جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلّمَهُ مِمّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلََكِنّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله : فهزم طالوت وجنوده أصحاب جالوت، وقتل داود جالوت. وفي هذا الكلام متروك ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر منه عليه.
وذلك أن معنى الكلام : ولما برزوا لجالوت وجنوده، قالوا : ربنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فاستجاب لهم ربهم، فأفرغ عليهم صبره، وثبت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين، فهزموهم بإذن الله. ولكنه ترك ذكر ذلك اكتفاء بدلالة قوله : فَهَزَمُوهُمْ بإذْنِ اللّهِ على أن الله قد أجاب دعاءهم الذي دعوه به.
ومعنى قوله : فَهَزَمُوهُمْ بإذْنِ اللّهِ قتلوهم بقضاء الله وقدره، يقال منه : هزم القوم الجيش هزيمة وهزيمي. وَقَتَل دَاوُدُ جالُوتَ وداود هذا هو داود بن إيشَا نبيّ الله ﷺ.
وكان سبب قتله إياه كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا بكار بن عبد الله، قال : سمعت وهب بن منبه يحدّث، قال : لما خرج، أو قال : لما برز طالوت لجالوت، قال جالوت : أبرزوا لي من يقاتلني، فإن قتلني، فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم فأتي بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكّمه في ماله. فألبسه طالوت سلاحا، فكره داود أن يقاتله، وقال : إن الله لم ينصرني عليه لم يغن السلاح. فخرج إليه بالمقلاع وبمخلاة فيها أحجار، ثم برز له، قال له جالوت : أنت تقاتلني ؟ قال داود : نعم. قال : ويلك أما تخرج إليّ إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة ؟ لأبددنّ لحمك، ولأطعمنه اليوم الطير والسباع فقال له داود : بل أنت عدوّ الله شرّ من الكلب. فأخذ داود حجرا ورماه بالمقلاع، فأصابت بين عينيه حتى نفذت في دماغه، فصرع جالوت، وانهزم من معه، واحتزّ داود رأسه. فلما رجعوا إلى طالوت ادّعى الناس قتل جالوت، فمنهم من يأتي بالسيف وبالشيء من سلاحه أو جسده، وخبأ داود رأسه، فقال طالوت : من جاء برأسه فهو الذي قتله. فجاء به داود. ثم قال لطالوت : أعطني ما وعدتني فندم طالوت على ما كان شرط له، وقال : إن بنات الملوك لا بد لهنّ من صداق، وأنت رجل جريء شجاع، فاحتمل صداقها ثلاثمائة غلْفة من أعدائنا وكان يرجو بذلك أن يقتل داود. فغزا داود وأسر منهم ثلثمائة، وقطع غُلَفهم وجاء بها، فلم يجد طالوت بدّا من أن يزوّجه. ثم أدركته الندامة، فأراد قتل داود حتى هرب منه إلى الجبل، فنهض إليه طالوت فحاصره. فلما كان ذات ليلة سلط النوم على طالوت وحرسه، فهبط إليهم داود، فأخذ إبريق طالوت الذي كان يشرب منه ويتوضأ، وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هُدْب ثيابه، ثم رجع داود إلى مكانه، فناده أن. . . حرسك، فإني لو شئت أقتلك البارحة فعلت، فإنه هذا إبريقك وشيء من شعر لحيتك وهدب ثيابك، وبعث إليه. فعلم طالوت أنه لو شاء قتله، فعطفه ذلك عليه فأمنه، وعاهده بالله لا ير ى منه بأسا. ثم انصرف. ثم كان في آخر أمر طالوت أنه كان يدسّ لقتله، وكان طالوت لا يقاتل عدوّا إلا هزم، حتى مات.
قال بكار : وسئل وهب وأنا أسمع : أنبيا كان طالوت يُوحَى إليه ؟ فقال : لم يأته وحي، ولكن كان معه نبيّ يقال له أشمويل، يُوحَى إليه، وهو الذي مَلّك طالوت.
٤حدثنا ابن حميد، قل : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : كان داود النبيّ وإخوة له أربعة، معهم أبوهم شيخ كبير، فتخلف أبوهم وتخلف معه داود من بين إخوته في غنم أبيه يرعاها له، وكان من أصغرهم وخرج إخوته الأربعة مع طالوت، فدعاه أبوه وقد تقارب الناس ودنا بعضهم من بضع.
قال ابن إسحاق : وكان داود فيما ذكر لي بعض أهل العلم عن وهب بن منبه رجلاً قصيرا أزرق قليل شعر الرأس، وكان طاهر القلب نقيه، فقال له أبوه : يا بنيّ إنا قد صنعنا لإخوتك زادا يتقوّون به على عدوّهم، فاخرج به إليهم، فإذا دفعته إليهم فأقبل إليّ سريعا فقال : أفعل. فخرج وأخذ معه ما حمل لإخوته، ومعه مخلاته التي يحمل فيها الحجارة ومقلاعه الذي كان يرمي به عن غنمه. حتى إذا فصل من عند أبيه، فمرّ بحجر، فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت، فإني حجر يعقوب فأخذه فجعله في مخلاته، ومشى. فبينا هو يمشي إذ مرّ بحجر آخر، فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت، فإني حجر إسحاق فأخذه فجعله في مخلاته، ثم مضى. فبينا هو يمشي إذ مرّ بحجر، فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت، فإني حجر إبراهيم فأخذه فجعله في مخلاته. ثم مضى بما معه حتى انتهى إلى القوم، فأعطى إخوته ما بعث إليهم معه. وسمع في العسكر خوض الناس بذكر جالوت، وعظم شأنه فيهم، وبهيبة الناس إياه، ومما يعظمون من أمره، فقال لهم : والله إنكم لتعظمون من أمر هذا العدوّ شيئا ما أدري ما هو، والله إني لو أراه لقتله، فأدخلوني على الملك فأدخل على الملك طالوت، فقال : أيها الملك إني أراكم تعظمون شأن هذا العدوّ، والله إنى لو أراه لقتله فقال : يا بنيّ ما عندك من القوّة على ذلك ؟ وما جرّبت من نفسك ؟ قال : قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي، فأدركه فآخذ برأسه، فأُفكّ لحييه عنها، فآخذها من فيه، فادع لي بدرع حتى ألقيها عليّ فأتي بدرع، فقذفها في عنقه ومثل فيها فملأ عين طالوت ونفسه ومن حضر من بني إسرائيل، فقال طالوت : والله لعسى الله أن يهلكه به فلما أصبحوا رجعوا إلى جالوت، فلما التقى الناس قال داود : أروني جالوت فأروه إياه على فرس عليه لأمته فلما رآه جعلت الأحجار الثلاثة تواثب من مخلاته، فيقول هذا : خذني ويقول هذا : خذني ويقول هذا : خذني فأخذ أحدها فجعله في مقذافه، ثم قتله به، ثم أرسله فصَكّ بين عيني جالوت فدمغه، وتنكس عن دابته فقتله. ثم انهزم جنده، وقال الناس : قتل داود جالوت، وخلع طالوت. وأقبل الناس على داود مكانه، حتى لم يسمع لطالوت بذكر إلا أن أهل الكتاب يزعمون أنه لما رأى انصراف بني إسرائيل عنه إلى داود، همّ بأن يغتال داود وأراد قتله فصرف الله ذلك عنه وعن داود وعرف خطيئته، والتمس التوبة منها إلى الله.
وقد روى عن وهب بن منبه في أمر طالوت وداود قول خلاف الروايتين اللتين ذكرنا قبل، وهو ما :
٤حدثني به المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه، قال : لما سلمت بنو إسرائيل الملك لطالوت أوحى إلى نبيّ بني إسرائيل أن قل لطالوت : فليغز أهل مدين، فلا يترك فيها حيا إلا قتله، فإني سأظهره عليهم فخرج بالناس حتى أتى مدين، فقتل من كان فيها إلا ملكهم، فإنه أسره، وساق مواشيهم. فأوحى الله إلى أشمويل : ألا تعجب من طالوت إذ أمرته فاختان فيه، فجاء بملكهم أسيرا، وساق مواشيهم، فالقه فقل له : لأنزعنّ الملك من بيته، ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة، فإني إنما أكرم من أطاعني، وأهين من هان عليه أمري فلقيه، فقال ما صنعت ؟ لم جئت بملكهم أسيرا، ولم سقت مواشيهم ؟ قال : إنما سقت المواشي لأقرّبها. قال له أشمويل : إن الله قد نزع من بيتك الملك، ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة. فأوحى الله إلى أشمويل أن انطلق إلى إيشا، فيعرض عليك بنيه، فادهن الذي آمرك بدهن القدس يكن ملكا على بني إسرائيل فانطلق حتى أتى إيشا، فقال : اعرض عليّ بنيك فدعا إيشا أكبر ولده، فأقبل رجل جسيم حسن المنظر، فلما نظر إليه أشمويل أعجبه، فقال : الحمد لله إن الله لبصير بالعباد فأوحى الله إليه : إن عينيك تبصران ما ظهر، وإني أطلع على ما في القلوب ليس بهذا، اعرض عليّ غيره، فعرض عليه ستة في كل ذلك يقول : ليس بهذا، فقال : هل لك من ولد غيرهم ؟ فقال : بنيّ لي غلام وهو راع في الغنم. فقال : أرسل إليه فلما أن جاء داود جاء غلام أمعر، فدهنه بدهن القدس، وقال لأبيه : اكتم هذا، فإن طالوت لو يطلع عليه قتله فسار جالوت في قومه إلى بني إسرائيل، فعسكر وسار طالوت ببني إسرائيل وعسكر، وتهيئوا للقتال، فأرسل جالوت إلى طالوت : لم تقتل قومي وأقتل قومك ؟ ابرز لي أو أبرز لي من شئت، فإن قتلتك كان الملك لي، وإن قتلتني كان الملك لك فأرسل طالوت في عسكر صائحا من يبرز لجالوت، فإن قتله، فإن الملك ينكحه ابنته، ويشركه في ملكه. فأرسل إيشا داود إلى إخوته وكانوا في العسكر، فقال : اذهب فردّ إخوتك، وأخبرني خبر الناس ماذا صنعوا. فجاء إلى إخوته، وسمع صوتا : إن الملك يقول : من يبرز لجالوت فإن قتله أنكحه الملك ابنته. فقال داود لإخوته : ما منكم رجل يبرز لجالوت فيقتله، وينكح ابنة الملك ؟ فقالوا : إنك غلام أحمق، ومن يطيق جالوت وهو من بقية الجبارين ؟ فلما لم يرهم رغبوا في ذلك، قال : فأنا أذهب فأقتله فانتهروه وغضبوا عليه. فلما غفلوا عنه، ذهب حتى جاء الصائح، فقال : أنا أبرز لجالوت. فذهب به إلى الملك، فقال له : لم يجبني أحد إلا غلام من بني إسرائيل هو هذا ؟ قال : يا بنيّ أنت تبرز لجالوت فتقاتله ؟ قال : نعم. قال : وهل آنست من نفسك شيئا ؟ قال : نعم، كنت راعيا في الغنم، فأغار عليّ الأسد، فأخذت بلَحييه ففككتهما. فدعا له بقوس وأداة كاملة، فلبسها وركب الفرس، ثم سار منهم قريبا. ثم صرف فرسه، فرجع إلى الملك، فقال الملك ومن حوله : جبن الغلام فجاء فوقف على الملك، فقال : ما شأنك ؟ قال داود : إن لم يقتله الله لي لم يقتله هذا الفرس وهذا السلاح، فدعني فأقاتل كما أريد. فقال : نعم يا بنيّ. فأخذ داود مخلاته، فتقلدها وألقى فيها أحجارا، وأخذ مقلاعه الذي كان يرعى به. ثم مضى نحو جالوت فلما دنا من عسكره، قال : أين جالوت يبرز لي ؟ فبرز له على فرس عليه السلاح كله، فلما رآه جالوت قال : إليك أبرز ؟ قال نعم. قال : فأتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى إلى الكلب ؟ قال : هو ذاك. قال : لا جرم أني سوف أقسم لحمك بين طير السماء وسباع الأرض. قال داود : أو يقسم الله لحمك. فوضع داود حجرا في مقلاعه، ثم دوّره فأرسله نحو جالوت، فأصاب أنف البيضة التي على جالوت حتى خالط دماغه، فوقع من فرسه، فمضى داود إليه، فقطع رأسه بسيفه، فأقبل به في مخلاته، وبسلبه يجرّه، حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرحوا فرحا شديدا، وانصرف طالوت. فلما كان داخل المدينة، سمع الناس يذكرون داود، فوجد في نفسه، فجاءه داود، فقال : أعطني امرأتي فقال : أتريد ابنة الملك بغير صداق ؟ فقال داود : ما اشترطت عليّ صداقا، ومالي من شيء. قال : لا أكلفك إلا ما تطيق، أنت رجل جريء، وفي جبالنا هذه جراجمة يحتربون الناس وهم غلف، فإذا قتلت منهم مائتي رجل، فأتني بغُلَفهم. فجعل كلما قتل منهم رجلاً نظم غلفته في خيط، حتى نظم مائتي غلفة، ثم جاء بهم إلى طال