تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢٥٦ [ وقوله تعالى ](١) :﴿لا إكراه في الدين﴾ ؛ قيل :﴿لا إكراه في الدين﴾ أي لا يكره على الدين، فإن كان التأويل هذا فهو على بعض دون بعض. قال بعضهم : نزل في المجوس وأهل الكتاب من اليهود والنصارى : أنه يقبل منهم الجزية، ولا يكرهون على الإسلام، ليس كمشركي العرب ألا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ولا يقبل منهم الجزية ؛ فإن أسلموا، وإلا قتلوا. وعلى ذلك روي عن رسول الله ﷺ أنه كتب إلى المنذرين /٤٧- أ/ فلان :( إما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية ) [ ابن جرير الطبري في تفسيره : ٣/١٦ ] وعلى ذلك نطق به الكتاب :﴿تقتلونهم أو يسلمون﴾ [الفتح: ١٦].
وقال قوم :﴿لا إكره في الدين﴾ [ يحتمل وجهين :
أحدهما ](٢) : ألا لا دين يقبل بإكراه، بل ليس ذلك بإيمان.
والثاني : أن الرشد قد تبين من الغي، ويبن ذلك لكل أحد حتى إذا قبل عن بيان وظهور لا عن إكراه.
وقال آخرون : قوله :﴿لا إكراه في الدين﴾ أي لا إكراه على هذه الطاعات بعد الإسلام لأن الله تعالى حبب هذه الطاعات في قلوب المؤمنين، فلا يكرهون على ذلك، ومعناه : إن في الأمم المتقدمة الشدائد والمشقة، ورفع الله عز وجلا تلك الشدائد عن هذه الأمة، وخففها عليهم ؛ دليله قوله تعالى :﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى :﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ومثل ذلك كثيرا ؛ كانت على الأمم السالفة ثقيلة، وعلى هذه الأمة مخففة ؛ فإذا كانت مخففة عليهم لا يكرهون على ذلك.
وقال آخرون : هو منسوخ بقوله عليه السلام :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا :﴿لا إله إلا الله﴾ فإذا قالوها عصموا عني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ) [ مسلم ٢١ و ٢٢ والبخاري ٢٥ ].
وقال قوم : إن قوما من الأنصار كانت ترضع لهم اليهود، فلما جاء الإسلام أسلم الأنصار، وبقي من عند اليهود من ولد الأنصار على دينهم، فأردوا أن يكرهوهم، فنزلت الآية :﴿لا إكراه في الدين﴾.
قال الشيخ، رحمه الله تعالى : ويحتمل الإكراه في الدين ما قال في قوله تعالى :﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨].
وقوله تعالى :﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ يعني قد تبين الإسلام من الكفر بالله، فلا تكرهون على ذلك.
وقوله تعالى :﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ اختلف فيه : قيل : الطاغوت : الشياطين، وقيل : كل ما يعبد من دون الله فهو طاغوت من الأصنام والأوثان التي [ تعبد من دون ](٣) الله، وقيل : الطاغوت الكهنة الذين(٤) يدعون الناس إلى عبادة غير الله [ يكفر هؤلاء، ويكذبهم ](٥).
قال الشيخ، رحمه الله تعالى : ومن جملته : من يكفر بالذي يدعو إلى عبادة غير الله، ويكذبه في ذلك، ويؤمن بالذي يدعو إلى الله، ويصدقه أنه داع إلى حق.
وقوله تعالى :﴿ويؤمن بالله﴾ فيه دلالة أن الإيمان بالله هو إيمان بالأنبياء والرسل والكتب جميعا. إن(٦) لم يذكر معه غيره، والكفر بالذي ذكرت يمنع حقيقة الإيمان بالله، لأن [ في آخر السورة ذكر :﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ [البقرة: ٢٨٥] [ على طريق التفصيل ](٧) من آمن به وبأمره ونهيه وشرائعه، لكن الذي قال :﴿لا تفرق بين أحد من رسله﴾ [البقرة: ٢٨٥] لقول قوم حين قالوا :﴿نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾ [النساء: ١٥٠]، وإلا [ ما كان ](٨) في الإيمان بالله إيمان بجميع ذلك.
وقوله تعالى :﴿فقد استمسك بالعورة الوثقى﴾ يحتمل هذا وجهين :[ يحتمل ](٩) فقد عقد لنفسه عقدا وثيقا لا انفصام لذلك العقد، ولا انقطاع، ولا تقوم الحجة ببعضه، ويحتمل :﴿فقد استمسك بالعورة الوثقى﴾ بنصره إياه بالحجج والبراهين النيرة التي من اعتصم بها لا انفصال عنه، ولا زوال.
ثم فيه نقض على المعتزلة لأنه أخبر عز وجلا أن من آمن بالله ﴿فقد استمسك﴾ بكذا، والمعتزلة يقولون : صاحب الكبيرة يخلد في النار، وهو مؤمن بالله، فأي عورة أوهي من هذا على قولهم ؟ وأنى(١٠) له زوال وانقطاع من ثوابه الذي وعد له عز وجلا بإيمانه بالله وتصديقه به ؟ وبالله العصمة.
وقوله تعالى :﴿والله سميع﴾ لقولهم ﴿عليم﴾ بثوابهم، أو﴿سميع﴾ بإيمانهم ﴿عليم﴾ بجزاء إيمانهم، والله أعلم.
١ من ط ع..
٢ ساقطة من النسخ الثلاث..
٣ في الأصل وم: تعبدون. في ط ع: تعبد دون..
٤ من ط ع، في الأصل وم: التي..
٥ في النسخ الثلاث: يكفر هؤلاء وتكذيبهم..
٦ في النسخ الثلاث: إذ..
٧ من ط ع..
٨ في النسخ الثلاث: لكان..
٩ من ط ع..
١٠ في النسخ الثلاث: وإن..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى