محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٥٦ من سورة البقرة في ١٢٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٧٠ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٥٦ من سورة البقرة

١٢٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار، أو في رجل منهم كان لهم أولاد قد هوّدوهم أو نصروهم¹ فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : كانت المرأة تكون مِقْلاتا، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده¹ فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا : لا ندع أبناءنا ! فأنزل الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال : كانت المرأة تكون مِقْلى ولا يعيش لها ولد قال شعبة : وإنما هو مقلات، فتجعل عليها إن بقي لها ولد لتهوّدنه. قال : فلما أجليت بنو النضير كان فيهم منهم، فقالت الأنصار : كيف نصنع بأبنائنا ؟ فنزلت هذه الآية :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : من شاء أن يقيم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا داود، وحدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن داود، عن عامر، قال : كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتا لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم. فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا : إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وإذ جاء الله بالإسلام فلنكرهنهم ! فنزلت :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ فكان فصل ما بين من اختار اليهودية والإسلام، فمن لحق بهم اختار اليهودية، ومن أقام اختار الإسلام. ولفظ الحديث لحميد.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا معتمر بن سليمان، قال : سمعت داود، عن عامر، بنحو معناه، إلا أنه قال : فكان فصل ما بينهم إجلاء رسول الله ﷺ بني النضير، فلحق بهم من كان يهوديا ولم يسلم منهم، وبقي من أسلم.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عامر بنحوه، إلا أنه قال : إجلاء النضير إلى خيبر، فمن اختار الإسلام أقام، ومن كره لحق بخيبر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن أبي إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين¹ كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلما، فقال للنبيّ ﷺ : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية ؟ فأنزل الله فيه ذلك.
حدثني المثنى قال : حدثنا حجاج بن المنهال، قال : حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، قال : سألت سعيد بن جبير عن قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : نزلت هذه في الأنصار. قال : قلت خاصة ؟ قال : خاصة. قال : كانت المرأة في الجاهلية تنذر إن ولدت ولدا أن تجعله في اليهود تلتمس بذلك طول بقائه. قال : فجاء الإسلام وفيهم منهم¹ فلما أجليت النضير، قالوا : يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم، قال : فسكت عنهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : فقال رسول الله ﷺ :«قَدْ خُيّرَ أصْحَابُكُمْ، فإن اخْتارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ، وَإنِ اخْتارُوهُمْ فَهُمْ مِنْهُمْ » قال : فأجلوهم معهم.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ إلى :﴿لاَ انْفِصَامَ لَهَا﴾ قال : نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين : كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت¹ فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا، فرجعا إلى الشام معهم. فأتى أبوهما إلى رسول الله ﷺ، فقال : إن ابنيّ تنصرا وخرجا، فأطلبهما ؟ فقال :«لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ » ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب. وقال :«أبْعَدَهُما الله ! هما أوّل من كَفَرَ ». فوجد أبو الحصين في نفسه على النبيّ ﷺ حين لم يبعث في طلبهما، فنزلت :﴿فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما﴾ ثم إنه نسخ :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كانت في اليهود يهود أرضعوا رجالاً من الأوس، فلما أمر النبيّ ﷺ بإجلائهم، قال أبناؤهم من الأوس : لنذهبنّ معهم، ولنديننّ بدينهم ! فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإسلام، ففيهم نزلت هذه الآية.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد جميعا، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة، فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني الحجاج، عن ابن جريج، قال : قال مجاهد : كانت النضير يهودا فأرضعوا. ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم. قال ابن جريج : وأخبرني عبد الكريم، عن مجاهد أنهم كانوا قد دان بدينهم أبناءُ الأوس، دانوا بدين النضير.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي : أن المرأة من الأنصار كانت تنذر إن عاش ولدها لتجعلّنه في أهل الكتاب فلما جاء الإسلام قالت الأنصار : يا رسول الله ألا نُكره أولادنا الذين هم في يهود على الإسلام، فإنا إنما جعلناهم فيها ونحن نرى أن اليهودية أفضل الأديان ؟ فلما إذ جاء الله بالإسلام، أفلا نكرههم على الإسلام ؟ فأنزل الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود، عن الشعبي مثله، وزاد : قال : كان فصل ما بين من اختار اليهود منهم وبين من اختار الإسلام، إجلاء بني النضير¹ فمن خرج مع بني النضير كان منهم، ومن تركهم اختار الإسلام.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ إلى قوله :﴿العُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ قال : هذا منسوخ.
حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ووائل، عن الحسن : أن أناسا من الأنصار كانوا مسترضَعين في بني النضير، فلما أجلوا، أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم، فنزلت :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا يُكره أهلُ الكتاب على الدين إذا بذلوا الجزية، ولكنهم يُقرّون على دينهم. وقالوا : الآية في خاصّ من الكفار، ولم ينسخ منها شيء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : أكره عليه هذا الحيّ من العرب، لأنهم كانوا أمة أمية، ليس لهم كتاب يعرفونه، فلم يقبل منهم غير الإسلام، ولا يكره عليه أهل الكتاب إذا أقرّوا بالجزية أو بالخراج، ولم يفتنوا عن دينهم، فيخلّى عنهم.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال، قال : حدثنا قتادة في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : هو هذا الحيّ من العرب أكرهوا على الدين، لم يقبل منهم إلا القتل أو الإسلام، وأهل الكتاب قبلت منهم الجزية ولم يقتلوا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو بن قيس، عن جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : أُمِرَ رسول الله ﷺ أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا «لا إلَه إلاّ الله »، أو السيف. ثم أُمِرَ فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية فقال :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كانت العرب ليس لها دين، فأكرهوا على الدين بالسيف، قال : ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس إذا أعطوا الجزية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال : سمعت مجاهدا يقول لغلام له نصراني : يا جرير أسلم ! ثم قال : هكذا كان يقال لهم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ قال : وذلك لما دخل الناس في الإسلام، وأعطى أهل الكتاب الجزية.
وقال آخرون : هذه الآية منسوخة، وإنما نزلت قبل أن يفرض القتال. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري قال : سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ قال : كان رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين لا يُكره أحدا في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قتالهم، فأذن له.
وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآية في خاص من الناس، وقال : عنى بقوله تعالى ذكره :﴿لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ أهل الكتابين والمجوس، وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه. وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا.
وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لما قد دللنا عليه في كتابنا كتاب «اللطيف من البيان عن أصول الأحكام » من أن الناسخ غير كائن ناسخا إلا ما نفى حكم المنسوخ، فلم يجز اجتماعهما. فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وباطنه الخصوص، فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل. وإذ كان ذلك كذلك، و
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقال آخرون: بل تأويل قوله:"العظيم" هو أن له عظمة هي له صفة.
وقالوا: لا نصف عظمته بكيفية، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات، (١).
وننفي عنه أن يكون ذلك على معنى مشابهة العظم المعروف من العباد. لأن ذلك تشبيه له بخلقه، وليس كذلك. وأنكر هؤلاء ما قاله أهل المقالة التي قدمنا ذكرها، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه"معظم"، لوجب أن يكون قد كان غير عظيم قبل أن يخلق الخلق، وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الخلق، لأنه لا معظم له في هذه الأحوال.
* * *
وقال آخرون: بل قوله: إنه"العظيم" وصف منه نفسه بالعظم. وقالوا: كل ما دونه من خلقه فبمعنى الصغر لصغرهم عن عظمته.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار- أو في رجل منهم - كان لهم أولاد قد هودوهم أو نصروهم، فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨١٢ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة،
(١) الإثبات: إثبات الصفات لله سبحانه كما وصف نفسه، بلا تأويل، خلافا للمعتزلة وغيرهم وانظر ما سلف ١: ١٨٩، تعليق: ١.
عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتا، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده. فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى ذكره:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
٥٨١٣ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: كانت المرأة تكون مقلى ولا يعيش لها ولد = قال شعبة. وإنما هو مقلات = فتجعل عليها إن بقي لها ولد لتهودنه. قال: فلما أجليت بنو النضير كان فيهم منهم، فقالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". قال: من شاء أن يقيم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب (١).
٥٨١٤ - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا داود= وحدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية، عن داود= عن عامر، قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتا لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم، فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا: إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا! وإذ جاء الله بالإسلام فلنكرهنهم! فنزلت:"لا إكراه في الدين"، فكان
(١) الأثران: ٥٨١٢، ٥٨١٣ -في ابن كثير ٢: ١٥، والدر المنثور ١: ٣٢٩ قال ابن كثير: "رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بندار به، ومن وجوه أخرى عن شعبة به نحوه. ورواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به". والسنن الكبرى للبيهقي ٩: ١٨٦، وسنن أبي داود -٣: ٧٨ -٧٩ رقم: ٢٦٨٢. وكان في المطبوعة والمخطوطة في رقم ٥٨١٣، "حدثنا محمد بن جعفر، عن سعيد"، وهو خطأ صوابه"شعبة". وقوله: "قال: من شاء أن يقيم أقام" وهو من كلام سعيد بن جبير، كما في السنن للبيهقى. والحديث مرفوع هناك إلى ابن عباس وهو الصواب ولكني تركت ما في الطبري على حاله.
وامرأة مقلت (بضم الميم) ومقلات (بكسر الميم)، هى المرأة التي لا يعيش لها ولد. ويأتي أيضًا "مقلات"، أنها المرأة التي ليس لها إلا ولد واحد. ولكن الأول هو المراد في هذا الأثر.
فصل ما بين من اختار اليهودية والإسلام، فمن لحق بهم اختار اليهودية، ومن أقام اختار الإسلام= ولفظ الحديث لحميد.
٥٨١٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت داود، عن عامر، بنحو معناه= إلا أنه قال: فكان فصل ما بينهم، إجلاء رسول الله ﷺ بني النضير، فلحق بهم من كان يهوديا ولم يسلم منهم، وبقي من أسلم.
٥٨١٦ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا داود، عن عامر بنحوه= إلا أنه قال: إجلاء النضير إلى خيبر، فمن اختار الإسلام أقام، ومن كره لحق بخيبر (١).
٥٨١٧ - حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن أبي إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك (٢).
٥٨١٨ - حدثني المثنى قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" قال: نزلت هذه في الأنصار، قال: قلت خاصة! قال: خاصة! قال: كانت المرأة في الجاهلية تنذر إن ولدت ولدا أن تجعله في اليهود،
(١) الآثار ٥٨١٤ -٥٨١٦- هى ألفاظ مختلفة لحديث واحد، وانظر ١: ٣٢٩، وقال": أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر"، ثم انظر الأثرين رقم: ٥٨٢٣، ٥٨٢٤ فيما يأتي بعد.
(٢) الأثر: ٥٨١٧ -انظر ما قاله الحافظ ابن حجر في تحقيق اسم الصحابي في"حصين الأنصاري" غير منسوب، ثم في باب الكنى"أبو الحصين الأنصاري السالمي"، وفيهما تحقيق جيد.
وانظر تفسير ابن ٢: ١٥، والدر المنثور ١: ٣٢٩. وانظر الأثر التالي رقم: ٥٨١٩.
تلتمس بذلك طول بقائه. قال: فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت النضير قالوا: يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم، قال: فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى ذكره:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد خير أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم" قال: فأجلوهم معهم (١).
٥٨١٩ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" إلى:"لا انفصام لها" قال: نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين: كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت. فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا فرجعا إلى الشام معهم. فأتى أبوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (٢) إن ابني تنصرا وخرجا، فأطلبهما؟ فقال:"لا إكراه في الدين" (٣).
ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: أبعدهما الله! هما أول من كفر! فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي ﷺ حين لم يبعث في طلبهما، فنزلت: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [سورة النساء: ٦٥] ثم إنه نسخ:"لا إكراه في الدين" فأمر بقتال أهل الكتاب في" سورة براءة" (٤).
(١) الأثر: ٥٨١٨ -في السنن الكبرى للبيهقي ٩: ١٨٦ من طريق سعيد بن منصور عن أبي عوانة، وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ٣٢٩ وزاد نسبته إلى"سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر" وفيها زيادة: "كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت نزورا مقلاتا تنذر لئن ولدت ولدا لتجعلنه في اليهود" وسائر الخبر سواء. وكتب في البيهقي والدر المنثور"مقلاة" بالتاء المربوطة وهو خطأ، و"امرأة نزرة" (بفتح وكسر" وامرأة نزور" قليلة الولد. وفي الدر"نزورة" وهو خطأ.
(٢) في المطبوعة: "إلى رسول الله صلى عليه وسلم"، والصواب من المخطوطة والدر المنثور.
(٣) في المطبوعة: إتمام الآية"قد تبين الرشد من الغي"، وليس في المخطوطة ولا الدر المنثور.
(٤) الأثر: ٥٨١٩ -في الدر المنثور ١: ٣٢٩، وزاد نسبته إلى أبي داود في ناسخه، وابن المنذر، وأشار إليه ابن كثير في تفسيره ٢: ١٥. هذا ولم يذكر أبو جعفر هذا الأثر في تفسير آية"سورة النساء"، ولم يجعلها قولا غير الأقوال التي ذكرها. وهو دليل على اختصاره هذا التفسير، كما رووا عنه.
٥٨٢٠ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"لا إكراه في الدين" قال: كانت في اليهود بني النضير، (١) أرضعوا رجالا من الأوس، فلما أمر النبي ﷺ بإجلائهم، قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم، ولندينن بدينهم! فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإسلام، ففيهم نزلت هذه الآية.
٥٨٢١ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان= وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد = جميعا، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد:"لا إكراه في الدين"، قال: كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة، فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
٥٨٢٢ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني الحجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: كانت النضير يهودا فأرضعوا،= ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم= قال ابن جريج، وأخبرني عبد الكريم، عن مجاهد: أنهم كانوا قد دان بدينهم أبناء الأوس، (٢) دانوا بدين النضير.
٥٨٢٣ - حدثني المثنى، قال: لنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: أن المرأة من الأنصار كانت تنذر إن عاش ولدها لتجعلنه في أهل الكتاب، فلما جاء الإسلام قالت الأنصار:
(١) في المطبوعة: "كانت في اليهود يهود أرضعوا... "، وفي المخطوطة كانت اليهود يهودا أرضعوا" وهما خطأ. وفي الدر المنثور ١: ٣٢٩: " كانت النضير أرضعت". واستظهرت أن تكون العبارة أثبتها، سقط من الناسخ"بني النضير" -أو يكون صوابها كما سيأتي في الأثر رقم: ٥٨٢٢: "كانت النضير يهودا... ".
(٢) في المخطوطة: "قد دانوا بدينهم أبناء الأوس"، وأخشى أن يكون ما في المطبوعة أصح.
يا رسول الله ألا نكره أولادنا الذين هم في يهود على الإسلام، فإنا إنما جعلناهم فيها ونحن نرى أن اليهودية أفضل الأديان؟ فلما إذ جاء الله بالإسلام، (١).
أفلا نكرههم على الإسلام؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
٥٨٢٤ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود، عن الشعبي مثله = وزاد: قال: كان فصل ما بين من اختار اليهود منهم وبين من اختار الإسلام، إجلاء بني النضير، فمن خرج مع بني النضير كان منهم، ومن تركهم اختار الإسلام (٢).
٥٨٢٥ - حدثني يونس، قال: أخبرنا بن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:"لا إكراه في الدين" إلى قوله:"العروة الوثقى" قال: قال منسوخ.
٥٨٢٦ - حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ووائل، عن الحسن: أن أناسا من الأنصار كانوا مسترضعين في بني النضير، فلما أجلوا أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم، فنزلت:"لا إكراه في الدين".
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يكره أهل الكتاب على الدين إذا بذلوا الجزية، ولكنهم يقرون على دينهم. وقالوا: الآية في خاص من الكفار، ولم ينس منها شيء.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٢٧ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن
(١) في المطبوعة: "فلما أن جاء الإسلام"، وفي المخطوطة: "فلما إذ جاء"، وصواب ذلك ما أثبت.
(٢) الأثران: ٥٨٢٣، ٥٨٢٤ -انظر الآثار السالفة: ٥٨١٤ -٥٨١٦.
قتادة:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، قال: أكره عليه هذا الحي من العرب، لأنهم كانوا أمة أميه ليس لهم كتاب يعرفونه، فلم يقبل منهم غير الإسلام. ولا يكره عليه أهل الكتاب إذا أقروا بالجزية أو بالخراج، ولم يفتنوا عن دينهم، فيخلى عنهم (١).
٥٨٢٨ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا سليمان قال: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا قتادة في قوله:"لا إكراه في الدين"، قال: هو هذا الحي من العرب، أكرهوا على الدين، لم يقبل منهم إلا القتل أو الإسلام، وأهل الكتاب قبلت معهم الجزية، ولم يقتلوا.
٥٨٢٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو بن قيس، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"لا إكراه في الدين"، قال: أمر رسول الله ﷺ أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا"لا إله إلا الله"، أو السيف. ثم أمر فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية، فقال:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
٥٨٣٠ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"لا إكراه في الدين"، قال: كانت العرب ليس لها دين، فأكرهوا على الدين بالسيف. قال: ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس، إذا أعطوا الجزية.
٥٨٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: سمعت مجاهدا يقول لغلام له نصراني: يا جرير أسلم. ثم قال: هكذا كان يقال لهم.
٥٨٣٢ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال:
(١) في المخطوطة: " فخلى عنهم"، وهما سواء.
حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، قال: وذلك لما دخل الناس في الإسلام، وأعطى أهل الكتاب الجزية.
* * *
وقال آخرون: هذه الآية منسوخة، وإنما نزلت قبل أن يفرض القتال.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٣٣ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري قال: سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى ذكره:"لا إكراه في الدين"، قال: كان رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قتالهم فأذن له.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس- وقال: عنى بقوله تعالى ذكره:"لا إكراه في الدين"، أهل الكتابين والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه، وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا (١).
وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لما قد دللنا عليه في كتابنا (كتاب اللطيف من البيان عن أصول الأحكام) : من أن الناسخ غير كائن ناسخا إلا ما نفى حكم المنسوخ، فلم يجز اجتماعهما. فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي، وباطنه الخصوص، فهو من الناس والمنسوخ بمعزل (٢).
وإذ كان ذلك كذلك = وكان غير مستحيل أن يقال: لا إكراه لأحد ممن أخذت منه الجزية في الدين، ولم يكن في الآية دليل على أن تأويلها بخلاف ذلك، وكان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم ﷺ أنه
(١) في المخطوطة: "منسوخ"، والصواب ما في المطبوعة.
(٢) انظر ما قاله فيما سلف في شرط النسخ ٣: ٣٥٨، ٥٦٣.
أكره على الإسلام قوما فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه الآخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه وإقراره على دينه الباطل، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم = (١) كان بينا بذلك أن معنى قوله:"لا إكراه في الدين"، إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية، ورضاه بحكم الإسلام.
ولا معنى لقول من زعم أن الآية منسوخة الحكم، بالإذن بالمحاربة.
* * *
فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما روي عن ابن عباس وعمن روي عنه: من أنها نزلت في قوم من الأنصار أرادوا أن يكرهوا أولادهم على الإسلام؟
قلنا: ذلك غير مدفوعة صحته، ولكن الآية قد تنزل في خاص من الأمر، ثم يكون حكمها عاما في كل ما جانس المعنى الذي أنزلت فيه. فالذين أنزلت فيهم هذه الآية - على ما ذكر ابن عباس وغيره - إنما كانوا قوما دانوا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عقد الإسلام لهم، فنهى الله تعالى ذكره عن إكراههم على الإسلام، وأنزل بالنهي عن ذلك آية يعم حكمها كل من كان في مثل معناهم، ممن كان على دين من الأديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها، وإقرارهم عليها، على النحو الذي قلنا في ذلك.
* * *
قال أبو جعفر: ومعنى قوله:"لا إكراه في الدين". لا يكره أحد في دين الإسلام عليه، (٢) وإنما أدخلت"الألف واللام" في"الدين"، تعريفا للدين الذي عنى الله بقوله: (٣) "لا إكراه فيه"، وأنه هو الإسلام.
(١) سياق الجملة:
"وإذ كان ذلك كذلككان بينا". وما بين الخطين، عطوف متتابعة فاصلة بينهما.
(٢) "عليه"، أي على الإسلام.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "تصريفا للدّين"، وهو تحريف، والصواب الواضح ما أثبت.
وقد يحتمل أن يكون أدخلتا عقيبا من"الهاء" المنوية في"الدين"، (١) فيكون معنى الكلام حينئذ: وهو العلي العظيم، لا إكراه في دينه، قد تبين الرشد من الغي. وكأن هذا القول أشبه بتأويل الآية عندي.
* * *
قال أبو جعفر: وأما قوله:"قد تبين الرشد"، فإنه مصدر من قول القائل:"رشدت فأنا أرشد رشدا ورشدا ورشادا"، وذلك إذا أصاب الحق والصواب (٢).
* * *
وأما"الغي"، فإنه مصدر من قول القائل:"قد غوى فلان فهو يغوى غيا وغواية"، وبعض العرب يقول:"غوى فلان يغوى"، والذي عليه قراءة القرأة: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) [سورة النجم: ٢] بالفتح، وهي أفصح اللغتين، وذلك إذا عدا الحق وتجاوزه، فضل.
* * *
فتأويل الكلام إذا: قد وضح الحق من الباطل، واستبان لطالب الحق والرشاد وجه مطلبه، فتميز من الضلالة والغواية، فلا تكرهوا من أهل الكتابين= ومن أبحت لكم أخذ الجزية منه=، (٣).
[أحدا] على دينكم، دين الحق، فإن من حاد عن الرشاد بعد استبانته له، فإلى ربه أمره، وهو ولي عقوبته في معاده.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى"الطاغوت".
فقال بعضهم: هو الشيطان.
(١) قوله: "عقيبا" أي بدلا وخلفا منه. أصله من العقيب: وهو كل شيء أعقب شيئا.
وعقيبك: هو الذي يعاقبك في العمل، يعمل مرة، وتعمل أنت مرة.
(٢) انظر ما سلف في معنى"رشد" ٣: ٤٨٤، ٤٨٥.
(٣) أي، فلا تكرهوا من أهل الكتاب... أحدا على دينكم... والزيادة مما يقتضيه السياق.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٣٤ - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي قال: قال عمر بن الخطاب: الطاغوت: الشيطان (١).
٥٨٣٥ - حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثني ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر، مثله.
٥٨٣٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد، قال: الطاغوت: الشيطان.
٥٨٣٧ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي، قال: الطاغوت: الشيطان.
٥٨٣٨ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"فمن يكفر بالطاغوت" قال: الشيطان.
٥٨٣٩ - حدثنا بشر بن معاذ، قال، حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: الطاغوت: الشيطان.
٥٨٤٠ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في قوله:"فمن كفر بالطاغوت" بالشيطان.
* * *
وقال آخرون: الطاغوت: هو الساحر.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٤١ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا داود،
(١) الأثر: ٥٨٣٤ -"حسان بن فائد العبسي". روى عنه أبو إسحق السبيعي. قال أبو حاتم"شيخ"، وقال البخاري يعد في الكوفيين. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/ ١/ ٢٨، وابن أبي حاتم ١/٢ /٢٢٣. وكان في المطبوعة: "العنسي"، والصواب من المخطوطة. وهذا الأثر ساقه ابن كثير بتمامه في تفسيره ٢: ١٦ -١٧
عن أبي العالية، أنه قال: الطاغوت: الساحر.
* * *
وقد خولف عبد الأعلى في هذه الرواية، وأنا أذكر الخلاف بعد (١).
* * *
٥٨٤٢ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا عوف، عن محمد، قال: الطاغوت: الساحر (٢).
* * *
وقال آخرون: بل"الطاغوت" هو الكاهن.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٤٣ - حدثني ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: الطاغوت: الكاهن (٣).
٥٨٤٤ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا داود، عن رفيع، قال: الطاغوت: الكاهن (٤).
٥٨٤٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج:"فمن يكفر بالطاغوت"، قال: كهان تنزل عليها شياطين، يلقون على ألسنتهم وقلوبهم = أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، أنه سمعه يقول: - وسئل عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال-: كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهي كهان ينزل عليها الشيطان.
* * *
(١) في لأثر الآتي رقم: ٥٨٤٤.
(٢) الأثر: ٥٨٤٢ -حماد بن مسعدة، سلف ترجمته في رقم: ٣٠٥٦. وكان في المطبوعة"حميد بن مسعدة"، وهو هنا خطأ، صوابه من المخطوطة. أما"حميد بن مسعدة، فهو شيخ الطبري، سلف ترجمته في الأثر رقم: ١٩٦.
(٣) الأثر: ٥٨٤٣ -كان في المطبوعة والمخطوطة: "حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا سعيد"، والصواب"شعبة"، وانظر مثل ذلك في هذا الإسناد نفسه مما سلف رقم: ٥٨١٣، والتعليق عليه.
(٤) الأثر ٥٨٤٤ -رفيع، هو أبو العالية الرياحي، وقد مضت ترجمته مرارا فيما سلف.
قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في"الطاغوت"، أنه كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، وإنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء.
* * *
وأرى أن أصل"الطاغوت"،"الطغووت" من قول القائل:"طغا فلان يطغوا"، إذا عدا قدره، فتجاوز حده، ك"الجبروت"" من التجبر"، و"الخلبوت" من"الخلب"، (١). ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير"فعلوت" بزيادة الواو والتاء. ثم نقلت لامه - أعني لام"الطغووت" فجعلت له عينا، وحولت عينه فجعلت مكان لامه، كما قيل:"جذب وجبذ"، و"جاذب وجابذ"، و"صاعقة وصاقعه"، وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال.
* * *
فتأويل الكلام إذا: فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله، فيكفر به="ويؤمن بالله"، يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده (٢) ="فقد استمسك بالعروة الوثقى"، يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه، كما:-
٥٨٤٦ - حدثني أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي، قال: حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثنا ابن أبي مريم، عن حميد بن عقبة، عن أبي الدرداء: أنه عاد مريضا من جيرته، فوجده في السوق وهو يغرغر، لا يفقهون ما يريد.
(١) في المطبوعة والمخطوطة"الحلبوت من الحلب" بالحاء المملة، والصواب ما أثبت. يقال: "رجل خلبوت وامرأة خلبوت"، وهو المخادع الكذوب، وجاء في الشعر، وما أصدق ما قال هذا العربى، وما أبصره بطباع الناس، وما أصدقه على زماننا هذا:
ملكتم فلما أن ملكتم خلبتموشر الملوك الغادر الخلبوت.
(٢) اطلب معنى"الإيمان" فيما سلف في فهارس اللغة.
فسألهم: يريد أن ينطق؟ قالوا: نعم يريد أن يقول:"آمنت بالله وكفرت بالطاغوت". قال أبو الدرداء: وما علمكم بذلك؟ قالوا: لم يزل يرددها حتى انكسر لسانه، فنحن نعلم أنه إنما يريد أن ينطق بها. فقال أبو الدرداء: أفلح صاحبكم! إن الله يقول:"فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا الفصام لها والله سميع عليم" (١).
* * *
(١) الأثر: ٥٨٤٦-"أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي"، أبو العباس، روي عن بقية بن الوليد، وعثمان بن سعيد الحمصي، روى عنه النسائي. وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم ١/١ / ٥٣. و"حميد بن عقبة"، هو: حميد بن عقبة بن رومان بن زرارة القرشي و"يقال، الفلسطيني. سمع ابن عمر، وأبا الدرداء. وروى عنه أبو بكر بن مريم والوليد بن سليمان بن أبي السائب. قال أحمد: "حدثنا أبو الغيرة: سألت أبا بكر فقلت: حميد بن عقبة أراه كبيرا، وأنت تحدث عنه عن أبي الدرداء؟ قال: حدثني أن كل شيء حدثني عن أبي الدرداء، سمعه من أبي الدرداء"، مترجم في الكبير ١/ ٢/ ٣٤٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢ /٢٢٦، وتعجيل المنفعة: ١٠٦.
يقال: "فلان في السوق، وفي السياق" أي في النزع عند الموت، كأن روحه تساق لتخرج من بدنه. و"هو يسوق نفسه ويسوق بنفسه": أي يعالج سكرة الموت ونزعه. ويقال: "غرغر فلان يغرغر" جاد بنفسه عند الموت، و"الغرغرة" تردد الروح في الحلق، وأكثر ذلك أن يكون معها صوت، كغرغرة الماء في الحلق. وقوله: "حتى انكسر لسانه": أي عجز عن النطق. وكل من عجز عن شيء، فقد انكسر عنه. وهو هنا عبارة جيدة تصور ما يكون في لسان الميت. * * *
وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وفيها ما نصه:
" يتلوه القول في تأويل قوله: فقد استمسك بالعروة الوثقى.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا"
ثم يبدأ الجزء بعده:
"بسم الله الرحمن الرحيم،
رب يسر".

القول في تأويل قوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾


قال أبو جعفر:"والعروة"، في هذا المكان، مثل للإيمان الذي اعتصم به المؤمن، فشبهه في تعلقه به وتمسكه به، بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يتمسك بها، إذ كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته.
وجعل تعالى ذكره الإيمان الذي تمسك به الكافر بالطاغوت المؤمن بالله، ومن أوثق عرى الأشياء بقوله:"الوثقى"
* * *
و"الوثقى"،"فعلى" من"الوثاقة". يقال في الذكر:"هو الأوثق"، وفي الأنثى:"هي الوثقى"، كما يقال:"فلان الأفضل، وفلانة الفضلى".
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٤٧ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"بالعروة الوثقى"، قال: الإيمان.
٥٨٤٨ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٥٨٤٩ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال:"العروة الوثقى"، هو الإسلام.
٥٨٥٠ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن أبي السوداء، عن جعفر - يعني ابن أبي المغيرة - عن سعيد بن جبير قوله:"فقد استمسك بالعروة الوثقى"، قال: لا إله إلا الله (١).
(١) الأثر: ٥٨٥٠، ٥٨٥١-"أبو السوداء"، هو: "عمرو بن عمران النهدي"، روي عن المسيب بن عبدخير، وأبي مجلز، وعبد الرحمن بن باسط والضحاك بن مزاحم، وروى عنه حفص ابن عبد الرحمن بن سوقة والسفيانان. ثقه، مترجم في التهذيب.
٥٨٥١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي السوداء النهدي، عن سعيد بن جبير مثله.
٥٨٥٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، الضحاك:"فقد استمسك بالعروة الوثقى"، مثله.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿لا انْفِصَامَ لَهَا﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"لا انفصام لها"، لا انكسار لها."والهاء والألف"، في قوله:"لها" عائد على"العروة".
* * *
ومعنى الكلام: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه، وإسلامه عند حاجته إليه في أهوال الآخرة، كالمتمسك بالوثيق من عرى الأشياء التي لا يخشى انكسار عراها (١).
* * *
وأصل"الفصم" الكسر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:
ومبسمها عن شتيت النباتغير أكس ولا منفصم (٢)
* * *
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "كالتمسك بالوثيق". والصواب الذي يقتضيه السياق ما أثبت.
(٢) ديوانه: ٢ من قصيدة من جيد شعر الأعشى، وقبله أبيات من تمام معناه:
أتهجر غانية أم تلمأم الحبل واه بها منجذم
أم الرشد أحجى فإن امرءاسينفعه علمه إن علم
كما راشد تجدن امرءاتبين، ثم انتهى إذ قدم
عصى المشفقين إلى غيهوكل نصيح له يتهم
وما كان ذلك إلا الصباوإلا عقاب امرئ قد أثم
ونظرة عين على غرةمحل الخليط بصحراء زم
ومبسمها....................................
فبانت وفي الصدر صدع لهاكصدع الزجاجة ما يلتئم
وقوله: "ومبسهما" منصوب عطفا ما قبله، وهو مصدر ميمى، أي ابتسامها. والشتيت: المتفرق المفلج، يعنى: عن ثغرها شتيت النبات، غير متراكب نبتة الأسنان. والأكس، من الكسس (بفتحتين) : وهو أن يكون الحنك الأعلى أقصر من الأسفل، فتكون الثنيتان العلييان وراء السفليين من داخل الفم. وهو عيب في الخلفية. ورواية الديوان: "منقصم" وهي أجود معنى. يقال: ينصدع الشيء دون أن يبين. وأما"القصم" فهو أن ينكسر كسرا فيه بينونة. ولكن الطبري استشهد به على"الفصم" بالفاء. وكلاهما عيب.
وكان البيت مصحفا في المطبوعة: "... عن سنب النبات غير كسر"، والصواب في المخطوطة، ولكنه غير منقوط فأساؤوا قراءته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٥٨٥٣ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"لا انفصام لها"، قال: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
٥٨٥٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٥٨٥٥ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"لا انفصام لها"، قال: لا انقطاع لها.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره:"والله سميع"، إيمان المؤمن بالله وحده، الكافر بالطاغوت، عند إقراره بوحدانية الله، وتبرئه من الأنداد والأوثان التي تعبد
من دون الله="عليم" بما عزم عليه من توحيد الله وإخلاص ربوبيته قلبه، (١) وما انطوى عليه من البراءة من الآلهة والأصنام والطواغيت ضميره، وبغير ذلك مما أخفته نفس كل أحد من خلقه، لا ينكتم عنه سر، ولا يخفى عليه أمر، حتى يجازي كلا يوم القيامة بما نطق به لسانه، وأضمرته نفسه، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.
* * *
(١) السياق: "بما عزم عليه... قلبه"، مرفوعا فاعل"عزم".

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى :﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ أي : لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا. وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كانت المرأة تكون مِقْلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا : لا ندع أبناءنا فأنزل الله عز وجل :﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾
وقد رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بُنْدَار به(١) ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه. وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به(٢)، وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم : أنها نزلت في ذلك.
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد الجرشي عن(٣) زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد [ بن جبير ](٤) عن ابن عباس قوله :﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال : نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له : الحصيني كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلمًا فقال للنبي ﷺ : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية ؟ فأنزل الله فيه ذلك.
رواه ابن جرير وروى السدي نحو ذلك وزاد : وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله ﷺ أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عوف أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أُسَق قال : كنت في دينهم مملوكًا نصرانيًا لعمر بن الخطاب فكان يعرض علي الإسلام فآبى فيقول :﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ويقول : يا أُسَق لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين.
وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية. وقال آخرون : بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام فإن أبى أحد منهم الدخول فيه ولم ينقد له أو يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل. وهذا معنى الإكراه قال الله تعالى :﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُون﴾ [الفتح: ١٦] وقال تعالى :﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩] وقال تعالى :﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] وفي الصحيح :" عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل " (٥) يعني : الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا يحيى عن حميد عن أنس : أن رسول الله ﷺ قال لرجل :" أسلم " قال : إني أجدني كارها. قال :" وإن كنت كارها " (٦) فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل فإنه لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام بل دعاه إليه فأخبر أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له :" أسلم وإن كنت كارهًا فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص ".
وقوله :﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي : من خلع الأنداد والأوثان(٧) وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي : فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم.
قال أبو القاسم البغوي : حدثنا أبو روح البلدي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق عن حسان - هو ابن فائد العبسي - قال : قال عمر رضي الله عنه : إن الجِبت : السحر والطاغوت : الشيطان، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ويفر الجبان من(٨) أمه، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه، وإن كان فارسيًّا أو نبطيا. وهكذا رواه ابن جرير(٩) وابن أبي حاتم من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن حسان بن فائد العبسي عن عمر فذكره.
ومعنى قوله في الطاغوت : إنه الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها.
وقوله :﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ أي : فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد ولهذا قال :﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال مجاهد :﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ يعني : الإيمان. وقال السدي : هو الإسلام وقال سعيد بن جبير والضحاك : يعني لا إله إلا الله. وعن أنس(١٠) بن مالك :﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ : القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال : هو الحب في الله والبغض في الله.
وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها.
وقال معاذ بن جبل في قوله :﴿لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ أي : لا انقطاع لها دون دخول الجنة.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير :﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ ثم قرأ :﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن يوسف حدثنا ابن عون عن محمد عن قيس بن عباد قال : كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فدخل فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم : هذا رجل من أهل الجنة. فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس(١١) قلت له : إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا وكذا. قال : سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم وسأحدثك لم : إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه : رأيت كأني في روضة خضراء - قال ابن عون : فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة، فقيل لي : اصعد عليه فقلت : لا أستطيع. فجاءني مِنْصَف - قال ابن عون : هو الوصيف(١٢) - فرفع ثيابي من خلفي، فقال : اصعد. فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال : استمسك بالعروة. فاستيقظت وإنها لفي يدي فأتيت رسول الله ﷺ فقصصتها عليه. فقال :" أما الروضة فروضة الإسلام وأما العمود فعمود الإسلام وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت " (١٣).
قال : وهو عبد الله بن سلام أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون(١٤) وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن محمد بن سيرين به(١٥).
طريق أخرى وسياق آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع عن خرشة بن الحُرِّ قال : قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي ﷺ. فجاء شيخ يتوكأ على عصًا له فقال القوم : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقمت إليه، فقلت له : قال بعض القوم : كذا وكذا. فقال : الجنة لله يُدخلها(١٦) من يشاء وإني رأيت على عهد رسول الله ﷺ رؤيا، رأيت كأن رجلا أتاني فقال : انطلق. فذهبت معه فسلك بي منهجًا عظيمًا فعرضت لي طريق عن يساري، فأردت أن أسلكها. فقال : إنك لست من أهلها. ثم عرضت لي طريق عن يميني فسلكتها حتى انتهت إلى جبل زلق فأخذ بيدي فزجل(١٧) فإذا أنا على ذروته، فلم أتقار ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل(١٨) حتى أخذت بالعروة فقال : استمسك. فقلت : نعم. فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال :" رأيت خيرًا أما المنهج العظيم فالمحشر(١٩)، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام فاستمسك بها حتى تموت ". قال : فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة. قال : وإذا هو عبد الله بن سلام(٢٠).
وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى الأشيب كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه(٢١). وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مُسْهِر عن خرشة بن الحُرّ الفزاري به(٢٢).
١ تفسير الطبري (٥/٤٠٧، ٤٠٨) وسنن أبي داود برقم (٢٦٨٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٤٨)..
٢ صحيح ابن حبان برقم (١٧٢٥) "موارد"..
٣ في و: "مولى"..
٤ زيادة من جـ، أ..
٥ صحيح البخاري برقم (٣٠١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٦ المسند (٣/١٨١)..
٧ في أ: "والأديان"..
٨ في جـ، أ، و: "عن"..
٩ تفسير الطبري (٥/٤١٧)..
١٠ في أ: "وعن يونس"..
١١ في جـ: "فلما أنس"..
١٢ في أ: "هو الوصف"..
١٣ المسند (٥/٤٥٢)..
١٤ صحيح البخاري برقم (٣٨١٣) وصحيح مسلم برقم (٢٤٨٤)..
١٥ صحيح البخاري برقم (٧٠١٠)..
١٦ في جـ: "سيدخلها"..
١٧ في جـ، أ، و: "فدحا بي"..
١٨ في جـ، أ، و: "فدحا بي"..
١٩ في جـ: "فالمحن"..
٢٠ المسند (٥/٤٥٢، ٤٥٣)..
٢١ سنن النسائي الكبرى برقم (٧٦٣٣) وسنن ابن ماجة برقم (٣٩٢٠)..
٢٢ صحيح مسلم برقم (٢٤٨٤)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
بَيْنَهُمَا، بَلْ ذَلِكَ سَهْلٌ عَلَيْهِ يَسِيرٌ لَدَيْهِ وَهُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، الرَّقِيبُ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا حَقِيرَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَوَاضِعَةٌ ذَلِيلَةٌ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، مُحْتَاجَةٌ فَقِيرَةٌ وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ الْفَعَّالُ لَمَّا يُرِيدُ، الَّذِي لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَهُوَ الْقَاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ الْحَسِيبُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الرَّقِيبُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُو [الْعَلِيُّ الْكَبِير﴾ وَكَقَوْلِهِ] (١) :﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَال﴾ [الرَّعْدِ: ٩].
وَهَذِهِ الْآيَاتُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الْأَجْوَدُ فِيهَا طَرِيقَةُ السَّلَفِ الصَالِحٍ إِمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ أَيْ: لَا تُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ بَيِّنٌ وَاضِحٌ جَلِيٌّ دَلَائِلُهُ وَبَرَاهِينُهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُكْرَهَ أَحَدٌ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ، بَلْ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ وَشَرَحَ صَدْرَهُ وَنَوَّرَ بَصِيرَتَهُ دَخَلَ فِيهِ عَلَى بَيِّنَةٍ، وَمَنْ أَعْمَى اللَّهُ قَلَبَهُ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُهُ الدُّخُولُ فِي الدِّينِ مُكْرَهًا مَقْسُورًا. وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا عَامًّا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلاتًا فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ بُنْدَار بِهِ (٢) وَمِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ نَحْوَهُ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ (٣)، وَهَكَذَا ذَكَرَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُرَشِيِّ عَنْ (٤) زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ [بْنِ جُبَيْرٍ] (٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ يُقَالُ لَهُ: الْحُصَيْنِيُّ كَانَ لَهُ ابْنَانِ نَصْرَانِيَّانِ، وَكَانَ هُوَ رَجُلًا مُسْلِمًا فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا أَسْتَكْرِهَهُمَا فَإِنَّهُمَا قَدْ أَبَيَا إِلَّا النَّصْرَانِيَّةَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ذَلِكَ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَرَوَى السُّدِّيُّ نَحْوَ ذَلِكَ وَزَادَ: وَكَانَا قَدْ تَنَصَّرَا عَلَى يَدَيْ تُجَّارٍ قَدِمُوا مِنَ الشَّامِ يَحْمِلُونَ زَيْتًا فَلَمَّا عَزَمَا عَلَى الذَّهَابِ مَعَهُمْ أَرَادَ أَبُوهُمَا أَنْ يَسْتَكْرِهَهُمَا، وَطَلَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ يَبْعَثَ فِي آثَارِهِمَا، فَنَزَلَتْ هذه الآية.
(١) زيادة من أ، و.
(٢) تفسير الطبري (٥/٤٠٧، ٤٠٨) وسنن أبي داود برقم (٢٦٨٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٤٨).
(٣) صحيح ابن حبان برقم (١٧٢٥) "موارد".
(٤) في و: "مولى".
(٥) زيادة من جـ، أ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنْ أُسَق قَالَ: كُنْتُ فِي دِينِهِمْ مَمْلُوكًا نَصْرَانِيًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَانَ يَعْرِضُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَآبَى فَيَقُولُ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ وَيَقُولُ: يَا أُسَق لَوْ أَسْلَمْتَ لَاسْتَعَنَّا بِكَ عَلَى بَعْضِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُدْعَى جَمِيعُ الْأُمَمِ إِلَى الدُّخُولِ فِي الدِّينِ الْحَنِيفِ دِينِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَبَى أَحَدٌ مِنْهُمُ الدُّخُولَ فِيهِ وَلَمْ يَنْقَدْ لَهُ أَوْ يَبْذُلِ الْجِزْيَةَ، قُوتِلَ حَتَّى يُقْتَلَ. وَهَذَا مَعْنَى الْإِكْرَاهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُون﴾ [الفتح: ١٦] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٩] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٣] وَفِي الصَّحِيحِ: "عَجِبَ رَبُّكَ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ" (١) يَعْنِي: الْأَسَارَى الَّذِينَ يَقَدَمُ بِهِمْ بِلَادَ الْإِسْلَامِ فِي الْوَثَائِقِ وَالْأَغْلَالِ وَالْقُيُودِ وَالْأَكْبَالِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُسْلِمُونَ وَتَصْلُحُ أَعْمَالُهُمْ وَسَرَائِرُهُمْ فَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ: "أَسْلِمْ" قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي كَارِهًا. قَالَ: "وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا" (٢) فَإِنَّهُ ثُلَاثِيٌّ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَإِنَّهُ لَمْ يُكْرِهْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَلْ دَعَاهُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَ أَنَّ نَفْسَهُ لَيْسَتْ قَابِلَةً لَهُ بَلْ هِيَ كَارِهَةٌ فَقَالَ لَهُ: "أَسْلِمْ وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا فَإِنَّ اللَّهَ سَيَرْزُقُكَ حُسْنَ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ".
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: مَنْ خَلَعَ الْأَنْدَادَ وَالْأَوْثَانَ (٣) وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ مِنْ عِبَادَةِ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللَّهِ، وَوَحَّدَ اللَّهَ فَعَبَدَهُ وَحْدَهُ وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أَيْ: فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَمْرِهِ وَاسْتَقَامَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْبَلَدِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَسَّانَ -هُوَ ابْنُ فَائِدٍ الْعَبْسِيُّ-قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ الجِبت: السَّحَرُ وَالطَّاغُوتَ: الشَّيْطَانُ، وَإِنَّ الشَّجَاعَةَ وَالْجُبْنَ غَرَائِزُ تَكُونُ فِي الرِّجَالِ يُقَاتِلُ الشُّجَاعُ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ وَيَفِرُّ الْجَبَانُ مِنْ (٤) أُمِّهِ، وَإِنَّ كَرَمَ الرَّجُلِ دِينُهُ، وَحَسَبَهُ خُلُقُهُ، وَإِنْ كَانَ فَارِسِيًّا أَوْ نَبَطِيًّا. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ (٥) وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ الْعَبْسِيِّ عَنْ عُمَرَ فَذِكَرَهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الطَّاغُوتِ: إِنَّهُ الشَّيْطَانُ قَوِيٌّ جِدًّا فَإِنَّهُ يَشْمَلُ كُلَّ شَرٍّ كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالتَّحَاكُمِ إِلَيْهَا وَالِاسْتِنْصَارِ بِهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ أَيْ: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب،
(١) صحيح البخاري برقم (٣٠١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) المسند (٣/١٨١).
(٣) في أ: "والأديان".
(٤) في جـ، أ، و: "عن".
(٥) تفسير الطبري (٥/٤١٧).
وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الَّتِي لَا تَنْفَصِمُ فَهِيَ فِي نَفْسِهَا مُحْكَمَةٌ مُبْرَمَةٌ قَوِيَّةٌ وَرَبْطُهَا قَوِيٌّ شَدِيدٌ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ يَعْنِي: الْإِيمَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ الْإِسْلَامُ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَعَنْ أَنَسِ (١) بْنِ مَالِكٍ: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ : الْقُرْآنُ. وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: هُوَ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهَا.
وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ أَيْ: لَا انْقِطَاعَ لَهَا دُونَ دُخُولِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرَّعْدِ: ١١].
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ، فَدَخَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْجَزَ فِيهِمَا فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَلَمَّا خَرَجَ اتَّبَعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَدَخَلْتُ مَعَهُ فَحَدَّثْتُهُ فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ (٢) قُلْتُ لَهُ: إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ الْمَسْجِدَ قَالُوا كَذَا وَكَذَا. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ: إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَذَكَرَ مِنْ خُضْرَتِهَا وَسِعَتِهَا-وَسَطُهَا عَمُودُ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِيَ: اصْعَدْ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ. فَجَاءَنِي مِنْصَف -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: هُوَ الْوَصِيفُ (٣) -فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي، فَقَالَ: اصْعَدْ. فَصَعِدْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقَالَ: اسْتَمْسِكْ بِالْعُرْوَةِ. فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ. فَقَالَ: "أَمَّا الرَّوْضَةُ فَرَوْضَةُ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الْعَمُودُ فَعَمُودُ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، أَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ" (٤).
قَالَ: وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ (٥) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِهِ (٦).
طَرِيقٌ أُخْرَى وَسِيَاقٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَلَسْتُ إِلَى مَشْيَخَةٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَجَاءَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا لَهُ فَقَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنَّ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا. فَقَامَ خَلْفَ سَارِيَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: الْجَنَّةُ لِلَّهِ يُدخلها (٧) مَنْ يَشَاءُ وَإِنِّي رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤْيَا، رَأَيْتُ كَأَنَّ رَجُلًا أَتَانِي فَقَالَ: انْطَلِقْ. فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَلَكَ بِي مَنْهَجًا عَظِيمًا فَعَرَضَتْ لِي طَرِيقٌ عَنْ يَسَارِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْلُكَهَا. فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا. ثُمَّ عَرَضَتْ لِي طريق عن
(١) في أ: "وعن يونس".
(٢) في جـ: "فلما أنس".
(٣) في أ: "هو الوصف".
(٤) المسند (٥/٤٥٢).
(٥) صحيح البخاري برقم (٣٨١٣) وصحيح مسلم برقم (٢٤٨٤).
(٦) صحيح البخاري برقم (٧٠١٠).
(٧) في جـ: "سيدخلها".
يَمِينِي فَسَلَكْتُهَا حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى جَبَلٍ زَلَقٍ فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ (١) فَإِذَا أَنَا عَلَى ذُرْوَتِهِ، فَلَمْ أَتَقَارَّ وَلَمْ أَتَمَاسَكْ فَإِذَا عَمُودُ حَدِيدٍ فِي ذُرْوَتِهِ حَلْقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ (٢) حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقَالَ: اسْتَمْسِكْ. فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَضَرَبَ الْعَمُودَ بِرِجْلِهِ فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَصَصْتُهَا على رسول الله ﷺ فَقَالَ: "رَأَيْتَ خَيْرًا أَمَّا الْمَنْهَجُ الْعَظِيمُ فَالْمَحْشَرُ (٣)، وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي عَرَضَتْ عَنْ يَسَارِكَ فَطَرِيقُ أَهْلِ النَّارِ، وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي عَرَضَتْ عَنْ يَمِينِكَ فَطَرِيقُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الْجَبَلُ الزَّلَقُ فَمَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ الَّتِي اسْتَمْسَكْتَ بِهَا فَعُرْوَةُ الْإِسْلَامِ فَاسْتَمْسِكْ بِهَا حَتَّى تَمُوتَ". قَالَ: فَإِنَّمَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. قَالَ: وَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ (٤).
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَفَّانَ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شيبة، عن الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ نَحْوَهُ (٥). وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِر عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرّ الْفَزَارِيِّ بِهِ (٦).
(١) في جـ، أ، و: "فدحا بي".
(٢) في جـ، أ، و: "فدحا بي".
(٣) في جـ: "فالمحن".
(٤) المسند (٥/٤٥٢، ٤٥٣).
(٥) سنن النسائي الكبرى برقم (٧٦٣٣) وسنن ابن ماجة برقم (٣٩٢٠).
(٦) صحيح مسلم برقم (٢٤٨٤).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء، فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ أي : بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه، وكان المتمسك به على ثقة من أمره، لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي ﴿لا انفصام لها﴾ وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت، فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها العصمة والنجاة، واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم ﴿والله سميع عليم﴾ فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات، فأخبر تعالى عن نفسه الكريمة بأن ﴿لا إله إلا هو﴾ أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة، وقوله: ﴿الحي القيوم﴾ هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين: إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ومن تمام حياته وقيوميته أن ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ والسنة النعاس ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فلهذا قال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ أي: لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن، ثم قال ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ أي: ما مضى من جميع الأمور ﴿وما خلفهم﴾ أي: ما يستقبل منها، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى، ولهذا قال: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال: ﴿ولا يؤوده﴾ أي: يثقله ﴿حفظهما وهو العلي﴾ بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته ﴿العظيم﴾ الذي تتضاءل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء، فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة سلطانه وجلاله ومجده، وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته، فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته، متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا ثم قال تعالى:
-[١١١]-
{٢٥٦ - ٢٥٧} ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء، فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ أي: بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه، وكان المتمسك به على ثقة من أمره، لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي ﴿لا انفصام لها﴾ وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت، فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها العصمة والنجاة، واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم ﴿والله سميع عليم﴾ فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
بِالطَّاغُوتِ
كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ.
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ
بالعَقْدِ المُحْكَمِ.

إعراب الآية ٢٥٦ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

الغنائم وأعطيت الشفاعة» «١». ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجرة وإطعامه خلقا عظيما من تميرات ودرور شاة أم معبد بعد جفاف. وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ مفعولان. وَلكِنِ اخْتَلَفُوا كسرت النون لالتقاء الساكنين ويجوز حذفها لالتقاء الساكنين في غير القرآن وأنشد سيبويه: [الطويل] ٥٥-
فلست بآتيه ولا أستطيعهولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل «٢»
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ «من» في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٤]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ: الجملة في موضع رفع نعت لليوم فإن شئت رفعت فقلت لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ تجعل «لا» بمعنى «ليس» أو بالابتداء وإن شئت نصبت على التّبرئة وقد ذكرناه قبل هذا «٣». وَالْكافِرُونَ ابتداء.
هُمُ ابتداء ثان. الظَّالِمُونَ خبر الثاني وإن شئت كانت «هم» زائدة للفصل والظالمون خبر الكافرون.

[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٥٥ الى ٢٥٦]

اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ابتداء وخبر، وهو مرفوع محمول على المعنى أي ما إله إلّا هو، ويجوز لا إله إلّا هو، ويجوز في غير القرآن لا إله إلّا إيّاه نصب على الاستثناء.
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ١١٦، ٥/ ١٤٥، وابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٢١٨، والهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٦٥، وابن سعد في الطبقات الكبرى ١/ ١٢٧، وابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ١٥٤.
(٢) الشاهد للنجاشي الحارثي في ديوانه ص ١١١، والأزهية ص ٢٩٦، وخزانة الأدب ١٠/ ٤١٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٩٥، وشرح التصريح ١/ ١٩٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٠١، والكتاب ١/ ٥٥، والمنصف ٢/ ٢٢٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٣٣، والإنصاف ٢/ ٦٨٤، وأوضح المسالك ١/ ٦٧١، وتخليص الشواهد ص ٢٦٩، والجنى الداني ص ٥٩٢، وخزانة الأدب ٥/ ٢٦٥، ورصف المباني ص ٢٧٧، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٤٤٠، وشرح الأشموني ١/ ١٣٦، وشرح المفصل ٩/ ١٤٢، واللامات ١٥٩، ولسان العرب (لكن)، ومغني اللبيب ١/ ٢٩١، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٦، وتاج العروس (لكن).
(٣) راجع إعراب آية (٦٢).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢٥٦ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [٢٥٦].
أخبرنا محمد بن أحمد بن جعفر المزكي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا الحسين بن محمد بن مصعب قال: حدَّثنا يحيى بن حكيم، حدَّثنا ابن أبي عدي عن شُعْبَة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال:
كانت المرأة من نساء الأنصار تكون مِقْلاَةً فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَه فلما أُجْلِيَت النَّضِير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ﴾. الآية.
أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، حدَّثنا محمد بن يعقوب، حدَّثنا إبراهيم بن مرزوق، حدَّثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾ قال:
كانت المرأة من الأنصار لا يكاد يعيش لها ولد، فتحلف لئن عاش لها ولد لَتُهَوِّدَنَّهُ، فلما أُجْلِيَتْ بنو النَّضِير إِذَا فيهم أناس من [أبناء] الأنصار، فقالت الأنصار: يا رسول الله، أبناؤنا، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾.
قال سعيد بن جبير: فمن شاء لحق بهم، ومن شاء دخل في الإسلام.
وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار كان له غلام أسود يقال له: صُبيَح، وكان يكرهه على الإِسلام.
وقال السُّدي: نزلت في رجل من الأنصار يكنى أَبا الحُصَين، وكان له ابنان، فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا وخرجا إلى الشام، فأخبر أبو الحصين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اطلبهما، فأنزل الله عز وجل: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبعدهما الله، هما أول من كفر. قال: وكان هذا قبل أن يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقتال أهل الكتاب، ثم نسخ قوله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾ وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة.
وقال مسروق: كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان، فتنصرا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الطعام، فأتاهما أبوهما، فلزمهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا أن يسلما، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فأ، زل الله عز وجل: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ﴾ فخلى سبيلهما.
أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم المقري، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عَبْدُوس، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محفوظ، حدَّثنا عبد الله بن هاشم، حدَّثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيّ، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد قال:
كان ناس مسترضعين في اليهود: قُرَيْظَةَ والنَّضِير، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بإجلاء بني النضير، قال أبناؤهم من الأوس الذين كانوا مسترضعين فيهم: لنذهبن معهم، ولنَدينَنَّ بدينهم، فمنعهم أهلهم وأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾ الآية.

الموضوعات القرآنية للآية ٢٥٦ من سورة البقرة

١٢ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٧٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣٥ قولًا
١
عن سعيد بن جبير، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٧.
٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾، قال: لا انقِطاع لها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٦٢، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٧.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لا انفصام لها﴾ يقول: لا انقطاع له دون الجنة، ﴿والله سميع﴾ لقولهم، ﴿عليم﴾ به١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٤.
٤
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾، قال: بالشيطان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٧، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٥.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ يعني: الشيطان، ﴿ويؤمن بالله﴾ بأنّه واحد لا شريك له١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٤.
٦
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾، قال: كُهّان تَنَزَّل عليها شياطين، يُلقون على ألسنتهم وقلوبهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٨، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٧٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢رَجَّح ابنُ جرير (٤/٥٥٨) مستندًا إلى دلالة العموم أنّ الطاغوت: «كل ذي طغيان طغى على الله فعُبِد من دونه، إمّا بقهرٍ منه لِمَن عبده، وإمّا بطاعةٍ مِمَّن عبده له، إنسانًا كان ذلك المعبودُ، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء». ووجَّه ابنُ عطية (٢/٣٢) الأقوال في معنى الطاغوت بقوله: «وبيِّنٌ أنّ هذه أمثلة في الطاغوت؛ لأنّ كل واحد منها له طغيان، والشيطان أصل ذلك كله».
٧
عن مالك بن أنس -من طريق ابن وهْب- قال: الطاغوتُ: ما يَعْبُدون من دون الله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٥، ٣‏/‏٩٧٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢عَلَّق ابنُ عطية (٢/٣٢) على هذا القول، فقال: «وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك، كفرعون ونمرود ونحوه، وأمّا من لا يرضى ذلك، كعزير وعيسى، ومَن لا يعقل، كالأوثان؛ فسُمِّيَت طاغوتًا في حَقِّ العَبَدَة، وذلك مجاز، إذ هي بسبب الطاغوت الذي يأمر بذلك ويُحَسِّنُه، وهو الشيطان».
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾، قال: لا إله إلا الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٨‏/‏٥٦٩، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٩
عن عبد الله بن عباس، قال: القَدَرُ نِظامُ التوحيد، فمن كفر بالقَدَر كان كُفْرُه بالقَدَرِ نَقْصًا للتوحيد، فإذا وحَّد اللهَ وآمن بالقَدَرِ فهي العُرْوَة الوُثْقى١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٠
عن أنس بن مالك -من طريق مغيرة بن حسان- في قوله: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾، قال: القرآن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٠‏/‏٤٨٥، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٦.
١١
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر بن أبي المغيرة- قوله: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾، قال: لا إله إلا الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٦٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٦.
١٢
عن سالم بن أبي الجَعْد، قال: العروة الوثقى: الحُبُّ في الله، والبُغْضُ في الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٦.
١٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿بالعروة الوثقى﴾، قال: الإيمان. ولفظ سفيان قال: كلمة الإخلاص١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٤٣، وأخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٦٠، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٦. وعزاه السيوطي إلى سفيان بن عيينة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
١٤
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾، قال: لا إله إلا الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٦١.
١٥
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: العُرْوَةُ الوثقى هو الإسلام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٦٠، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٦.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ يقول: أخَذَ الثِّقَة -يعني: الإسلام- التي ﴿لا انفصام لها﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ عطية (٢/٣٢)، وابنُ كثير (٢/٤٤٧) هذه الأقوال بأنها صحيحة، ولا تنافي بينها، فكلها ترجع إلى معنى واحد.
١٧
عن معاذ بن جبل -من طريق حميد بن أبي الخُزامى- أنّه سُئِل عن قوله: ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾. قال: لا انقطاعَ لها دون دخول الجنة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٨
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾، قال: لا يُغَيِّر الله ما بقوم حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٦٢، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٧.
١٩
عن عبد الله بن عباس، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢/ ٤٩٥.
٢٠
وعن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس-، وإسماعيل السدي -من طريق أسباط-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٤٩٥.
٢١
عن الكلبي، مثل ذلك١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٣٦.
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿بالطاغوت﴾، قال: الطاغوتُ: الذي يكون بين يدي الأصنام، يُعَبِّرون عنها الكذب؛ لِيُضِلُّوا الناسَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٥.
٢٣
عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي الزبير- أنّه سُئِل عن الطواغيت. قال: كان في جُهَيْنَةَ واحد، وفي أسْلَمَ واحد، وفي كُلِّ حَيٍّ واحد، وهم كُهّانٌ تَنَزَّلُ عليهم الشياطينُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٨، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٧٦.
٢٤
عن أبي العالية -من طريق محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى عن داود- قال: الطاغوت: الساحرُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٧.
٢٥
عن أبي العالية -من طريق إبراهيم الحربي، عن عبد الأعلى، عن داود-: الطاغوتُ: الشاعرُ١
التخريج
  1. ١أخرجه الحربي في غريب الحديث ٢‏/‏٦٤٣. كذا في النسخة المطبوعة، وهي مخالفةٌ للرواية السابقة عند ابن جرير، مع أنّ كلاهما من طريق عبد الأعلى عن داود!.
٢٦
عن [رفيع أبي العالية-من طريق عبد الوهاب، عن داود- قال: الطاغوتُ: الكاهنُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٨. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٧٦.
٢٧
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بِشْر- قال: الطاغوتُ: الكاهنُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٧. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٧٦.
٢٨
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: الطاغوتُ: الشيطانُ في صورة الإنسان، يتحاكمون إليه، وهو صاحبُ أمرِهم١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٤٣، وأخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٦، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٥، ٣‏/‏٩٧٦ واللفظ له. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٩
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾، قال: الطاغوتُ: الشيطانُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٦. وعلَّقه ابنُ أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٥ (عَقِب ٢٦١٨).
٣٠
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: الطاغوتُ: الكاهنُ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. وهو معلَّق في المطبوع منه ٣‏/‏٩٧٦.
٣١
عن عامر الشعبي -من طريق زكريا- قال: الطاغوتُ: الشيطانُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٦. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٧٥.
٣٢
عن حَنَش بن الحارث، سمعتُ الشعبيَّ يقول: الطاغوتُ: الساحرُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٥.
٣٣
عن محمد بن سيرين -من طريق عوف- قال: الطاغوتُ: الساحرُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٧.
٣٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: الطاغوتُ: الشيطانُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٧.
٣٥
عن عمر بن الخطاب -من طريق حَسّان بن فائِد العبسي- قال: الطاغوتُ: الشيطانُ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٦٤٩- تفسير)، وابن جرير ٤‏/‏٥٥٩، ٧‏/‏١٣٥، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٥ (عقب ٢٦١٨). وعلَّقه البخاري ٦‏/‏٥٧. وعزاه السيوطي إلى الفريابي.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهبَ ابنُ كثير (٢/٤٤٧) مستندًا إلى دلالة العموم إلى نحوِ قول عمر، فقال: «ومعنى قوله في الطاغوت: إنّه الشيطان. قَوِيٌّ جِدًّا؛ فإنه يشمل كُلَّ شرٍّ كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها».

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن أبي الدَّرْداء: أنّه عاد مريضًا مِن جِيرَتِه، فوجده في السَّوْقِ وهو يُغَرْغِر، لا يفقهون ما يريد، فسألهم: يريد أن ينطق؟ قالوا: نعم، يُرِيد أن يقول: آمنتُ بالله، وكفرتُ بالطاغوت. قال أبو الدرداء: وما علمكم بذلك؟ قالوا: لم يَزَلْ يُرَدِّدُها حتى انكسر لسانه، فنحن نعلم أنّه إنّما يريد أن ينطق بها. فقال أبو الدرداء: أفلحَ صاحبكم؛ إنّ الله يقول: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا الفصام لها والله سميع عليم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٩.
٢
عن عبد الله بن سلام، قال: رأيت رُؤْيا على عهد رسول الله ﷺ، رأيتُ كأنِّي في روضة خضراء، وسطها عمود حديد، أسفلُه في الأرض، وأعلاه في السماء، في أعلاه عُرْوَةٌ١، فقيل لي: اصعد عليه. فصعِدتُ حتى أخذتُ بالعروة، فقال: استمسك بالعُرْوَة. فاستيقظتُ وهي في يدي، فقَصَصْتُها على رسول الله ﷺ، فقال: «تلك الروضة الإسلام، وذلك العَمود عَمود الإسلام، وتلك العُروة عُروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تَموت»٢
التخريج
  1. ١العروة: المقبض، وتجمع على عُرًى. النهاية (عرو).
  2. ٢أخرجه البخاري ٥‏/‏٣٧ (٣٨١٣)، ٩‏/‏٣٦ (٧٠١٠)، ٩‏/‏٣٧ (٧٠١٤)، ومسلم ٤‏/‏١٩٣٠-١٩٣١ (٢٤٨٤).
٣
عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «اقتدوا باللَّذَيْنِ مِن بعدي؛ أبي بكر وعمر، فإنهما حبلُ الله الممدود، فمَن تمسَّك بهما فقد تمسك بعروة الله الوثقى التي لا انفصام لها»١
التخريج
  1. ١رواه الطبراني في مسند الشاميين ٢‏/‏٥٧ (٩١٣)، وابن عساكر ٣٠‏/‏٢٢٩ (٦٣٥٢). قال الهيثمي في المجمع ٩‏/‏٥٣ (١٤٣٥٦): «رواه الطبراني، وفيه مَن لم أعرفهم». وقال الألباني في الضعيفة ٥‏/‏٣٥٥ (٢٣٣٠): «ضعيف».

تفسير الآية

١٢ قولًا
١
عن أسلم: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول لعجوز نَصْرانِيَّة: أسلِمي تَسْلَمي. فَأبَت، فقال عمر: اللَّهُمَّ، اشْهَدْ. ثم تلا: ﴿لا إكراه في الدين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس ص٢٥٩.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾، قال: وذلك لَمّا دخل الناسُ في الإسلام، وأعطى أهلُ الكتاب الجزيةَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٣، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٥.
٣
عن ابن أبي نَجِيح، قال: سمعتُ مجاهدًا يقول لغلام له نصرانيٍّ: يا جريرُ، أسْلِم. ثم قال: هكذا كان يُقال لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٠٢، وابن جرير ٤‏/‏٥٥٢.
٤
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿لا إكْراهَ فِي الدِّينِ﴾، قال: أُمِر رسول الله ﷺ أن يُقاتِل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يَقْبَل منهم إلا: لا إله إلا الله، أو السيف، ثم أمر في مَن سواهم بأن يقبل منهم الجِزية، فقال: ﴿لا إكْراهَ فِي الدِّينِ﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٢/٣٠) على هذا الأثر، فقال: «وعلى مذهب مالك أنّ الجزية تُقْبَل من كُلِّ كافر سوى قريش، أيَّ نوع كان، فتجيء الآيةُ خاصَّة فيمن أعطى الجزية من الناس كلهم، لا يقف ذلك على أهل الكتاب كما قال قتادة والضحاك».
٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في الآية، قال: كانت العرب ليس لها دين، فأُكْرِهوا على الدين بالسيف. قال: ولا يُكْرَهُ اليهودُ ولا النصارى والمجوسُ إذا أعْطَوُا الجزيةَ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٠٢، وابن جرير ٤‏/‏٥٥١، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه.
٦
عن عطاء، وأبي رَوْق، والواقدي، نحوه١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢/ ٢٣٥.
٧
عن الحسن البصري -من طريق وائل بن داود- في قوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾، قال: لا يُكْرَه أهلُ الكتاب على الإسلام١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٤٣٠- تفسير).
٨
عن أبي سعيد السَّرّاج، قال: سمعتُ الحسن [البصري] وسأله رجلٌ فقال: مملوكي لا يُصَلِّي، أضرِبُه؟ قال: ﴿لا إكْراهَ فِي الدِّينِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٤.
٩
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- في قوله: ﴿لا إكْراهَ فِي الدِّينِ﴾، يقول: لا تُكْرِهوا أحدًا على الإسلام، مَن شاء أسلم، ومَن شاء أعطى جِزْيَةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٤.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لا إكراه في الدين﴾ لأحدٍ بعد إسلام العرب، إذا أقرُّوا بالجزية١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢رَجَّح ابنُ جرير (٤/٥٥٣-٥٥٤) مستندًا إلى السّنَةِ، والدلالات العقلية قولَ قتادة من طريق مَعْمَر، والضحاك من طريق جويبر، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح؛ بأنّ الآية نزلت في خاصٍّ مِن الكفار، ولم يُنسخ منها شيء، وأنّ عدم الإكراه في الدين إنّما هو لأهل الكتاب والمجوس وكُلِّ مَن جاز إقرارُه على دينه المخالِفِ دينَ الحق، وأخذ الجزية منه، فقال مُعَلِّلًا ترجيحَه: «وإنّما قُلنا: هذا القولُ أولى الأقوال في ذلك بالصواب لِما قد دَلَّلنا عليه من أنّ الناسخ غيرُ كائن ناسخًا إلا ما نفى حُكْمَ المنسوخ، فلم يَجُزِ اجتماعُهما، فأمّا ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وباطنه الخصوص فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل، وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستحيل أن يُقال: لا إكراه لأحد ممن أخذت منه الجزية في الدين، ولم يكن في الآية دليلٌ على أن تأويلها بخلاف ذلك، وكان المسلمون جميعًا قد نقلوا عن نبيهم ﷺ أنّه أكره على الإسلام قومًا، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وأنّه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه، وإقراره على دينه الباطل». وانتَقَدَ (٤/٥٥٤) مَن قال بأنّ الآية منسوخة؛ بأنّه قولٌ لا معنى له. ثُمَّ بيَّن بأنّ قول ابن عباس من طريق ابن إسحاق وما في معناه: «غير مدفوعةٍ صحتُه، ولكنَّ الآية قد تنزل في خاصٍّ من الأمر ثم يكون حكمها عامًّا في كلِّ ما جانس المعنى الذي أنزلت فيه، فالذين أُنزِلَت فيهم هذه الآية على ما ذكر ابن عباس وغيرُه إنّما كانوا قومًا دانَوْا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عَقْدِ أهل الإسلام لهم، فنهى الله -تعالى ذِكْرُه- عن إكراههم على الإسلام، وأنزل بالنهي عن ذلك آيةً يَعُمُّ حكمُها كلَّ مَن كان في مثل معناهم مِمَّن كان على دينٍ من الأديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها، وإقرارهم عليها». ورَجّح ابنُ القيم (١/١٩١) مستندًا إلى دلالة العموم بأنّ الآية في حق كل كافر، وقال: «وهذا ظاهرٌ على قول من يُجَوِّزُ أخْذَ الجِزْيَةِ من جميع الكفار».
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾، يقول: قد تبين الضلالةُ مِن الهُدى١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٤.
١٢
عن وُسَّقَ الرُّومِيِّ، قال: كنتُ مملوكًا لعمر بن الخطاب، فكان يقول لي: أسْلِمْ، فإنّك لو أسلمتَ استعنتُ بك على أمانة المسلمين، فإنّه لا أستعين على أمانتهم بمن ليس منهم. فأبيتُ عليه، فقال لي: ﴿لا إكراه في الدين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٤٣١- تفسير)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٥٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

قراءات

قول واحد
١
عن حُميد الأعرج، أنّه كان يقرأ: (قَد تَّبَيَّنَ الرَّشَدُ مِنَ الغَيِّ)، وكان يقول: قراءتي على قراءة مجاهد١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٤٣٣ - تفسير). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن السلمي. انظر: مختصر ابن خالويه ص ٢٣.

نزول الآية

١٣ قولًا
١
وعن مسروق: كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان، فتَنَصَّرا قبل مبعث النبي ﷺ، ثُمَّ قَدِما المدينة في نَفَرٍ من النصارى يحملون الطعام، فلَزِمَهُما أبوهما، وقال: لا أدَعَكُما حتى تُسْلِما. فتخاصما إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، أيدخل بعضي النارُ وأنا أنظر؟! فأنزل الله تعالى: ﴿لا إكْراهَ فِي الدِّينِ﴾. فخلّى سبيلَهما١
التخريج
  1. ١أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٨٤ مرسلًا.
٢
عن مجاهد بن جبر، نحوه١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ٢‏/‏٢٣٤ مرسلًا.
٣
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بِشر- في قوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾، قال: نزلت في الأنصار خاصَّة. قلت: خاصَّة؟ قال: خاصَّة؛ كانت المرأة منهم إذا كانت نَزْرَة١ أو مِقْلاتًا تنذر: لَئِن ولَدَت ولدًا لَتجعلنَّه في اليهود. تلتمسُ بذلك طول بقائه، فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلمّا أُجليت النضير قالت الأنصار: يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم. فسكت عنهم رسول الله ﷺ؛ فنزلت: ﴿لا إكراه في الدين﴾. فقال رسول الله ﷺ: «قد خُيِّر أصحابُكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم». فأَجْلَوْهُم معهم٢
التخريج
  1. ١النَزِرة من النساء: هي قليلة الولد، يقال: امرأة نَزِرَة ونَزُور. النهاية (نزر).
  2. ٢أخرجه البيهقي في الكبرى ٩‏/‏٣١٤ (١٨٦٤٠)، وسعيد بن منصور في التفسير من سننه ٣‏/‏٩٥٧ (٤٢٨)، وابن جرير ٤‏/‏٥٤٨ مرسلًا. وقد تقدّم قريبا من حديث ابن عباس من طريق سعيد بن جبير.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق خصيف- قال: كان ناسٌ من الأنصار مُسْتَرْضَعين في بني قُرَيْظة، فثبتوا على دينهم، فلما جاء الإسلام أراد أهلوهم أن يُكْرِهوهم على الإسلام؛ فنزلت: ﴿لا إكراه في الدين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٤٢٩- تفسير)، وابن جرير ٤‏/‏٥٥٠، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٣ وفيه بلفظ: كانت الأنصار يكرهون اليهود على إرضاع أولادهم؛ فأنزل الله: ﴿لا إكراه في الدين﴾. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. كما أخرج ابن جرير ٤‏/‏٥٥١ نحوه من طريق ابن أبي نجيح، مثل رواية الحسن البصري الآتية.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: كانت النَّضِيرُ أرْضَعَتْ رجالًا من الأوس، فلمّا أمر النبي ﷺ بإجلائهم قال أبناؤهم من الأوس: لَنَذْهَبَنَّ معهم، ولَنَدِينَنَّ دينَهم. فمنَعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإسلام؛ ففيهم نزلت هذه الآية: ﴿لا إكراه في الدين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٤٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٦
وعن مجاهد بن جبر: نزلت هذه الآيةُ في رجل من الأنصار كان له غلام أسود، يقال له: صُبَيح، وكان يُكْرِهُهُ على الإسلام١
التخريج
  1. ١علَّقه الواحدي في أسباب النزول (ت: الفحل) ص٢٠٠.
٧
عن عامر الشعبي -من طريق داود- قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مِقْلاتًا لا يعيش لها ولد، فتنذِرُ إن عاش ولدُها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم، فجاء الإسلام وطوائفُ من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا: إنما جعلناهم على دينهم ونحن نرى أنّ دينهم أفضلُ من ديننا، وإنّ الله جاء بالإسلام، فلَنُكْرِهَنَّهم. فنزلت: ﴿لا إكراه في الدين﴾. فكان فصلُ ما بينهم إجلاءَ رسول الله ﷺ بني النضير، فلحق بهم مَن لم يُسْلِم، وبقي مَن أسلم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٤٧، ٥٥٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٨
عن الحسن البصري -من طريق وائل-: أنّ ناسًا من الأنصار كانوا مُسْتَرْضَعين في بني النَّضِير، فلما أُجْلُوا أراد أهلوهم أن يُلْحِقوهم بدينهم؛ فنزلت: ﴿لا إكراه في الدين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥١.
٩
عن عبد الله بن عبيدة: أنّ رجلًا من الأنصار من بني سالم بن عوف كان له ابنان تَنَصَّرا قبل أن يُبْعَثَ النبيُّ ﷺ، فقدما المدينة في نَفَرٍ من أهل دينهم يحملون الطعام، فرآهما أبوهما فانتزعهما، وقال: واللهِ، لا أدَعُهما حتى يُسلما. فأبَيا أن يُسلما، فاختصموا إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، أيدخل بعضي النارَ وأنا أنظر؟! فأنزل الله: ﴿لا إكراه في الدين﴾ الآية. فخلّى سبيلَهما١
التخريج
  1. ١أورده الواحدي في أسباب النزول ص٨٤-٨٥. قال ابن حجر في الإصابة ٢‏/‏٨٣: «وقد أخرجه عبد بن حميد، عن روح بن عبادة، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن عبيدة: أنّ رجلًا من الأنصار من بني سالم بن عوف كان له ابنان، فتنصّرا قبل البعثة... فذكر نحوه، وموسى ضعيف».
١٠
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾، قال: نزلت في رجل من الأنصار يُقال له: أبو الحُصين. كان له ابنان، فقَدِم تُجّارٌ من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلمّا باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتَنَصَّرا، فرجعا إلى الشام معهم، فأتى أبوهما رسول الله ﷺ، فقال: إنّ ابنيَّ تنصَّرا وخرجا، فأطْلُبُهما؟ فقال: ﴿لا إكراه في الدين﴾. ولم يؤمَرْ يومئذ بقتال أهل الكتاب. وقال: «أبْعَدَهما اللهُ، هُما أوَّلُ مَن كفر». فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي ﷺ حين لم يبعث في طلبهما؛ فنزلت: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء:٦٥] الآية. ثم نُسِخَ بعد ذلك: ﴿لا إكراه في الدين﴾، وأُمِرَ بقتال أهل الكتاب في سورة براءة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٤٨-٥٤٩. وأورده الواحدي في أسباب النزول ص٨٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢عَلَّق ابنُ عطية (٢/٣١) على هذا الأثر بقوله: «والصحيح في سبب قوله تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥] حديثُ الزبير مع جاره الأنصاري في حديث السقي».
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لا إكراه في الدين﴾ لأحدٍ بعد إسلام العرب؛ إذا أقَرُّوا بالجزية، وذلك أنّ النبي ﷺ كان لا يقبل الجِزْيَةَ إلا من أهل الكتاب، فلمّا أسلمت العربُ طوعًا وكرهًا قَبِل الخراج من غير أهل الكتاب، فكتب النبي ﷺ إلى المُنذِرِ بن ساوى وأهلِ هَجَر يدعوهم إلى الإسلام، فكتب: «من محمد رسول الله إلى أهل هَجَر، سلامٌ على مَنِ اتَّبَع الهدى، أما بعد: إنّ من شهد شهادتنا، وأكل من ذبيحتنا، واستقبل قبلتنا، ودان بديننا؛ فذلك المسلمُ الذي له ذِمَّةُ الله عز وجل، وذِمَّةُ رسول الله ﷺ، فإن أسلمتم فلكم ما أسلمتم عليه، ولكم عُشْر الثمر، ولكم نصف عشر الحَبِّ، فمَن أبى الإسلام فعليه الجزية». فكتب المُنذِر إلى النبي ﷺ: إنِّي قرأت كتابك إلى أهل هَجَر، فمنهم من أسلم، ومنهم من أبى، فأمّا اليهود والمجوس فأَقَرُّوا بالجزية وكَرِهوا الإسلام. فقبل النبي ﷺ منهم بالجزية. فقال منافقو أهل المدينة: زعم محمدٌ أنه لم يؤمر أن يأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، فما باله قَبِل من مجوس أهل هجر، وقد أبى ذلك على آبائنا وإخواننا حتى قاتلهم عليه؟! فشَقَّ على المسلمين قولُهم، فذكروه للنبي ﷺ؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ آخر الآية [المائدة:١٠٥]. وأنزل الله عز وجل: ﴿لا إكراه في الدين﴾ بعد إسلام العرب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٣. وفي تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٣٥ نحوه عن مقاتل دون تعيينه.
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مِقْلاتًا١؛ فلا يكاد يعيش لها ولد، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهوِّدَه. فلما أُجْلِيَت بنو النَّضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا نَدَعُ أبناءَنا. فأنزل الله: ﴿لا إكراه في الدين﴾. عن سعيد بن جبير: مَن شاء لحق بهم، ومَن شاء دخل في الإسلام٢
التخريج
  1. ١امرأةٌ مِقْلاتٌ: لا يعيش لها ولَدٌ. النهاية (قلت).
  2. ٢أخرجه أبو داود ٤‏/‏٣١٧ (٢٦٨٢)، وابن جرير ٤‏/‏٥٤٦، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٣ (٢٦٠٩). قال الرباعي في فتح الغفار ٤‏/‏١٨٦٣ (٥٤١٠): «رواه أبو داود من طرق، والنسائي، ولا بأس برجالهما».
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده– في قوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾، قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف، يقال له: الحصينُ. كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي ﷺ: ألا أسْتَكرِهُهما؛ فإنهما قد أبَيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٤٧، من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. قال ابن حجر عن هذا الإسناد في العُجاب ١‏/‏٣٥١: «سند جيد». وحسّن هذا الإسناد أيضًا السيوطي في الإتقان ٢‏/‏٤٩٧.

النسخ في الآية

٦ أقوال
١
عن عبد الله بن مسعود: كان هذا في الابتداء قبل أن يُؤْمَر بالقتال، فصارت منسوخةً بآية السيف١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٣٤، وتفسير البغوي ١‏/‏٣١٤.
٢
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق حسين بن قيس- في قوله: ﴿لا إكْراهَ فِي الدِّينِ﴾، قال: نَسَخَتْها التي بعدها ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأَطَعْنا﴾ [البقرة:٢٨٥]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٤ (٢٦١٥).
٣
عن سليمان بن موسى، في قوله: ﴿لا إكْراهَ فِي الدِّينِ﴾، قال: نسَختْها: ﴿جاهد الكفار والمنافقين﴾ [التوبة:٧٣، والتحريم:٩]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٩٤. وعلَّقه النحاس في ناسخه (ت: اللاحم) ٢‏/‏٩٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٤
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط-:... ثم نُسِخَ بعد ذلك: ﴿لا إكراه في الدين﴾، وأُمِرَ بقتال أهل الكتاب في سورة براءة١
التخريج
  1. ١تقدم تخريجه قريبًا، وهو آخر ذلك الأثر.
٥
عن يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، قال: سألتُ زيد بن أسلم عن قول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿لا إكْراهَ فِي الدِّينِ﴾، قال: كان رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين لا يُكْرِه أحدًا في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتِلوهم، فاستأذن اللهَ في قتالهم، فأَذِنَ له١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في تفسير القرآن من الجامع ١‏/‏١٢٣ (٢٤٤)، وابن جرير ٤‏/‏٥٥٣. وعلَّقه النحاس في الناسخ والمنسوخ ١‏/‏٢٥٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ عطية (٢/٣٠) كلامَ زيد بن أسلم، فقال: «ويلزم على هذا أنّ الآية مكية، وأنّها من آيات الموادعة التي نَسَخَتْها آيةُ السيف».
٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿لا إكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ إلى قوله: ﴿العروة الوثقى﴾، قال: هذا منسوخ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٥٥١.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٥٦ من سورة البقرة

١٦ وقفةً في هذه الآية

  • " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى " لن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت.

    — نايف الفيصل

  • "لا إكراه في الدين" في دخوله لا في الخروج منه ، فالخروج منه بعد القناعة والرضا هو عبث ولعب واستهزاء ، وطعن مبطن وتجريء لآخرين.

    — عبدالمحسن المطيري

  • (فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) (لا انفصام لها) : لا تحمل هم العروة ؛ لا انكسار لها ولكن تعاهد استمساك يديك بها .

    — عقيل الشمري

  • فقد استمسك بالعروة الوثقى.....أفلت كل العرى من يديك واقبض على عروة التوحيد وأبحر آمنا في أمواج الحياة.

    — عبدالله بلقاسم

  • مـجـالـس فـي تدبــر الـقــرآن

    — خالد السبت

  • حكآية آية سورة البقرة اية 256

    — حازم شومان

  • سلسلة في ظلال آية سورة البقرة أية 256

    — منصور الصقعوب

  • ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) ‏هو المقبض القوي الذي ينجو به.

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

  • مسألة: قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) الآية. وقال تعالى في براءة (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) . وقال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) ، وآيات القتال كثيرة. جوابه: من وجوه: أحدها: لا إكراه قسرا من غير إقامة دليل، بل قد بين الله سبحانه الدلالة على توحيده، وبعث رسوله لمن ينظر فيه. ويدل عليه قوله تعالى بعده: " قد تبين الرشد من الغي " وهذا قول المعتزلة. والثاني: أنه منسوخ بآيات السيف. والثالث: أنه مخصوص بأهل الكتاب.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • آية (٢٥٦) : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) * الفرق بين النفي ب(لا) والنفي ب(ما) فى قوله تعالى(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) : - (لا) النافية للجنس إخبار لشخص عن شيء لا يعلمه أو جواب عن سؤال (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) هذا تعليم وليس رداً على قول، بينما (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) هذه رد على قول. - (ما) أوسع استعمالاً في نفي الجنس فلا أستطيع أن أنفي الجنس بـ (لا النافية) إذا كان منفصلاً كأن أقول لا في الدين إكراه، أما (ما) فيمكن أن تكون متصلة أو منفصلة (مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ (٥٩) الأعراف) لا يمكن أن نقول لا لكم من إله غيره. * الفرق بين الرُشد والرَشَد والرشاد: - الرُّشْد يقال في الأمور الدنيوية والأُخروية فهي أعمّ مثل (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) في الدنيا. - الرَّشَد ففي الأمور الأخروية فقط (وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤) الكهف). - الرشاد هو سبيل القصد والصلاح (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) غافر). * (قد) إذا دخلت على الماضي (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ) فهي للتحقيق أي تحقق استمساكه، وأحياناً تغير معنى الفعل من دعاء إلى خبر مثلاً تقول رزقك الله محتمل أنك تدعو له بالرزق وتحتمل أنك تخبره أن الله رزقه وأعطاه لكن لو قلت (قد رزقك الله) لا يمكن أن تكون دعاء وإنما إخبار لذا لا يصح أن تقول قد غفر الله لك وإنما تقول غفر الله لك. * (لاَ انفِصَامَ لَهَا) لم تأت في سورة لقمان: السياق هو الذي يحدد، ففي سورة البقرة قال (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) والطاغوت هو من كان رأساً في الطغيان مثل فرعون والشيطان، وأحياناً الكفر بالطاغوت يؤدي إلى أذى شديد أو إلى عذاب وهلكة إذن تحتاج إلى (لاَ انفِصَامَ لَهَا) يعني لا يحصل فيها أي خدش أو انفصال أو شيء وكأنها تحفيز للاستعصام والاستمساك بالله سبحانه وتعالى. أما في لقمان فهي اتباع (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) لا تحتاج.

    — مختصر لمسات بيانية

  • قال تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿256﴾ البقرة) وفي لقمان يقول عز وجل (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿22﴾ لقمان) ليس فيها لا انفصام لها. مرة (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا) ومرة (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) فقط بدون لا انفصام لها كيف؟ مع أن العروة عادة الوثقى هو لكل شيء مكان تحمله منه ولكل شيء آلة تتمسك بها من الوقوع أو الهلاك يعني مثلاً ركاب في سفينة وجاءتها عاصفة في يومٍ عاصف ولكي لا يتطاير الناس في البحر كل واحد تمسك في مكان إما في حبل أو في زردة أو في حلقة من الحلقات الحديدية يتمسك بها حتى لا يطيره الهواء هذه هي العروة الوثقى عروة وثيقة جداً. فرب العالمين عز وجل يشبه هذا الدين ببناء كبير ولا بد أن تتمسك فيه بعروة لماذا؟ لأن العواصف حولك لا حدود لها، إبليس هذا شغله هذا الشيطان كل همه أنه يراكم هو وقبيله يحاول أن يرخي يديك من التمسك بهذه العروة بفسقٍ أو فجورٍ أو بدعة أو طائفية أو كفر أو زندقة والتاريخ مليء كل الأديان السماوية تاريخ الذين تمسكوا بعروة ثم أفلتوها وانحرفوا وصاروا بفكر آخر وطائفية أخرى وأضلوا الناس والقرآن يحدثنا عن هذا في بني إسرائيل في التوراة والإنجيل والقرآن وإلى هذا اليوم نحن نعاني من هؤلاء معاناة على امتداد التاريخ ما خلا جيل من طائفة تحاول أن ترخي يديك عن هذه العروة الوثقى التي أنت متمسك بها ومتى ما ارتخت يداك هلكت تخطفتك الطير (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴿31﴾ الحج) حينئذٍ هذه العروة الوثقى مرة قال (لا انفصام لها) ومرة قال فقط (العروة الوثقى) بدون لا انفصام لها معناها تنفصم. عندنا تنفصم وتنقسم وتنفصل معروفة ،تنفصم يعني أنت يدك هي التي انفصمت عن العروة التيار قوي السحب قوي سحبوك فيدك لم تتحمل هذا الضغط فانفتحت يدك فانفصمت عنها. هناك انقسمت من شدة تمسكك أنت بهذه الحلقة بهذه العروة انكسرت هي انكسرت هذا انقسم. وانفصل بدون عنف أنت رأسا تركته والتاريخ ملئ بهذا و بهذا و بهذا كل دعاة الشر هؤلاء شياطين يحاولون أن يجعلوك تنفصم عن هذه العروة الوثقى وهي الإسلام كما قال الرسول صلى الله عليه و سلم. إذن هذه العروة الوثقى نوعين نوع هو العقيدة لا اله إلا الله كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه احمد و غيره شخص رأى رؤيا متمسك فقال له النبي هذه العروة هي الإسلام فتمسك بها ما حييت إلا أن يدركك الموت وأنت عليها وهي لا اله إلا الله. هذه لا انفصام لها رب العالمين يشهد أن من تمسك بالعروة الوثقى - وهو يقول قبلها لا إكراه في الدين - فهي قضية إيمان وكفر إذا شخص يعبد الأوثان أنت لماذا تكرهه؟ فقط قل له اترك الأصنام واعبد الله واحد إذا جاء وقال لا اله إلا الله بهذه القولة سوف يبقى عليها إلى يوم القيامة ولن ينفصم عنها هذا من تمسك بالعروة الوثقى التي هي لا اله إلا الله الإسلام نفسه عندما نزل رب العالمين قال إن المشرك إذا صار مسلما لن يرجع عنه أبدا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (لا أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها فتهلككم) . الآية الثانية في سورة لقمان وهذا الخطاب للمسلمين في الأولى خطاب لغير المسلمين قال (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) لا تكره هؤلاء المشركين الذي يريد أن يسلم حياه الله، في الثانية يخاطب المسلمين (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) وهو محسن أي رجل تقي صالح مصلي الخ محسن في صلاته في صيامه في زكاته فهو ليس عابد بل عابد بإحسان بشكل جيد هذا استمسك بالعروة الوثقى فقط ما قال لا انفصام لها قد تنفصم كلنا ما في أحد في هذه الدنيا إلا وفي يوم من الأيام ارتكب ذنباً مع كونه من المحسنين. إذاً لا نزال في العروة الوثقى في الأولى يتحدث عن العروة الوثقى التي هي الإيمان بالله الواحد الأحد لا إله إلا الله هذه الآية تقول هذه العروة لا انفصام لها هذا واحد وهذا واقع الحال. الثانية العمل العروة الوثقى الثانية العمل وليس التوحيد العبادات والحلال والحرام الحلال كله هذا ما قال لا انفصام لها قد تنفصم كل ابن آدم خطاء ما فينا واحد تقي وصالح في يوم ما صلى سنة سنتين ترك الصلاة سنة من السنين ترك الصيام مرة مرتين شرب خمر يعني كل ابن آدم خطاء (المؤمن كالسنبلة يميل تارة ويستقيم أخرى) (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ثم جاء بقومٍ يذنبون) والأحاديث (المسلم كالفرس في أخيّته) هذه الحلقة التي يربطون فيها الفرس (يجول ويدور ويعود إلى أخيته) يروح ويبتعد قليلاً عن الإسلام لكن يرجع إذاً تنفصم عروة العمل تنفصم وعروة الإيمان والتوحيد لا تنفصم أبداً ببركة النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو كما قال (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ﴿2﴾ الجمعة) إذاً هذه التزكية التي زكى الله بها هذه الأمة أنها لا تشرك بالله أبداً ولكن نعم هكذا مرة ومرة ولكن كما قال صلى الله عليه وسلم (ولكن ساعة وساعة لسنا على ساعة واحدة) هكذا كما جاء في الأحاديث الكثيرة لن نطيل عليكم في سردها وإلا لاحظ لكل إنسان عروته هذه عروة متحدة كل واحد منا له عروة عروة الحاكم العدل إذا تمسك بها ولم تنفصم جاء يوم القيامة متجلياً غفر الله كل ذنوبه عروة العالم الصدق إذا كان صادقاً ولا يخاف في الله لومة لائم جاء يوم القيامة وكل ذنوبه مغفورة عروة التاجر الإخلاص والنصيحة وهكذا. حديث عجيب عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الحديث عن البراء بن عازم قال كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم النبي (أي عرى الإسلام أوثق؟) الله قال العروة الوثقى ما هي أوثق عروة؟ قالوا (الصلاة يا رسول الله قال: حسنة وما هي بها، ثم قالوا: الزكاة يا رسول الله قال: حسنة وما هي بها) ليست هذه هي الأوثق هذه عروة وثقى ولكن ليست الأوثق (قالوا: الصوم صوم رمضان قال: حسنٌ وما هو به قالوا: الجهاد قال: حسنٌ وما هو به) تصور الصلاة الصوم الزكاة الحج الجهاد كله قال رسول الله ما هو إذاً ما هي أوثق عروة؟ قال (أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله). تأمل فيها أنت قد تصلي ولكن قد تنافق قد تصلي وأنت غضوب وتحقد على الناس وحاسد قد تصلي وأنت مثلاً يعني بك بخل على أمك وأبوك ووالديك وأهلك الخ أنت إذا بلغ إيمانك أن جعلك تحب في الله وتبغض في الله لا تحب لصداقة ولا لمن أعطاك معروفاً إنما لأن هذا إنسان طيب ابن حلال فتحبه، معنى هذا أن قلبك لا فيه حسد ولا غيرة ولا غل قلب كهذا لا يمكن إلا أن يكون صالحاً فهو قلب سليم (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿89﴾ الشعراء) بالضبط هو هذا القلب السليم قطعاً صلاته عظيمة وحجه عظيم وصومه عظيم والخ وحينئذٍ ليس كل مصلٍ صالح ولكن كل من يحب في الله ويبغض في الله صالح إذاً علامة القلب السليم أن يحب في الله ويبغض في الله. إذاً هذه أوثق عروة الكلام في العروة الوثقى كلام طويل ولهذا كل نوع من أنواع العبادة هو عروة ونحن قلنا مرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴿35﴾ المائدة) كل واحد من هذه الأمة سيأتي يوم القيامة مشهوراً بعمل (إن لكل عبدٍ في السماء صيتاً كصيته في الدنيا) هذا العالم هذا المنفق هذا الصابر هذا المجاهد هذا الكريم هذا البار بوالديه كل واحد له صيت هذه العروة كل واحد له عروته العروة الأساسية لا إله إلا الله وهذه اطمئن ما دمت دخلت بها مصدقاً بها قلبك أو أنك ولدت عليها فلن ترتد أبداً ارتاح يبقى العمل لا الأولى لا انفصام لها (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا) وهذه شهادة من رب العالمين الثانية قال من يعمل صالحاً ويسلم وجهه استمسك بالعروة الوثقى (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) لكنه ما قال لا انفصام لها لأنك قد تنفصم يا ما ناس راحوا ورجعوا وراحوا ورجعوا وراحوا ورجعوا ويختم له إن شاء الله على خير وبخير. هكذا هي مسألة الفرق بين آيتين آية قال (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا) وآية قال فقط (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) ما وصفها بأنها لا انفصام لها لأنها قد تفصم وعليك أن تعود لها مرة أخرى.

    — أحمد الكبيسي

  • ما دلالة (فقد) في قوله تعالى (فقد استمسك بالعروة الوثقى)؟ (قد) حرف تحقيق على الماضي وإن كان على المضارع حصل أكثر من سؤال هل هي تفيد التقليل؟ هي من معانيها التقليل، (قد) إذا دخلت على المضارع تفيد التحقيق والتكثير ومن معانيها الشك. تفيد التوكيد والتكثير (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء (144) البقرة) (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا (18) الأحزاب). أحياناً يسألون أليست (قد) للتقليل إذا دخلت على المضارع؟ هذا من أحد معانيها وليس معناها الكامل كما يذكر النحاة. (قد نرى تقلب وجهك) هذا يقين، للتحقيق إذا عرفنا أن الفعل متحقق إذن (قد) تفيد التحقيق. الله تعالى يرى ويعلم سبحانه وتعالى. إذا دخلت (قد) على الماضي فهي للتحقيق أن الأمر تحقق وأحياناً قد تغير معنى الفعل من دعاء إلى خبر مثلاً تقول رزقك الله محتمل أنك تدعو له بالرزق وتحتمل أنك تخبر أن الله رزقه وأعطاه لكن لو قلت (قد رزقك الله) لا يمكن أن تكون دعاء وإنما إخبار لذا لا يصح أن تقول قد غفر الله لك وإنما تقول غفر الله لك أنت مخبر ولست داعياً. إذن (قد) تفيد التحقيق إذن (فقد استمسك بالعروة الوثقى) تعني تحقق استمساكه. أيها الراكب الميمم أرضي أقري من بعضي السلام لبعضي إن جسمي كما علمت بأرضٍ وفؤادي وساكنيه بأرضِ قد قضى الله بالفراق علينا فعسى باجتماعنا سوف يقضي إن بيتاً أنت ساكنه غير محتاج إلى السُرُج ومريضاً أنت عائده قد أتاه الله بالفرج إذن (فقد استمسك) تحقق استمساكه، هذا تحقق لأنه في الغالب الفعل الماضي بعد جواب الشرط في الغالب استقبال (درست نجحت) إذا قلت فقد نجحت أي تحقق الأمر مثل الدعاء تقول: غفر الله له يعني تدعو له، قد غفر الله له تحقق. (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) المؤمنون) هذا إخبار وتحقق. إذن (فقد استمسك بالعروة الوثقى) تحقق استمساكه. * ما معنى كلمة والطاغوت؟ وهل هي موجودة في لغة العرب؟ الطاغوت: الطاغوت يذكرون له معاني، هو من الطغيان، اشتقاقه العربي من الطغيان، فِعلها طغى (وعندنا فعلوت، أصلها طغووت ثم صار بها إبدال، هذه مسائل صرفية لا نريد أن ندخل فيها)، عندنا مصادر على فعلوت مثل الملكوت والجبروت ورهبوت وهي عندنا في العربية وهي مصادر تدل على المبالغة كما في الحديث " جللت الأرض والسماء بالعزّة والملكوت". طاغوت من هذه الأوزان لكن صار فيها تداخل صرفي وإبدال كلمة (أصلها طغووت على وزن فعلوت). هي من الطغيان، من الفعل طغى. كل رأس في الضلال يسمى طاغوت (ما عُبِد من دون الله) حتى الساحر يسمى طاغوت والكاهن والصنم وفي العربية المارد من الجن يسمى طاغوت وهي عامة وكلمة طاغوت تستعمل للمذكر والمؤنث والمفرد والجمع. للمفرد طاغوت وللجمع طاغوت وللمذكر طاغوت وللمؤنث طاغوت. عندنا جمع (طواغيت) وعندنا طاغوت مثل الطفل يُجمع على طفل وأطفال وضيف يجمع على ضيف وضيوف وخصم قد يكون مفرد وقد يكون جمعاً عندنا كلمات قد تكون جمع وقد تكون مفرد حتى كلمة عدو وأعداء، عدو مفرد وجمع عندنا كلمات تكون الكلمة تعبر عن المفرد والجمع بحسب السياق الذي وردت فيه ومنها طاغوت. يوجد طواغيت في اللغة مثل طفل وأطفال. الطاغوت موجودة والطواغيت موجودة. الطاغوت تستعمل للمفرد والجمع والمذكر والمؤنث فنقول هذا طاغوت وهذه طاغوت. حتى في القرآن الكريم استعملها عدة استعمالات، استعملها مفرد واستعملها جمع: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ (256) البقرة) هذا جنس عام، (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أولياءهم الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ (257) البقرة) هنا الطاغوت جمع لأن للمؤمنين وليّ واحد وهو الله سبحانه وتعالى (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ) أما الكافرون أولياؤهم متعددون الشياطين وغيرهم لذا قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) للمؤمنين ولي واحد وهو الله تعالى صحيح المؤمنين بعضهم أولياء بعض لكن الولي الواحد هو الله تعالى والكفرة أولياؤهم متعددون لذا لم يقل وليهم الطاغوت. *ما الفرق بين الرُشد والرَشََد والرشاد؟ الرُشد يقال في الأمور الدنيوية والأُخروية أما الرَشَد ففي الأمور الأخروية فقط، هكذا قرر علماء اللغة. (فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا (6) النساء) في الدنيا، (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (256) البقرة)، (وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) الكهف) الرُشد في الأمور الدنيوية والأخروية أما الرَشد ففي الأمور الأخروية لا غير فالرُشد أعمّ. الرشاد هو سبيل القصد والصلاح (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) غافر) أي سبيل الصلاح عموماً، طريق الصواب. الرشاد مصدر. المادة اللغوية واحدة لهذه الكلمات وهي كلها الرُشد والرَشد والرشاد كلها مصادر. رشِد ورَشَد.

    — فاضل السامرائي

و٤ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ٢٥٦ من سورة البقرة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ الآية:
هذه الآيةُ عند جماعةٍ منسوخةٌ بقوله: ﴿يا أَيُّها النَّبِيُّ جَاهِد الكفار والمنافقين واغلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، جعلوها عامَّة، فلم يرضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -بعدَ نزولها من العربِ إِلاَّ بالإِسلام وإكراهِهِمْ عليه.
وقد رُوِيَ عن عمرَ أَنه عَرَض على مملوك له الإِسلامَ فأَبى فتركه ولم يكْرِهْهُ، فهي - على هذا القول - محكمة.
وقد قيلَ: إن الآيةَ مخصوصةٌ نزلت في أهل الكتابِ ألاَّ يُكْرَهوا إذا أدوا الجزية، ودلَّ على أنها في أَهلِ الكتاب قولُه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِد الكفار والمنافقين﴾ [التوبة: ٧٣] ولم يذكُرْ (أهلاً لِكتاب).
ودلَّ على ذلك أيضاً قولُه: ﴿قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ وَلاَ باليوم الآخر ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّم اللهُ ورسولُه ولاَ يَدِينونَ دينَ الحقِّ مِن الذِينَ أوتوا الكتاب حتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرون﴾ [التوبة: ٢٩]. فقد مَنع من قتالهم وإكراهِهم إذا أَعطَوا الجزيةَ.
وقال ابنُ عباس: الآيةُ محكمةٌ مخضوضةٌ نزلت في أبناء الأنصار، وذلك أن الأنصارَ كان تتزوجُ في اليهودِ بني النضير، وكانت المرأةُ منهم تجعل على نفسِها إن عاشَ لها ولد أَن يُهَوِّدوه، فلما أجْلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بني النضير، وأَخرجَهم من جزيرة العرب، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: لا ندع أبناءَنا، فأَنزَل الله: لا إكراه في الدين، فكان مَن (شاء لحق) بأبيه، ومَن شاء لَم يلْحَق.
وقال الشعبي: نزلت هذه الآيةُ في قومٍ من الأنصار كانوا يهودون أبناءهم قبل الإِسلام، إذ لا يعلَمون ديناً أفضلَ من اليهوديَّةِ، فلمَّا أتى الله بالإِسلام وأسلَم الآباءُ أرادوا أن يُكْرِهوا أبناءَهم على الإِسلام، فأنزل اللهُ:﴿لاَ إكراهَ فِي الدِّين﴾.
وقال أبو عبيد: وَجْهُها عندي أن تكون لأَهل الذِّمَّة، يعني لا يكرهون على الإِسلام إذا أَدَّوا الجزية.
فالآية محكمة على هذه الأقوال. وهو الأظهر فيها والأولى.

فتاوى متعلقة بالآية ٢٥٦ من سورة البقرة

٦ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢٥٦ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(256) There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt[104] and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.
[104]- False objects of worship, such as idols, heavenly bodies, spirits, human beings, etc.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال