جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿اللّهُ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ﴾
قد دللنا فيما مضى على تأويل قوله :«اللّهُ ».
وأما تأويل قوله :﴿لا إلَهَ إلاّ هُوَ﴾ فإن معناه : النهي عن أن يعبد شيء غير الله الحيّ القيوم الذي صفته ما وصف به نفسه تعالى ذكره في هذه الآية. يقول :«الله » الذي له عبادة الخلق «الحيّ القيوم »، لا إله سواه، لا معبود سواه، يعني : ولا تعبدوا شيئا سوى الحَيّ القَيّوم الذي لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، والذي صفته ما وصف في هذه الآية. وهذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله عما جاءت به أقوال المختلفين في البينات من بعد الرسل الذين أخبرنا تعالى ذكره أنه فضل بعضهم على بعض، واختلفوا فيه، فاقتتلوا فيه كفرا به من بعض، وإيمانا به من بعض. فالحمد لله الذي هدانا للتصديق به ووفقنا للإقرار به.
وأما قوله :﴿الحَيّ﴾ فإنه يعني : الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أوّل له يحدّ، ولا آخر له يُؤْمَد، إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلحياته أول محدود وآخر مأمود، ينقطع بانقطاع أمدها وينقضي بانقضاء غايتها.
وبما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله :﴿الحَيّ﴾ حيّ لا يموت.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
وقد اختلف أهل البحث في تأويل ذلك، فقال بعضهم : إنما سمى الله نفسه حيا لصرفه الأمور مصارفها وتقديره الأشياء مقاديرها، فهو حيّ بالتدبير لا بحياة.
وقال آخرون : بل هو حيّ بحياة هي له صفة.
وقال آخرون : بل ذلك اسم من الأسماء تسمى به، فقلناه تسليما لأمره.
وأما قوله :﴿القَيّومُ﴾ فإنه «الفيعول » من القيام، وأصله «القيووم » : سبق عين الفعل وهي واو ياء ساكنة، فاندغمتا فصارتا ياء مشددة وكذلك تفعل العرب في كل واو كانت للفعل عينا سبقتها ياء ساكنة. ومعنى قوله :﴿القَيّومُ﴾ : القائم برزق ما خلق وحفظه، كما قال أمية :
| لَمْ يُخْلَقِ السّماءُ والنّجُومُ | والشّمْسُ مَعْها قَمَرٌ يقومُ |
| قَدّرَهُ المُهَيْمِنُ القَيّومُ | والحَشْرُ والجَنّةُ والجحيمُ |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله :﴿القَيّومُ﴾ قال : القائم على كل شيء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿القَيّومُ﴾ قيم كل شيء، يكلأه ويرزقه ويحفظه.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿القَيّومُ﴾ وهو القائم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك :﴿الحَيّ الْقَيّومُ﴾ قال : القائم الدائم.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله :﴿لاَ تَأخُذُهُ سِنَةٌ﴾ لا يأخذه نعاس فينعس، ولا نوم فيستثقل نوما. والوسن : خثورة النوم، ومنه قول عديّ بن الرقاع :
| وَسْنانُ أقْصَدَهُ النّعاسَ فَرَنّقَتْ | في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنائِمِ |
تُعاطِي الضّجِيعَ إذَا أقْبَلَتْ بُعَيْدَ النّعاسِ وَقَبْلَ الوَسَنْ
وقال آخر :
باكَرَتْها الأغْرَابُ في سِنَةِ النّوْمِ فَتَجْرِي خِلالَ شَوْكِ السّيالِ
يعني عند هبوبها من النوم ووسن النوم في عينها، يقال منه : وسن فلان فهو يَوْسَنُ وَسَنا وسِنَةً وهو وسنان، إذا كان كذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله تعالى :﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ قال : السنة : النعاس، والنوم : هو النوم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ السنة : النعاس.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله :﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ قالا : نعسة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ قال : السنة : الوسنة، وهو دون النوم، والنوم : الاستثقال.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك :﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ السنة : النعاس، والنوم : الاستثقال.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله سواء.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ أما سنة : فهو ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ قال : السنة : الوسنان بين النائم واليقظان.
حدثني عباس بن أبي طالب، قال : حدثنا منجاب بن الحرث، قال : حدثنا عليّ بن مسهر، عن إسماعيل عن يحيى بن رافع :﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ قال : النعاس.
حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿لا تأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ قال : الوسنان : الذي يقوم من النوم لا يعقل، حتى ربما أخذ السيف على أهله.
وإنما عنى تعالى ذكره بقوله :﴿لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ لا تحله الآفات، ولا تناله العاهات. وذلك أن السنة والنوم معنيان يغمران فهم ذي الفهم، ويزيلان من أصاباه عن الحال التي كان عليها قبل أن يصيباه.
فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا : الله لا إله إلا هو الحيّ الذي لا يموت، القيوم على كل ما هو دونه بالرزق والكلاءة والتدبير والتصريف من حال إلى حال، لا تأخذه سنة ولا نوم، لا يغيره ما يغير غيره، ولا يزيله عما لم يزل عليه تنقل الأحوال وتصريف الليالي والأيام، بل هو الدائم على حال، والقيوم على جميع الأنام، لو نام كان مغلوبا مقهورا، لأن النوم غالب النائم قاهره، ولو وسن لكانت السموات والأرض وما فيهما دكّا، لأن قيام جميع ذلك بتدبيره وقدرته، والنوم شاغل المدبر عن التدبير، والنعاس مانعٌ المقدّر عن التقدير بوسنه. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : وأخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله :﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ أن موسى سأل الملائكة : هل ينام الله ؟ فأوحى الله إلى الملائكة، وأمرهم أن يؤرّقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام. ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين فأمسكوه، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما. قال : فجعل ينعس وهما في يديه، في كل يد واحدة. قال : فجعل ينعس وينتبه، وينعس وينتبه، حتى نعس نعسة، فضرب بإحداهما الأخرى فكسرهما. قال معمر : إنما هو مثل ضربه الله، يقول : فكذلك السموات والأرض في يديه.
حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال : حدثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال : سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﷺ على المنبر، قال :«وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى هَلْ يَنامُ اللّهُ تَعالى ذِكْرُهُ ؟ فأرْسَلَ اللّهُ إلَيْهِ مَلَكا فَأرّقَهُ ثَلاثا، ثُمّ أعْطَاهُ قارُورَتَيْنِ، فِي كُلّ يَدٍ قارُورَةٌ، وأمَرَهُ أنْ يَحْتَفِظَ بِهما » قال :«فَجَعَلَ يَنامُ وَتَكادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، ثُمّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَى، ثُمّ نَامَ نَوْمَةً فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ وَانْكَسَرَتِ القارُورَتَانِ ». قال : ضرب الله مثلاً له، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لَهُ مَا فِي السّمَوَاتِ وَما فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بإذْنِهِ﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله :﴿لَهُ مَا فِي السّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود. وإنما يعني بذلك أنه لا تنبغي العبادة لشيء سواه، لأن المملوك إنا هو طوع يد مالكه، وليس له خدمة غيره إلا بأمره. يقول : فجميع ما في السموات والأرض ملكي وخلقي، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خلقي غيري وأنا مالكه، لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه، ولا يطيع سوى مولاه.
وأما قوله :﴿مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذْنِهِ﴾ يعني بذلك : من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم. وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا : ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى ذكره لهم : لي ما في السموات وما في الأرض مع السموات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلاّ بِمَا شاءَ﴾.
يعني تعالى ذكره بذلك أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما، لا يخفى عليه شيء منه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم :﴿وَيَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الدنيا ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ الآخرة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ ما مضى من الدنيا ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من الاَخرة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج قوله :﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ ما مضى أمامهم من الدنيا ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ ما يكون بعدهم من الدنيا والآخرة.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قال : ما بين