تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ( البقرة : ٢٥٦ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿لا إكراه في الدين﴾ ؛ هذه الجملة نفي ؛ لكن هل هي بمعنى النهي ؛ أي لا تكرهوا أحداً على الدين ؛ أو بمعنى النفي ؛ أي أنه لن يدخل أحد دين الإسلام مكرَهاً ؛ بل عن اختيار ؛ لقوله تعالى بعد ذلك :﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ ؟ الجواب : تحتمل وجهين ؛ و «الإكراه » الإرغام على الشيء.
وقوله تعالى :﴿في الدين﴾ ؛ «الدين » يطلق على العمل ؛ ويطلق على الجزاء ؛ أما إطلاقه على العمل ففي مثل قوله تعالى :﴿ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى :﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] ؛ وأمّا إطلاقه على الجزاء فمثل قوله تعالى :﴿وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] أي يوم الجزاء ؛ وقد قيل :«كما تدين تدان » ؛ أي كما تعمل تجازى ؛ والمراد ب «الدين » هنا العمل ؛ والمراد به دين الإسلام بلا شك ؛ ف «أل » هنا للعهد الذهني ؛ يعني الدين المفهوم عندكم أيها المؤمنون ؛ وهو دين الإسلام.
قوله تعالى : قد تبين الرشد من الغي } ؛ ﴿تبين﴾ هنا ضمنت معنى «تميَّز » ؛ وكلما جاءت «مِن » بعد «تبين » فإنها مضمنة معنى التميز ؛ أي تميز هذا من هذا.
وقوله تعالى :﴿الرشد من الغي﴾ : هناك رشد، وغيّ ؛ وهدى، وضلال ؛ ف ؛ «الرشد » معناه حسن المسلك، وحسن التصرف : بأن يتصرف الإنسان تصرفاً يحمد عليه ؛ وذلك بأن يسلك الطريق الذي به النجاة ؛ ويقابل ب «الغي » كما هنا ؛ والمراد ب ﴿الرشد﴾ هنا الإسلام ؛ وأما «الغي » فهو سوء المسلك : بأن يسلك الإنسان ما لا يحمد عليه لا في الدنيا، ولا في الآخرة ؛ والمراد به هنا الكفر.
وتَبَيُّن الرشد من الغي بعدة طرق :
أولاً : بالكتاب ؛ فإن الله سبحانه وتعالى فرَّق في هذا الكتاب العظيم بين الحق، والباطل ؛ والصلاح، والفساد ؛ والرشد، والغي، كما قال تعالى :﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩] ؛ فهذا من أقوى طرق البيان.
ثانياً : بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنها بينت القرآن، ووضحته ؛ ففسرت ألفاظه التي تشكل، ولا تعرف إلا بنص ؛ وكذلك وضحت مجملاته، ومبهماته ؛ وكذلك بينت ما فيه من تكميلات يكون القرآن أشار إليها، وتكملها السنة، كما قال تعالى :﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤]. الطريق الثالث : هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وسلوكه في عبادته، ومعاملته، ودعوته ؛ فإنه بهذه الطريقة العظيمة تبين للكفار، وغير الكفار حسن الإسلام ؛ وتبين الرشد من الغيّ.
الطريق الرابع : سلوك الخلفاء الراشدين ؛ وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة : أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ ؛ فإن بطريقتهم بان الإسلام، واتضح ؛ وكذلك من كان في عصرهم من الصحابة على سبيل الجملة لا التفصيل ؛ فإنه قد تبين بسلوكهم الرشد من الغي.
هذه الطرق الأربع تبين فيها الرشد من الغي ؛ فمن دخل في الدين في ذلك الوقت فقد دخل من هذا الباب ؛ ولم يصب من قال : إن الدين انتشر بالسيف، والرمح.
قوله تعالى :﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ ؛ «الكفر » في اللغة مأخوذ من الستر ؛ ومنه سمي «الكُفُرَّى » لوعاء طلع النخل ؛ لأن الإنسان الكافر ستر نعمة الله عليه، وستر ما تقتضيه الفطرة من توحيد الله عز وجل ؛ ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ أي من ينكره، ويتبرأ منه ؛ و «الطاغوت » فسره ابن القيم بأنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع ؛ مشتق من «الطغيان » ؛ وهو تجاوز الحد : قال تعالى :﴿إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية﴾ [الحاقة: ١١] ؛ لأن الماء الذي أغرق الله به الكفار بنوح تجاوز الحد حتى وصل إلى ما فوق قمم الجبال ؛ فالمعبود كالأصنام طاغوت ؛ لأن الإنسان تجاوز بها حده في العبادة ؛ و المتبوع كالأحبار، والرهبان الضالين طاغوت ؛ لأن الإنسان تجاوز بهم الحد في تحليل ما حرم الله عز وجل، أو تحريم ما أحل الله عز وجل ؛ والمطاع كالأمراء ذوي الجور والضلال الذين يأمرون بسلطتهم التنفيذية - لا التشريعية - طاغوت ؛ إذاً ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ من كفر بالأصنام ؛ ومن كفر بأحبار، ورهبان السوء ؛ ومن كفر بأمراء السوء الذين يأمرون بمعصية الله، ويلزمون بخلاف شرع الله عز وجل.
ولا يكفي الكفر بالطاغوت ؛ لأن الكفر تخلٍّ، وعدم ؛ ولا بد من إيجاد ؛ الإيجاد : قوله تعالى :﴿ويؤمن بالله﴾ بالجزم عطفاً على ﴿يكفر﴾ ؛ والإيمان بالله متضمن أربعة أمور : الإيمان بوجوده ؛ والإيمان بربوبيته ؛ والإيمان بألوهيته ؛ والإيمان بأسمائه، وصفاته إيماناً يستلزم القبول، والإذعان - القبول للخبر، والإذعان للطلب سواء كان أمراً، أو نهياً ؛ فصار الإيمان بالله مركباً من أربعة أمور مستلزمة لأمرين ؛ ثم اعلم أن معنى قولنا : الإيمان بوجود الله، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته المراد الإيمان بانفراده بهذه الأشياء : بالألوهية ؛ والربوبية ؛ والأسماء، والصفات ؛ وبالوجود الواجب - فهو سبحانه وتعالى منفرد بهذا بأنه واجب الوجود.
قوله تعالى :﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ جواب ﴿من﴾ الشرطية ؛ ﴿استمسك﴾ أي تمسك تمسكاً بالغاً ﴿بالعروة الوثقى﴾ أي المقبض القوي الذي ينجو به ؛ والمراد به هنا الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله ؛ لأن به النجاة من النار.
قوله تعالى :﴿لا انفصام لها﴾ أي لا انقطاع، ولا انفكاك لها ؛ لأنها محكمة قوية.
قوله تعالى :﴿والله سميع عليم﴾ : سبق الكلام عليها مفصلاً.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : أنه لا يكره أحد على الدين لوضوح الرشد من الغي ؛ لقوله تعالى :﴿لا إكراه في الدين﴾ ؛ هذا على القول بأنها خبرية ؛ أما على القول بأنها إنشائية فإنه يستفاد منها أنه لا يجوز أن يكره أحد على الدين ؛ وبينت السنة كيف نعامل الكفار ؛ وذلك بأن ندعوهم إلى الإسلام ؛ فإن أبوا فإلى بذل الجزية ؛ فإن أبوا قاتلناهم.
٢ - ومنها : أنه ليس هناك إلا رشد، أو غي ؛ لأنه لو كان هناك ثالث لذُكر ؛ لأن المقام مقام حصر ؛ ويدل لهذا قوله تعالى :﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢]، وقوله تعالى :﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ: ٢٤].
٣ - ومنها : أنه لا يتم الإخلاص لله إلا بنفي جميع الشرك ؛ لقوله تعالى :﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ ؛ فمن آمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت فليس بمؤمن.
٤ - ومنها : أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت ؛ لقوله تعالى :﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ ؛ وجه هذا أنه سبحانه وتعالى جعل الكفر بالطاغوت قسيماً للإيمان بالله ؛ وقسيم الشيء غير الشيء ؛ بل هو منفصل عنه.
٥ - ومنها : أنه لا نجاة إلا بالكفر بالطاغوت، والإيمان بالله ؛ لقوله تعالى :﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾.
٦ - ومنها : أن الأعمال تتفاضل ؛ يؤخذ ذلك من اسم التفضيل :﴿الوثقى﴾ ؛ لأن التفضيل يقتضي مفضلاً، ومفضلاً عليه ؛ ولا شك أن الأعمال تتفاضل بنص القرآن، والسنة ؛ قال تعالى :﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ ؛ [الملك: ٢] و ﴿أحسن﴾ اسم تفضيل ؛ وهذا دليل على أن الأعمال تتفاضل بالحُسن ؛ وسئل النبي صلى الله عليه وسلم :«أي العمل أحب إلى الله قال : الصلاة على وقتها »(١) وقال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي :«ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه »(٢) ؛ ويلزم من تفاضل الأعمال تفاضل العامل : كلما كان العمل أفضل كان العامل أفضل ؛ وتفاضل الأعمال يكون بعدة أمور : بحسب العامل ؛ بحسب العمل جنسه، أو نوعه ؛ بحسب الزمان ؛ بحسب المكان ؛ بحسب الكيفية، والمتابعة ؛ بحسب الإخلاص لله ؛ بحسب الحال.
مثاله بحسب العامل : قول النبي صلى الله عليه وسلم :«لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه »(٣).
ومثاله بحسب العمل : جنسه، ونوعه ؛ فالصلاة مثلاً أفضل من الزكاة ؛ والزكاة أفضل من الصيام ؛ هذا باعتبار الجنس ؛ ومثاله باعتبار النوع : الفريضة من كل جنس أفضل من النافلة ؛ فصلاة الفجر مثلاً أفضل من راتبة الفجر.
ومثاله بحسب الزمان : قوله ( ص ) :«ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر »(٤)، وقوله ( ص ) :«من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً »(٥).
ومثاله بحسب المكان قوله ( ص ) :«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام »(٦).
ومثاله بحسب الكيفية ؛ بمعنى أن كيفية العبادة تكون أفضل من كيفية أخرى، كالخشوع في الصلاة قال تعالى :﴿قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
مثاله بحسب المتابعة : قال تعالى :﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١] ؛ فكلما كان الإنسان للرسول أتبع كان عمله أفضل ؛ لأن القاعدة أن الحكم المعلَّق بوصف يقوى بحسب ذلك الوصف.
ومثاله بحسب الإخلاص أنه كلما كان العامل أشد إخلاصاً لله كان أكمل ممن خالط عمله شيء من الشرك ؛ ومثاله بحسب الحال : العبادة بين أهل الغفلة، والإعراض أفضل من العبادة بين أهل الطاعة، والإقبال ؛ ولهذا كان العامل في أيام الصبر له أجر خمسين من الصحابة لكثرة الإعراض عن الله عز وجل، وعن دينه ؛ فلا يجد أحداً يساعده، ويعينه ؛ بل ربما لا يجد إلا من يتهكم به، ويسخر به ؛ ومن تفاضلها باعتبار الحال أن العفة من الشاب أفضل من العفة من الشيخ ؛ لأن شهوة الشاب أقوى من شهوة الشيخ ؛ فالداعي إلى عدم العفة في حقه أقوى من الداعي بالنسبة للشيخ ؛ ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزاني أشد من عقوبة الشاب ؛ لقوله ( ص ) :«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم أشيمط زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعة لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه »(٧).
٧ - ومن فوائد الآية : إثبات اسمين من أسماء الله - هما «السميع العليم »، وما تضمناه من صفة.
١ أخرجه البخاري ص٤٤، كتاب مواقيت الصلاة، باب ٥: فضل الصلاة لوقتها، حديث رقم ٥٢٧، وأخرجه مسلم ص٦٩٣، كتاب الإيمان، باب ٣٦: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، حديث رقم ٢٥٣ [١٣٨] ٨٥..
٢ أخرجه البخاري ص٥٤٥ – ٥٤٦، كتاب الرقاق، باب ٣٨: التواضع، حديث رقم ٦٥٠٢..
٣ أخرجه البخاري ص٢٩٩، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب ، حديث رقم ٣٦٧٣، وأخرجه مسلم ص١١٢٣، كتاب فضائل الصحابة، باب ٥٤، تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم، حديث رقم ٦٤٨٧ [٢٢١] ٢٥٤٠..
٤ أخرجه البخاري ص٩٦٩، كتاب العيدين، باب ١١، فضل العمل في أيام التشريق، حديث رقم ٩٦٩؛ وأخرجه الترمذي ص١٧٢٢، كتاب الصوم، باب ٥٢: ما جاء في العمل في أيام العشر، حديث رقم ٧٥٧؛ واللفظ له..
٥ أخرجه البخاري ص٢٢٩، كتاب الجهاد، باب ٣٦: فضل الصوم في سبيل الله، حديث رقم ٢٨٤٠، وأخرجه مسلم ص٨٦٢، كتاب الصوم، باب ٣١: فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه... ، حديث رقم ٢٧١٣ [١٦٨] ١١٥٣..
٦ أخرجه البخاري ص٩٢، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة، باب ١: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، حديث رقم ١١٩٠، وأخرجه مسلم ص٩٠٨، كتاب الحج، باب ٩٤: فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، حديث رقم ٣٣٧٤ [٥٠٥] ١٣٩٤..
٧ أخرجه الطبراني في المعجم الصغير ٢/٢١؛ وقال المنذري في الترغيب والترهيب رواته محتج بهم في الصحيح ٢/٥٨٧، ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب والحلف وإن كانوا صادقين، حديث رقم ٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى