعنى جماع"ألف".
* ذكر من قال ذلك:
٥٥٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= وحدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع= قال، حدثنا سفيان، عن ميسرة النهدي، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم
(١) انظر ما سلف في معنى"الرؤية" ٣: ٧٥-٧٩.
(٢) في المطبوعة: "وعلمه به" بزيادة الواو، وهي فاسدة، والصواب من المخطوطة.
وهم ألوف حذر الموت"، كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا:"نأتي أرضا ليس فيها موت"! حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله:"موتوا". فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم، فأحياهم، فتلا هذه الآية:"إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون". (١)
٥٥٩٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن ميسرة النهدي، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت"، قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون، فأماتهم الله، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه، فأحياهم.
٥٥٩٨- حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال، أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد: أنه سمع وهب بن منبه يقول: أصاب ناسا من بني إسرائيل بلاء وشدة من الزمان، فشكوا ما أصابهم وقالوا:"يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه"! فأوحى الله إلى حزقيل: إن قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا، وأي راحة لهم في الموت؟ أيظنون أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت؟ فانطلق إلى جبانة كذا وكذا، فإن فيها أربعة آلاف= قال وهب: وهم الذين قال الله:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت"= فقم فيهم فنادهم، وكانت عظامهم قد تفرقت، فرقتها الطير والسباع. فناداهم حزقيل فقال: (٢) "يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي"! فاجتمع عظام كل
(١) الأثران: ٥٥٩٦، ٥٥٩٧- أخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٨١، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال الذهبي"ميسرة، لم يرويا له وروى له البخاري في الأدب المفرد. وانظر ابن كثير ١: ٥٩٠، والدر المنثور ١: ٣١٠. و"ميسرة"، هو: "ميسرة بن حبيب النهدي"، مترجم في التهذيب.
(٢) في المخطوطة: "فناداه"، وعلى الهاء من فوق حرف"ط"، وفي الدر المنثور ١: ٣١١"فنادى حزقيل"، وفي المطبوعة: "فناداهم"، وأثبت ما في تاريخ الطبري ١: ٢٣٧.
إنسان منهم معا. (١) ثم نادى ثانية حزقيل فقال:"أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم"، فاكتست اللحم، وبعد اللحم جلدا، فكانت أجسادا. ثم نادى حزقيل الثالثة فقال:"أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك"! (٢) فقاموا بإذن الله، وكبروا تكبيرة واحدة. (٣)
٥٥٩٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف"، يقول: عدد كثير خرجوا فرارا من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله، ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم، فذلك قوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
٥٦٠٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أشعث بن أسلم البصري قال: بينما عمر يصلي ويهوديان خلفه = وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى= (٤) فقال أحدهم لصاحبه، (٥) أهو هو؟ فلما انفتل عمر قال: (٦)
(١) بعد هذا في الدر المنثور ١: ٣١١: [ثم قال: "أيتها العظام، إن الله يأمرك أن ينبت العصب والعقب" فتلازمت واشتدت بالعصب والعقب]. وفي تاريخ الطبري: "يا أيتها العظام النخرة"
(٢) في المطبوعة: "إلى أجسادك"، وأثبت ما في المخطوطة، وتاريخ الطبري، والدر المنثور.
(٣) الأثر: ٥٥٩٨: "محمد بن سهل بن عسكر" التميمي، أبو بكر النجاري الحافظ الجوال قال النسائي وابن عدي: "ثقة" سكن بغداد ومات بها سنة ٢٥١، مترجم في التهذيب و"إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه الصنعاني"، روى عن ابن عمه إبراهيم بن عقيل، وعمه عبد الصمد بن معقل، وروى عنه أحمد بن حنبل، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات. توفي باليمن سنة ٢١٠. مترجم في التهذيب. والأثر رواه الطبري بهذا الإسناد في التاريخ ١: ٢٣٧، والدر المنثور ١: ٣١١.
(٤) خوى الرجل في سجوده: تجافى وفرج ما بين عضديه وجنبيه وفي الحديث: أن النبي ﷺ كان إذا سجد خوى.
(٥) في المطبوعة: "فقال أحدهم"، والصواب من المخطوطة وتاريخ الطبري.
(٦) انفتل فلان من صلاته: انصرف بعد قضائها، ومثله: "فتل وجهه عن القوم"، صرفه ولواه عنهم.
أرأيت قول أحدكما لصاحبه: أهو هو؟ (١) فقالا إنا نجده في كتابنا: (٢) "قرنا من حديد، يعطى ما يعطى حزقيل الذي"أحيي الموتى بإذن الله". فقال عمر: ما نجد في كتاب الله"حزقيل" ولا"أحيى الموتى بإذن الله"، إلا عيسى. فقالا أما تجد في كتاب الله (وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ)، (٣) [سورة النساء: ١٦٤]، فقال عمر: بلى! قالا وأما إحياء الموتى فسنحدثك: إن بني إسرائيل وقع عليهم الوباء، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله، فبنوا عليهم حائطا، حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم فقال شاء الله، (٤) فبعثهم الله له، فأنزل الله في ذلك:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف"، الآية. (٥)
٥٦٠١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن الحجاج بن أرطأة قال: كانوا أربعة آلاف.
(١) في المخطوطة والمطبوعة: "رأيت" بغير همزة استفهام، والصواب من الطبري، والدر المنثور. وقول العرب"أرأيت كذا"، يريدون به معنى الاستخبار، بمعنى أخبرني عن كذا.
(٢) في المطبوعة وتاريخ الطبري: "إنا نجد في كتابنا"، وفي المخطوطة والد المنثور: "نجده" وهو الذي أثبت. وفي تاريخ الطبري بعد"يعطي ما أعطى حزقيل". والقرن (بفتح فسكون) : الحصن، والقرن أيضًا: الجبيل المنفرد. وقرن الجبل: أعلاه.
(٣) في المطبوعة: "رسلا لم يقصصهم" بحذف الواو، وبالياء من"يقصصهم"، وفي المخطوطة كذلك إلا أن"الياء" غير منقوطة، وأثبت نص الآية، على ما جاءت في تاريخ الطبري.
(٤) في المطبوعة: "فقام عليهم ما شاء الله"، والصواب من المراجع والمخطوطة.
(٥) الأثر: ٥٦٠٠- رواه الطبري في تاريخه ١: ٢٣٨، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ٣١١. وفي المطبوعة والمخطوطة والدر: "أشعث بن أسلم البصري"، وفي التاريخ"أشعث عن سالم النصري"، و"أشعث بن أسلم العجلي البصري ثم الربعي"، روى عن أبيه أنه رأى أبا موسى الأشعري، روى عنه سعيد بن أبي عروبة. مترجم في ابن أبي حاتم ١ /١ /٢٦٩. وأما"سالم النصري"، فهو: سالم بن عبد الله النصري، هو"سالم سبلان"، مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم ٢ /١ /١٨٤، روى عن عمان وعائشة وأبي سعيد، وأبي هريرة. روى عنه سعيد المقبري، وبكير بن عبد الله وغيرهما. وأنا أظن أن الذي في التاريخ أقرب إلى الصواب.
٥٦٠٢- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف"، إلى قوله:"ثم أحياهم"، قال: كانت قرية يقال لها داو ردان قبل واسط، (١) وقع بها الطاعون، فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها، فهلك من بقي في القرية وسلم الآخرون، فلم يمت منهم كبير. (٢) فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا! ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم! فوقع في قابل فهربوا، وهم بضعة وثلاثون ألفا، حتى نزلوا ذلك المكان، وهو واد أفيح، (٣) فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا! فماتوا، حتى إذا هلكوا وبليت أجسادهم، مر بهم نبي يقال له حزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوى شدقه وأصابعه، (٤) فأوحى الله إليه: يا حزقيل، أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم؟ = قال: وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم= فقال: نعم! فقيل له: ناد! فنادى:"يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي! "، فجعلت تطير العظام بعضها إلى بعض، حتى كانت أجسادا من عظام، ثم أوحى الله إليه أن ناد:"يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي لحما"، فاكتست لحما ودما، وثيابها التي ماتت فيها وهي عليها. ثم قيل له: ناد! فنادى:"يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي"، فقاموا.
٥٦٠٣- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، قال: فزعم منصور بن المعتمر، عن مجاهد: أنهم قالوا حين أحيوا:"سبحانك ربنا وبحمدك
(١) في المخطوطة: "دار وردان" بزيادة راء، والصواب ما في تاريخ الطبري، والدر المنثور، ومعجم البلدان، وهي من نواحي شرقي واسط، بينهما فرسخ.
(٢) في التاريخ: "فلم يمت منهم كثير".
(٣) الأفيح والفياح: الواسع المنتشر النواحي، ويقال: روضة فيحاء، من ذلك.
(٤) في المطبوعة: "يلوي شدقيه"، وأثبت ما في المخطوطة وتاريخ الطبري. ولوى شدقه: أماله متعجبا مما يرى ويشهد.
لا إله إلا أنت"، فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم، (١) لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن، (٢) حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. (٣)
٥٦٠٤- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبد الرحمن بن عوسجة، عن عطاء الخراساني:" ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف"، قال: كانوا ثلاثة آلاف أو أكثر.
٥٦٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف، (٤) حظر عليهم حظائر، وقد أروحت أجسادهم وأنتنوا، (٥) فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح، وهم ألوف فرارا من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله ثم أحياهم، فأمرهم بالجهاد، فذلك قوله:" وقاتلوا في سبيل الله" الآية.
٥٦٠٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق،
(١) السحنة (بفتح فسكون) : الهيئة واللون والحال، وبشرة الوجه والمنظر.
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "إلا عاد كفنا دسما"، وضبط في التاريخ بضم الدال وسكون السين، وهو خطأ، فإن هذا جمع أدسم ودسما، وليس هذا مقام جمع. وقوله: "كفنا دسما مثل الكفن" ليس بلبسان عربي، فحذفتها وأثبت ما في التاريخ، وأما الرواية الأخرى في الدر المنثور فهي: "إلا عاد كفنا دسما"، بحذف"مثل الكفن"، فهذه أو تلك هي الصواب.
والدسم: ودك اللحم والشحم. وفلان: دسم الثوب وأدسم الثوب، إذا كان ثوبه متلطخا وسخا قد علق به وضر اللحم والشحم. وأكفان الموتى دسم، لما يسيل من أجسادهم بعد تهرئهم وتعفن أبدانهم.
(٣) الأثران: ٥٦٠٢، ٥٦٠٣- في تاريخ الطبري ١: ٢٣٧، ٢٣٨، والدر المنثور ١: ٣١٠ بغير هذا اللفظ.
(٤) في المخطوطة والمطبوعة"أو ثمانية آلاف"، وهو لا يستقيم، والصواب في الدر المنثور ١: ٣١١.
(٥) الحظائر جمع حظيرة: ما أحاط بالشيء، تكون من قصب وخشب، ليقي البرد والريح والعادية. وحظ حظيرة: اتخذها. والحظر: الحبس والمنع. أروح الماء واللحم وغيرهما وأراح: تغيرت رائحته وأنتن.
عن وهب بن منبه أن كالب بن يوقنا لما قبضه الله بعد يوشع، (١) خلف فيهم - يعني في بني إسرائيل - حزقيل بن بوزي= (٢) وهو ابن العجوز، وإنما سمي"ابن العجوز" أنها سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله لها، فلذلك قيل له"ابن العجوز"= وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد ﷺ كما بلغنا:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون". (٣).
٥٦٠٧- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال: بلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارا من بعض الأوباء= من الطاعون، أو من سقم كان يصيب الناس= حذرا من الموت، وهم ألوف، حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال لهم الله:"موتوا"، فماتوا جميعا. فعمد أهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع، ثم تركوهم فيها، وذلك أنهم كثروا عن أن يغيبوا. فمرت بهم الأزمان والدهور، حتى صاروا عظاما نخرة، فمر بهم حزقيل بن بوزى، (٤) فوقف عليهم، فتعجب لأمرهم ودخلته رحمة لهم، (٥) فقيل له: أتحب أن يحييهم الله؟ فقال: نعم! فقيل له: نادهم فقل: (٦) "أيتها العظام الرميم التي قد رمت وبليت، ليرجع كل عظم إلى صاحبه". فناداهم بذلك، فنظر إلى العظام تواثب يأخذ بعضها بعضا. ثم قيل له: قل:"أيها اللحم والعصب والجلد، اكس العظام بإذن ربك"، قال: فنظر إليها والعصب يأخذ العظام ثم اللحم والجلد والأشعار، حتى استووا خلقا ليست فيهم الأرواح. ثم دعا لهم بالحياة، فتغشاه من السماء شيء
(١) في التاريخ: "يوفنا" بالفاء.
(٢) في التاريخ: "بوذي" بالذال.
(٣) الأثر: ٥٦٠٦- في تاريخ الطبري ١: ٢٣٧، ثم ٢٣٨ مختصرا، والدر المنثور: ١: ٣١١.
(٤) في التاريخ: "بوذي" بالذال.
(٥) في المخطوطة والمطبوعة: "ودخله رحمة... "، وأثبت ما في تاريخ الطبري.
(٦) في المخطوطة والمطبوعة: "نادهم فقال... "، والصواب من التاريخ.
كربه حتى غشي عليه منه، (١) ثم أفاق والقوم جلوس يقولون:"سبحان الله، سبحان الله" قد أحياهم الله. (٢)
* * *
وقال آخرون: معنى قوله"وهم ألوف" وهم مؤتلفون. (٣)
* ذكر من قال ذلك:
٥٦٠٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قول الله:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم"، قال: قرية كانت نزل بها الطاعون، فخرجت طائفة منهم وأقامت طائفة، فألح الطاعون بالطائفة التي أقامت، والتي خرجت لم يصبهم شيء. (٤) ثم ارتفع، ثم نزل العام القابل، فخرجت طائفة أكثر من التي خرجت أولا فاستحر الطاعون بالطائفة التي أقامت. فلما كان العام الثالث، نزل فخرجوا بأجمعهم وتركوا ديارهم، فقال الله تعالى ذكره:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف"، ليست الفرقة أخرجتهم، كما يخرج للحرب والقتال، قلوبهم مؤتلفة، إنما خرجوا فرارا. فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة، قال لهم الله:"موتوا"، في المكان الذي ذهبوا إليه يبتغون فيه الحياة. فماتوا، ثم أحياهم الله،"إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون". قال: ومر بها رجل وهي عظام تلوح، (٥) فوقف
(١) في المخطوطة: "فتغساه من السماء كربه" غير منقوطة. وفي المطبوعة: "فتغشاهم من السماء كدية"، وهذا كلام بلا معنى، وما أثبته هو نص الطبري في التاريخ. وكربه الأمر: غشيه واشتد عليه وأخذ بنفسه، فهو مكروب النفس.
(٢) الأثر: ٥٦٠٧- في تاريخ الطبري ١: ٢٣٨.
(٣) يعني أنه جمع"إلف" (بكسر الهمزة وسكون اللام). وقال ابن سيده في"ألوف": "وعندي أنه جمع آلف، كشاهد وشهود"، وانظر سائر كتب التفسير.
(٤) في المطبوعة: "لم يصبها"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٥) لاح البرق والسيف والعظم يلوح: تلألأ ولمح، وذلك لبياض العظام في ضوء الشمس.
ينظر فقال:"أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ "، فأماته الله مائة عام. (١)
* * *
* ذكر الأخبار عمن قال: كان خروج هؤلاء القوم من ديارهم فرارا من الطاعون.
٥٦٠٩- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن الأشعث، عن الحسن في قوله:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت"، قال. خرجوا فرارا من الطاعون، فأماتهم قبل آجالهم، ثم أحياهم إلى آجالهم.
٥٦١٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: ٣٤"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت"، قال: فروا من الطاعون، فقال لهم الله:"موتوا"! ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم.
٥٦١١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عمرو بن دينار في قول الله تعالى ذكره:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت"، قال: وقع الطاعون في قريتهم، فخرج أناس وبقي أناس، فهلك الذين بقوا في القرية، وبقي الآخرون. ثم وقع الطاعون في قريتهم الثانية، فخرج أناس وبقي أناس، ومن خرج أكثر ممن بقي. فنجى الله الذين خرجوا، وهلك الذين بقوا. فلما كانت الثالثة خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم [وقد أنكروا قريتهم، ومن تركوا]. وكثروا بها، حتى يقول بعضهم لبعض: من أنتم؟ (٢)
(١) الأثر: ٥٦٠٨- أخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ٣١١ مختصرا. وسيأتي مختصرا برقم: ٥٩٠٥.
(٢) في المخطوطة: "فرجعوا إلى بلادهم، وقد قريتهم ومن تركوا، وكثروا بها، يقول بعضهم لبعض"، بياض بين الكلام، أما المطبوعة فقد أسقطت هذا البياض، فجعلت الكلام: "فرجعوا إلى بلادهم وكروا بها، حتى يقول بعضهم لبعض"، بزيادة"حتى"، فآثرت أن استظهر معنى الكلام، فأثبت ما في المخطوطة، وظننت أن مكان البياض ما أثبت. هذا ولم أجد هذا الأثر في مكان آخر.
٥٦١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: وقع الطاعون في قريتهم= ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم.
٥٦١٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا سويد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف" الآية، مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم الله عقوبة، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم.
٥٦١٤- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن هلال بن يساف في قوله تعالى:"ألم تر إلى الذين خرجوا" الآية، قال: هؤلاء القوم من بني إسرائيل، (١) كان إذا وقع فيهم الطاعون خرج أغنياؤهم وأشرافهم، وأقام فقراؤهم وسفلتهم. قال: فاستحر الموت على المقيمين منهم، ونجا من خرج منهم. فقال الذين خرجوا: لو أقمنا كما أقام هؤلاء، لهلكنا كما هلكوا! وقال المقيمون: لو ظعنا كما ظعن هؤلاء، لنجونا كما نجوا! فظعنوا جميعا في عام واحد، أغنياؤهم وأشرافهم وفقراؤهم وسفلتهم. فأرسل عليهم الموت فصاروا عظاما تبرق. قال: فجاءهم أهل القرى فجمعوهم في مكان واحد، فمر بهم نبي فقال: يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك! قال: أو أحب إليك أن أفعل؟ قال نعم! قال: فقل: كذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام، وإن العظم ليخرج من عند العظم الذي ليس منه إلى العظم الذي هو منه. ثم تكلم بما أمر، فإذا العظام تكسى لحما. ثم أمر بأمر فتكلم به، فإذا هم قعود يسبحون ويكبرون. ثم قيل لهم: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
(١) في المطبوعة: "كان هؤلاء القوم من بني إسرائيل، إذا وقع فيهم الطاعون" وفي المخطوطة: "كان هؤلاء قوما من بني إسرائيل، كان إذا وقع... "، وضرب الناسخ على ألف"قوما"، وجعلها"قوم"، فتبين لي أن"كان" زائدة من الناسخ، كما جاءت على الصواب في الدر المنثور ١: ٣١١.
٥٦١٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن حماد بن عثمان، عن الحسن: أنه قال في الذين أماتهم الله ثم أحياهم قال: هم قوم فروا من الطاعون، فأماتهم الله عقوبة ومقتا، ثم أحياهم لآجالهم. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في تأويل قوله:"وهم ألوف" بالصواب، قول من قال:"عنى بالألوف كثرة العدد"= دون قول من قال:"عنى به الائتلاف"، بمعنى ائتلاف قلوبهم، وأنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم ولا تباغض، ولكن فرارا: إما من الجهاد، وإما من الطاعون= لإجماع الحجة على أن ذلك تأويل الآية، ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين.
* * *
وأولى الأقوال- في مبلغ عدد القوم الذين وصف الله خروجهم من ديارهم- بالصواب، قول من حد عددهم بزيادة عن عشرة آلاف، دون من حده بأربعة آلاف، وثلاثة آلاف، وثمانية آلاف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم كانوا ألوفا، وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم:"ألوف". وإنما يقال"هم آلاف"، إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعدا إلى العشرة آلاف. وغير جائز أن يقال: هم خمسة ألوف، أو عشرة ألوف.
وإنما جمع قليله على"أفعال"، (٢) ولم يجمع على"أفعل"= مثل سائر الجمع القليل الذي يكون ثاني مفرده ساكنا (٣) للألف التي في أوله. وشأن العرب في كل
(١) الأثر: ٥٦١٥-"حماد بن عثمان"، وروى عن عبد العزيز الأعمى عن أنس. روى عنه سعيد بن أبي أيوب، وروى عن الحسن البصري قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حماد بن عثمان فقال: هو مجهول". ترجم له البخاري في الكبير ٢ /١ /٢٠، وابن أبي حاتم ١ /٢ /١٤٤.
(٢) في المخطوطة: "وإنما جمع قليله وكثيره على أفعال"، وزيادة"كثيره" خطأ، والصواب ما في المطبوعة.
(٣) في المخطوطة: "وعلى سائر مثل الجمع القليل"، والصواب ما في المطبوعة.
حرف كان أوله، ياء أو واوا أو ألفا، اختيار جمع قليله على أفعال، كما جمعوا"الوقت""أوقاتا" و"اليوم""أياما"، و"اليسر"و"أيسارا"، للواو والياء اللتين في أول ذلك. وقد يجمع ذلك أحيانا على"أفعل"، إلا أن الفصيح من كلامهم ما ذكرنا، ومنه قول الشاعر: (١)
كانوا ثلاثة آلف وكتيبةألفين أعجم من بني الفدام (٢)
* * *
وأما قوله:"حذر الموت"، فإنه يعني: أنهم خرجوا من حذر الموت، فرارا منه. (٣) كما: -
٥٦١٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال،
(١) هو بكير، أصم بني الحارث بن عباد.
(٢) النقائض: ٦٤٥، وتاريخ الطبري ٢: ١٥٥، والأغاني ٢٠: ١٣٩، واللسان (ألف) وغيرها. وهذا البيت من أبيات له في يوم ذي قار، وهو اليوم الذي انتصفت فيه العرب من العجم، وهزمت كسرى أبرويز بن هرمز. وكانت وقعة ذي قار بعد يوم بدر بأشهر، فلما بلغ رسول الله ﷺ خبرها قال: "هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا". وكانت بنو شيبان في هذا اليوم أهل جد وحد، فمدحهم الأعشى وبكير الأصم.
هذا وقد روى الطبري هنا"كانوا ثلاثة آلف"، ورواية المراجع جميعا:
"عربا ثلاثة آلف... "
وذلك أن كسرى عقد للنعمان بن زرعة على تغلب والنمر، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد، وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه: الشهباء والدوسر، فكانت العرب ثلاثة آلف. وعقد أيضًا للهامرز التستري على ألف من الأساورة، وعقد الخنابزين على ألف، فكانت العجم ألفين. (الأغاني ٢٠/١٣٤)، فهذا تصحيح الرواية المجمع عليها وبيانها، وأول هذه الأبيات:
إن كنت ساقية المدامة أهلهافاسقي على كرم بني همام
وأبا ربيعة كلها ومحلماسبقا بغاية أمجد الأيام
ضربوا بني الأحرار يوم لقوهمبالمشرفي على مقيل الهام
عربا ثلاثة آلف......................
وعنى بقوله: "بني الفدام"، الفرس. وذلك أن المجوس كان مما يتدينون به أنهم إذا شرابا، شدوا على أفواههم خرقة كاللثام، فسميت هذه الطائفة منهم: بنو الفدام.
(٣) انظر ما سلف ١: ٣٥٤، ٣٥٥ في تفسير: "حذر الموت" وإعرابها.
حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"حذر الموت"، فرارا من عدوهم، حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه. فأمرهم فرجعوا، وأمرهم أن يقاتلوا في سبيل الله، وهم الذين قالوا لنبيهم: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [سورة البقرة: ٢٤٦]
* * *
قال أبو جعفر: وإنما حث الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية، على المواظبة على الجهاد في سبيله، (١) والصبر على قتال أعداء دينه. وشجعهم بإعلامه إياهم وتذكيره لهم، أن الإماتة والإحياء بيديه وإليه، دون خلقه= وأن الفرار من القتال والهرب من الجهاد ولقاء الأعداء، إلى التحصن في الحصون، والاختباء في المنازل والدور، غير منج أحدا من قضائه إذا حل بساحته، ولا دافع عنه أسباب منيته إذا نزل بعقوته، (٢) كما لم ينفع الهاربين من الطاعون= الذين وصف الله تعالى ذكره صفتهم في قوله:"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت"= فرارهم من أوطانهم، وانتقالهم من منازلهم إلى الموضع الذي أملوا بالمصير إليه السلامة، وبالموئل النجاة من المنية، حتى أتاهم أمر الله، فتركهم جميعا خمودا صرعى، وفي الأرض هلكى، ونجا مما حل بهم الذين باشروا كرب الوباء، وخالطوا بأنفسهم عظيم البلاء.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله لذو فضل ومن. على خلقه، بتبصيره إياهم سبيل الهدى، وتحذيره لهم طرق الردى، وغير ذلك من نعمه التي
(١) في المطبوعة: "في سبيل الله" وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "بعقوبته"، وهي في المخطوطة غير منقوطة. وعقوة الدار: ساحتها وما حولها قريبا منها. يقال: نزل بعقوته، ونزلت الخيل بعقوة العدو.
ينعمها عليهم في دنياهم ودينهم، وأنفسهم وأموالهم- كما أحيي الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت بعد إماتته إياهم، وجعلهم لخلقه مثلا وعظة يتعظون بهم، عبرة يعتبرون بهم، وليعلموا أن الأمور كلها بيده، فيستسلموا لقضائه، ويصرفوا الرغبة كلها والرهبة إليه. (١)
ثم أخبر تعالى ذكره أن أكثر من ينعم عليه من عباده بنعمه الجليلة، ويمن عليه بمننه الجسيمة، يكفر به ويصرف الرغبة والرهبة إلى غيره، ويتخذ إلها من دونه، كفرانا منه لنعمه التي توجب أصغرها عليه من الشكر ما يفدحه، ومن الحمد ما يثقله، فقال تعالى ذكره:"ولكن أكثر الناس لا يشكرون"، يقول: لا يشكرون نعمتي التي أنعمتها عليهم، وفضلي الذي تفضلت به عليهم، بعبادتهم غيري، وصرفهم رغبتهم ورهبتهم إلى من دوني ممن لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا. (٢)
* * *
(١) في المطبوعة: "فيستسلمون... ويصرفون"، وفي المخطوطة: "فيستسلمون... ويصرفوا"
(٢) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم، وفي المخطوطة بعده ما نصه:
"وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا".
ثم يبدأ التقسيم التالي بما نصه:
"بسم الله الرحمن الرحيم
رب أعن"

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
روي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف وعنه : كانوا ثمانية آلاف. وقال أبو صالح : تسعة آلاف وعن ابن عباس : أربعون ألفًا وقال وهب بن منبه وأبو مالك : كانوا بضعة وثلاثين ألفًا
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كانوا أهل قرية يقال لها : داوردان. وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد : من قبل واسط. وقال سعيد بن عبد العزيز : كانوا من أهل أذرعات، وقال ابن جريج عن عطاء قال : هذا مثل. وقال علي بن عاصم : كانوا : من أهل داوردان : قرية على فرسخ من واسط.
وقال وكيع بن الجراح في تفسيره : حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارًا من الطاعون قالوا : نأتي أرضًا ليس بها(١) موت حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم(٢) موتوا فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم، فذلك قوله عز وجل :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية.
وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا(٣) أرضهم وأصابهم بها وباء شديد فخرجوا فرارًا من الموت إلى البرية، فنزلوا واديًا أفيح، فملأوا ما بين عدوتيه فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي والآخر من أعلاه فصاحا بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فحيزوا إلى حظائر وبني عليهم جدران وقبور [ وفنوا ](٤) وتمزقوا وتفرقوا فلما كان بعد دهر مَرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له : حزقيل فسأل الله أن يحييهم على يديه فأجابه إلى ذلك وأمره أن يقول : أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى : أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي لحمًا وعصبًا وجلدًا. فكان ذلك، وهو يشاهده ثم أمره فنادى : أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره. فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، وهم يقولون : سبحانك [ اللهم ربنا وبحمدك ](٥) لا إله إلا أنت.
وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة ولهذا قال :﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي : فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات الدامغة، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي : لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم.
وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء فروا(٦) من الوباء طلبًا(٧) لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعًا في آن واحد.
ومن هذا القبيل الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى أخبرنا مالك وعبد الرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد [ ابن أسلم ] (٨) بن الخطاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن عباس : أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد : أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام فذكر الحديث فجاءه عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبًا لبعض حاجته فقال : إن عندي من هذا علما، سمعت رسول الله ﷺ يقول :" إذا كان بأرض وأنتم فيها (٩) فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه " فحمد الله عمر ثم انصرف.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به(١٠).
طريق أخرى لبعضه : قال أحمد : حدثنا حجاج ويزيد العمِّي قالا أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة : أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر، وهو في الشام عن النبي ﷺ :" أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها (١١) فلا تخرجوا فرارًا منه " قال : فرجع عمر من الشام.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك عن الزهري بنحوه(١٢).
١ في جـ: "ليس فيها"..
٢ في جـ: "قال لهم الله"..
٣ في جـ: "فاستوخموا"..
٤ زيادة من أ، و.
٥ زيادة من أ.
٦ في أ، و: "خرجوا فرارا"..
٧ في أ، و: "وطلبا"..
٨ زيادة من جـ..
٩ في أ، و: "وأنتم بها"..
١٠ المسند (١/١٩٤) وصحيح البخاري برقم (٥٧٢٩) وصحيح مسلم برقم (٢٢١٩)..
١١ في جـ، و: "وأنتم بها"..
١٢ المسند (١/١٩٣) وصحيح البخاري برقم (٥٧٣٠) وصحيح مسلم برقم (٢٢١٩)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي فِي بَنِي خُدرة فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَعَمْ" قَالَتْ: فَانْصَرَفْتُ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَوْ أَمَرَ بِي فَنُودِيْتُ لَهُ-فَقَالَ: "كَيْفَ قُلْتِ؟ " فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ (١) لَهُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِي. فَقَالَ: "امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ" قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ (٢).
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ بِهِ (٣)، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهِ (٤)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٦] قَالَ رَجُلٌ: إِنْ شئتُ أَحْسَنْتُ فَفَعَلْتُ وَإِنْ شئتُ لَمْ أَفْعَلْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ الْمُتْعَةِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُفَوَّضَةً أَوْ مَفْرُوضًا لَهَا أَوْ مُطَلَّقًا (٥) قَبْلَ الْمَسِيسِ أَوْ مَدْخُولًا بِهَا، وَهُوَ قَوْلٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا مُطْلَقًا يُخَصِّصُ مِنْ هَذَا الْعُمُومَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ: بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ فَلَا تَخْصِيصَ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَنْصُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أَيْ: فِي إِحْلَالِهِ وَتَحْرِيمِهِ وَفُرُوضِهِ وَحُدُودِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ بيَّنه (٦) وَوَضَّحَهُ وَفَسَّرَهُ وَلَمْ يَتْرُكْهُ مُجْمَلًا فِي وَقْتِ احْتِيَاجِكُمْ إِلَيْهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: تَفْهَمُونَ وَتَتَدَبَّرُونَ.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَعَنْهُ: كَانُوا ثَمَانِيَةَ آلَافٍ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: تِسْعَةُ آلَافٍ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَرْبَعُونَ أَلْفًا وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَأَبُو مَالِكٍ: كَانُوا بِضْعَةً وثلاثين ألفًا
(١) في جـ: "ما ذكرت".
(٢) الموطأ (٢/٥٩١).
(٣) سنن أبي داود برقم (٢٣٠٠) وسنن الترمذي برقم (١٢٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٤٤).
(٤) سنن النسائي (٦/١٩٩، ٢٠٠) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٣).
(٥) في أ، و: "أو مطلقة".
(٦) في جـ: "وبينه".
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا أَهْلَ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: دَاوَرْدَانَ. وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ وَأَبُو صَالِحٍ وَزَادَ: مِنْ قِبَلِ وَاسِطٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَانُوا مَنْ أَهْلِ أَذَرِعَاتٍ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ: كَانُوا: مِنْ أَهْلِ دَاوَرْدَانَ: قَرْيَةٌ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ وَاسِطٍ.
وَقَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ النَّهْدِيِّ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو الْأَسَدِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ قَالُوا: نَأْتِي أَرْضًا لَيْسَ بِهَا (١) مَوْتٌ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا قَالَ اللَّهُ لَهُمْ (٢) مُوتُوا فَمَاتُوا فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُمْ فَأَحْيَاهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الْآيَةَ.
وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ كَانُوا أَهْلَ بَلْدَةٍ فِي زَمَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَوْخَمُوا (٣) أَرْضَهُمْ وَأَصَابَهُمْ بِهَا وَبَاءٌ شَدِيدٌ فَخَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَنَزَلُوا واديًا أفيح، فملأوا مَا بَيْنَ عُدْوَتَيْهِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَلَكَيْنِ أَحَدَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي وَالْآخَرَ مِنْ أَعْلَاهُ فَصَاحَا بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَمَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ مَوْتَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَحِيزُوا إِلَى حَظَائِرَ وَبُنِي عَلَيْهِمْ جُدْرَانُ وَقُبُورٌ [وَفَنُوا] (٤) وَتَمَزَّقُوا وَتَفَرَّقُوا فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ دَهْرٍ مَرّ بِهِمْ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: حِزْقِيلُ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ عَلَى يَدَيْهِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي فَاجْتَمَعَ عِظَامُ كُلِّ جَسَدٍ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَنَادَى: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ بِأَنْ تَكْتَسِيَ لَحْمًا وَعَصَبًا وَجِلْدًا. فَكَانَ ذَلِكَ، وَهُوَ يُشَاهِدُهُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَنَادَى: أَيَّتُهَا الْأَرْوَاحُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَرْجِعَ كُلُّ رُوحٍ إِلَى الْجَسَدِ الَّذِي كَانَتْ تَعْمُرُهُ. فَقَامُوا أَحْيَاءً يَنْظُرُونَ قَدْ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ بَعْدَ رَقْدَتِهِمُ الطَّوِيلَةِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ [اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ] (٥) لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ.
وَكَانَ فِي إِحْيَائِهِمْ عِبْرَةٌ وَدَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى وُقُوعِ الْمَعَادِ الْجُسْمَانِيِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أَيْ: فِيمَا يُرِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ وَالدَّلَالَاتِ الدَّامِغَةِ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُونَ بِشُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.
وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عِبْرَةٌ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَأَنَّهُ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ فَرُّوا (٦) مِنَ الْوَبَاءِ طَلَبًا (٧) لِطُولِ الْحَيَاةِ فَعُومِلُوا بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ وَجَاءَهُمُ الْمَوْتُ سَرِيعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زيد [ابن أَسْلَمَ] (٨) بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس: أن عمر بن
(١) في جـ: "ليس فيها".
(٢) في جـ: "قال لهم الله".
(٣) في جـ: "فاستوخموا".
(٤) زيادة من أ،
و (٥) زيادة من أ.
(٦) في أ، و: "خرجوا فرارا".
(٧) في أ، و: "وطلبا".
(٨) زيادة من جـ.
الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغٍ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ: أَبُو عُبَيْدَةُ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَجَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا (١) فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ" فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ.
وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ بِهِ (٢).
طَرِيقٌ أُخْرَى لِبَعْضِهِ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ وَيَزِيدُ العمِّي قَالَا أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَخْبَرَ عُمَرَ، وَهُوَ فِي الشَّامِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ هَذَا السَّقَمَ عُذِّبَ بِهِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا (٣) فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ" قَالَ: فَرَجَعَ عُمَرُ مِنَ الشَّامِ.
وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِنَحْوِهِ (٤).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: كَمَا أَنَّ الْحَذَرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ كَذَلِكَ الْفِرَارُ مِنَ الْجِهَادِ وَتَجَنُّبِهِ لَا يُقَرِّبُ أَجَلًا وَلَا يُبَاعِدُهُ، بَلِ الْأَجَلُ الْمَحْتُومُ وَالرِّزْقُ الْمَقْسُومُ مُقَدَّرٌ مُقَنَّنٌ لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٧، ٧٨] وَرُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْجُيُوشِ وَمُقَدَّمِ الْعَسَاكِرِ وَحَامِي حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ وَسَيْفِ اللَّهِ الْمَسْلُولِ عَلَى أَعْدَائِهِ أَبِي سُلَيْمَانَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ:-وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ: لَقَدْ شَهِدْتُ كَذَا وَكَذَا مَوْقِفًا وَمَا مِنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِي إِلَّا وَفِيهِ رَمْيَةٌ أَوْ طَعْنَةٌ أَوْ ضَرْبَةٌ وَهَا أَنَا ذَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي كَمَا يَمُوتُ الْعِيرُ!! فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ (٥) يَعْنِي: أَنَّهُ يَتَأَلَّمُ لِكَوْنِهِ مَا مَاتَ قَتِيلًا فِي الْحَرْبِ وَيَتَأَسَّفُ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَأَلَّمُ أَنْ يَمُوتَ عَلَى فِرَاشِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ يَحُثُّ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ، وَقَدْ كَرَّرَ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَفِي حَدِيثِ النُّزُولِ [أَنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى] (٦) "مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ" وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قال:
(١) في أ، و: "وأنتم بها".
(٢) المسند (١/١٩٤) وصحيح البخاري برقم (٥٧٢٩) وصحيح مسلم برقم (٢٢١٩).
(٣) في جـ، و: "وأنتم بها".
(٤) المسند (١/١٩٣) وصحيح البخاري برقم (٥٧٣٠) وصحيح مسلم برقم (٢٢١٩).
(٥) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٨/٢٦).
(٦) زيادة من و.
لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُرِيدُ مِنَّا الْقَرْضَ؟ قَالَ: "نَعَمْ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ" قَالَ: أَرِنِي يَدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَنَاوَلَهُ يَدَهُ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطِي. قَالَ: وَحَائِطٌ لَهُ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ وَأُمُّ الدَّحْدَاحِ فِيهِ وَعِيَالُهَا. قَالَ: فَجَاءَ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَنَادَاهَا: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ. قَالَتْ: لَبَّيْكَ قَالَ: اخْرُجِي فَقَدْ أَقْرَضْتُهُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ (١).
وَقَوْلُهُ: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ: هُوَ النَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقِيلَ: هُوَ النَّفَقَةُ عَلَى الْعِيَالِ.
وَقِيلَ: هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّقْدِيسُ وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ كَمَا قَالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢٦١]. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ (٢) أَخْبَرَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ الْحَسَنَةَ تُضَاعَفُ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ. فَقَالَ: وَمَا أَعْجَبَكَ مِنْ ذَلِكَ؟ لَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ" (٣).
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ، لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو خَلَّادٍ سُلَيْمَانُ بْنُ خَلَّادٍ الْمُؤَدِّبُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ الرُّبَاعِيُّ (٤) عَنْ زِيَادٍ الْجَصَّاصِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ مُجَالَسَةً لِأَبِي هُرَيْرَةَ مِنِّي فَقَدِمَ قَبْلِي حَاجًّا قَالَ: وَقَدِمْتُ بَعْدَهُ فَإِذَا أَهْلُ الْبَصْرَةِ يَأْثُرُونَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: إِنِ اللَّهَ يُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ" فَقُلْتُ: وَيَحْكُمُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ أَحَدٌ أَكْثَرَ مُجَالَسَةً لِأَبِي هُرَيْرَةَ مِنِّي، فَمَا سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ. قَالَ: فَتَحَمَّلْتُ أُرِيدُ أَنَّ أَلْحَقَهُ فَوَجَدْتُهُ قَدِ انْطَلَقَ حَاجًّا فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْحَجِّ أَنْ أَلْقَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَقِيتُهُ لِهَذَا فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا حَدِيثٌ سَمِعْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ يَأْثُرُونَ عَنْكَ؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: زَعَمُوا أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُضَاعِفُ الحسنة ألف ألف
(١) جزء الحسن بن عرفة برقم (٨٧) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٤١٧) تحقيق الدكتور الحميد، ومن طريقه رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/٣٠١) عن خلف به نحوه، وحميد الأعرج ضعيف، لكن للحديث شواهد من حديث أنس وعمر رضي الله عنهما.
(٢) في جـ: "يزيد بن هارون".
(٣) المسند (٢/٢٩٦).
(٤) كذا في أ، و، هـ. وفي الجرح لابن أبي حاتم (٤/١/٣٦) :"محمد بن عقبة، روى عن زياد الجصاص، وروى عنه يونس بن محمد المؤدب. حدثنا عبد الرحمن قال: سألت أبي عنه فقال: شيخ. قلت: فإن يونس بن محمد يقول: الرفاعي. قال: ليس هو الرفاعي، هو من قبيلة أخرى"، مستفادا من هامش ط. الشعب.
حَسَنَةٍ. قَالَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ وَمَا تَعْجَبُ (١) مِنْ ذَا وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ وَيَقُولُ: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٨] وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ" (٢).
وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ دَخَلَ سُوقًا مِنَ الْأَسْوَاقِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ" الْحَدِيثَ (٣).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَسَّامٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ، عن عيسى بن المسيب عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦١] إِلَى آخِرِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَبِّ زِدْ أُمَّتِي" فَنَزَلَتْ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قَالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي. فَنَزَلَ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠]. (٤).
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ: أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: مَنْ قَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الْإِخْلَاصِ: ١] مَرَّةً وَاحِدَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ عَشَرَةَ (٥) آلَافِ أَلْفِ غُرْفَةٍ مَنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ فِي الْجَنَّةِ أفأصدق بذلك؟ قال: نعم، أو عجبت مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمَا يُحْصِي ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ فَالْكَثِيرُ مِنَ اللَّهِ لَا يُحْصَى.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أَيْ: أَنْفِقُوا وَلَا تُبَالُوا فَاللَّهُ هُوَ الرَّزَّاقُ يُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فِي الرِّزْقِ وَيُوَسِّعُهُ عَلَى آخَرِينَ، لَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ فِي ذَلِكَ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أَيْ: يوم القيامة.
(١) في جـ: "وما يعجبك".
(٢) ورواه أحمد في المسند (٥/٥٢١) من طريق علي بن زيد، عن أبي عثمان به.
(٣) سنن الترمذي برقم (٣٤٢٩) وقال: "عمرو بن دينار هذا هو شيخ بصري، وقد تكلم فيه بعض أصحاب الحديث من غير هذا الوجه".
(٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٦٤٨) "موارد" من طريق حفص المقرئ، عن أبي إسماعيل المؤدب به.
(٥) في جـ: "عشر".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
يقص تعالى علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم، بأن الذي أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره، يقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر، ﴿فقال الله لهم موتوا﴾ فماتوا ﴿ثم﴾ إن الله تعالى ﴿أحياهم﴾ إما بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى، ولهذا قال :﴿إن الله لذو فضل﴾ أي : عظيم ﴿على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون﴾ فلا تزيدهم النعمة شكرا، بل ربما استعانوا بنعم الله على معاصيه، وقليل منهم الشكور الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في طاعة المنعم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٤٣ - ٢٤٥} ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
يقص تعالى علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم، بأن الذي أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره، يقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر، ﴿فقال الله لهم موتوا﴾ فماتوا ﴿ثم﴾ إن الله تعالى ﴿أحياهم﴾ إما بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى، ولهذا قال: ﴿إن الله لذو فضل﴾ -[١٠٧]- أي: عظيم ﴿على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون﴾ فلا تزيدهم النعمة شكرا، بل ربما استعانوا بنعم الله على معاصيه، وقليل منهم الشكور الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في طاعة المنعم.
ثم أمر تعالى بالقتال في سبيله، وهو قتال الأعداء الكفار لإعلاء كلمة الله ونصر دينه، فقال: ﴿وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم﴾ أي: فأحسنوا نياتكم واقصدوا بذلك وجه الله، واعلموا أنه لا يفيدكم القعود عن القتال شيئا، ولو ظننتم أن في القعود حياتكم وبقاءكم، فليس الأمر كذلك، ولهذا ذكر القصة السابقة توطئة لهذا الأمر، فكما لم ينفع الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت خروجهم، بل أتاهم ما حذروا من غير أن يحتسبوا، فاعلموا أنكم كذلك.
ولما كان القتال في سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغب فيه، وسماه قرضا فقال: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ فينفق ما تيسر من أمواله في طرق الخيرات، خصوصا في الجهاد، والحسن هو الحلال المقصود به وجه الله تعالى، ﴿فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، بحسب حالة المنفق، ونيته ونفع نفقته والحاجة إليها، ولما كان الإنسان ربما توهم أنه إذا أنفق افتقر دفع تعالى هذا الوهم بقوله: ﴿والله يقبض ويبسط﴾ أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملا موفرا مضاعفا، فلهذا قال: ﴿وإليه ترجعون﴾ فيجازيكم بأعمالكم.
ففي هذه الآيات دليل على أن الأسباب لا تنفع مع القضاء والقدر، وخصوصا الأسباب التي تترك بها أوامر الله. وفيها: الآية العظيمة بإحياء الموتى أعيانا في هذه الدار. وفيها: الأمر بالقتال والنفقة في سبيل الله، وذكر الأسباب الداعية لذلك الحاثة عليه، من تسميته قرضا، ومضاعفته، وأن الله يقبض ويبسط وإليه ترجعون.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
أُلُوفٌ
جمع ألف، وقيل: جمع إلف.

إعراب الآية ٢٤٣ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

كاتب وكتاب، ويقال: رجل مثل تاجر وتجر، ويقال: راجل ورجلة ورجلة اسم للجمع، وكذا رجال مخفّف ويقال: رجالي رجالي ورجلي جمع رجلان. فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي فقوموا لله قانتين.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٠]

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ الذين في موضع رفع إن شئت بالابتداء، والتقدير يوصون وصيّة. والمعنى ليوصوا وصيّة، وإن شئت كان الذين رفعا بإضمار فعل أي يوصّي الذين يتوفّون منكم وصيّة، وفي الرفع وجه ثالث أي وفيما فرض عليكم الذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا يوصون وصيّة لأزواجهم والذين مبنيّ على حال واحدة لأنه لا تتمّ إلّا بصلة ويقال: الّذون في موضع الرفع ومن قرأ وصية «١» بالرفع فتقديره والذين يتوفّون منكم عليهم وصيّة لأزواجهم، مَتاعاً مصدر عند الأخفش وعند أبي العباس أي ذوي متاع. غَيْرَ إِخْراجٍ في نصبه ثلاثة أوجه: قال الفراء «٢» : أي من غير إخراج، وقال الأخفش: هو مصدر أي لا إخراجا ثم جعل: «غير» في موضع «لا» وقيل: هو حال أي غير ذوي إخراج، والمعنى يوصون بهنّ غير مخرجين لهنّ وهذا كلّه منسوخ بالربع والثمن [النساء: ١٢] وأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة: ٢٣٤] و «لا وصيّة لوارث». فَإِنْ خَرَجْنَ شرط والجواب فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فيما فعلن في أنفسهنّ من معروف.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤١]

وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)
وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا قال الأخفش: هو مصدر أي أحقّ ذلك حقا. قال أبو جعفر: عَلَى متعلّقة بالفعل المحذوف أي يحق ذلك على المتّقين حقا.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٣]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ هذه ترى من رؤية القلب أي ألم تتنبّه على هذا وألم يأتك علمه والأصل الهمز فترك استخفافا. حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول من أجله وهو مصدر. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ اسم إنّ وخبرها واللام زائدة للتوكيد.
(١) انظر البحر المحيط ٢/ ٢٥٤، (قرأ بها الحرميان والكسائي وأبو بكر، لكن باقي السبعة قرءوها بالنصب).
(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١٥٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٢٤٣ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَحْيَاهُمْ إِنَّ

بالإمالة واسكان الميم دون سكت عليها

الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي

بالفتح أو بالتقليل وصلة الميم 6 حركات

ورش عن نافع

بالفتح واسكان الميم دون السكت عليها

رويس عن يعقوب إدريس عن خلف الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم إسحاق عن خلف حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة روح عن يعقوب قالون عن نافع

بالفتح واسكان الميم والسكت عليها

خلف عن حمزة

بالفتح وصلة الميم 3 حركات

قالون عن نافع

بالفتح وصلة الميم حركتين

قالون عن نافع قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر

النَّاسِ

بالإمالة

الدوري عن أبي عمرو

بالفتح

البزي عن ابن كثير ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم الدوري عن الكسائي قالون عن نافع حفص عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي روح عن يعقوب خلاد عن حمزة ورش عن نافع خلف عن حمزة إسحاق عن خلف ابن وردان عن أبي جعفر هشام عن ابن عامر إدريس عن خلف ابن جمّاز عن أبي جعفر السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب قنبل عن ابن كثير

دِيَارِهِمْ

بالإمالة واسكان الميم

الدوري عن الكسائي السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

بالتقليل واسكان الميم

ورش عن نافع

بالفتح واسكان الميم

خلف عن حمزة هشام عن ابن عامر رويس عن يعقوب إسحاق عن خلف ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم إدريس عن خلف أبو الحارث عن الكسائي حفص عن عاصم قالون عن نافع خلاد عن حمزة روح عن يعقوب

بالفتح وصلة الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر

فَقَالَ لَهُمُ

ادغام اللام في اللام ادغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

اظهار اللام الأولى مفتوحة

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٤٣ من سورة البقرة

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣٩ قولًا
١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-، نحوه. وزاد فيه: أن موتوا. فماتوا، حتى إذا هلكوا وبَلِيَتْ أجسادُهم مَرَّ بهم نبيٌّ يُقال له: حِزْقِيل. فلمّا رآهم وقف عليهم، فجعل يتفكر فيهم، ويلوي شِدْقَيْهِ وأصابعه، فأوحى الله إليه: يا حِزْقِيل، أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم؟ قال: وإنما كان تفكره أنّه تَعَجَّب من قدرة الله عليهم، فقال: نعم. فقيل له: نادِ: أيتها العظام. والباقي نحوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٤١٦، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٨ (٢٤٢٢).
٢
عن الحسن البصري -من طريق حَمّاد بن عثمان- في الآية، قال: هم قوم فرُّوا من الطاعون، فأماتهم اللهُ قبل آجالهم عقوبةً ومَقْتًا، ثم أحياهم ليُكْمِلُوا بقيَّةَ آجالِهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٤٢٣. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.
٣
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق-: أنّ كالب بن يُوفَنّا لَمّا قبضه الله بعد يُوشَعَ؛ خلف في بني إسرائيل حِزْقِيلُ بن بُوزِي، وهو ابنُ العجوز، وإنما سُمِّي ابن العجوز لأنّها سألت الله الولدَ وقد كَبِرَتْ، فوَهَبَهُ لها، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في كتابه في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٤١٨-٤١٩.
٤
عن وهب بن مُنَبِّه، قال: أصاب ناسًا من بني إسرائيل بلاءٌ وشِدَّةٌ من الزمان، فشَكَوْا ما أصابهم، وقالوا: يا ليتنا قد مِتْنا فاسْتَرَحْنا مِمّا نحن فيه. فأوحى الله إلى حِزْقِيل: أن قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودُّوا لو ماتوا واستراحوا، وأيُّ راحةٍ لهم في الموت، أيظنون أنِّي لا أقدِر على أن أبعثهم بعد الموت؟ فانطَلِقْ إلى جَبّانةِ كذا وكذا؛ فإنّ فيها أربعة آلاف -قال وهب: وهم الذين قال الله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾-، فقُمْ فنادِ فيهم. وكانت عظامُهم قد تفرَّقَتْ كما فرَّقَتْها الطيرُ والسباع، فنادى حِزْقِيل: أيَّتُها العظام، إنّ الله يأمرُكِ أن تجتمعي. فاجتمع عظامُ كلِّ إنسان منهم معًا، ثم قال: أيتها العظام، إنّ الله يأمُرُكِ أن يَنبُتَ العَصَبُ والعَقِبُ. فتَلازَمَتْ، واشْتَدَّتْ بالعَصَب والعَقِب، ثم نادى حِزْقيل، فقال: أيتها العظام، إنّ الله يأمرك أن تكتسي اللحم. فاكْتَسَتِ اللحمَ، وبعد اللحمِ جلدًا، فكانت أجسادًا، ثم نادى حِزقيل الثالثة، فقال: أيتها الأرواح، إنّ الله يأمركِ أن تعودي في أجسادك. فقاموا بإذن الله، فكبَّروا تكبيرة رجل واحد١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢استنبط ابنُ كثير (١/٤١٤-٤١٥) من هذه القصص الواردة في الآثار فائدتين: الأولى: أن في إحيائهم دليل قاطع على البعث. والثانية: أنه لن يغني حذر من قدر؛ فإنّ هؤلاء فَرُّوا من الوباء طلبًا لطول الحياة؛ فعُومِلوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت.
٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾، قال: مَقَتَهم اللهُ على فرارهم من الموت؛ فأماتهم الله عقوبةً، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم لِيَسْتَوْفُوها، ولو كانت آجالُ القوم جاءت ما بُعِثوا بعد موتهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٤٢٢. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٤٤-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وأخرج عبد الرزاق ١‏/‏٩٧ نحوه مختصرًا من طريق مَعْمَر.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفاد هذا الأثر أنّ موتهم هذا ليس بموت آجالهم. وهذا ما ذهب إليه ابنُ عطية (١/٦١١) فقال: «ليس هذا بموت آجالهم، بل جعله الله في هؤلاء كمرضٍ وحادثٍ مِمّا يحدث على البشر».
٦
عن عمرو بن دينار -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾، قال: وقع الطاعونُ في قريتهم، فخرج أُناسٌ، وبقي أُناس، فهلك الذين بَقُوا في القرية، وبقي الآخَرون. ثم وقع الطاعون في قريتهم الثانية، فخرج أناس، وبقي أناس، ومَن خرج أكثر ممن بقي، فنَجّى الله الذين خرجوا، وهلك الذين بقوا. فلمّا كانت الثالثة خرجوا بأجمعهم إلّا قليلًا، فأماتهم الله ودوابَّهم، ثم أحياهم، فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذريتهم ومن تركوا، وكثروا بها، حتى يقول بعضهم لبعض: من أنتم؟١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٢٤٠-، وابن جرير ٤‏/‏٤٢١، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٨ (٢٣١٩).
٧
قال الكلبي:... أماتهم الله، فمكثوا ثمانية أيام١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٤٤-.
٨
وقال الكلبيُّ: إنّما فَرُّوا من الجهاد، وذلك أنَّ مَلِكًا من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدُوِّهم، فخرجوا فعسكروا، ثم جَبنوا وكرهوا الموتَ واعتلّوا، وقالوا لملِكهم: إنّ الأرض التي نأتيها فيها الوباء؛ فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء. فأرسل الله تعالى عليهم الموتَ، فلمّا رَأَوْا أنّ الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فِرارًا من الموت، فلمّا رأى الملِك ذلك قال: اللهم ربَّ يعقوب وإله موسى، قد ترى معصية عبادك، فأرِهِم آيةً في أنفسهم، حتى يعلموا أنّهم لا يستطيعون الفرار منك. فلمّا خرجوا قال لهم الله: موتوا. عقوبةً لهم، فماتوا جميعًا وماتت دوابُّهم كموت رجل واحد، فأتى عليهم ثمانيةُ أيام حتى انتفخوا، وأَرْوَحَتْ أجسادُهم١، فخرج إليهم الناسُ، فعجزوا عن دفنهم، فحَظَرُوا عليهم حظيرةً دون السباع، وتركوهم فيها، ... وقال الكلبي: هم كانوا قوم حِزْقِيل، أحياهم الله بعد ثمانية أيام، وذلك أنّه لما أصابهم ذلك خرج حِزْقِيل في طلبهم، فوجدهم مَوْتى، فبكى، وقال: يا ربِّ، كنتُ في قوم يحمدونك، ويُسَبِّحونك، ويُقَدِّسونك، ويُكَبِّرونك، ويُهَلِّلونك، فبَقِيتُ وحيدًا لا قوم لي. فأوحى الله تعالى إليه: أنِّي جعلت حياتَهم إليك. قال حزقيل: احْيُوا بإذن الله. فعاشوا٢
التخريج
  1. ١يقال: أرْوَح الماء وأراح إذا تغيرت ريحه، فمعنى قوله: «أروحت أجسادهم» أي: صارت لها رائحة كريهة. النهاية (روح).
  2. ٢تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٠٢-٢٠٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٩٢-٢٩٣.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهُمْ﴾ من بني إسرائيل ﴿أُلُوفٌ﴾ ثمانية آلاف ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ يعني: حذر القتل. وذلك أنّ نبيهم حِزْقِيل بن دوم -وهو ذو الكِفْل بن دوم- نَدَبَهم إلى قتال عدُوِّهم، فأَبَوْا عَلَيْه جُبْنًا عن عدوِّهم، واعْتَلُّوا. فقالوا: إنّ الأرض التي نُبْعَثُ إليها لِنُقاتِلَ عدوَّنا هي أرضٌ يكون فيها الطاعونُ، فأرسل الله عز وجل عليهم الموتَ، فلَمّا رَأَوْا أنّ الموتَ كَثُر فيهم خرجوا من ديارهم فِرارًا من الموت، فلَمّا رأى ذلك حِزْقِيل قال: اللَّهُمَّ ربَّ يعقوب وإلهَ موسى، قد ترى معصيةَ عبادك، فأرِهم آيةً في أنفسهم، حتّى يعلموا أنّهم لن يستطيعوا فِرارًا منك. فأمهلهم الله عز وجل حتّى خرجوا من ديارهم -وهي قرية تُسَمّى: دامَرْدان-، فلَمّا خرجوا قال الله عز وجل لهم: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ عبرةً لهم، فماتوا جميعًا وماتت دوابُّهم كموت رَجُل واحد ثمانية أيام، فخرج إليهم الناس، فعجزوا عن دفنهم، حتّى حَظَرُواْ١ عليهم، وأَرْوَحَتْ أجسادُهم. ثُمَّ إنّ الله عز وجل أحياهم بعد ثمانية أيام، وبِهِنَّ نَتَنٌ شديد. ثُمَّ إنّ حِزْقِيل بكى إلى ربه عز وجل، فقال: اللَّهُمَّ ربَّ إبراهيم وإلهَ موسى، لا تكن على عبادك الظلمة كأنفسهم، واذكر فيهم ميثاق الأولين. فسمع الله عز وجل، فأمره أن يدعوهم بكلمة واحدة، فقاموا كقيام رجلٍ واحد كان وسْنانًا فاستيقظ. فذلك قوله عز وجل: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾٢
التخريج
  1. ١يقال: حظر الرجل حظرًا إذا اتخذ حظيرة، وهي في الأصل: الموضع الذي يُحاط عليه لتأوِيَ إليه الغنمُ والإبل، يَقيهما البردَ والرّيح. النهاية، مادة (حظر).
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢٠٢. وفي تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٠٢-٢٠٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٩٢-٢٩٣ نحوه منسوبًا إلى مقاتل دون تعيينه.
١٠
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: بَلَغَنِي: أنّه كان مِن حديثهم أنّهم خرجوا فِرارًا من بعض الأوباء؛ من الطاعون، أو من سَقَمٍ كان يصيب الناس، حذرًا من الموت، وهم ألوف، حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال لهم الله: موتوا. فماتوا جميعًا، فَعَمَدَ أهلُ تلك البلاد فَحَظَرُواْ عليهم حَظِيرَةً دُونَ السِّباع، ثم تركوهم فيها، وذلك أنّهم كَثُروا عَنْ أن يُغَيَّبُوا، فمرت بهم الأزمان والدهور، حتى صاروا عِظامًا نَخِرَة، فمَرَّ بهم حِزْقِيل بن بُوزِي، فوقف عليهم، فتعجَّب لأمرهم، ودخلتْه رحمةٌ لهم، فقيل له: أتُحِبُّ أن يحييهم الله؟ فقال: نعم. فقيل له: نادِهم. فقال: أيَّتُها العظامُ الرميمُ التي قد رَمَتْ وبَلِيَتْ، لِيَرْجِعْ كلُّ عظمٍ إلى صاحبه. فناداهم بذلك، فنظر إلى العظام تَواثَبُ، يأخذ بعضُها بعضًا، ثم قيل له: قُل: أيُّها اللحم والعصب والجلد، اكْسُ العظامَ بإذن ربك. قال: فنظر إليها والعصبُ يأخذ العظام ثم اللحم والجلد والأشعار، حتى اسْتَوَوْا خَلْقًا ليست فيهم الأرواح، ثم دعا لهم بالحياة، فتَغَشّاه من السماء شيءٌ كَرَبَه١ حتى غُشِي عليه منه، ثم أفاق والقوم جلوسٌ يقولون: سبحان الله! سبحان الله! قد أحياهم الله٢٣
التخريج
  1. ١أي: سبّب له الكرب، وهو الضّيق والحزن. النهاية (كرب).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٤١٩.
تعليقات المحققين
  1. ٣علَّقَ ابنُ عطية (١/٦١٠) على القصص الوارد في هذه الآية بقوله: «وهذا القصص كله لَيِّنُ الأسانيد، وإنّما اللازم من الآية أنّ الله تعالى أخبر نبيَّه محمدًا ﷺ أخبارًا في عبارة التنبيه والتوقيف، عن قومٍ من البشر خرجوا من ديارهم فِرارًا من الموت، فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم؛ ليَرَوْا هُمْ وكُلَّ مَن خَلَفَ بعدهم أنّ الإماتة إنّما هي بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترارِ مُغْتَرٍّ، وجعل الله تعالى هذه الآية مُقَدِّمَةً بين يدي أمره المؤمنين من أُمَّةِ محمد بالجهاد. هذا قول الطبري، وهو ظاهر رَصْفِ الآية، ولِمُورِدِي القَصَصِ في هذه القصة زياداتٌ اختصرتُها؛ لضعفها».
١١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾، قال: إنّ المؤمن لَيَشْكُرُ نِعَم الله عليه وعلى خلقه. وذُكِرَ لنا أنّ أبا الدرداء كان يقول: يا رُبَّ شاكرِ نِعْمَةِ غيرِه ومُنْعَمٌ عليه لا يَدْرِي، ويا رُبَّ حاملِ فِقْهٍ غيرِ فقيه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٩ (٢٤٢٥).
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ربَّ هذه النعمة حين أحياهم بعد ما أراهم عقوبته. ثُمَّ أمرهم عز وجل أن يرجعوا إلى عدوِّهم فيجاهدوا، فذلك قوله: ﴿مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ أنّه أحياهم بعد ما أماتهم، ﴿ولكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢٠٢. وفي تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٠٢-٢٠٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٩٢-٢٩٣ نحوه منسوبًا إلى مقاتل دون تعيينه.
١٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- قال: ﴿وهم ألوف﴾، ليست الفُرْقَة أخرجتهم كما يُخْرَج للحرب والقتال، قلوبُهم مُؤْتَلِفَةٌ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٤٢٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢رَجَّحَ ابنُ جرير (٤/٤٢٣) أنّ المقصود بالألوف كثرة العدد مستندًا لإجماع أهل التأويل. وانتَقَدَ قولَ مَن قال: هو من الائْتِلاف. وحكم عليه بالشذوذ قائلًا: «وأَوْلى القولين في تأويل قوله: ﴿وهم ألوف﴾ بالصواب: قولُ مَن قال: عنى بالألوف: كثرة العدد، دون قول مَن قال: عنى به: الائتلاف، بمعنى: ائتلاف قلوبهم، وأنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم، ولا تباغض، ولكن فرارًا إمّا من الجهاد، وإمّا من الطاعون. لإجماع الحجة على أنّ ذلك تأويل الآية، ولا يعارَض بالقول الشاذ ما استفاض به القولُ من الصحابة والتابعين».
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال:... حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله: موتوا. فمَرَّ عليهم نبيٌّ من الأنبياء، فدعا ربَّه أن يحييهم حتى يعبدوه، فأحياهم١
التخريج
  1. ١أخرجه وكيع في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير١‏/‏٦٦١-، وابن جرير ٤‏/‏٢١٤، والحاكم ٢‏/‏٢٨١. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وابن المنذر. وزاد ابن جرير: فتلا هذه الآية: ﴿إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾.
١٥
عن أشْعَث بن أسْلَم البصري، قال: بينا عمر يصلي ويهودِيّان خلفه؛ قال أحدُهما لصاحبه: أهو هو؟ فلَمّا انفَتَل عمر، قال: أرأيت قول أحدِكما لصاحبه: أهو هو؟ قالا: إنّا نَجِدُه في كتابنا قَرْنًا مِن حديد، يُعْطى ما يُعْطى حِزْقِيلُ الذي أحيى الموتى بإذن الله. فقال عمر: ما نَجِدُ في كتاب الله حِزْقِيلَ، ولا أحْيى الموتى بإذن الله إلا عيسى. قالا: أما تَجِدُ في كتاب الله: ﴿ورسلا لم نقصصهم عليك﴾؟ [النساء:١٦٤] فقال عمر: بلى. قالا: وأما إحياءُ الموت فسنُحَدِّثُك، إنّ بني اسرائيل وقع عليهم الوباء، فخرج منهم قوم، حتى إذا كانوا على رأس مِيلٍ أماتهم الله، فبَنَوْا عليهم حائِطًا، حتى إذا بَلِيَتْ عظامُهم بعث الله حِزْقِيلَ، فقام عليهم، فقال ما شاء الله، فبعثهم الله له؛ فأنزل الله في ذلك: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير في تفسيره ٤‏/‏٤١٥-٤١٦، وفي تاريخه ١‏/‏٤٥٩.
١٦
قال مجاهد بن جبر -من طريق منصور بن المُعْتَمِر-: إنّهم قالوا حين أُحْيُوا: سبحانك اللَّهُمَّ ربنا وبحمدك، لا إله إلا أنت. فرجعوا إلى قومهم، وعاشوا دهرًا طويلًا وسُحْنَةُ الموت على وُجوههم، لا يلبسون ثوبًا إلا عاد دَسِمًا١ مثل الكَفَن، حتى ماتوا لآجالهم التي كُتِبَتْ لهم٢
التخريج
  1. ١يقال: دسم الشيء دسومة ودسَما، إذا كان ذا دسم وعلاه الوسخ والقذر، فهو دسِم. المعجم الوسيط (دسم).
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٨ (٢٤٢١) مختصرًا. وانظر: تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٠٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٩٣.
١٧
عن أبي مالك [غزوان الغفاري] -من طريق السُّدِّيِّ- في الآية، قال: كانت قريةٌ يُقال لها: داوَرْدانُ. قريب من واسِط، فوقع فيهم الطاعون، فأقامت طائفة، وهربت طائفة، فوقع الموت في مَن أقام، وسلِم الذين أجْلَوْا١، فلمّا ارتفع الطاعونُ رجعوا إليهم، فقال الذين بقُوا: إخوانُنا كانوا أحزمَ منا، لو صنَعْنا كما صنعوا سلِمْنا، ولئِن بقِينا إلى أن يَقَعَ الطاعونُ لَنَصْنَعَنَّ كما صنعوا. فوقع الطاعونُ من قابِلٍ، فخرجوا جميعًا؛ الذين كانوا أجْلَوْا، والذين كانوا أقاموا، وهم بضعةٌ وثلاثون ألفًا، فساروا حتى أتَوْا واديًا فَيْحًا٢، فنزلوا فيه، وهو بين جبلين، فبعث الله إليهم مَلَكَيْن؛ مَلَكًا بأعلى الوادي، وملكًا بأسفله، فناداهم٣: أن مُوتوا. فماتوا، فمكَثوا ما شاء الله، ثم مرَّ بهم نبيٌّ يقال له: حِزْقِيلُ. فرأى تلك العظام، فوقف مُتَعَجِّبًا لكثرة ما يرى منهم، فأوحى الله إليه أن نادِ: أيَّتُها العظام، إنّ الله أمركِ أن تجتمعي. فاجتمعتِ العظامُ من أعلى الوادي وأدناه، حتى التَزَقَ بعضُها ببعض، كلُّ عظمٍ من جَسَدٍ التَزَقَ بجسده، فصارت أجسادًا من عظام، لا لحم ولا دم، ثم أوحى اللهُ إليه أن نادِ: أيَّتُها العظام، إنّ الله يأمرك أن تكتسي لحمًا. فاكتست لحمًا، ثم أوحى الله إليه أن نادِ: أيَّتُها الأجسادُ، إنّ الله يأمرك أن تقومي. فبُعِثوا أحياء، فرجعوا إلى بلادهم، فأقاموا لا يلبسون ثوبًا إلا كان عليهم كفنًا دَسِمًا، يعرفهم أهل ذلك الزمان أنهم قد ماتوا، ثم أقاموا حتى أتت عليهم آجالهم بعد ذلك٤
التخريج
  1. ١أجلوا: أي خرجوا، من الجلاء، وهو الخروج. اللسان (جلا).
  2. ٢أي: واسعًا. اللسان (فيح).
  3. ٤أخرجه ابن جرير في تاريخه ١‏/‏٤٥٨-٤٥٩، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٧-٤٥٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٣علَّقَ ابنُ عطية (١/٦١١) على ما جاء في هذا الأثر من أنّ الله بعث إليهم مَلَكَيْن، فقال: «فالمعنى: قال لهم الله بواسطة الملكين».
١٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهُمْ﴾ من بني إسرائيل، ... خرجوا من ديارهم، وهي قريةٌ تُسَمّى: دامَرْدان١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢٠٢. كذا في المطبوع، وقد يكون مُصَحَّفا مِن: داوردان.
١٩
عن سعيد بن عبد العزيز، في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أخرجوا من ديارهم﴾، قال: هم من أذْرِعات١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٥.
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَيْر- في قوله: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ﴾، قال: كانوا أربعةَ آلاف١
التخريج
  1. ١أخرجه وكيع في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٦٦١-، وابن جرير ٤‏/‏٢١٤، والحاكم ٢‏/‏٢٨١. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وابن المنذر.
٢١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عِكْرِمَة- في الآية، قال: كانوا أربعة آلاف١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٦ (٢٤١٣). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ عطية (١/٦١٠) على قول ابن عباس هذا بقوله: «وهذا يضعفه لفظ ﴿أُلُوف﴾؛ لأنه جمع الكثير».
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- في الآية، قال: كانوا أربعين ألفًا وثمانية آلاف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٤١٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٣
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق علي بن الحَكَم- قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف﴾، فالألوف: كثرة العدد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٩ (٢٤٢٦). وفي تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٠٣ بلفظ: كانوا عددًا كبيرًا.
٢٤
عن أبي صالح [باذام] -من طريق إسماعيل- في الآية، قال: كانوا تسعة آلاف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٦.
٢٥
عن أبي مالك [غزوان الغفاري] -من طريق السدي- قال: كانوا بضعة وثلاثين ألفًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٦ (٢٤١٥).
٢٦
قال عطاء بن أبي رباح: سبعون ألفًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٠٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٩٣.
٢٧
عن وهْب بن مُنَبِّه: أنّهم كانوا أربعة آلاف١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٨
عن إسماعيل السُّدِّي-من طريق أسباط- قال:... هم بضعة وثلاثون ألفًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٤١٨.
٢٩
عن عطاء الخراساني -من طريق عبد الرحمن بن عَوْسَجَة- ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف﴾، قال: كانوا ثلاثة آلاف، أو أكثر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٤١٨.
٣٠
وقال أبو رَوْق: عشرة آلاف١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٠٣.
٣١
وقال الكَلْبِيُّ -من طريق مَعْمَر-: كانوا ثمانية آلاف١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٩٧. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٤٤-.
٣٢
وعن مقاتل بن سليمان، مثله١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢٠٢. وفي تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٠٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٩٣ منسوبًا إلى مقاتل دون تعيينه.
٣٣
وقال ابن جُرَيْج: أربعون ألفًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٠٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٩٣.
٣٤
عن الحجاج بن أرْطَأَةَ، قال: كانوا أربعة آلاف١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٤١٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّحَ ابنُ جرير (٤/٤٢٣-٤٢٤) قولَ مَن حدَّ عددهم بزيادةٍ على عشرة آلاف، مستندًا في ذلك إلى لغة العرب، فقال: «وأَوْلى الأقوال في مَبْلَغِ عدد القوم الذين وصف الله خروجَهم من ديارهم بالصواب: قولُ مَن حَدَّ عددهم بزيادةٍ عن عشرة آلاف، دون مَن حَدَّه بأربعة آلاف، وثلاثة آلاف، وثمانية آلاف. وذلك أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر عنهم أنّهم كانوا ألوفًا، وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم: ألوف، وإنما يُقال: هم آلاف، إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعدًا إلى العشرة آلاف، وغير جائز أن يُقال: هم خمسة ألوف، أو عشرة ألوف». وبنحو ذلك قال ابنُ عطية (١/٦١٠).
٣٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في الآية، قال: كانوا من أهل قرية يُقال لها: داوَرْدان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٥ (٢٤٠٩). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣٦
عن أبي صالح [باذام]، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٥ (عَقِب ٢٤٠٩).
٣٧
عن أبي مالك [غزوان الغفاري] -من طريق السُّدِّيِّ- قال: كانت قريةً يُقال لها: داوَرْدان. قريب من واسِط١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير في تاريخه ١‏/‏٤٥٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٧ (٢٤٢٠). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٣٨
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٤١٦، وعلقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٥ (عقب ٢٤٠٩).
٣٩
عن ابن جُرَيْج، قال: سألتُ عطاء [بن أبي رباح]: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف﴾. قال: مَثَلٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٥ (٢٤٠٩).
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٤٣ من سورة البقرة

١٧ وقفةً في هذه الآية

  • (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا!) القدر حين يُكتب ، يلاحقك حتى بعد هروبك منه ، كن هادئا فقط.

    — وليد العاصمي

  • لا تحاول الفرار من قدر الله : (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت! فقال لهم الله موتوا!).

    — وليد العاصمي

  • ‏{ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال الله موتوا} الأسباب لاتنفع مع القضاء والقدر، وخصوصا التي تترك بها أوامر الله.

    — تفسير السعدي

  • (وَهُمْ أُلُوفٌ) وصف العدد أراد به أنهم غثاء كغثاء السيل ليس فيهم رجل رشيد ،ينصحهم ويخبرهم أن الهروب لا يمنع الموت .(في المطبوع 2/1035)

    — محمد متولي الشعراوي

  • تدبر آية 243 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ) :- مشهد الألوف المؤلفة ، الحذرة من الموت ، المتلفتة من الذعر.. إلى مشهد الموت المطبق في لحظة ومن خلال كلمة { مُوتُوا } كل هذا الحذر ، وكل هذا التجمع ، وكل هذه المحاولة اليائسة لم تفلح أمام كلمة { مُوتُوا } !

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • وقفات مع آيات سورة البقرة آية 243

    — محمد بن عبدالعزيز الخضيري

  • برنامج أخذها بركة (أحكام القتال) من الآية 243 إلى 252

    — محمد الربيعة

  • الفرق بين ( ألوف ) و (آلاف) في نظم القرآن

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • آية (٢٤٣) : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) * (أَلَمْ تَرَ) في اللغة العربية تأتي بمعنيين. الأول: السؤال عن الرؤية البصرية والرؤية القلبية، والمعنى الآخر معناها ألم تعلم ألم ينتهي علمك؟ للتعجيب سواء رآه أو لم يسبق له رؤيته للفت نظر السامع الذي يحدثه والمخاطب إلى أمر يدعو إلى التأمل والعجب من الحالة أو من قدرة الله أو ما إلى ذلك، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) ألم ينتهي علمك؟ ألم تسمع منهم؟ ألا تتعجب من أولئك؟ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حاج إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ) اقرأ الحوار بينهم ألا تعجب من هذا المتكبر وكيف كان يحاوره إبراهيم؟. * الفرق بين آلآف وألوف (وَهُمْ أُلُوفٌ) في القرآن: آلآف من أوزان جمع القِلّة (أفعال) أفعُل، أفعال، أفعِلة، فِعلة. من أوزان القِلّة، وألوف من الكثرة. لذلك قال ربنا سبحانه وتعالى (أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ (١٢٤) آل عمران) لأن القلة من الثلاثة إلى العشرة فإن تجاوزها دخل في الكثرة (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) قال بعضهم قطعاً أكثر من عشرة آلآف وقسم أوصلهم إلى أربعين ألفاً.

    — مختصر لمسات بيانية

  • *ما الفرق بين (ولكن أكثر الناس لا يشكرون)و(ولكن أكثرهم لا يشكرون)؟ رب العالمين دائماً يتكلم عن نعمه أو أفضاله على الناس (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (243) البقرة) ومرة يقول (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴿60﴾ يونس) ، في حياتنا اليومية عندما يكون هنالك شخص تحترمه أو من أقاربك المحترمين أبوك عمك خالك تحترمه أو تحبه أو ذو فضلٍ عليك تقول هذا عمي فلان أو جاء عمي فلان وراح عمي فلان فأكثر من مرة تذكر اسمه وإذا شخص مهين أو تحتقره أو لا شأن له تقول هذا والله هذا راح وهذا جاء فتشير له بعدم اكتراث. فرب العالمين أحياناً حين يتكلم عن عباده الصالحين يقول (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) صح أنهم لا يشكرون ولكنهم عباده مؤمنين بالله وموحدون طيبون كرماء لكن عندهم أخطاء وطبيعة شكرهم لله ليست واضحة، عبادة الشكر من أعظم العبادات وقليلٌ منا من يحسنها، الشكر هذا باب هائل الله قال (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴿13﴾ سبأ) وقليلُ فأنت لست من القليل. رب العالمين يقول (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿243﴾ البقرة) هؤلاء ناس مسلمين مؤمنين موحدون. حينئذٍ قال (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) وهؤلاء ناس وكلمة ناس عند العرب أي وجهاء الناس ولهذا لما صارت معركة بدر والمسلمون قتلوا وجهاء قريش فواحد من المسلمين فرح بهذا الانتصار العظيم قال لقد ذبحنا خرافاً فالنبي قال له يا بني إنهم الناس فهؤلاء وجهاء القوم. فرب العالمين لما تكلم عن عباده الضالين عندهم أخطاء لكنهم عباده فهو مؤمن موحد لله عز وجل كحالنا جميعاً لكن إذا تكلم عن ناس كفرة قال (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ) منهم هؤلاء المشركين فكلما رب العالمين استعمل وانظر إلى الذي قاله فرعون (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴿52﴾ الزخرف) موسى من أولي العزم يقول فرعون عنه (أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) وحتى إبليس قال (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴿62﴾ الإسراء) على آدم فكلمة هذا وهم الضمائر تستخدم للشخص الذي لا يعجبك يعني تستهين به. فحينئذٍ إذا كان الحديث عمن يحبهم الله قال (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) وهؤلاء ولولا لا يشكرون ولكن الله يحبهم لأنهم موحدين أما إذا قال (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ) من هؤلاء الناس الذي أنت لا تريد أن تذكرهم وهذا شأن العباد جميعاً في مثل هذه القضية.

    — أحمد الكبيسي

  • *في بعض الآيات الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بصيغة (ألم تر) والرسول لم يراها فما دلالة هذا الخطاب؟ (ألم تر) في اللغة العربية تأتي بمعنيين. الأول: السؤال عن الرؤية البصرية والرؤية القلبية، ألم تر خالداً اليوم؟ ألم تر الأمر كما أراه؟، هذا معنى، والمعنى الآخر معناها ألم تعلم ألم ينتهي علمك؟ للتعجيب. هذه الصيغة تأتي للتعجيب سواء رآه أو لم يسبق له رؤيته. إذن هي للتعجيب مثل (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ (19) الملك) ألم تعجب من هذا؟ ألم تعجب مما يفعله الرحمن؟ هم يرون. (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) الشعراء) هذه رؤيا مشاهدة لكن فيها تعجيب. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ (243) البقرة) ألم ينتهي علمك؟ ألم تسمع منهم؟ ألا تتعجب من أولئك؟ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حاج إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ (258)البقرة) اقرأ الحوار بينهم ألا تعجب من هذا المتكبر وكيف كان يحاوره إبراهيم؟. هذا التركيب في العربية له دلالتان (ألم تر إلى) إما الرؤية البصرية أو القلبية وإما ألم ينتهي علمك؟ ألم تعجب؟ يعجّبه من الحالة التي يذكرها (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى (246) البقرة) هي للتعجيب والقصد منها التعجيب يلفت نظر السامع الذي يحدثه والمخاطب إلى أمر يدعو إلى التأمل والعجب من الحالة أو من قدرة الله أو ما إلى ذلك.

    — فاضل السامرائي

و٥ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٢٤٣ من سورة البقرة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢٤٣ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(243) Have you not considered those who left their homes in many thousands, fearing death? Allāh said to them, "Die"; then He restored them to life. And Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of the people do not show gratitude.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال