البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الغي : مقابل الرشد، يقال غوى الرجل يغوى أي : ضل في معتقد أو رأي، ويقال : أغوى الفصيل إذا بشم، وإذا جاع على الضدّ.
الطاغوت : بناء مبالغة من طغى يطغى، وحكى الطبري يطغو إذا جاوز الحدّ بزيادة عليه، ووزنه الأصلي : فعلوت، قلب إذ أصله : طغووت، فجعلت اللام مكان العين، والعين مكان اللام، فصار : طوغوت، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، فصار : طاغوت، ومذهب أبي علي أنه مصدر : كرهبوت وجبروت، وهو يوصف به الواحد والجمع.
ومذهب سيبويه أنه اسم مفرد كأنه إسم جنس يقع للكثير والقليل، وزعم أبو العباس أنه جمع، وزعم بعضهم أن التاء في طاغوت بدل من لام الكلمة، ووزنه : فاعول.
العروة : موضع الإمساك وشدّ الأيدي والتعلق، والعروة شجرة تبقى على الجذب لأن الإبل تتعلق بها في الخصب مِن : عَرَوْتُهُ : ألممت به متعلقاً، واعتراه التم : تعلق به.
الانفصام : الانقطاع، وقيل الانكسار من غير بينونة، والقصم بالقاف الكسر ببينونة، وقد يجيء الفصم بالفاء في معنى البينونة.
﴿لا إكراه في الدين﴾ ذكر في سبب نزولها أقوال مضمون أكثرها : أن بعض أولاد الأنصار تنصر، وبعضهم تهوّد، فأراد آباؤهم أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت.
وقال أنس : نزلت فيمن قال له رسول الله ﷺ :«أسلم ».
فقال : أجدني كارهاً.
واختلف أهل العلم في هذه الآية : أهي منسوخة ؟ أم ليست بمنسوخة ؟ فقيل : هي منسوخة، وهي من آيات الموادعة التي نسختها آية السيف، وقال قتادة، والضحاك : هي محكمة خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية، قالا : أمر بقتال أهل الأوثان لا يقبل منهم إلاَّ الإسلام أو السيف، ثم أمر فيمن سواهم أن يقبل الجزية.
ومذهب مالك : أن الجزية تقبل من كل كافر سوى قريش، فتكون الآية خاصة فيمن أعطى الجزية من الناس كلهم لا يقف ذلك على أهل الكتاب.
وقال الكلبي : لا إكراه بعد إسلام العرب، ويقبل الجزية.
وقال الزجاج : لا تنسبوا إلى الكراهة من أسلم مكرهاً، يقال : أكفره نسبه إلى الكفر.
قال الشاعر :
وطائفة قد أكفروني بحبهم***
وطائفة قالوا : مسيء ومذنب
وقيل : لا يكره على الإسلام من خرج إلى غيره.
وقال أبو مسلم، والقفال : معناه أنه ما بنى تعالى أمر الإيمان على الإجبار والقسر، وإنما بناه على التمكن والاختيار، ويدل على هذا المعنى أنه لما بيّن دلائل التوحيد بياناً شافياً، قال بعد ذلك : لم يبق عذر في الكفر إلاَّ أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه، وهذا ما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الإبتلاء، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الإبتلاء.
ويؤكد هذا قوله بعد :﴿قَد تبين الرشد من الغي﴾ يعني : ظهرت الدلائل ووضحت البينات، ولم يبق بعدها إلاَّ طريق القسر والإلجاء وليس بجائز لأنه ينافي التكليف، وهذا الذي قاله أبو مسلم والقفال لائق بأصول المعتزلة، ولذلك قال الزمخشري : لم يجر الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والإختيار، ونحوه قوله :﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ أي : لو شاء لقسرهم على الإيمان، ولكنه لم يفعل، وبنى الأمر على الأختيار.
والدين هنا ملة الإسلام واعتقاده، والألف واللام للعهد، وقيل : بدل من الإضافة أي : في دين الله.
﴿قد تبين الرشد من الغيّ﴾ أي : استبان الإيمان من الكفر، وهذا يبين أن الدين هو معتقد الإسلام.
وقرأ الجمهور : الرشد، على وزن القفل، والحسن : الرشد، على وزن العنق.
وأبو عبد الرحمن : الرشد، على وزن الجبل، ورويت هذه أيضاً عن الشعبي، والحسن ومجاهد.
وحكى ابن عطية عن أبي عبد الرحمن : الرشاد، بالألف.
والجمهور على إدغام دال، قد، في : تاء، تبين.
وقرئ شاذاً بالإظهار، وتبين الرشد، بنصب الأدلة الواضحة وبعثة الرسول الداعي إلى الإيمان، وهذه الجملة كأنها كالعلة لانتفاء الإكراه في الدين، لأن وضوح الرشد واستبانته تحمل على الدخول في الدين طوعاً من غير إكراه، ولا موضع لها من الإعراب.
﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ الطاغوت : الشيطان.
قاله عمر، ومجاهد، والشعبي، والضحاك، وقتادة، والسدّي.
أو : الساحر، قاله ابن سيرين، وأبو العالية.
أو : الكاهن، قاله جابر، وابن جبير، ورفيع، وابن جريح.
أو : ما عبد من دون الله ممن يرضى ذلك : كفرعون، ونمروذ، قاله الطبري.
أو : الأصنام، قاله بعضهم.
وينبغي أن تجعل هذه الأقوال كلها تمثيلاً، لأن الطاغوت محصور في كل واحد منها.
قال ابن عطية وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت. انتهى.
وناسب ذلك أيضاً اتصاله بلفط الغي، ولأن الكفر بالطاغوت متقدّم على الإيمان بالله، لأن الكفر بها هو رفضها، ورفض عبادتها، ولم يكتف بالجملة الأولى لأنها لا تستلزم الجملة الثانية، إذ قد يرفض عبادتها ولا يؤمن بالله، لكن الإيمان يستلزم الكفر بالطاغوت، ولكنه نبه بذكر الكفر بالطاغوت على الانسلاخ بالكلية، مما كان مشتبهاً به، سابقاً له قبل الإيمان، لأن في النصية عليه مزيد تأكيد على تركه.
وجواب الشرط : فقد استمسك، وأبرز في صورة الفعل الماضي المقرون بقد الدالة في الماضي على تحقيقه، وإن كان مستقبلاً في المعنى لأنه جواب الشرط، إشعاراً بأنه مما وقع استمساكه وثبت وذلك للمبالغة في ترتيب الجزاء على الشرط، وأنه كائن لا محالة لا يمكن أن يتخلف عنه، و : بالعروة، متعلق باستمسك، جعل ما تمسك به من الإيمان عروة، وهي في الأجرام موضع الإمساك وشد الأيدي شبه الإيمان بذلك.
قال الزمخشري وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن
والمشبه بالعروة الإيمان قاله مجاهد أو الإسلام قاله السدّي أو لا إله إلا الله قاله ابن عباس وابن جبير والضحاك أو القرآن قاله السدّي أيضاً أو السنة أو التوفيق أو العهد الوثيق أو السبب الموصل إلى رضا الله وهذه أقوال متقاربه
لاَ انفِصَامَ لَهَا لا انكسار لها ولا انقطاع قال الفراء الانفصام والانقصام هما لغتان وبالفاء أفصح وفرق بعضهم بينهما فقال الفصم انكسار بغير بينونه والقصم انكسار ببينونة
وهذه الجملة في موضع نصب على الحال من العروة وقيل من الضمير المستكن في الوثقى ويجوز أن يكون خبراً مستأنفاً من الله عن العروة و لها في موضع الخبر فتتعلق بمحذوف أي كائن لها
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أتى بهذين الوصفين لأن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده الجنان فناسب هذا ذكر هذين الوصفين لأن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وقيل سميع لدعائك يا محمد عليم بحرصك واجتهادك
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وذكروا في هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة وعلم البيان، منها في آية الكرسي : حسن الافتتاح لأنها افتتحت بأجل أسماء الله تعالى، وتكرار اسمه في ثمانية عشر موضعاً، وتكرير الصفات، والقطع للجمل بعضها عن بعض، ولم يصلها بحرف العطف.
والطباق : في قوله ﴿الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ فإن النوم موت وغفلة، والحي القيوم يناقضه.
وفي قوله :﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون﴾ والتشبيه : في قراءة من قرأ ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ أي كوسع، فإن كان الكرسي جرماً فتشبيه محسوس بمحسوس، أو معنى فتشبيه معقول بمحسوس.
ومعدول الخطاب في ﴿لا إكراه في الدين﴾ إذا كان المعنى لا تكرهوا على الدين أحداً.
والطباق : أيضاً في قوله ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ وفي قوله :﴿آمنوا وكفروا﴾ وفي قوله ﴿من الظلمات إلى النور﴾ والتكرار : في الإخراج لتباين تعليقهما، والتأكيد : بالمضمر في قوله :﴿هم فيها خالدون﴾.
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة الإشارة إلى الرسل المذكورين في قوله :﴿وإنك لمن المرسلين﴾ وأخبر تعالى أنه فضل بعضهم على بعض، فذكر أن ﴿منهم من كلم الله﴾ وفسر بموسى عليه السلام، وبدئ به لتقدّمه في الزمان، وأخبر أنه ﴿رفع بعضهم درجات﴾ وفسر برسول الله ﷺ، وذكر ثالثاً عيسى بن مريم، فجاء ذكر رسول الله ﷺ وسطاً بين هذين النبيين العظيمين، فكان كواسطة العقد، ثم ذكر تعالى أن اقتتال المتقدمين بعد مجيء البينات هو صادر عن مشيئته.
ثم ذكر اختلافهم وانقسامم إلى مؤمن وكافر، وأنه تعالى يفعل ما يريد، ثم أمر المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم من قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه توسل بصداقة ولا شفاعة.
ثم ذكر أن الكافرين هم المجاوزون الحد الذي حده الله تعالى، ثم ذكر تعالى أنه هو المتوحد بالإلهية، وذلك عقيب ذكر الكافرين.
وذكر أتباع موسى عليهما السلام.
ثم سرد صفاته العلا وهي التي يجب أن تعتقد في الله تعالى من كونه واحداً حياً قائماً بتدبير الخلق، لا يلحقه آفة، مالكاً للسموات والأرض، عالماً بسرائر المعلومات، لا يعلم أحد شيئاً من علمه إلاَّ بما يشاء هو تعالى، وذكر عظيم مخلوقاته، وأن بعضها، وهو الكرسي، يسع السموات والأرض، ولا يثقل ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض.
ثم ذكر أنه بعد وضوح صفاته العلا ف ﴿لا إكراه في الدين﴾ إذ قد تبينت طرق الرشاد من طرق الغواية، ثم ذكر أن من كفر بالطاغوت وآمن بالله فهو مستمسك بالعروة الوثقى، عروة الإيمان، ووصفها بالوثقى لكونها لا تنقطع ولا تنفصم، واستعار للإيمان عروة إجراء للمعقول مجرى المحسوس، ثم ذكر تعالى أنه ولي المؤمنين أخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وأن الكافرين أولياؤهم الأصنام والشياطين، وهم على العكس من المؤمنين، ثم أخبر عن الكفار أنهم أصحاب النار وأنهم مخلدون فيها والحالة هذه، والله أعلم بالصواب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى