اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
اعلم أنه تعالى لما أمر بالقتال بقوله :﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤] أعقبه بالحض على النفقة في الجهاد فقال :﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: ٢٤٥] والمقصود منه الإنفاق في الجهاد، ثمَّ إنَّه أكد الأمر بالقتال بذكر قصَّة طالوت، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد في هذه الآية الكريمة.
قوله :" أَنْفِقُواْ " : مفعوله محذوفٌ، تقديره : شيئاً ممَّا رزقناكم، فعلى هذا " مِمَّا رَزَقْنَاكُم " متعلّقٌ بمحذوفٍ في الأصل لوقوعه صفةً لذلك المفعول، وإن لم تقدِّر مفعولاً محذوفاً، فتكون متعلِّقة بنفس الفعل. و " مَا " يجوز أن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوفٌ، أي : رزقناكموه، وأن تكون مصدريَّةً، فلا حاجة إلى عائدٍ، ولكن الرّزق المراد به المصدر لا ينفق، فالمراد به اسم المفعول، وأن تكون نكرةً موصوفةً وقد تقدَّم تحقيق هذا عند قوله تعالى :﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣].
قوله :" مِّن قَبْلِ " متعلِّقٌ أيضاً بأنفقوا، وجاز تعلُّقُ حرفين بلفظٍ واحدٍ بفعلٍ واحدٍ لاختلافهما معنًى ؛ فإنَّ الأولى للتَّبعيض والثانية لابتداء الغاية، و " أَنْ يَأْتي " في محلِّ جرٍّ بإضافة " قبل " إليه، أي : من قبل إتيانه.
وقوله :﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ إلى آخره : الجملة المنفيَّة صفةٌ ل " يَوم " فمحلُّها الرَّفع. وقرأ(١) " بَيْعٌ " وما بعده مرفوعاً منوناً نافع والكوفيون وابن عامر، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير، وتوجيه ذلك تقدم في قوله تبارك وتعالى :﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧].
والخلَّة : الصَّداقة، كأنها تتخلَّل الأعضاء، أي : تدخل خلالها، أي وسطها.
والخلَّة : الصديق نفسه ؛ قال :[ الطويل ]
وكأنه من إطلاق المصدر على العين مبالغةً، أو على حذف مضافٍ، أي : كان لها ذو خلَّة، والخليل : الصَّديق لمداخلته إيَّاك، ويصلح أن يكون بمعنى فاعل، أو مفعول، وجمعه " خُلاَّن "، وفعلان جمع فعيل يقل في الصّفات، وإنما يكثر في الجوامد نحو :" رُغْفَانٍ ".
قال القرطبيُّ : والخُلَّة : خالص المودَّة [ مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين والخِلالة والخَلالة، والخُلالة : الصداقة، والمودة ](٣) ؛ قال الشاعر :[ المتقارب ]
وأبو مرحب كنية الظِّلّ، ويقال : هو كنية عرقوب الذي قيل فيه :" مواعيد عرقوب " (٥).
والخَلَّة بالضَّمِّ أيضاً ما خالل من النبت يقال : الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها.
والخَلَّة :- بالفتح - الحاجة والفقر، يقال : سدَّ خلته، أي : فقره.
والخِلَّة بالكسر ابن مَخَاض، عن الأصمعي : يقال أتاهم بقرص كأنَّه فِرْسِنُ خلة.
والأنثى خلَّة أيضاً، والخلّة : الخمرة الحامضة.
والخِلَّة - بالكسر - واحدة خلل السُّيوف، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السُّيوف منقوشة بالذَّهب وغيره، وهي أيضاً سُيُور تلبس ظهور سيتي القوس، والخلّة أيضاً ما يبقى بين الأسنان.
و " هم " يجوز أن تكون فصلاً أو مبتدأ ثانياً، و " الظَّالِمُونَ " خبره والجملة خبر الأوَّل.
قالت المعتزلة(٦) : لما أمر بالإنفاق من كلِّ ما كان رزقاً، وبالإجماع لا يجوز الإنفاق من الحرام وجب القطع بأنَّ الرّزق لا يكون إلاّ حلالاً.
وأجاب ابن الخطيب(٧) : بأنَّ الأصحاب مخصَّصة بالأمر بإنفاق ما كان رزقاً حلالاً أو حراماً. واختلفوا في هذه النَّفقة، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة(٨) قال : لأنَّ قوله ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ كالوعد والوعيد، ولا يتوجه الوعيد إلاَّ على الواجب، وهو قول السُّدي.
وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب، والمندوب(٩) وليس في الآية وعيد، فكأنه قال : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدُّنيا، فإنكم في الآخرة لا يمكنكم تحصيلها.
وقال الأصمُّ(١٠) : المراد منه الإنفاق في الجهاد.
وفي المراد من البيع هنا وجهان :
أحدهما : أنَّه بمعنى الفدية كما قال :﴿فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥] وقال :﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقال :﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] فكأنه قيل من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه، فتكسب ما تفتدي به من العذاب.
الثاني : أن يكون المعنى : قدِّموا لأنفسكم من المال الذي هو ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة يكتسب بسببها شيء من المال.
" وَلاَ خُلَّةٌ " ولا صداقة، ونظيره قوله تعالى :﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقال ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦].
وقوله :" وَلاَ شَفَاعَةٌ " يقتضي نفي كلّ الشَّفَاعَاتِ، فقوله :﴿وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ عام في الكل إلاَّ أنَّ سائر الدَّلائل دلَّت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين، وعلى ثبوت الشفاعة بين المؤمنين والسبب في عدم الخلة والشفاعة أمور :
أحدها : أنَّ كل واحد يكون مشغولاً بنفسه. قال تبارك وتعالى :﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].
الثاني : أنَّ الخوف الشَّديد يغلب على كلِّ أحدٍ ](١١) ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢].
الثالث : أنَّه إذا نزل العذاب بسبب الكفر، أو الفسق صار مبغضاً لهذين الأمرين وإذا صار مبغضاً لهما ؛ صار مبغضاً لمن اتَّصف بهما.
وقوله :﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، نقل عن ابن يسار أنَّه كان يقول : الحمد لله الذي قال :﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولم يقل " والظَّالِمُونَ هم الكافرون " (١٢).
وذكروا في تأويل هذه الآية وجوهاً :
أحدها : أنَّ نفي الخلَّة، والشَّفاعة مختص بالكافرين، لأنّه أطلقه ثم عقبه بقوله ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وعلى هذا تصير الآية دالَّةً على إثبات الشَّفاعة في حقّ الفسَّاق.
قال القاضي(١٣) : هذا التأويل غير صحيحٍ ؛ لأن قوله :﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ كلام مبتدأ، فلم يجب تعليقه بما تقدَّم.
والجواب : أنَّا لو جعلناه كلاماً مبتدأً تطرق الخُلْفُ إلى كلام الله تعالى ؛ لأنَّ غير الكافرين قد يكون ظالماً، وإذا علَّقناه بما تقدَّم زال الإشكال.
الثاني : أنَّ معناه أنَّ الله لم يظلم الكافر بإدخاله النَّار، وإنَّما الكافر هو الذي ظلم نفسه، حيث اختار الكفر والفسق، ونظيره قوله تعالى :﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩].
الثالث : معناه : أنَّكم أيُّها الحاضرون لا تقتدوا بالكفَّار حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم، وحاجتهم، ولكن قدّموا لأنفسكم ما يفديها يوم القيامة.
الرابع :﴿الْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ حيث وضعوا أنفسهم في غير مواضعها لتوقعهم الشَّفاعة بمن لا يشفع لهم عند الله، لأنهم كانوا يقولون عن الأوثان ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] وقالوا :﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق قال تعالى :﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف: ٣٣] أي أعطت فلم تمنع فيكون معنى الآية الكريمة والكافرون هم التاركون للإنفاق في سبيل الله، وأمَّ المسلم فلا بدَّ أن ينفق شيئاً قلَّ أو كثر.
السادس :﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي هم الكاملون في الظلم البالغون الأمر العظيم فيه. ذكر هذه الوجوه القفال.
قوله :" أَنْفِقُواْ " : مفعوله محذوفٌ، تقديره : شيئاً ممَّا رزقناكم، فعلى هذا " مِمَّا رَزَقْنَاكُم " متعلّقٌ بمحذوفٍ في الأصل لوقوعه صفةً لذلك المفعول، وإن لم تقدِّر مفعولاً محذوفاً، فتكون متعلِّقة بنفس الفعل. و " مَا " يجوز أن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوفٌ، أي : رزقناكموه، وأن تكون مصدريَّةً، فلا حاجة إلى عائدٍ، ولكن الرّزق المراد به المصدر لا ينفق، فالمراد به اسم المفعول، وأن تكون نكرةً موصوفةً وقد تقدَّم تحقيق هذا عند قوله تعالى :﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣].
قوله :" مِّن قَبْلِ " متعلِّقٌ أيضاً بأنفقوا، وجاز تعلُّقُ حرفين بلفظٍ واحدٍ بفعلٍ واحدٍ لاختلافهما معنًى ؛ فإنَّ الأولى للتَّبعيض والثانية لابتداء الغاية، و " أَنْ يَأْتي " في محلِّ جرٍّ بإضافة " قبل " إليه، أي : من قبل إتيانه.
وقوله :﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ إلى آخره : الجملة المنفيَّة صفةٌ ل " يَوم " فمحلُّها الرَّفع. وقرأ(١) " بَيْعٌ " وما بعده مرفوعاً منوناً نافع والكوفيون وابن عامر، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير، وتوجيه ذلك تقدم في قوله تبارك وتعالى :﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧].
والخلَّة : الصَّداقة، كأنها تتخلَّل الأعضاء، أي : تدخل خلالها، أي وسطها.
والخلَّة : الصديق نفسه ؛ قال :[ الطويل ]
| وَكَانَ لَهَا في سَالِفِ الدَّهْرِ خُلَّةٌ | يُسَارِقُ بِالطَّرْفِ الخِبَاءَ المُسَتَّرَا(٢) |
قال القرطبيُّ : والخُلَّة : خالص المودَّة [ مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين والخِلالة والخَلالة، والخُلالة : الصداقة، والمودة ](٣) ؛ قال الشاعر :[ المتقارب ]
| وَكَيْفَ تُواصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ | خِلاَلَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ(٤) |
والخَلَّة بالضَّمِّ أيضاً ما خالل من النبت يقال : الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها.
والخَلَّة :- بالفتح - الحاجة والفقر، يقال : سدَّ خلته، أي : فقره.
والخِلَّة بالكسر ابن مَخَاض، عن الأصمعي : يقال أتاهم بقرص كأنَّه فِرْسِنُ خلة.
والأنثى خلَّة أيضاً، والخلّة : الخمرة الحامضة.
والخِلَّة - بالكسر - واحدة خلل السُّيوف، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السُّيوف منقوشة بالذَّهب وغيره، وهي أيضاً سُيُور تلبس ظهور سيتي القوس، والخلّة أيضاً ما يبقى بين الأسنان.
و " هم " يجوز أن تكون فصلاً أو مبتدأ ثانياً، و " الظَّالِمُونَ " خبره والجملة خبر الأوَّل.
فصل
قالت المعتزلة(٦) : لما أمر بالإنفاق من كلِّ ما كان رزقاً، وبالإجماع لا يجوز الإنفاق من الحرام وجب القطع بأنَّ الرّزق لا يكون إلاّ حلالاً.
وأجاب ابن الخطيب(٧) : بأنَّ الأصحاب مخصَّصة بالأمر بإنفاق ما كان رزقاً حلالاً أو حراماً. واختلفوا في هذه النَّفقة، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة(٨) قال : لأنَّ قوله ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ كالوعد والوعيد، ولا يتوجه الوعيد إلاَّ على الواجب، وهو قول السُّدي.
وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب، والمندوب(٩) وليس في الآية وعيد، فكأنه قال : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدُّنيا، فإنكم في الآخرة لا يمكنكم تحصيلها.
وقال الأصمُّ(١٠) : المراد منه الإنفاق في الجهاد.
وفي المراد من البيع هنا وجهان :
أحدهما : أنَّه بمعنى الفدية كما قال :﴿فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥] وقال :﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقال :﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] فكأنه قيل من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه، فتكسب ما تفتدي به من العذاب.
الثاني : أن يكون المعنى : قدِّموا لأنفسكم من المال الذي هو ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة يكتسب بسببها شيء من المال.
" وَلاَ خُلَّةٌ " ولا صداقة، ونظيره قوله تعالى :﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقال ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦].
وقوله :" وَلاَ شَفَاعَةٌ " يقتضي نفي كلّ الشَّفَاعَاتِ، فقوله :﴿وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ عام في الكل إلاَّ أنَّ سائر الدَّلائل دلَّت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين، وعلى ثبوت الشفاعة بين المؤمنين والسبب في عدم الخلة والشفاعة أمور :
أحدها : أنَّ كل واحد يكون مشغولاً بنفسه. قال تبارك وتعالى :﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].
الثاني : أنَّ الخوف الشَّديد يغلب على كلِّ أحدٍ ](١١) ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢].
الثالث : أنَّه إذا نزل العذاب بسبب الكفر، أو الفسق صار مبغضاً لهذين الأمرين وإذا صار مبغضاً لهما ؛ صار مبغضاً لمن اتَّصف بهما.
وقوله :﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، نقل عن ابن يسار أنَّه كان يقول : الحمد لله الذي قال :﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولم يقل " والظَّالِمُونَ هم الكافرون " (١٢).
وذكروا في تأويل هذه الآية وجوهاً :
أحدها : أنَّ نفي الخلَّة، والشَّفاعة مختص بالكافرين، لأنّه أطلقه ثم عقبه بقوله ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وعلى هذا تصير الآية دالَّةً على إثبات الشَّفاعة في حقّ الفسَّاق.
قال القاضي(١٣) : هذا التأويل غير صحيحٍ ؛ لأن قوله :﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ كلام مبتدأ، فلم يجب تعليقه بما تقدَّم.
والجواب : أنَّا لو جعلناه كلاماً مبتدأً تطرق الخُلْفُ إلى كلام الله تعالى ؛ لأنَّ غير الكافرين قد يكون ظالماً، وإذا علَّقناه بما تقدَّم زال الإشكال.
الثاني : أنَّ معناه أنَّ الله لم يظلم الكافر بإدخاله النَّار، وإنَّما الكافر هو الذي ظلم نفسه، حيث اختار الكفر والفسق، ونظيره قوله تعالى :﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩].
الثالث : معناه : أنَّكم أيُّها الحاضرون لا تقتدوا بالكفَّار حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم، وحاجتهم، ولكن قدّموا لأنفسكم ما يفديها يوم القيامة.
الرابع :﴿الْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ حيث وضعوا أنفسهم في غير مواضعها لتوقعهم الشَّفاعة بمن لا يشفع لهم عند الله، لأنهم كانوا يقولون عن الأوثان ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] وقالوا :﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق قال تعالى :﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف: ٣٣] أي أعطت فلم تمنع فيكون معنى الآية الكريمة والكافرون هم التاركون للإنفاق في سبيل الله، وأمَّ المسلم فلا بدَّ أن ينفق شيئاً قلَّ أو كثر.
السادس :﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي هم الكاملون في الظلم البالغون الأمر العظيم فيه. ذكر هذه الوجوه القفال.
١ - انظر السبعة ١٨٧، والحجة ٢/٣٥٤، وحجة القراءات ١٤١، والعنوان ٧٥، وشرح شعلة ٢٩٤، وشرح الطيبة ٤/١١٤، وإتحاف ١/٤٤٧..
٢ - البيت لامرئ القيس ينظر ديوانه (٦٠)، البحر ٢/٢٨١، الدر المصون ١/٦١٢..
٣ - سقط في ب..
٤ - البيت للنابغة الجعدي. ينظر: اللسان (خلل)، القرطبي ٣/١٧٣.
٥ - قال أبو عبيد: هو رجل من العماليق أتاه أخ له يسأله، فقال له عُرْقُوب: إذا أَطْلَعَتْ هذه النخلة فلك طَلْعُهَا، فلما أطلعت، أتاه لِلْعِدَة، فقال: دعها حتى تصير بلحا، فلما أبلحت، قال: دعها حتى تصير زَهْوًا، فلما زَهَتْ، قال: دعها حتى تصير رطبا، فلما أرطبت، قال: دعها حتى تصير تمرا، فلما أَتْمَرَتْ، عمد إليها عرقوب من الليل، فجدها ولم يعط أخاه شيئا، فصار مثلا في الخُلْفِ، وفيه يقول الأشجعيّ:
ينظر: مجمع الأمثال ٣/٣٣٠ (٤٠٧٠)، اللسان (عرقب) والقرطبي ٣/١٧٣..
٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٤..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٤..
٨ - ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (١/٢٨٥) وانظر تفسير البغوي (١/٢٣٧) وغرائب النيسابوري (٣/١٠) والوجيز (١/٧٣)..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٧١) وزاد نسبته لابن المنذر عن ابن جريج بمعناه..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٥..
١١ - سقط في ب..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٥..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٦..
٢ - البيت لامرئ القيس ينظر ديوانه (٦٠)، البحر ٢/٢٨١، الدر المصون ١/٦١٢..
٣ - سقط في ب..
٤ - البيت للنابغة الجعدي. ينظر: اللسان (خلل)، القرطبي ٣/١٧٣.
٥ - قال أبو عبيد: هو رجل من العماليق أتاه أخ له يسأله، فقال له عُرْقُوب: إذا أَطْلَعَتْ هذه النخلة فلك طَلْعُهَا، فلما أطلعت، أتاه لِلْعِدَة، فقال: دعها حتى تصير بلحا، فلما أبلحت، قال: دعها حتى تصير زَهْوًا، فلما زَهَتْ، قال: دعها حتى تصير رطبا، فلما أرطبت، قال: دعها حتى تصير تمرا، فلما أَتْمَرَتْ، عمد إليها عرقوب من الليل، فجدها ولم يعط أخاه شيئا، فصار مثلا في الخُلْفِ، وفيه يقول الأشجعيّ:
| وَعَدْتََ وَكَانَ الخُلْفَ مِنْكَ سَجِيَّةً | مَوَاعِيدَ عُرْقُوب أَخَاهُ بِيَتْرَبِ |
٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٤..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٤..
٨ - ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (١/٢٨٥) وانظر تفسير البغوي (١/٢٣٧) وغرائب النيسابوري (٣/١٠) والوجيز (١/٧٣)..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٧١) وزاد نسبته لابن المنذر عن ابن جريج بمعناه..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٥..
١١ - سقط في ب..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٥..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٦..