غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿عسيتم﴾ بكسر السين حيث كان نافع. الباقون بالفتح. وزاده بالإمالة : حمزة ونصير وابن مجاهد والنقاش عن ابن عباس وذكوان. ﴿بصطه﴾ بالصاد : أبو نشيط والشموني غير النقاد، وكذلك ﴿بباصط﴾ [المائدة: ٢٨] ﴿ويبصط الرزق﴾ [الرعد: ٢٦]
﴿ولا تبصطها كل البصط﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿فما اصطاعوا﴾ [الكهف: ٩٧] وما أشبه ذلك ﴿مني إلا﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالسكون. ﴿غرفة﴾ بفتح العين : ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالضم ﴿هو والذين﴾ بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها ﴿فئة ومئة﴾ وبابهما غير مهموزتين : يزيد وشموني وحمزة في الوقف ﴿دفاع الله﴾ وكذلك في سورة الحج : أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. الباقون ﴿دفع الله﴾.
الوقوف :﴿من بعد موسى﴾ م لأنه لو وصل صار " إذ " ظرفاً لقوله " ألم تر " وهو محال ﴿في سبيل الله﴾ ط ﴿ألا تقاتلوا﴾ ط ﴿وأبنائنا﴾ ط ﴿تعظيماً﴾ لابتداء أمر معظم ﴿منهم﴾ ط ﴿بالظالمين﴾ ه ﴿ملكاً﴾ ط ﴿من المال﴾ ط ﴿والجسم﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿الملائكة﴾ ط ﴿مؤمنين﴾ ه ﴿بالجنود﴾ لا لأن " قال " جواب لما ﴿بنهر﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿فليس مني﴾ ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود ﴿بيده﴾ ج لعطف المختلفين ﴿منهم﴾ ط تعظيماً لابتداء أمر معظم ﴿معه﴾ ( لا ) لأن " قالوا " جواب لما ﴿وجنوده﴾ ط ﴿ملاقو الله﴾ ( لا ) لأن ما بعده مفعول " قال " ﴿بإذن الله﴾ ط ﴿الصابرين﴾ ه ﴿الكافرين﴾ ه ط لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماضٍ يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على " بإذن الله " لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت ﴿مما يشاء﴾ ط ﴿العالمين﴾ ه.
﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾ أصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي والمعنى : انفصل عن بلده مع الجنود. والجند الأعوان والأنصار وكل صنف من الخلق جند قال ﷺ :" الأرواح جنود مجندة " روي أن طالوت قال لقومه : لا ينبغي أن يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن فيها. ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ. فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً. فقال نبيهم : على قول، أو طالوت على الأظهر، وذلك إما بإخبار النبي ﷺ أو بالوحي إن كان نبياً ﴿إن الله مبتليكم بنهرٍ﴾ بما اقترحتموه من النهر. قيل في حكمة هذا ابتلاء : إنه لما كان من عادة بني إسرائيل مخالفة الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، أظهر الله علامة قبل لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غير الصابر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو. عن ابن عباس والسدي أنه نهر فلسطين، وعن قتادة والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين. ونهر بتحريك الهاء وتسكينها لغتان و﴿مبتليكم﴾ أي ممتحنكم. ولما كان الابتلاء من الناس إنما يكون بظهور الشيء، وثبت أن الله لا يثيب ولا يعاقب على علمه إنما يظهر ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لا يحصل إلا بالتكليف، لا جرم سمى التكليف ابتلاء. ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ هو كالزجر أي ليس بمتصل بي ولا بمتحد معي من قولهم " فلان مني " يريد أنه كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما، أو ليس من أهل ديني وطاعتي ومن حزبي وأشياعي ﴿ومن لم يطعمه﴾ ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه. ومنه طعم الشيء لمذاقه. واعلم أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف أن لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث ؟ فقال أبو حنيفة : لا يحنث إلا إذا كرع في النهر. حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربك متصلاً بذلك الشيء. وقال الباقون : بل إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز مشهور، فلما كان من المحتمل في اللفظ الأول أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي. ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام فقال :﴿ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفةً بيده﴾ استثناء من قوله ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ ليصح النظم وإنما فصل قوله ﴿ومن لم يطعمه﴾ بين المستثنى والمستثنى منه للعناية. ومعنى الاستثناء الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع. والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ملء الكف. عن ابن عباس : كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحتمل منها. ولعل ذلك من معجزات نبي ذلك الزمان كما يروى عن نبينا ﷺ من إرواء الخلق العظيم من الماء القليل، ويحتمل أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه ولخدمه ولأن يحمله مع نفسه إلا أن قوله ﴿بيده﴾ لا يجاوب هذا الاحتمال ﴿فشربوا منه﴾ كرعوا فيه ﴿إلا قليلاً منهم﴾ وقرأ أبي والأعمش ﴿إلا قليلٌ منهم﴾ وهذا من باب الميل إلى المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً كأنه قيل : فلم يطيعوه إلا قليل منهم. فبهذا تميز الموافق عن المنافق والصديق عن الزنديق. يروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب فاسودت شفاههم وغلبهم العطش وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى فلم يزيدوا على الاغتراف فقوي قلبهم وصح أيمانهم وعبروا النهر سالمين. والمشهور أنهم كانوا على عدد أهل بدر لما روي أن النبي قال لأصحابه يوم بدر :" أنتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن ". قال البراء بن عازب : وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وقيل : إنهم كانوا أربعة آلاف. ولا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاعه، وإنما الخلاف في أنهم رجعوا قبل عبور النهر أو بعده، والحق أنه ما عبر معه إلا المطيعون لقوله تعالى ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه﴾ ولقوله :﴿فليس مني﴾ أي ليس من أصحابي في سفري، ولأن المقصود من الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي، وإذا تميزا فالظاهر أنه لم يأذن للعاصين، وصرفهم عن نفسه قبل أن يرتدوا عند لقاء العدو، وقيل : إنه استصحب كل جنوده لأنهم قالوا : لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق. والجواب لعل طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألوهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع المكالمة، أو المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، أو المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين : منهم من يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا : لا طاقة لنا، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة﴾ أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم : لا طاقة لنا اليوم. فلابد أن نوطن أنفسنا للقتل. وقال الآخرون : بل نرجو من الله الفتح والظفر. فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الآخرين التحريض على رجاء الفتح والظفر، وكلا الغرضين محمود. والطاقة اسم بمنزلة الإطاقة. يقال : أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة وأغار إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة. وفي المثل " أساء سمعاً فأساء جابة " أي جواباً ومعنى قوله ﴿يظنون أنهم ملاقوا الله﴾ يغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت. عن قتادة : أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك أن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، وعن أبي مسلم : أوَتظنون أنهم ملاقو طاعة الله من غير رياء وسمعة وبنية خالصة، أو أنهم عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن، أو المراد بقوله ﴿يظنون﴾ يعلمون ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد، والفئة الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج : هي من قولهم " فأوت رأسه بالسيف " وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس. والمراد تقوية قلوب الذين قالوا : لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة، ومحل ﴿كم﴾ رفع بالابتداء و﴿غلبت﴾ الجملة خبره، ﴿بإذن الله﴾ بتيسيره وتسهيله. ﴿والله مع الصابرين﴾ بالمعونة والتأييد يحتمل أن يكون من قوله تعالى وأن يكون من قول الذين يظنون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : فقوله ﴿ألم تر إلى الملأ﴾ أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا، عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وهذا حال أكثر مدّعي الإسلام والإيمان والذين يزعمون نصلي ونصوم ونحج ونزكي لله وفي الله باللسان دون صدق الجنان، وسيظهر ما كان لله وما كان للهوى في كفتي الميزان ﴿فلما كتب عليهم القتال﴾ تبين الأبطال من البطال ﴿فتولوا إلا قليلاً منهم﴾ وأن أهل الحق أعز من العنقاء وأعوز من الكيمياء.
وإنما لم ينل المدعون مقصودهم لأنه لم تخلص لله قصودهم ولو أنهم قالوا :﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله﴾ وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وأنه سيدنا ومولانا فلعل الله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم كما قال قوم من السعداء في أثناء البكاء والصعداء ﴿وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ { المائدة : ٨٤ ] فلا جرم أثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين. { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً } فيه إشارة إلى أن الحكم الإلهية حلت وتجلت في جلباب تعاليها عن إدراك العقول البشرية كنه معنى من معانيها، ولهذا. قالوا :﴿أنى يكون له الملك علينا﴾ وليس هذا بأعجب من قول المقرّبين المؤيدين بالأنوار القدسية ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾
[البقرة: ٣٠] واستحقاراً لشأن آدم واحتجاباً بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا :﴿نحن أحق بالملك﴾ وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال : كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، رفعه الله وأعطاه الملك. ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ [البقرة: ٣٠] أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع لله وقال : ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله تعالى بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة ﴿إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت﴾ فيه إشارة إلى أن آية خلافة العبد أن يظفر بتابوت قلب ﴿فيه سكينة﴾ من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] ﴿بقية مما ترك آل موسى﴾ هو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم سحر سحرة صفات فرعون النفس. وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت المؤمن رب الأرض والسماء كما قال :" لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن " فإذا حصل لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وإنقاد له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا و يتجهز لقتال جالوت النفس الأمارة ﴿إن الله مبتليكم بنهرٍ﴾ هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها
﴿زين للناس حب الشهوات﴾ [آل عمران: ١٤] ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾ قنع من متاع الدنيا بما لابد له منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، وكان نبينا محمد ﷺ يقول :" اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً " أي ما يمسك رمقهم ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ لأن من شرب من نهر الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولاً مريض القلب فبقي على شط نهر الدنيا ﴿رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ [يونس: ٧] ﴿ولما برزوا لجالوت وجنوده﴾ فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعيناً به مستغنياً عن غيره قائلاً ﴿ربنا أفرغ علينا صبراً﴾ على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى والإعراض عن زينة الدنيا ﴿وثبت أقدامنا﴾ على التسليم في الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ وهم أعداؤنا في الدين عموماً، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً ﴿فهزموهم بإذن الله﴾ بنصرته وقوته ﴿وقتل داود﴾ القلب ﴿جالوت﴾ النفس الخ. وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صار الثلاثة حجراً واحداً وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من روائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال ﴿ولكل قوم هاد﴾ [الرعد: ٧] لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها ﴿ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين﴾ فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال :﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء﴾ [النور: ٢١].
﴿ولا تبصطها كل البصط﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿فما اصطاعوا﴾ [الكهف: ٩٧] وما أشبه ذلك ﴿مني إلا﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالسكون. ﴿غرفة﴾ بفتح العين : ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالضم ﴿هو والذين﴾ بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها ﴿فئة ومئة﴾ وبابهما غير مهموزتين : يزيد وشموني وحمزة في الوقف ﴿دفاع الله﴾ وكذلك في سورة الحج : أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. الباقون ﴿دفع الله﴾.
الوقوف :﴿من بعد موسى﴾ م لأنه لو وصل صار " إذ " ظرفاً لقوله " ألم تر " وهو محال ﴿في سبيل الله﴾ ط ﴿ألا تقاتلوا﴾ ط ﴿وأبنائنا﴾ ط ﴿تعظيماً﴾ لابتداء أمر معظم ﴿منهم﴾ ط ﴿بالظالمين﴾ ه ﴿ملكاً﴾ ط ﴿من المال﴾ ط ﴿والجسم﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿الملائكة﴾ ط ﴿مؤمنين﴾ ه ﴿بالجنود﴾ لا لأن " قال " جواب لما ﴿بنهر﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿فليس مني﴾ ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود ﴿بيده﴾ ج لعطف المختلفين ﴿منهم﴾ ط تعظيماً لابتداء أمر معظم ﴿معه﴾ ( لا ) لأن " قالوا " جواب لما ﴿وجنوده﴾ ط ﴿ملاقو الله﴾ ( لا ) لأن ما بعده مفعول " قال " ﴿بإذن الله﴾ ط ﴿الصابرين﴾ ه ﴿الكافرين﴾ ه ط لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماضٍ يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على " بإذن الله " لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت ﴿مما يشاء﴾ ط ﴿العالمين﴾ ه.
﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾ أصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي والمعنى : انفصل عن بلده مع الجنود. والجند الأعوان والأنصار وكل صنف من الخلق جند قال ﷺ :" الأرواح جنود مجندة " روي أن طالوت قال لقومه : لا ينبغي أن يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن فيها. ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ. فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً. فقال نبيهم : على قول، أو طالوت على الأظهر، وذلك إما بإخبار النبي ﷺ أو بالوحي إن كان نبياً ﴿إن الله مبتليكم بنهرٍ﴾ بما اقترحتموه من النهر. قيل في حكمة هذا ابتلاء : إنه لما كان من عادة بني إسرائيل مخالفة الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، أظهر الله علامة قبل لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غير الصابر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو. عن ابن عباس والسدي أنه نهر فلسطين، وعن قتادة والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين. ونهر بتحريك الهاء وتسكينها لغتان و﴿مبتليكم﴾ أي ممتحنكم. ولما كان الابتلاء من الناس إنما يكون بظهور الشيء، وثبت أن الله لا يثيب ولا يعاقب على علمه إنما يظهر ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لا يحصل إلا بالتكليف، لا جرم سمى التكليف ابتلاء. ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ هو كالزجر أي ليس بمتصل بي ولا بمتحد معي من قولهم " فلان مني " يريد أنه كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما، أو ليس من أهل ديني وطاعتي ومن حزبي وأشياعي ﴿ومن لم يطعمه﴾ ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه. ومنه طعم الشيء لمذاقه. واعلم أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف أن لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث ؟ فقال أبو حنيفة : لا يحنث إلا إذا كرع في النهر. حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربك متصلاً بذلك الشيء. وقال الباقون : بل إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز مشهور، فلما كان من المحتمل في اللفظ الأول أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي. ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام فقال :﴿ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفةً بيده﴾ استثناء من قوله ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ ليصح النظم وإنما فصل قوله ﴿ومن لم يطعمه﴾ بين المستثنى والمستثنى منه للعناية. ومعنى الاستثناء الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع. والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ملء الكف. عن ابن عباس : كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحتمل منها. ولعل ذلك من معجزات نبي ذلك الزمان كما يروى عن نبينا ﷺ من إرواء الخلق العظيم من الماء القليل، ويحتمل أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه ولخدمه ولأن يحمله مع نفسه إلا أن قوله ﴿بيده﴾ لا يجاوب هذا الاحتمال ﴿فشربوا منه﴾ كرعوا فيه ﴿إلا قليلاً منهم﴾ وقرأ أبي والأعمش ﴿إلا قليلٌ منهم﴾ وهذا من باب الميل إلى المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً كأنه قيل : فلم يطيعوه إلا قليل منهم. فبهذا تميز الموافق عن المنافق والصديق عن الزنديق. يروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب فاسودت شفاههم وغلبهم العطش وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى فلم يزيدوا على الاغتراف فقوي قلبهم وصح أيمانهم وعبروا النهر سالمين. والمشهور أنهم كانوا على عدد أهل بدر لما روي أن النبي قال لأصحابه يوم بدر :" أنتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن ". قال البراء بن عازب : وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وقيل : إنهم كانوا أربعة آلاف. ولا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاعه، وإنما الخلاف في أنهم رجعوا قبل عبور النهر أو بعده، والحق أنه ما عبر معه إلا المطيعون لقوله تعالى ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه﴾ ولقوله :﴿فليس مني﴾ أي ليس من أصحابي في سفري، ولأن المقصود من الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي، وإذا تميزا فالظاهر أنه لم يأذن للعاصين، وصرفهم عن نفسه قبل أن يرتدوا عند لقاء العدو، وقيل : إنه استصحب كل جنوده لأنهم قالوا : لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق. والجواب لعل طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألوهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع المكالمة، أو المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، أو المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين : منهم من يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا : لا طاقة لنا، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة﴾ أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم : لا طاقة لنا اليوم. فلابد أن نوطن أنفسنا للقتل. وقال الآخرون : بل نرجو من الله الفتح والظفر. فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الآخرين التحريض على رجاء الفتح والظفر، وكلا الغرضين محمود. والطاقة اسم بمنزلة الإطاقة. يقال : أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة وأغار إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة. وفي المثل " أساء سمعاً فأساء جابة " أي جواباً ومعنى قوله ﴿يظنون أنهم ملاقوا الله﴾ يغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت. عن قتادة : أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك أن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، وعن أبي مسلم : أوَتظنون أنهم ملاقو طاعة الله من غير رياء وسمعة وبنية خالصة، أو أنهم عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن، أو المراد بقوله ﴿يظنون﴾ يعلمون ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد، والفئة الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج : هي من قولهم " فأوت رأسه بالسيف " وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس. والمراد تقوية قلوب الذين قالوا : لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة، ومحل ﴿كم﴾ رفع بالابتداء و﴿غلبت﴾ الجملة خبره، ﴿بإذن الله﴾ بتيسيره وتسهيله. ﴿والله مع الصابرين﴾ بالمعونة والتأييد يحتمل أن يكون من قوله تعالى وأن يكون من قول الذين يظنون.
| تعيرنا أنا قليـل عديدنا | فقلت لها إن الكرام قليل |
| تعيرنا أنا قليل وجارنا | عزيز وجار الأكثرين ذليل |
[البقرة: ٣٠] واستحقاراً لشأن آدم واحتجاباً بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا :﴿نحن أحق بالملك﴾ وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال : كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، رفعه الله وأعطاه الملك. ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ [البقرة: ٣٠] أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع لله وقال : ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله تعالى بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة ﴿إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت﴾ فيه إشارة إلى أن آية خلافة العبد أن يظفر بتابوت قلب ﴿فيه سكينة﴾ من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] ﴿بقية مما ترك آل موسى﴾ هو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم سحر سحرة صفات فرعون النفس. وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت المؤمن رب الأرض والسماء كما قال :" لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن " فإذا حصل لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وإنقاد له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا و يتجهز لقتال جالوت النفس الأمارة ﴿إن الله مبتليكم بنهرٍ﴾ هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها
﴿زين للناس حب الشهوات﴾ [آل عمران: ١٤] ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾ قنع من متاع الدنيا بما لابد له منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، وكان نبينا محمد ﷺ يقول :" اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً " أي ما يمسك رمقهم ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ لأن من شرب من نهر الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولاً مريض القلب فبقي على شط نهر الدنيا ﴿رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ [يونس: ٧] ﴿ولما برزوا لجالوت وجنوده﴾ فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعيناً به مستغنياً عن غيره قائلاً ﴿ربنا أفرغ علينا صبراً﴾ على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى والإعراض عن زينة الدنيا ﴿وثبت أقدامنا﴾ على التسليم في الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ وهم أعداؤنا في الدين عموماً، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً ﴿فهزموهم بإذن الله﴾ بنصرته وقوته ﴿وقتل داود﴾ القلب ﴿جالوت﴾ النفس الخ. وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صار الثلاثة حجراً واحداً وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من روائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال ﴿ولكل قوم هاد﴾ [الرعد: ٧] لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها ﴿ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين﴾ فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال :﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء﴾ [النور: ٢١].