غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿لا بيعَ فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ بالفتح غير منون : أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ؛ الباقون : بالرفع والتنوين. وكذلك في سورة إبراهيم :﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾[ الآية : ٣١ ] وكذلك في سورة الطور :﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾[ الآية : ٢٣ ].
القراآت :﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ بالفتح غير منون : أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير، الباقون بالرفع والتنوين، وكذلك في سورة إبراهيم :﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾ ( الآية : ٣١ ) وكذلك في سورة الطور :﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ ( الآية : ٢٣ )
الوقوف : بالحق ط للابتداء، بأن المرسلين ه على بعض م ؛ لأنه لو وصل صار الجار والمجرور صفة لبعض فينصرف بيان تفضيل الرسل إلى بعض، فيكون موسى عليه السلام من هذا البعض المفضَّل عليه غيره لا من البعض المفضَّل على غيره بالتكليم. درجات ط للعدول، القدس ط، من كفر ط، ما يريد، ولا شفاعة ط، الظالمون ه.
ثم إنه تعالى لما أمر بالقتال فيما سبق بقوله﴿وقاتلوا في سبيل﴾[البقرة: ١٩٠] وأعقبه بقوله﴿منْ ذا الذي يقرض الله﴾[الحديد: ١١]، والغرض منه الإنفاق في الجهاد، ثم أكّد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت، أعقبه تارة أخرى الأمر بالإنفاق في الجهاد بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم﴾ وعن الحسن أنه مختص بالزكاة لأن قوله ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ كالوعيد وأنه لا يتوجه إلا على الواجب، والأكثرون على أنه عام يتناول الواجب والمندوب. وليس في الآية وعيد وإنما الغرض أن يعلم أن منافع الآخرة لا تكتسب إلا في الدنيا، وأن الإنسان يجيء وحده وما معه إلا ما قدم من أعماله.
ومعنى قوله ﴿لا بيع﴾ أنه لا تجارة فيه فيكتسب ما يفتدى به من العذاب، أو يكتسب مالاً حتى ينفق منه، ﴿ولا خلة﴾ لا مودة، لأن كلّ أحد يكون مشغولاً بنفسه لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه، أو لأن الخوف الشديد غالب على كل أحد يوم تذهل كل مرضعة عما أَرضعت. ثم إنه لما نفى الخلة والشفاعة مطلقاً ذكر عقيبه قوله ﴿الكافرون هم الظالمون﴾ ليدلّ على أن ذلك النفي مختص بالكافرين وعلى هذا فتصير الآية دالة على ثبوت الشفاعة في حق الفسَّاق. نقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول : الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون، ولم يقل والظالمون هم الكافرون. وقيل أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، لأنهم تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم، فقال ﴿والكافرون﴾ للتغليظ كقوله ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾[آل عمران: ٩٧] أي ومن لم يحج. وقيل المراد. إن الكافرين إذا دخلوا النار فالله لم يظلمهم بذلك، بل هم الذين ظلموا أنفسهم باختيار الكفر والفسق. فهو كقوله ﴿ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً﴾[الكهف: ٤٩] وقيل " الكافرون " هم الذين وضعوا الأمور في غير مواضعها لتوقعهم الشفاعة من الأصنام، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وقيل المعنى والكافرون هم التاركون الإنفاق في سبيل الله من قوله ﴿آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا﴾[الكهف: ٣٣] وأما المسلم فإنه ينفق في سبيل الله قل أم كثر. وفائدة الفصل أنهم الكاملون في الظلم البالغون فيه المبلغ العظيم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿تلك آيات الله﴾ أسراره وأنواره ورموزه وإشاراته ﴿نتلوها عليك بالحق﴾ نجلوها عليك بالحقيقة كما هي ﴿وإنك لمن المرسلين﴾ الذين عبروا هذه المقامات وشاهدوا تلك الأحوال والكرامات، وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات، ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات، وأرسلوا إلى أهل الغدر والغفلات وعبدة طواغيت الهوى وأصنام الشهوات، ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور ويخرجونهم من الظلمات إلى النور، ولكنهم ما صاحبوك في الجلوات فإنهم بقوا في السماوات وأنت عبرت المكونات ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾[النجم: ٩، ١٠] فوصلت من العبدية إلى العندية، ثم فطمت عن رضاع لي مع الله وقت، وابتليت بسفارة جبريل، ثم لقيت من القوم ما لقيت، فحق لك أن تقول :" ما أوذي نبي مثل ما أوذيت " لأن غيرك ما سقي من شرب ما سقيت فما أوذي بفطام مثل ما أوذيت.
﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ إشارة إلى أن التفاضل في الدين والدنيا بين العباد ليس بسعيهم ومناهم وإنما هو بتفضيل الله إياهم، فلكلّ من أهل الفضل أنوار، ولأنوارهم آثار على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم. وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام، كما قال ﷺ :" إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رشّ عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل وغوى ". ثم إن الفضل فضلان : عام يمتاز به عن المردودين ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾[الأنبياء: ١٠١] ؛ وخاص يمتاز به عن المقبولين كما ثبت لسيد المرسلين. والتفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقة المستعدة لقبول النور في بدر الخلقة لا في حقيقة النور، فإنه موصوف بالوحدة، ولهذا ورد بلفظ الوحدان في قوله﴿وجعل الظلمات والنور﴾[الأنعام: ١]
﴿ويخرجهم من الظلمات إلى النور﴾[المائدة: ١٦]. والرفعة في الدرجات في قدر قوة الاستعلاء، كما قال :﴿والذين أوتوا العلم درجات﴾[المجادلة: ١١] فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية ؛ فكلما ازداد العلم ازدادت الدرجة، وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الأنبياء بعضها فوق بعض. فقد يبقى بعضهم في مكان من أماكن السماوات، كما روي عنه ﷺ أنه رأى آدم ليلة المعراج في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم عليه السلام في السماء السابعة، وأن محمداً ﷺ ما بقي في مكان بل رفع به إلى سدرة المنتهى ثم إلى قاب قوسين أو أدنى، لأنه كان فانياً بالكلية عن ظلمة وجوده باقياً بنور شهود ربه، ولهذا سماه الله نورا ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾[المائدة: ١٥] : ثم لما أخبر عن فضيلة الخواص بأنها كانت بسبب تفضيله إياهم، أخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئته لا بمشيئتهم فقال :﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم﴾ ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل فخاطب أهل الإيمان أي : إن كان إيمانكم بالبعث والنشور والثواب والعقاب والجنة والنار حقّاً فتصدقوا من كل ما رزقناكم من المال والجاه والقوة والقدرة والعلم والمعرفة وغيرها في مصارفها العامة والخاصة، أنفقوا ملكنا ومالنا في صلاح أنفسكم واغتنموا مساعدة الإمكان في تقديم الإحسان مع الإخوان، ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ لا يشترى فيه ما يباع من الأموال والأنفس في سوق ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾[التوبة: ١١١] ولا ينفعه خلة خليل دنيوي، لأن ﴿الأخلاَّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾[الزخرف: ٦٧] ﴿ولا شفاعة﴾ لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ لأنفسهم لأنا أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتب وأمرناهم بالإنفاق ووعدناهم الثواب وحذرناهم العقاب وقد أعذر من أنذر. والله المستعان.


التأويل :﴿تلك آيات الله﴾ أسراره وأنواره ورموزه وإشاراته ﴿نتلوها عليك بالحق﴾ نجلوها عليك بالحقيقة كما هي ﴿وإنك لمن المرسلين﴾ الذين عبروا هذه المقامات وشاهدوا تلك الأحوال والكرامات، وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات، ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات، وأرسلوا إلى أهل الغدر والغفلات وعبدة طواغيت الهوى وأصنام الشهوات، ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور ويخرجونهم من الظلمات إلى النور، ولكنهم ما صاحبوك في الجلوات فإنهم بقوا في السماوات وأنت عبرت المكونات ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾[النجم: ٩، ١٠] فوصلت من العبدية إلى العندية، ثم فطمت عن رضاع لي مع الله وقت، وابتليت بسفارة جبريل، ثم لقيت من القوم ما لقيت، فحق لك أن تقول :" ما أوذي نبي مثل ما أوذيت " لأن غيرك ما سقي من شرب ما سقيت فما أوذي بفطام مثل ما أوذيت.
﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ إشارة إلى أن التفاضل في الدين والدنيا بين العباد ليس بسعيهم ومناهم وإنما هو بتفضيل الله إياهم، فلكلّ من أهل الفضل أنوار، ولأنوارهم آثار على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم. وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام، كما قال ﷺ :" إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رشّ عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل وغوى ". ثم إن الفضل فضلان : عام يمتاز به عن المردودين ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾[الأنبياء: ١٠١] ؛ وخاص يمتاز به عن المقبولين كما ثبت لسيد المرسلين. والتفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقة المستعدة لقبول النور في بدر الخلقة لا في حقيقة النور، فإنه موصوف بالوحدة، ولهذا ورد بلفظ الوحدان في قوله﴿وجعل الظلمات والنور﴾[الأنعام: ١]
﴿ويخرجهم من الظلمات إلى النور﴾[المائدة: ١٦]. والرفعة في الدرجات في قدر قوة الاستعلاء، كما قال :﴿والذين أوتوا العلم درجات﴾[المجادلة: ١١] فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية ؛ فكلما ازداد العلم ازدادت الدرجة، وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الأنبياء بعضها فوق بعض. فقد يبقى بعضهم في مكان من أماكن السماوات، كما روي عنه ﷺ أنه رأى آدم ليلة المعراج في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم عليه السلام في السماء السابعة، وأن محمداً ﷺ ما بقي في مكان بل رفع به إلى سدرة المنتهى ثم إلى قاب قوسين أو أدنى، لأنه كان فانياً بالكلية عن ظلمة وجوده باقياً بنور شهود ربه، ولهذا سماه الله نورا ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾[المائدة: ١٥] : ثم لما أخبر عن فضيلة الخواص بأنها كانت بسبب تفضيله إياهم، أخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئته لا بمشيئتهم فقال :﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم﴾ ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل فخاطب أهل الإيمان أي : إن كان إيمانكم بالبعث والنشور والثواب والعقاب والجنة والنار حقّاً فتصدقوا من كل ما رزقناكم من المال والجاه والقوة والقدرة والعلم والمعرفة وغيرها في مصارفها العامة والخاصة، أنفقوا ملكنا ومالنا في صلاح أنفسكم واغتنموا مساعدة الإمكان في تقديم الإحسان مع الإخوان، ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ لا يشترى فيه ما يباع من الأموال والأنفس في سوق ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾[التوبة: ١١١] ولا ينفعه خلة خليل دنيوي، لأن ﴿الأخلاَّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾[الزخرف: ٦٧] ﴿ولا شفاعة﴾ لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ لأنفسهم لأنا أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتب وأمرناهم بالإنفاق ووعدناهم الثواب وحذرناهم العقاب وقد أعذر من أنذر. والله المستعان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى