جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار، أو في رجل منهم كان لهم أولاد قد هوّدوهم أو نصروهم¹ فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : كانت المرأة تكون مِقْلاتا، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده¹ فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا : لا ندع أبناءنا ! فأنزل الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال : كانت المرأة تكون مِقْلى ولا يعيش لها ولد قال شعبة : وإنما هو مقلات، فتجعل عليها إن بقي لها ولد لتهوّدنه. قال : فلما أجليت بنو النضير كان فيهم منهم، فقالت الأنصار : كيف نصنع بأبنائنا ؟ فنزلت هذه الآية :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : من شاء أن يقيم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا داود، وحدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن داود، عن عامر، قال : كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتا لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم. فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا : إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وإذ جاء الله بالإسلام فلنكرهنهم ! فنزلت :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ فكان فصل ما بين من اختار اليهودية والإسلام، فمن لحق بهم اختار اليهودية، ومن أقام اختار الإسلام. ولفظ الحديث لحميد.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا معتمر بن سليمان، قال : سمعت داود، عن عامر، بنحو معناه، إلا أنه قال : فكان فصل ما بينهم إجلاء رسول الله ﷺ بني النضير، فلحق بهم من كان يهوديا ولم يسلم منهم، وبقي من أسلم.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عامر بنحوه، إلا أنه قال : إجلاء النضير إلى خيبر، فمن اختار الإسلام أقام، ومن كره لحق بخيبر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن أبي إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين¹ كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلما، فقال للنبيّ ﷺ : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية ؟ فأنزل الله فيه ذلك.
حدثني المثنى قال : حدثنا حجاج بن المنهال، قال : حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، قال : سألت سعيد بن جبير عن قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : نزلت هذه في الأنصار. قال : قلت خاصة ؟ قال : خاصة. قال : كانت المرأة في الجاهلية تنذر إن ولدت ولدا أن تجعله في اليهود تلتمس بذلك طول بقائه. قال : فجاء الإسلام وفيهم منهم¹ فلما أجليت النضير، قالوا : يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم، قال : فسكت عنهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : فقال رسول الله ﷺ :«قَدْ خُيّرَ أصْحَابُكُمْ، فإن اخْتارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ، وَإنِ اخْتارُوهُمْ فَهُمْ مِنْهُمْ » قال : فأجلوهم معهم.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ إلى :﴿لاَ انْفِصَامَ لَهَا﴾ قال : نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين : كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت¹ فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا، فرجعا إلى الشام معهم. فأتى أبوهما إلى رسول الله ﷺ، فقال : إن ابنيّ تنصرا وخرجا، فأطلبهما ؟ فقال :«لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ » ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب. وقال :«أبْعَدَهُما الله ! هما أوّل من كَفَرَ ». فوجد أبو الحصين في نفسه على النبيّ ﷺ حين لم يبعث في طلبهما، فنزلت :﴿فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما﴾ ثم إنه نسخ :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كانت في اليهود يهود أرضعوا رجالاً من الأوس، فلما أمر النبيّ ﷺ بإجلائهم، قال أبناؤهم من الأوس : لنذهبنّ معهم، ولنديننّ بدينهم ! فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإسلام، ففيهم نزلت هذه الآية.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد جميعا، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة، فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني الحجاج، عن ابن جريج، قال : قال مجاهد : كانت النضير يهودا فأرضعوا. ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم. قال ابن جريج : وأخبرني عبد الكريم، عن مجاهد أنهم كانوا قد دان بدينهم أبناءُ الأوس، دانوا بدين النضير.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي : أن المرأة من الأنصار كانت تنذر إن عاش ولدها لتجعلّنه في أهل الكتاب فلما جاء الإسلام قالت الأنصار : يا رسول الله ألا نُكره أولادنا الذين هم في يهود على الإسلام، فإنا إنما جعلناهم فيها ونحن نرى أن اليهودية أفضل الأديان ؟ فلما إذ جاء الله بالإسلام، أفلا نكرههم على الإسلام ؟ فأنزل الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود، عن الشعبي مثله، وزاد : قال : كان فصل ما بين من اختار اليهود منهم وبين من اختار الإسلام، إجلاء بني النضير¹ فمن خرج مع بني النضير كان منهم، ومن تركهم اختار الإسلام.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ إلى قوله :﴿العُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ قال : هذا منسوخ.
حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ووائل، عن الحسن : أن أناسا من الأنصار كانوا مسترضَعين في بني النضير، فلما أجلوا، أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم، فنزلت :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا يُكره أهلُ الكتاب على الدين إذا بذلوا الجزية، ولكنهم يُقرّون على دينهم. وقالوا : الآية في خاصّ من الكفار، ولم ينسخ منها شيء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : أكره عليه هذا الحيّ من العرب، لأنهم كانوا أمة أمية، ليس لهم كتاب يعرفونه، فلم يقبل منهم غير الإسلام، ولا يكره عليه أهل الكتاب إذا أقرّوا بالجزية أو بالخراج، ولم يفتنوا عن دينهم، فيخلّى عنهم.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال، قال : حدثنا قتادة في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : هو هذا الحيّ من العرب أكرهوا على الدين، لم يقبل منهم إلا القتل أو الإسلام، وأهل الكتاب قبلت منهم الجزية ولم يقتلوا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو بن قيس، عن جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : أُمِرَ رسول الله ﷺ أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا «لا إلَه إلاّ الله »، أو السيف. ثم أُمِرَ فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية فقال :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كانت العرب ليس لها دين، فأكرهوا على الدين بالسيف، قال : ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس إذا أعطوا الجزية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال : سمعت مجاهدا يقول لغلام له نصراني : يا جرير أسلم ! ثم قال : هكذا كان يقال لهم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : وذلك لما دخل الناس في الإسلام، وأعطى أهل الكتاب الجزية.
وقال آخرون : هذه الآية منسوخة، وإنما نزلت قبل أن يفرض القتال. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري قال : سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كان رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين لا يُكره أحدا في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قتالهم، فأذن له.
وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآية في خاص من الناس، وقال : عنى بقوله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ أهل الكتابين والمجوس، وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه. وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا.
وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لما قد دللنا عليه في كتابنا كتاب «اللطيف من البيان عن أصول الأحكام » من أن الناسخ غير كائن ناسخا إلا ما نفى حكم المنسوخ، فلم يجز اجتماعهما. فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وباطنه الخصوص، فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل. وإذ كان ذلك كذلك، و
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقالوا: لا نصف عظمته بكيفية، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات، (١).
وننفي عنه أن يكون ذلك على معنى مشابهة العظم المعروف من العباد. لأن ذلك تشبيه له بخلقه، وليس كذلك. وأنكر هؤلاء ما قاله أهل المقالة التي قدمنا ذكرها، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه"معظم"، لوجب أن يكون قد كان غير عظيم قبل أن يخلق الخلق، وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الخلق، لأنه لا معظم له في هذه الأحوال.
* * *
وقال آخرون: بل قوله: إنه"العظيم" وصف منه نفسه بالعظم. وقالوا: كل ما دونه من خلقه فبمعنى الصغر لصغرهم عن عظمته.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار- أو في رجل منهم - كان لهم أولاد قد هودوهم أو نصروهم، فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨١٢ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة،
٥٨١٣ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: كانت المرأة تكون مقلى ولا يعيش لها ولد = قال شعبة. وإنما هو مقلات = فتجعل عليها إن بقي لها ولد لتهودنه. قال: فلما أجليت بنو النضير كان فيهم منهم، فقالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". قال: من شاء أن يقيم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب (١).
٥٨١٤ - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا داود= وحدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية، عن داود= عن عامر، قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتا لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم، فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا: إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا! وإذ جاء الله بالإسلام فلنكرهنهم! فنزلت:"لا إكراه في الدين"، فكان
وامرأة مقلت (بضم الميم) ومقلات (بكسر الميم)، هى المرأة التي لا يعيش لها ولد. ويأتي أيضًا "مقلات"، أنها المرأة التي ليس لها إلا ولد واحد. ولكن الأول هو المراد في هذا الأثر.
٥٨١٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت داود، عن عامر، بنحو معناه= إلا أنه قال: فكان فصل ما بينهم، إجلاء رسول الله ﷺ بني النضير، فلحق بهم من كان يهوديا ولم يسلم منهم، وبقي من أسلم.
٥٨١٦ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا داود، عن عامر بنحوه= إلا أنه قال: إجلاء النضير إلى خيبر، فمن اختار الإسلام أقام، ومن كره لحق بخيبر (١).
٥٨١٧ - حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن أبي إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك (٢).
٥٨١٨ - حدثني المثنى قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" قال: نزلت هذه في الأنصار، قال: قلت خاصة! قال: خاصة! قال: كانت المرأة في الجاهلية تنذر إن ولدت ولدا أن تجعله في اليهود،
(٢) الأثر: ٥٨١٧ -انظر ما قاله الحافظ ابن حجر في تحقيق اسم الصحابي في"حصين الأنصاري" غير منسوب، ثم في باب الكنى"أبو الحصين الأنصاري السالمي"، وفيهما تحقيق جيد.
وانظر تفسير ابن ٢: ١٥، والدر المنثور ١: ٣٢٩. وانظر الأثر التالي رقم: ٥٨١٩.
٥٨١٩ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" إلى:"لا انفصام لها" قال: نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين: كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت. فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا فرجعا إلى الشام معهم. فأتى أبوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (٢) إن ابني تنصرا وخرجا، فأطلبهما؟ فقال:"لا إكراه في الدين" (٣).
ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: أبعدهما الله! هما أول من كفر! فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي ﷺ حين لم يبعث في طلبهما، فنزلت: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [سورة النساء: ٦٥] ثم إنه نسخ:"لا إكراه في الدين" فأمر بقتال أهل الكتاب في" سورة براءة" (٤).
(٢) في المطبوعة: "إلى رسول الله صلى عليه وسلم"، والصواب من المخطوطة والدر المنثور.
(٣) في المطبوعة: إتمام الآية"قد تبين الرشد من الغي"، وليس في المخطوطة ولا الدر المنثور.
(٤) الأثر: ٥٨١٩ -في الدر المنثور ١: ٣٢٩، وزاد نسبته إلى أبي داود في ناسخه، وابن المنذر، وأشار إليه ابن كثير في تفسيره ٢: ١٥. هذا ولم يذكر أبو جعفر هذا الأثر في تفسير آية"سورة النساء"، ولم يجعلها قولا غير الأقوال التي ذكرها. وهو دليل على اختصاره هذا التفسير، كما رووا عنه.
٥٨٢١ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان= وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد = جميعا، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد:"لا إكراه في الدين"، قال: كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة، فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
٥٨٢٢ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني الحجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: كانت النضير يهودا فأرضعوا،= ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم= قال ابن جريج، وأخبرني عبد الكريم، عن مجاهد: أنهم كانوا قد دان بدينهم أبناء الأوس، (٢) دانوا بدين النضير.
٥٨٢٣ - حدثني المثنى، قال: لنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: أن المرأة من الأنصار كانت تنذر إن عاش ولدها لتجعلنه في أهل الكتاب، فلما جاء الإسلام قالت الأنصار:
(٢) في المخطوطة: "قد دانوا بدينهم أبناء الأوس"، وأخشى أن يكون ما في المطبوعة أصح.
أفلا نكرههم على الإسلام؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
٥٨٢٤ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود، عن الشعبي مثله = وزاد: قال: كان فصل ما بين من اختار اليهود منهم وبين من اختار الإسلام، إجلاء بني النضير، فمن خرج مع بني النضير كان منهم، ومن تركهم اختار الإسلام (٢).
٥٨٢٥ - حدثني يونس، قال: أخبرنا بن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:"لا إكراه في الدين" إلى قوله:"العروة الوثقى" قال: قال منسوخ.
٥٨٢٦ - حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ووائل، عن الحسن: أن أناسا من الأنصار كانوا مسترضعين في بني النضير، فلما أجلوا أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم، فنزلت:"لا إكراه في الدين".
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يكره أهل الكتاب على الدين إذا بذلوا الجزية، ولكنهم يقرون على دينهم. وقالوا: الآية في خاص من الكفار، ولم ينس منها شيء.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٢٧ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن
(٢) الأثران: ٥٨٢٣، ٥٨٢٤ -انظر الآثار السالفة: ٥٨١٤ -٥٨١٦.
٥٨٢٨ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا سليمان قال: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا قتادة في قوله:"لا إكراه في الدين"، قال: هو هذا الحي من العرب، أكرهوا على الدين، لم يقبل منهم إلا القتل أو الإسلام، وأهل الكتاب قبلت معهم الجزية، ولم يقتلوا.
٥٨٢٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو بن قيس، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"لا إكراه في الدين"، قال: أمر رسول الله ﷺ أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا"لا إله إلا الله"، أو السيف. ثم أمر فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية، فقال:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
٥٨٣٠ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"لا إكراه في الدين"، قال: كانت العرب ليس لها دين، فأكرهوا على الدين بالسيف. قال: ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس، إذا أعطوا الجزية.
٥٨٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: سمعت مجاهدا يقول لغلام له نصراني: يا جرير أسلم. ثم قال: هكذا كان يقال لهم.
٥٨٣٢ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال:
* * *
وقال آخرون: هذه الآية منسوخة، وإنما نزلت قبل أن يفرض القتال.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٣٣ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري قال: سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى ذكره:"لا إكراه في الدين"، قال: كان رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قتالهم فأذن له.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس- وقال: عنى بقوله تعالى ذكره:"لا إكراه في الدين"، أهل الكتابين والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه، وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا (١).
وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لما قد دللنا عليه في كتابنا (كتاب اللطيف من البيان عن أصول الأحكام) : من أن الناسخ غير كائن ناسخا إلا ما نفى حكم المنسوخ، فلم يجز اجتماعهما. فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي، وباطنه الخصوص، فهو من الناس والمنسوخ بمعزل (٢).
وإذ كان ذلك كذلك = وكان غير مستحيل أن يقال: لا إكراه لأحد ممن أخذت منه الجزية في الدين، ولم يكن في الآية دليل على أن تأويلها بخلاف ذلك، وكان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم ﷺ أنه
(٢) انظر ما قاله فيما سلف في شرط النسخ ٣: ٣٥٨، ٥٦٣.
ولا معنى لقول من زعم أن الآية منسوخة الحكم، بالإذن بالمحاربة.
* * *
فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما روي عن ابن عباس وعمن روي عنه: من أنها نزلت في قوم من الأنصار أرادوا أن يكرهوا أولادهم على الإسلام؟
قلنا: ذلك غير مدفوعة صحته، ولكن الآية قد تنزل في خاص من الأمر، ثم يكون حكمها عاما في كل ما جانس المعنى الذي أنزلت فيه. فالذين أنزلت فيهم هذه الآية - على ما ذكر ابن عباس وغيره - إنما كانوا قوما دانوا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عقد الإسلام لهم، فنهى الله تعالى ذكره عن إكراههم على الإسلام، وأنزل بالنهي عن ذلك آية يعم حكمها كل من كان في مثل معناهم، ممن كان على دين من الأديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها، وإقرارهم عليها، على النحو الذي قلنا في ذلك.
* * *
قال أبو جعفر: ومعنى قوله:"لا إكراه في الدين". لا يكره أحد في دين الإسلام عليه، (٢) وإنما أدخلت"الألف واللام" في"الدين"، تعريفا للدين الذي عنى الله بقوله: (٣) "لا إكراه فيه"، وأنه هو الإسلام.
| "وإذ كان ذلك كذلك | كان بينا". وما بين الخطين، عطوف متتابعة فاصلة بينهما. |
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "تصريفا للدّين"، وهو تحريف، والصواب الواضح ما أثبت.
* * *
قال أبو جعفر: وأما قوله:"قد تبين الرشد"، فإنه مصدر من قول القائل:"رشدت فأنا أرشد رشدا ورشدا ورشادا"، وذلك إذا أصاب الحق والصواب (٢).
* * *
وأما"الغي"، فإنه مصدر من قول القائل:"قد غوى فلان فهو يغوى غيا وغواية"، وبعض العرب يقول:"غوى فلان يغوى"، والذي عليه قراءة القرأة: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) [سورة النجم: ٢] بالفتح، وهي أفصح اللغتين، وذلك إذا عدا الحق وتجاوزه، فضل.
* * *
فتأويل الكلام إذا: قد وضح الحق من الباطل، واستبان لطالب الحق والرشاد وجه مطلبه، فتميز من الضلالة والغواية، فلا تكرهوا من أهل الكتابين= ومن أبحت لكم أخذ الجزية منه=، (٣).
[أحدا] على دينكم، دين الحق، فإن من حاد عن الرشاد بعد استبانته له، فإلى ربه أمره، وهو ولي عقوبته في معاده.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى"الطاغوت".
فقال بعضهم: هو الشيطان.
وعقيبك: هو الذي يعاقبك في العمل، يعمل مرة، وتعمل أنت مرة.
(٢) انظر ما سلف في معنى"رشد" ٣: ٤٨٤، ٤٨٥.
(٣) أي، فلا تكرهوا من أهل الكتاب... أحدا على دينكم... والزيادة مما يقتضيه السياق.
٥٨٣٤ - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي قال: قال عمر بن الخطاب: الطاغوت: الشيطان (١).
٥٨٣٥ - حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثني ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر، مثله.
٥٨٣٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد، قال: الطاغوت: الشيطان.
٥٨٣٧ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي، قال: الطاغوت: الشيطان.
٥٨٣٨ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"فمن يكفر بالطاغوت" قال: الشيطان.
٥٨٣٩ - حدثنا بشر بن معاذ، قال، حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: الطاغوت: الشيطان.
٥٨٤٠ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في قوله:"فمن كفر بالطاغوت" بالشيطان.
* * *
وقال آخرون: الطاغوت: هو الساحر.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٤١ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا داود،
* * *
وقد خولف عبد الأعلى في هذه الرواية، وأنا أذكر الخلاف بعد (١).
* * *
٥٨٤٢ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا عوف، عن محمد، قال: الطاغوت: الساحر (٢).
* * *
وقال آخرون: بل"الطاغوت" هو الكاهن.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٤٣ - حدثني ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: الطاغوت: الكاهن (٣).
٥٨٤٤ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا داود، عن رفيع، قال: الطاغوت: الكاهن (٤).
٥٨٤٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج:"فمن يكفر بالطاغوت"، قال: كهان تنزل عليها شياطين، يلقون على ألسنتهم وقلوبهم = أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، أنه سمعه يقول: - وسئل عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال-: كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهي كهان ينزل عليها الشيطان.
* * *
(٢) الأثر: ٥٨٤٢ -حماد بن مسعدة، سلف ترجمته في رقم: ٣٠٥٦. وكان في المطبوعة"حميد بن مسعدة"، وهو هنا خطأ، صوابه من المخطوطة. أما"حميد بن مسعدة، فهو شيخ الطبري، سلف ترجمته في الأثر رقم: ١٩٦.
(٣) الأثر: ٥٨٤٣ -كان في المطبوعة والمخطوطة: "حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا سعيد"، والصواب"شعبة"، وانظر مثل ذلك في هذا الإسناد نفسه مما سلف رقم: ٥٨١٣، والتعليق عليه.
(٤) الأثر ٥٨٤٤ -رفيع، هو أبو العالية الرياحي، وقد مضت ترجمته مرارا فيما سلف.
* * *
وأرى أن أصل"الطاغوت"،"الطغووت" من قول القائل:"طغا فلان يطغوا"، إذا عدا قدره، فتجاوز حده، ك"الجبروت"" من التجبر"، و"الخلبوت" من"الخلب"، (١). ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير"فعلوت" بزيادة الواو والتاء. ثم نقلت لامه - أعني لام"الطغووت" فجعلت له عينا، وحولت عينه فجعلت مكان لامه، كما قيل:"جذب وجبذ"، و"جاذب وجابذ"، و"صاعقة وصاقعه"، وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال.
* * *
فتأويل الكلام إذا: فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله، فيكفر به="ويؤمن بالله"، يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده (٢) ="فقد استمسك بالعروة الوثقى"، يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه، كما:-
٥٨٤٦ - حدثني أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي، قال: حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثنا ابن أبي مريم، عن حميد بن عقبة، عن أبي الدرداء: أنه عاد مريضا من جيرته، فوجده في السوق وهو يغرغر، لا يفقهون ما يريد.
| ملكتم فلما أن ملكتم خلبتم | وشر الملوك الغادر الخلبوت. |
* * *
يقال: "فلان في السوق، وفي السياق" أي في النزع عند الموت، كأن روحه تساق لتخرج من بدنه. و"هو يسوق نفسه ويسوق بنفسه": أي يعالج سكرة الموت ونزعه. ويقال: "غرغر فلان يغرغر" جاد بنفسه عند الموت، و"الغرغرة" تردد الروح في الحلق، وأكثر ذلك أن يكون معها صوت، كغرغرة الماء في الحلق. وقوله: "حتى انكسر لسانه": أي عجز عن النطق. وكل من عجز عن شيء، فقد انكسر عنه. وهو هنا عبارة جيدة تصور ما يكون في لسان الميت. * * *
وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وفيها ما نصه:
" يتلوه القول في تأويل قوله: فقد استمسك بالعروة الوثقى.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا"
ثم يبدأ الجزء بعده:
"بسم الله الرحمن الرحيم،
رب يسر".
القول في تأويل قوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾
قال أبو جعفر:"والعروة"، في هذا المكان، مثل للإيمان الذي اعتصم به المؤمن، فشبهه في تعلقه به وتمسكه به، بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يتمسك بها، إذ كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته.
وجعل تعالى ذكره الإيمان الذي تمسك به الكافر بالطاغوت المؤمن بالله، ومن أوثق عرى الأشياء بقوله:"الوثقى"
* * *
و"الوثقى"،"فعلى" من"الوثاقة". يقال في الذكر:"هو الأوثق"، وفي الأنثى:"هي الوثقى"، كما يقال:"فلان الأفضل، وفلانة الفضلى".
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٤٧ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"بالعروة الوثقى"، قال: الإيمان.
٥٨٤٨ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٥٨٤٩ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال:"العروة الوثقى"، هو الإسلام.
٥٨٥٠ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن أبي السوداء، عن جعفر - يعني ابن أبي المغيرة - عن سعيد بن جبير قوله:"فقد استمسك بالعروة الوثقى"، قال: لا إله إلا الله (١).
٥٨٥٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، الضحاك:"فقد استمسك بالعروة الوثقى"، مثله.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿لا انْفِصَامَ لَهَا﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"لا انفصام لها"، لا انكسار لها."والهاء والألف"، في قوله:"لها" عائد على"العروة".
* * *
ومعنى الكلام: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه، وإسلامه عند حاجته إليه في أهوال الآخرة، كالمتمسك بالوثيق من عرى الأشياء التي لا يخشى انكسار عراها (١).
* * *
وأصل"الفصم" الكسر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:
| ومبسمها عن شتيت النبات | غير أكس ولا منفصم (٢) |
(٢) ديوانه: ٢ من قصيدة من جيد شعر الأعشى، وقبله أبيات من تمام معناه:
| أتهجر غانية أم تلم | أم الحبل واه بها منجذم |
| أم الرشد أحجى فإن امرءا | سينفعه علمه إن علم |
| كما راشد تجدن امرءا | تبين، ثم انتهى إذ قدم |
| عصى المشفقين إلى غيه | وكل نصيح له يتهم |
| وما كان ذلك إلا الصبا | وإلا عقاب امرئ قد أثم |
| ونظرة عين على غرة | محل الخليط بصحراء زم |
| فبانت وفي الصدر صدع لها | كصدع الزجاجة ما يلتئم |
وكان البيت مصحفا في المطبوعة: "... عن سنب النبات غير كسر"، والصواب في المخطوطة، ولكنه غير منقوط فأساؤوا قراءته.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٥٣ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"لا انفصام لها"، قال: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
٥٨٥٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٥٨٥٥ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"لا انفصام لها"، قال: لا انقطاع لها.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره:"والله سميع"، إيمان المؤمن بالله وحده، الكافر بالطاغوت، عند إقراره بوحدانية الله، وتبرئه من الأنداد والأوثان التي تعبد
* * *