تفسير ابن عرفة — ابن عرفة

عن الكتاب
لَا قوله تعالى :﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين. . .﴾.
نقل ابن عرفة عن ابن عطية الخلاف(١) في سبب نزولها ثم قال : الظاهر عندي ( أنّها )(٢) على ظاهرها ويكون خبرا في اللفظ والمعنى. والمراد أنه ليس في الاعتقاد إكراه وهو أولى من قول من جعلها خبرا في معنى النّهي. وكان أبو عمر ولد الأمير أبي الحسن علي المريني في ( أيام )(٣) مملكته جمع كل من كان في بلده من النّصارى وأهل الذمة وقال لهم : إما أن تسلموا أو ضربت أعناقكم، فأنكر عليه ذلك فقهاء بلده ومنعوه وكان في عقله اختبال.
قيل لابن عرفة : من فسّر الدين بالإسلام لا يتمّ إلا على مذهب المعتزلة القائلين بأن الاعتقاد غير كاف.
فقال : قد قال الله تعالى :﴿إِنَّ الدين عِندَ الله الإسلام﴾(٤) وفسره في الحديث «بأنّ تشهد أن لاَ إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا »(٥).
قوله تعالى :﴿قَد تبَيَّنَ الرشد مِنَ الغيّ. . .﴾.
( قد ) للتوقع لأن المشركين كانوا يتوقعون بعثة رسول الله ﷺ. وعارضوها بقوله تعالى :﴿لِيَميزَ الله الخبيث مِنَ الطيب﴾(٦) فجعل الخبيث مخرجا من الطيب، وعكس هنا. وأجيب : بأن هذا في أول الإسلام كان الكفر أكثر وتلك في آخر الإسلام كان الإيمان أكثر ودخل الناس في الدين أفواجا.
قوله تعالى :﴿فَمَن يَكْفُرْ بالطاغوت وَيُؤْمِن بالله. . .﴾.
قدم الكفر إما لأنّه من دفع المؤلم، أو لأنه مانع ولا يتم الدليل على الشيء إلاّ مع نفي المانع المعارض ولذلك قال في الإرشاد :« النظر في الشيء يضاد العلم بالمنظور ويضاد الجهل به والشك فيه »(٧). فإذا كان الكافر مصمما على كفره استحال إيمانه وإذا ظهر له بطلان الكفر وبقي قابلا للإيمان ونظر في دلائله أنتجت له الإيمان.
قوله تعالى :﴿فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى. . .﴾.
قال الزمخشري : هذا تمثيل للمعلوم بالنّظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس ( ونظرٌ في دلالات أنتجت له )(٨) حتى يتصوره السّامع كأنّه ينظر ( إليه )(٩) بعينه(١٠).
ابن عطية : هذا تشبيه واختلفوا في المشبه بالعروة فقال مجاهد : العروة الإيمان(١١) وقال السدى(١٢) : الإسلام. وقال سعيد بن جبير(١٣) والضّحاك :(١٤) ( العروة )(١٥) لا إله إلا الله(١٦).
قال ابن عرفة : إنما يريد المشبه خاصة ولو أراد المشبه به لكان تشبيه الشيء بنفسه.
قوله تعالى :﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال ابن عطية : لما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات سميع من أجل النّطق وعليم من أجل المعتقد(١٧).
وقال الفخر : هذا دليل على أنّ اعتقاد القلب الإيمان غير كاف ولا بد من النطق.
قال ابن عرفة : لايتم هذا إلاّ على مذهب المعتزلة الذين ينكرون الكلام النفسي ونحن نقول : كلام النفس مسموع ولذلك نتصوره في الكلام القديم الأزلي وهم ينكرونه.
١ - انظر الخلاف في المحرر الوجيز ٢/٢٨٠ -٢٨١..
٢ - د هـ: أنه..
٣ - أ: نقص..
٤ - سورة آل عمران الآية: ١٩..
٥ - رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان. ورواه أيضا في الباب نفسه عن أبي هريرة رضي الله عنه كما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان، وفي تفسير سورة لقمان باب: إن الله عنده علم الساعة..
٦ - سورة الأنفال الآية: ٣٧..
٧ - انظر كتاب الإرشاد للجويني فصل بالنظر يحصل العلم: ص٦..
٨ - د هـ: نقص..
٩ - ج: نقص..
١٠ - الكشاف: ١/٣٨٧..
١١ - في تفسير مجاهد: استمسك بالعروة الوثقى يعني الإيمان: ص١١٥..
١٢ - أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمان السدي الكبير القرشي مفسر سكن الكوفة. من آثاره: التفسير. انظر كحالة: ١/٢٧٦..
١٣ - سعيد بن جبير أحد الأئمة والأعلام قتله الحجاج بن يوسف سنة٩٥هـ وكانت ولادته ٤٥هـ. انظر طبقات ابن سعد ٦/١٧٨، الزركلي الأعلام ٣/١٤٥..
١٤ - الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني توفي سنة ١٠٥هـ. له كتاب في التفسير. انظر الأعلام للزركلي ٣/٣١٠..
١٥ - د: نقص..
١٦ - المحرر الوجيز: ٢/٢٨٣ – ٢٨٤..
١٧ - المحرر الوجيز: ٢/٢٨٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى