جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار، أو في رجل منهم كان لهم أولاد قد هوّدوهم أو نصروهم¹ فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : كانت المرأة تكون مِقْلاتا، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده¹ فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا : لا ندع أبناءنا ! فأنزل الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال : كانت المرأة تكون مِقْلى ولا يعيش لها ولد قال شعبة : وإنما هو مقلات، فتجعل عليها إن بقي لها ولد لتهوّدنه. قال : فلما أجليت بنو النضير كان فيهم منهم، فقالت الأنصار : كيف نصنع بأبنائنا ؟ فنزلت هذه الآية :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : من شاء أن يقيم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا داود، وحدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن داود، عن عامر، قال : كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتا لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم. فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا : إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وإذ جاء الله بالإسلام فلنكرهنهم ! فنزلت :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ فكان فصل ما بين من اختار اليهودية والإسلام، فمن لحق بهم اختار اليهودية، ومن أقام اختار الإسلام. ولفظ الحديث لحميد.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا معتمر بن سليمان، قال : سمعت داود، عن عامر، بنحو معناه، إلا أنه قال : فكان فصل ما بينهم إجلاء رسول الله ﷺ بني النضير، فلحق بهم من كان يهوديا ولم يسلم منهم، وبقي من أسلم.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عامر بنحوه، إلا أنه قال : إجلاء النضير إلى خيبر، فمن اختار الإسلام أقام، ومن كره لحق بخيبر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن أبي إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين¹ كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلما، فقال للنبيّ ﷺ : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية ؟ فأنزل الله فيه ذلك.
حدثني المثنى قال : حدثنا حجاج بن المنهال، قال : حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، قال : سألت سعيد بن جبير عن قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : نزلت هذه في الأنصار. قال : قلت خاصة ؟ قال : خاصة. قال : كانت المرأة في الجاهلية تنذر إن ولدت ولدا أن تجعله في اليهود تلتمس بذلك طول بقائه. قال : فجاء الإسلام وفيهم منهم¹ فلما أجليت النضير، قالوا : يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم، قال : فسكت عنهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : فقال رسول الله ﷺ :«قَدْ خُيّرَ أصْحَابُكُمْ، فإن اخْتارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ، وَإنِ اخْتارُوهُمْ فَهُمْ مِنْهُمْ » قال : فأجلوهم معهم.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ إلى :﴿لاَ انْفِصَامَ لَهَا﴾ قال : نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين : كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت¹ فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا، فرجعا إلى الشام معهم. فأتى أبوهما إلى رسول الله ﷺ، فقال : إن ابنيّ تنصرا وخرجا، فأطلبهما ؟ فقال :«لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ » ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب. وقال :«أبْعَدَهُما الله ! هما أوّل من كَفَرَ ». فوجد أبو الحصين في نفسه على النبيّ ﷺ حين لم يبعث في طلبهما، فنزلت :﴿فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما﴾ ثم إنه نسخ :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كانت في اليهود يهود أرضعوا رجالاً من الأوس، فلما أمر النبيّ ﷺ بإجلائهم، قال أبناؤهم من الأوس : لنذهبنّ معهم، ولنديننّ بدينهم ! فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإسلام، ففيهم نزلت هذه الآية.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد جميعا، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة، فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني الحجاج، عن ابن جريج، قال : قال مجاهد : كانت النضير يهودا فأرضعوا. ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم. قال ابن جريج : وأخبرني عبد الكريم، عن مجاهد أنهم كانوا قد دان بدينهم أبناءُ الأوس، دانوا بدين النضير.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي : أن المرأة من الأنصار كانت تنذر إن عاش ولدها لتجعلّنه في أهل الكتاب فلما جاء الإسلام قالت الأنصار : يا رسول الله ألا نُكره أولادنا الذين هم في يهود على الإسلام، فإنا إنما جعلناهم فيها ونحن نرى أن اليهودية أفضل الأديان ؟ فلما إذ جاء الله بالإسلام، أفلا نكرههم على الإسلام ؟ فأنزل الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود، عن الشعبي مثله، وزاد : قال : كان فصل ما بين من اختار اليهود منهم وبين من اختار الإسلام، إجلاء بني النضير¹ فمن خرج مع بني النضير كان منهم، ومن تركهم اختار الإسلام.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ إلى قوله :﴿العُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ قال : هذا منسوخ.
حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ووائل، عن الحسن : أن أناسا من الأنصار كانوا مسترضَعين في بني النضير، فلما أجلوا، أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم، فنزلت :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا يُكره أهلُ الكتاب على الدين إذا بذلوا الجزية، ولكنهم يُقرّون على دينهم. وقالوا : الآية في خاصّ من الكفار، ولم ينسخ منها شيء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : أكره عليه هذا الحيّ من العرب، لأنهم كانوا أمة أمية، ليس لهم كتاب يعرفونه، فلم يقبل منهم غير الإسلام، ولا يكره عليه أهل الكتاب إذا أقرّوا بالجزية أو بالخراج، ولم يفتنوا عن دينهم، فيخلّى عنهم.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال، قال : حدثنا قتادة في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : هو هذا الحيّ من العرب أكرهوا على الدين، لم يقبل منهم إلا القتل أو الإسلام، وأهل الكتاب قبلت منهم الجزية ولم يقتلوا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو بن قيس، عن جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : أُمِرَ رسول الله ﷺ أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا «لا إلَه إلاّ الله »، أو السيف. ثم أُمِرَ فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية فقال :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كانت العرب ليس لها دين، فأكرهوا على الدين بالسيف، قال : ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس إذا أعطوا الجزية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال : سمعت مجاهدا يقول لغلام له نصراني : يا جرير أسلم ! ثم قال : هكذا كان يقال لهم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : وذلك لما دخل الناس في الإسلام، وأعطى أهل الكتاب الجزية.
وقال آخرون : هذه الآية منسوخة، وإنما نزلت قبل أن يفرض القتال. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري قال : سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كان رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين لا يُكره أحدا في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قتالهم، فأذن له.
وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآية في خاص من الناس، وقال : عنى بقوله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ أهل الكتابين والمجوس، وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه. وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا.
وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لما قد دللنا عليه في كتابنا كتاب «اللطيف من البيان عن أصول الأحكام » من أن الناسخ غير كائن ناسخا إلا ما نفى حكم المنسوخ، فلم يجز اجتماعهما. فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وباطنه الخصوص، فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل. وإذ كان ذلك كذلك، و