البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
البيع : معروف، والفعل منه باع يبيع، ومن قال : أباع في معنى باع أخطأ.
الخلة : الصداقة كأنها تتخلل الأعضاء أي : تدخل خلالها، والخلة الصديق، قال الشاعر :
وكان لها في سالف الدهر خلة***
يسارق بالطرف الخباء المسترا
﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه لما ذكر أن الله تعالى أراد الاختلاف إلى مؤمن وكافر، وأراد الاقتتال، وأمر به المؤمنين، وكان الجهاد يحتاج صاحبه إلى الإعانة عليه، أمر تعالى بالنفقة من بعض ما رزق، فشمل النفقة في الجهاد، وهي، وإن لم ينص عليها، مندرجة في قوله : أنفقوا، وداخلة فيها دخولاً أولياً، إذ جاء الأمر بها عقب ذكر المؤمن والكافر واقتتالهم، قال ابن جريج، والأكثرون : الآية عامّة في كل صدقة واجبة أو تطوع.
وقال الحسن : هي في الزكاة، والزكاة منها جزء للمجاهدين، وقاله الزمخشري، قال : أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق، لأنه لا بيع فيه حتى تبتاعوا ما تنفقونه، ولا خلة حتى تسامحكم أخلاؤكم به، وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمتكم من الواجب لم تجدوا شفيعاً يشفع لكم في حط الواجبات، لأن الشفاعة ثَمّ في زيادة الفضل لا غير، ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ أراد : والتاركون الزكاة هم الظالمون، فقال : والكافرون، للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج : ومن كفر، مكان : ومن لم يحج، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار، في قوله ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ انتهى كلامه.
ورُدَّ قوله بأنه ليس في الآية وعيد، فكأنه قيل : حصلوا منافع الآخرة حين تكون في الدنيا، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة، وقول الزمخشري : لأن الشفاعة ثَمَّ في زيادة الفضل لا غير، هو قول المعتزلة، لأن عندهم أن الشفاعة لا تكون للعصاة، فلا يدخلون النار، ولا للعصاة الذين دخلوا النار، فلا يخرجون منها بالشفاعة.
وقيل : المراد منه الإنفاق في الجهاد، ويدل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد، فكأن المراد منه الانفاق في الجهاد، وهو قول الأصم.
قال ابن عطية : وظاهر هذه الآية أنها مراد بها جميع وجوه البر من سبيل خير، وصلة رحم، ولكن ما تقدّم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين، يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ أي : فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال.
انتهى كلامه.
وندب تعالى العبد إلى أن ينفق مما رزقه، والرزق، وإن تناول غير الحلال، فالمراد منه هنا الحلال، و : مما رزقناكم، متعلق بقوله : أنفقوا، و : ما، موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي : رزقناكموه، وقيل : ما مصدرية أي : من رزقنا إياكم، و : من قبل، متعلق : بأنفقوا، أيضاً، واختلف في مدلول : مِنْ : فالأولى : للتبعيض، والثانية : لابتداء الغاية، وزعم بعضهم أنها تتعلق : برزقناكم.
﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ حذر تعالى من الإمساك قبل أن يأتي هذا اليوم، وهو يوم القيامة.
﴿لا بيع فيه﴾ أي : لا فدية فيه لأنفسكم من عذاب الله، وذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة وأخذ البدل، وقيل : لا فداء عمّا منعتم من الزكاة تبتاعونه تقدمونه عن الزكاة يومئذ.
وقيل : لا بيع فيه للأعمال فتكتسب.
﴿ولا خلة﴾ أي : لا صداقة تقتضي المساهمة، كما كان ذلك في الدنيا، والمتقون بينهم في ذلك اليوم خلة، لكن لا نحتاج إليها، وخلة غيرهم لا تغني من الله شيئاً.
﴿ولا شفاعة﴾ اللفظ عام والمراد الخصوص، أي : ولا شفاعة للكفار، وقال تعالى :﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾ أو : ولا شفاعة إلاَّ بإذن الله، قال تعالى :﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له﴾ وقال :﴿ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى﴾ فعلى الخصوص بالكفار لا شفاعة لهم ولا منهم، وعلى تأويل الإذن : لا شفاعة للمؤمنين إلاَّ بإذنه.
وقيل : المراد العموم، والمعنى أن انتداب الشافع وتحكمه على كره المشفوع عنده لا يكون يوم القيامة ألبتة، وأما الشفاعة التي توجد بالإذن من الله تعالى فحقيقتها رحمة الله، لكن شرف تعالى الذي أذن له في أن يشفع.
وقد تعلق بقوله : ولا شفاعة، منكرو الشفاعة، واعتقدوا أن هذا نفي لأصل الشفاعة، وقد أثبتت الشفاعة في الآخرة مشروطة بإذن الله ورضاه، وصح حديث الشفاعة الذي تلقته الأمّة بالقبول، فلا التفات لمن أنكر ذلك.
وقرأ ابن كثير، ويعقوب، وأبو عمرو : بفتح الثلاثة من غير تنوين، وكذلك :﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾ في إبراهيم و :﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ في الطور وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين، وقد تقدّم الكلام على إعراب الاسم بعد : لا، مبنياً على الفتح، ومرفوعاً منوناً، فأغنى ذلك عن إعادته.
والجملة من قوله : لا بيع، في موضع الصفة، ويحتاج إلى إضمار التقدير : ولا شفاعة فيه، فحذف لدلالة : فيه، الأولى عليه.
﴿والكافرون هم الظالمون﴾ يعني الجائرين الحدّ، و : هم، يحتمل أن يكون بدلاً من : الكافرون، وأن يكون مبتدأ، وأن يكون فصلاً.
قال عطاء بن دينار : الحمد لله الذي قال : والكافرون، ولم يقل : والظالمون هم الكافرون، ولو نزل هكذا لكان قد حكم على كل ظالم، وهو من يضع الشيء في غير موضعه، بالكفر، فلم يكن ليخلص من الكفر كل عاص إلاَّ من عصمه الله من العصيان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وذكروا في هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة وعلم البيان، منها في آية الكرسي : حسن الافتتاح لأنها افتتحت بأجل أسماء الله تعالى، وتكرار اسمه في ثمانية عشر موضعاً، وتكرير الصفات، والقطع للجمل بعضها عن بعض، ولم يصلها بحرف العطف.
والطباق : في قوله ﴿الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ فإن النوم موت وغفلة، والحي القيوم يناقضه.
وفي قوله :﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون﴾ والتشبيه : في قراءة من قرأ ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ أي كوسع، فإن كان الكرسي جرماً فتشبيه محسوس بمحسوس، أو معنى فتشبيه معقول بمحسوس.
ومعدول الخطاب في ﴿لا إكراه في الدين﴾ إذا كان المعنى لا تكرهوا على الدين أحداً.
والطباق : أيضاً في قوله ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ وفي قوله :﴿آمنوا وكفروا﴾ وفي قوله ﴿من الظلمات إلى النور﴾ والتكرار : في الإخراج لتباين تعليقهما، والتأكيد : بالمضمر في قوله :﴿هم فيها خالدون﴾.
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة الإشارة إلى الرسل المذكورين في قوله :﴿وإنك لمن المرسلين﴾ وأخبر تعالى أنه فضل بعضهم على بعض، فذكر أن ﴿منهم من كلم الله﴾ وفسر بموسى عليه السلام، وبدئ به لتقدّمه في الزمان، وأخبر أنه ﴿رفع بعضهم درجات﴾ وفسر برسول الله ﷺ، وذكر ثالثاً عيسى بن مريم، فجاء ذكر رسول الله ﷺ وسطاً بين هذين النبيين العظيمين، فكان كواسطة العقد، ثم ذكر تعالى أن اقتتال المتقدمين بعد مجيء البينات هو صادر عن مشيئته.
ثم ذكر اختلافهم وانقسامم إلى مؤمن وكافر، وأنه تعالى يفعل ما يريد، ثم أمر المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم من قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه توسل بصداقة ولا شفاعة.
ثم ذكر أن الكافرين هم المجاوزون الحد الذي حده الله تعالى، ثم ذكر تعالى أنه هو المتوحد بالإلهية، وذلك عقيب ذكر الكافرين.
وذكر أتباع موسى عليهما السلام.
ثم سرد صفاته العلا وهي التي يجب أن تعتقد في الله تعالى من كونه واحداً حياً قائماً بتدبير الخلق، لا يلحقه آفة، مالكاً للسموات والأرض، عالماً بسرائر المعلومات، لا يعلم أحد شيئاً من علمه إلاَّ بما يشاء هو تعالى، وذكر عظيم مخلوقاته، وأن بعضها، وهو الكرسي، يسع السموات والأرض، ولا يثقل ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض.
ثم ذكر أنه بعد وضوح صفاته العلا ف ﴿لا إكراه في الدين﴾ إذ قد تبينت طرق الرشاد من طرق الغواية، ثم ذكر أن من كفر بالطاغوت وآمن بالله فهو مستمسك بالعروة الوثقى، عروة الإيمان، ووصفها بالوثقى لكونها لا تنقطع ولا تنفصم، واستعار للإيمان عروة إجراء للمعقول مجرى المحسوس، ثم ذكر تعالى أنه ولي المؤمنين أخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وأن الكافرين أولياؤهم الأصنام والشياطين، وهم على العكس من المؤمنين، ثم أخبر عن الكفار أنهم أصحاب النار وأنهم مخلدون فيها والحالة هذه، والله أعلم بالصواب.
الخلة : الصداقة كأنها تتخلل الأعضاء أي : تدخل خلالها، والخلة الصديق، قال الشاعر :
وكان لها في سالف الدهر خلة***
يسارق بالطرف الخباء المسترا
﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه لما ذكر أن الله تعالى أراد الاختلاف إلى مؤمن وكافر، وأراد الاقتتال، وأمر به المؤمنين، وكان الجهاد يحتاج صاحبه إلى الإعانة عليه، أمر تعالى بالنفقة من بعض ما رزق، فشمل النفقة في الجهاد، وهي، وإن لم ينص عليها، مندرجة في قوله : أنفقوا، وداخلة فيها دخولاً أولياً، إذ جاء الأمر بها عقب ذكر المؤمن والكافر واقتتالهم، قال ابن جريج، والأكثرون : الآية عامّة في كل صدقة واجبة أو تطوع.
وقال الحسن : هي في الزكاة، والزكاة منها جزء للمجاهدين، وقاله الزمخشري، قال : أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق، لأنه لا بيع فيه حتى تبتاعوا ما تنفقونه، ولا خلة حتى تسامحكم أخلاؤكم به، وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمتكم من الواجب لم تجدوا شفيعاً يشفع لكم في حط الواجبات، لأن الشفاعة ثَمّ في زيادة الفضل لا غير، ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ أراد : والتاركون الزكاة هم الظالمون، فقال : والكافرون، للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج : ومن كفر، مكان : ومن لم يحج، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار، في قوله ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ انتهى كلامه.
ورُدَّ قوله بأنه ليس في الآية وعيد، فكأنه قيل : حصلوا منافع الآخرة حين تكون في الدنيا، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة، وقول الزمخشري : لأن الشفاعة ثَمَّ في زيادة الفضل لا غير، هو قول المعتزلة، لأن عندهم أن الشفاعة لا تكون للعصاة، فلا يدخلون النار، ولا للعصاة الذين دخلوا النار، فلا يخرجون منها بالشفاعة.
وقيل : المراد منه الإنفاق في الجهاد، ويدل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد، فكأن المراد منه الانفاق في الجهاد، وهو قول الأصم.
قال ابن عطية : وظاهر هذه الآية أنها مراد بها جميع وجوه البر من سبيل خير، وصلة رحم، ولكن ما تقدّم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين، يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ أي : فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال.
انتهى كلامه.
وندب تعالى العبد إلى أن ينفق مما رزقه، والرزق، وإن تناول غير الحلال، فالمراد منه هنا الحلال، و : مما رزقناكم، متعلق بقوله : أنفقوا، و : ما، موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي : رزقناكموه، وقيل : ما مصدرية أي : من رزقنا إياكم، و : من قبل، متعلق : بأنفقوا، أيضاً، واختلف في مدلول : مِنْ : فالأولى : للتبعيض، والثانية : لابتداء الغاية، وزعم بعضهم أنها تتعلق : برزقناكم.
﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ حذر تعالى من الإمساك قبل أن يأتي هذا اليوم، وهو يوم القيامة.
﴿لا بيع فيه﴾ أي : لا فدية فيه لأنفسكم من عذاب الله، وذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة وأخذ البدل، وقيل : لا فداء عمّا منعتم من الزكاة تبتاعونه تقدمونه عن الزكاة يومئذ.
وقيل : لا بيع فيه للأعمال فتكتسب.
﴿ولا خلة﴾ أي : لا صداقة تقتضي المساهمة، كما كان ذلك في الدنيا، والمتقون بينهم في ذلك اليوم خلة، لكن لا نحتاج إليها، وخلة غيرهم لا تغني من الله شيئاً.
﴿ولا شفاعة﴾ اللفظ عام والمراد الخصوص، أي : ولا شفاعة للكفار، وقال تعالى :﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾ أو : ولا شفاعة إلاَّ بإذن الله، قال تعالى :﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له﴾ وقال :﴿ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى﴾ فعلى الخصوص بالكفار لا شفاعة لهم ولا منهم، وعلى تأويل الإذن : لا شفاعة للمؤمنين إلاَّ بإذنه.
وقيل : المراد العموم، والمعنى أن انتداب الشافع وتحكمه على كره المشفوع عنده لا يكون يوم القيامة ألبتة، وأما الشفاعة التي توجد بالإذن من الله تعالى فحقيقتها رحمة الله، لكن شرف تعالى الذي أذن له في أن يشفع.
وقد تعلق بقوله : ولا شفاعة، منكرو الشفاعة، واعتقدوا أن هذا نفي لأصل الشفاعة، وقد أثبتت الشفاعة في الآخرة مشروطة بإذن الله ورضاه، وصح حديث الشفاعة الذي تلقته الأمّة بالقبول، فلا التفات لمن أنكر ذلك.
وقرأ ابن كثير، ويعقوب، وأبو عمرو : بفتح الثلاثة من غير تنوين، وكذلك :﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾ في إبراهيم و :﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ في الطور وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين، وقد تقدّم الكلام على إعراب الاسم بعد : لا، مبنياً على الفتح، ومرفوعاً منوناً، فأغنى ذلك عن إعادته.
والجملة من قوله : لا بيع، في موضع الصفة، ويحتاج إلى إضمار التقدير : ولا شفاعة فيه، فحذف لدلالة : فيه، الأولى عليه.
﴿والكافرون هم الظالمون﴾ يعني الجائرين الحدّ، و : هم، يحتمل أن يكون بدلاً من : الكافرون، وأن يكون مبتدأ، وأن يكون فصلاً.
قال عطاء بن دينار : الحمد لله الذي قال : والكافرون، ولم يقل : والظالمون هم الكافرون، ولو نزل هكذا لكان قد حكم على كل ظالم، وهو من يضع الشيء في غير موضعه، بالكفر، فلم يكن ليخلص من الكفر كل عاص إلاَّ من عصمه الله من العصيان.
والطباق : في قوله ﴿الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ فإن النوم موت وغفلة، والحي القيوم يناقضه.
وفي قوله :﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون﴾ والتشبيه : في قراءة من قرأ ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ أي كوسع، فإن كان الكرسي جرماً فتشبيه محسوس بمحسوس، أو معنى فتشبيه معقول بمحسوس.
ومعدول الخطاب في ﴿لا إكراه في الدين﴾ إذا كان المعنى لا تكرهوا على الدين أحداً.
والطباق : أيضاً في قوله ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ وفي قوله :﴿آمنوا وكفروا﴾ وفي قوله ﴿من الظلمات إلى النور﴾ والتكرار : في الإخراج لتباين تعليقهما، والتأكيد : بالمضمر في قوله :﴿هم فيها خالدون﴾.
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة الإشارة إلى الرسل المذكورين في قوله :﴿وإنك لمن المرسلين﴾ وأخبر تعالى أنه فضل بعضهم على بعض، فذكر أن ﴿منهم من كلم الله﴾ وفسر بموسى عليه السلام، وبدئ به لتقدّمه في الزمان، وأخبر أنه ﴿رفع بعضهم درجات﴾ وفسر برسول الله ﷺ، وذكر ثالثاً عيسى بن مريم، فجاء ذكر رسول الله ﷺ وسطاً بين هذين النبيين العظيمين، فكان كواسطة العقد، ثم ذكر تعالى أن اقتتال المتقدمين بعد مجيء البينات هو صادر عن مشيئته.
ثم ذكر اختلافهم وانقسامم إلى مؤمن وكافر، وأنه تعالى يفعل ما يريد، ثم أمر المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم من قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه توسل بصداقة ولا شفاعة.
ثم ذكر أن الكافرين هم المجاوزون الحد الذي حده الله تعالى، ثم ذكر تعالى أنه هو المتوحد بالإلهية، وذلك عقيب ذكر الكافرين.
وذكر أتباع موسى عليهما السلام.
ثم سرد صفاته العلا وهي التي يجب أن تعتقد في الله تعالى من كونه واحداً حياً قائماً بتدبير الخلق، لا يلحقه آفة، مالكاً للسموات والأرض، عالماً بسرائر المعلومات، لا يعلم أحد شيئاً من علمه إلاَّ بما يشاء هو تعالى، وذكر عظيم مخلوقاته، وأن بعضها، وهو الكرسي، يسع السموات والأرض، ولا يثقل ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض.
ثم ذكر أنه بعد وضوح صفاته العلا ف ﴿لا إكراه في الدين﴾ إذ قد تبينت طرق الرشاد من طرق الغواية، ثم ذكر أن من كفر بالطاغوت وآمن بالله فهو مستمسك بالعروة الوثقى، عروة الإيمان، ووصفها بالوثقى لكونها لا تنقطع ولا تنفصم، واستعار للإيمان عروة إجراء للمعقول مجرى المحسوس، ثم ذكر تعالى أنه ولي المؤمنين أخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وأن الكافرين أولياؤهم الأصنام والشياطين، وهم على العكس من المؤمنين، ثم أخبر عن الكفار أنهم أصحاب النار وأنهم مخلدون فيها والحالة هذه، والله أعلم بالصواب.