تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ( البقرة : ٢٥٤ )
التفسير :
تقدم مراراً، وتكراراً أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهمية المطلوب ؛ لأن النداء يقتضي التنبيه ؛ ولا يكون التنبيه إلا في الأمور الهامة.
وتوجيه النداء للمؤمنين يدل على أن التزامَ ما ذكر من مقتضيات الإيمان سواء كان أمراً، أو نهياً ؛ وعلى أن عدم امتثاله نقص في الإيمان ؛ وعلى الحث، والإغراء، كأنه قال : يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا، وكذا، مثل ما تقول للحث، والإغراء : يا رجل افعل كذا، وكذا ؛ أي لأن ذلك من مقتضى الرجولة.
قوله تعالى :﴿أنفقوا مما رزقناكم﴾ الإنفاق بمعنى البذل ؛ والمراد به هنا بذل المال في طاعة الله ؛ و ﴿مما رزقناكم﴾ أي مما أعطيناكم ؛ «من » يحتمل أن تكون بيانية ؛ أو تبعيضية ؛ والفرق بينهما أن البيانية لا تمنع من إنفاق جميع المال ؛ لأنها بيان لموضع الإنفاق ؛ والتبعيضية تمنع من إنفاق جميع المال ؛ وبناءً على ذلك لا يمكن أن يتوارد المعنيان على شيء واحد لتناقض الحكمين.
قوله تعالى :﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ المراد به يوم القيامة ؛ ﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ ؛ ثلاثة أشياء منتفية ؛ وهي «البيع » ؛ وهو تبادل الأشياء ؛ و «الخلة » ؛ وهي أعلى المحبة ؛ و «الشفاعة » ؛ وهي الوساطة لدفع الضرر، أو جلب المنفعة ؛ وفي الآية قراءتان ؛ إحداهما ما في المصحف : بالضم، والتنوين :﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ ؛ و ﴿لا﴾ على هذه القراءة ملغاة إعراباً ؛ لأنها متكررة ؛ والقراءة الثانية البناء على الفتح ؛ وعلى هذه القراءة تكون ﴿لا﴾ عاملة عمل «إنّ » ؛ لكن بالبناء على الفتح ؛ لا بالتنوين.
وإنما قال سبحانه وتعالى :﴿لا بيع﴾ ؛ لأن عادة الإنسان أن ينتفع بالشيء عن طريق البيع، والشراء ؛ فيشتري ما ينفعه، ويبيع ما يضره ؛ لكن يوم القيامة ليس فيه بيع.
وقوله تعالى :﴿ولا خلة﴾ ؛ هذا من جهة أخرى : قد ينتفع الإنسان بالشيء بواسطة الصداقة ؛ و«الخُلة » بالضم : أعلى المحبة ؛ وهي مشتقة من قول الشاعر :
قد تخللتِ مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلاً
يعني أن حبها دخل إلى مسالك الروح، فامتزج بروحه، فصار له كالحياة ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :«لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر »(١) ؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم ) اتخذه حبيباً. قيل له : من أحب النساء إليك ؟ قال صلى الله عليه وسلم :«عائشة » ؛ قيل : ومن الرجال ؟ قال صلى الله عليه وسلم :«أبوها »(٢) ؛ فأثبت المحبة ؛ وكان أسامة بن زيد يسمى «حِب رسول الله » أي حبيبه ؛ إذاً الخلة أعلى من المحبة.
فانتفت المعاوضة في هذا اليوم ؛ وانتفت المحاباة بواسطة الصداقة ؛ وانتفى شيء آخر : الشفاعة ؛ وهي الإحسان المحض من الشافع للمشفوع له - وإن لم يكن بينهما صداقة - ؛ فقال تعالى :﴿ولا شفاعة﴾ ؛ فنفى الله سبحانه وتعالى كل الوسائل التي يمكن أن ينتفع بها في هذا اليوم.
قوله تعالى :﴿والكافرون هم الظالمون﴾ ؛ أي أن الكافرين بالله هم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم، وحصر الظلم فيهم لعظم ظلمهم، كما قال تعالى :﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] ؛ وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم : أن أعظم الظلم أن تجعل لله نداً وهو خلقك(٣).
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : فضيلة الإنفاق مما أعطانا الله ؛ لقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، حيث صدرها بالنداء.
٢ - ومنها : أن الإنفاق من مقتضى الإيمان، وأن البخل نقص في الإيمان ؛ ولهذا لا يكون المؤمن بخيلاً ؛ المؤمن جواد بعلمه ؛ جواد بجاهه ؛ جواد بماله ؛ جواد ببدنه.
٣ - ومنها : بيان منة الله علينا في الرزق ؛ لقوله تعالى :﴿مما رزقناكم﴾ ؛ ثم للأمر بالإنفاق في سبيله، والإثابة عليه ؛ لقوله تعالى :﴿أنفقوا مما رزقناكم﴾.
٤ - ومنها : التنبيه على أن الإنسان لا يحصل الرزق بمجرد كسبه ؛ الكسب سبب ؛ لكن المسبِّب هو الله عز وجل ؛ لقوله تعالى :﴿مما رزقناكم﴾ ؛ فلا ينبغي أن يعجب الإنسان بنفسه حتى يجعل ما اكتسبه من رزق من كسبه، وعمله، كما في قول القائل : إنما أوتيته على علم عندي.
٥ - ومنها : الإشارة إلى أنه لا منة للعبد على الله مما أنفقه في سبيله ؛ لأن ما أنفقه من رزق الله له.
٦ - ومنها : أن الميت إذا مات فكأنما قامت القيامة في حقه ؛ لقوله تعالى :﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه...﴾ إلخ.
٧ - ومنها : أن ذلك اليوم ليس فيه إمكان أن يصل إلى مطلوبه بأي سبب من أسباب الوصول إلى المطلوب في الدنيا، كالبيع، والصداقة، والشفاعة ؛ وإنما يصل إلى مطلوبه بطاعة الله.
٨ - ومنها : أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة ؛ لأنه تعالى أعقب قوله :﴿ولا شفاعة﴾ بقوله تعالى :﴿والكافرون هم الظالمون﴾ ؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى :﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨].
٩ - ومنها : أن الكفر أعظم الظلم ؛ ووجه الدلالة منه : حصر الظلم في الكافرين ؛ وطريق الحصر هنا ضمير الفصل :﴿هم﴾.
١٠ - ومنها : أن الإنسان لا ينتفع بماله بعد موته ؛ لقوله تعالى :﴿أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم﴾ ؛ لكن هذا مقيد بما صح عن رسول الله ( ص ) أنه قال :«إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : من صدقة جارية ؛ أو علم ينتفع به ؛ أو ولد صالح يدعو له »(٤).
١١ - ومنها : الرد على الجبرية ؛ لقوله تعالى :﴿أنفقوا﴾، حيث أضاف الفعل إلى المنفقين ؛ والجبرية يقولون : إن الإنسان لا يفعل باختياره ؛ وهذا القول يرد عليه السمع، والعقل - كما هو مقرر في كتب العقيدة -.
١٢ - ومنها : الرد على القدرية ؛ لقوله تعالى :﴿مما رزقناكم﴾ ؛ لأننا نعلم أن رزق الله يأتي بالكسب ؛ ويأتي بسبب لا كسب للإنسان فيه ؛ فإذا أمطرت السماء وأنت عطشان، وشربت فهذا رزق لا كسب لك فيه، ولا اختيار، لكن إذا بعت، واشتريت، واكتسبت المال فهذا لك فيه كسب ؛ والله عز وجل هو الذي أعطاك إياه ؛ لو شاء الله لسلبك القدرة ؛ ولو شاء لسلبك الإرادة ؛ ولو شاء ما جلب لك الرزق.
١٣ - ومنها : أن إنفاق جميع المال لا بأس به ؛ وهذا على تقدير ﴿من﴾ بيانية ؛ بشرط أن يكون الإنسان واثقاً من نفسه بالتكسب، وصِدق التوكل على الله.
مس-أل-ة :
ظاهر الآية الكريمة أن الإنفاق مطلق في أي وجه من وجوه الخير ؛ ولكن هذا الإطلاق مقيد في آيات أُخر، مثل قوله تعالى :﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٦١]، ومثل قوله تعالى :﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾ [البقرة: ١٩٥] ؛ وعلى هذا فيكون إطلاق الآية هنا مقيداً بالآيات الأُخر التي تدل على أن الإنفاق المأمور به ما كان في سبيل الله - أي في شرعه -.
مسألة ثانية :
ظاهر الآية نفي الشفاعة مطلقاً ؛ وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذه الآية وبين النصوص الأخرى الدالة على إثبات الشفاعة في ذلك اليوم ؛ فيقال : الجمع أن يحمل مطلق هذه الآية على المقيد بالنصوص الأخرى، ويقال ؛ إن النصوص الأخرى دلت على أن هناك شفاعة ؛ لكن لها ثلاثة شروط : رضى الله عن الشافع ؛ وعن المشفوع له ؛ وإذنه في الشفاعة.
١ أخرجه البخاري ص٣٩، كتاب الصلاة، باب ٨٠: الخوخة والممر في المسجد، حديث رقم ٤٦٦؛ وأخرجه مسلم ص١٠٩٧، كتاب فضائل الصحابة، باب ١: من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حديث رقم ٦١٧٠ [٢] ٢٣٨٢..
٢ أخرجه البخاري ص٢٩٨، كتاب المناقب، باب، حديث رقم ٣٦٦٢؛ أخرجه مسلم ص١٠٩٨، كتاب فضائل الصحابة، باب ١ من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حديث رقم ٦١٧٧ [٨] ٢٣٨٤..
٣ أخرجه البخاري ص٣٦٧، كتاب تفسير القرآن، ٢ سورة البقرة، باب ٣: قوله تعالى: (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون)، حديث رقم ٤٤٧٧، وأخرجه مسلم ص٦٩٣، كتاب الإيمان، باب ٣٧: بيان كون الشرك أقبح الذنوب... ، حديث رقم ٢٥٧ [١٤١] ٨٦..
٤ أخرجه مسلم ص٩٦٣، كتاب الوصية، باب ٣: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث رقم ٤٢٢٣ [١٥] ١٦٣١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى